كم استعدتُ في بالي من صور لأناس أكاد لا أعرفهم ولا أتذكر لبعضهم أسماءً ولا قصصا مألوفة ولا بقايا حكايات لا أدري أين وإلامَ ستنتهي ولا حتّى سرديات موازية لعلّها تُبين منهم ما غمُضَ وغبش والتبس عليّ، كم جئت بهم من أقاصٍ لست أدري بوجودها وكم استللتهم بلا سابق نيّة ولا قرار من مواضٍ منسيّة وغابرة، وكم حمّلتهم -بغيرِ قصدٍ منّي- من عناءٍ وتعبٍ لم يكن في حسبانهم ولم يرِد لهم في خاطر، عندما جاؤوا لم يكن بانتظارِهِم وهج الذكريات الأُوَل ولا مِلْحُ البسمات العتيقة المتدلّية صورُها وطيوفها من سقوف الذاكرة، ولا تفتّحتْ احتفاءً بهم وردةُ الآن واللحظة ولا فاح عبيرها تلهّفا واشتياقا، ولا رنتْ إليهم عيونٌ ولهى واجدة ولا أذعن لهم فؤاد، كلّا ولا وجدوا الأشياء كما عهدوها ولا الخواطر كما تركوها، ولا ذكّروني بعد كل هذا الغياب الطويل بما كان عندي وفقدتُهُ، أو بما كان لي وتلاشى في غمضة عين، ما يزالون مثل نبضٍ متتابع رتيب في مقدمة رأسي؛ لكنهم في الآن نفسه وعلى كل حال -في خيالي- مجرّدُ أناسٍ في الظلمة المسدلة من كل جانب يحاولون عبثا أن يُنيروا عتمة هذا المدى الساكن المشغولِ بمجهولاته ومآسيه، وعبثا يحاولون استدراك ما فاتني وفاتهم من معنى وذكرى فرح مُدّخر أو بشارةٍ مهدورة، وهيهات هيهات من هذا كلّه.. والله المستعان.
وأقسمَ أنّ فكرةً عبقرية راودته قبل أن ينام فأجّلها إلى حين استيقاظه، وها هو منذ أوّل النهار وهو يحاول استرجاعها ولا تزال تنأى عنه كطيفِ وجهٍ يخبُرُ جمالَهُ لكنّ ضبابا يحول بينه وبين ملامحه وقسماته، ليس يدري من قطع دونه خيط الإلهام الشفيف، بل إنه لم يعد يدري إن كان يصدق نفسه حقا ولم يتوهّم ما ظنّ أنه راوده، على كل حال لم يعد بوسعه سوى أن ينتظر فحسب، بلا يقين مؤرق، ولا يأس مميت، أن ينتظر هذه البشارة التي لم يعده بها أحد، ولم يتوقّعها في أبهج أحلامه ورؤاه، لكنها محتملةً تظلّ، ولعلّها للحق تبقى فرصة أثمن من أن يُفرّطَ بها، ونعمةً من اللؤم وسوء الظن ردّها، ها هو يترصدها في كل الجهات ويخاتلها بانتباه ملحّ، ويفكّر باحتمالات الفوات الكثيرة، ويعض أصابع الندم عما تسرّب منه لغروره، ويمعن في سراب الخيال عمّا يروي العطش ويبلّ ظمأ لهفته الحرّى، ربما لن يقوده كل هذا التطلّع إلى شيء وربما أوقفه توقُهُ الغريبُ على شفا حفرة من وهم، وربما تدلّتْ فجأة من غيبٍ غامضٍ -بعد تمنُّعٍ طويل- تلك الفكرةُ التي امتزجتْ بروحهِ ودمهِ قبل أن يلمسها ويقلّبها كالغانم بين يديه، وتسلّلت إلى وجدانه ومخيلته قبل أن يتقاطع مصيرُه مع مصيرها، فقرّر أن يودِعها في دفتر ملاحظاته الصغير سرّاً يتعتَّقُ على مر الأيام إلى أن تَحين لحظةٌ ما فيُفشَى أو يموت.
ليس ثمّ أليقُ من غياب لم يُفسّر، لحظة اختفاء لا تحتفي قُبيل حدوثها بما يُلزِمها الآخرون من معنى وضرورة، ولا بما يفرضون عليها من تبرير واهمٍ يرتجي شفقة أو يستجدي للمرة الأخيرة ربما اهتماما وإنصافا وملاحظة، لحظةٌ تطمسُ كل ما كان واحتمالَ ما سيكون، مبتورةٌ كذكرى الوجوه التي اختفت هناك بعيدا عند المنعطفات، مقطوفة كالأسماء التي حفظنا رنّاتها وألِفنا نغماتها ولم نلصقها بوجهٍ ولا طيف ولا خَيَال زائر، لحظة لا قيمة للوقت فيها ولا المكان، ولا تعترف بتآويل المنطق والقراءات المتمعّنة مرة بعد مرة، هي أثرُ آخرِ خطوةٍ منقوشة على صفحة الصحراء الممتدة بعد طوفان الخطى ومشاوير الارتحال، هي انقطاع النَفَس بعد عشرات النداءات المسافرة في المدى، هي الانطفاءة المفاجئة كم أتعبها الحلم والأمل وانتظار الغائبين على الأبواب، هي لحظة التسرّب إلى بُعْدٍ آخرَ غريبٍ تتلاشى فيه الاحتمالات التي عرفناها ولمسناها وجرّبنا وجوهها الألف، ليس ثمّ أليقُ من غياب لم يُفسّر؛ تبَخُّرٍ لم نتكلّف تتبعه، ولم نبصر ونرى إلى أين يُفضي وفي أي اتجاه، غياب يمّحي وراءهُ كل فضولٍ رغما، ويبهتُ في إثره كل مصير عهدناه، ولا يعودُ بعدَهُ كل شيءٍ كانَ كما كان في بادئ الأمر.
١ الحديث عن العم حسين يشبه إلى حد كبير الحديث عن ذكرى لا نعرف على وجه اليقين أنها حدثت ولن نكون متأكدين أنها هناك مهما ألححنا عليها، الكلام عنها لا يقدّم ولا يؤخر، لكن يُستأنس به رغم أنّه ما من سبيل إلى التحقق من صحته وربما هذا وحده ما يجعل الذكرى مثيرة للاهتمام؛ مثل وجه صاحبي هذا الذي يطفر فجأة في الأعياد من وراء كل مكان ولا مكان فيعيد لي هاجس الاسم وذكرى المشهد الوحيد من الطفولة حين دفعني أبي للسلام على عمي حسين ومعايدته والذي لم أره بعد ذلك اليوم ولم يره غيري على حدّ علمي، لكنهم لا شكّ مثلي قد سمعوا عنه عشرات المرات فالحكايا عنه غزيرة، ويقولون أنّ الغربة قد أحاطته بسياجها، ومن النظرة على وجوه الرواة يبدو أنهم لا يقولون ذلك مجازا. لن نعرف البلدان التي زارها العم حسين وتنقل فيها مرغما أو مختارا ولن نخونه في الغيب ونفتري على سيرته ما ليس منها، لكن يكفينا القول أن مصيره مجهول إلى حد اللحظة وكلما ترحّم أحدنا عليه استدركنا وقلنا أن “الرحمة تجوز على الحي والميت” هذا الشيخ النحيل جدا لم يقبض على صورته أو خياله إلا أبا الطيب في مبالغته الغرائبية فهو الرجل ذاته الذي لولا مخاطبته إياك لعميَ عنه بصرك وغاب في البرزخ الفاصل بين الوجود والعدم، وكفى بجسمه نحولا يُنبيك عن خفّته في ذواكرنا وذاكرة الزمن. اليوم بعد ثمانية عشر سنة من الغياب؛ وجدته واقفا على الباب وعلى الموعد، وقد عرفني رغم أني تغيرت كثيرا، وعرفته ولم يتغيّر قط وكأننا توادعنا قبل لحظات، وكل حكاياتنا المرصوفة وظنوننا المربكة حوله وتوقعاتنا اليائسة والمحبطة كأنها ما عبرتْ هذا الوجه الباسم، لكن ماذا عن القلب والذاكرة؟ لا أدري، ولعلّي لن أدري أبدا، والله المستعان.
٢ رأيته وقد التقى الليل بالنهار واتفقا على تقاطع يصبغ العيون وينبّه المجازات وربما يذكّر بهاجس الزوال وتفاهة الحياة التي تنتهي في أي لحظة رغم ما تكدّسه وتزخر به من حكايا وقصص لم تجد الرواي ولا وجد الراوي من يعيرها أذنا ويصغي، عرفته من وقفته وربما أردتُهُ أن يكون فكان بقدرة قادر، واقفا أمام الباب تحت ظل الشجرة ومشغول لعلّه باختيار المدخل والكلمة الأولى، أو خائف من أن تخونه العيون فلا تعود تميّز أحدا والصوتُ فلا يقدر على حرف، “يالله حيّه” قلتُ، فزّ والتفت، ورآني وابتسم “يا هلا” سألني عن أبي وسكت لحظة، ثم عن كثير بعدهُ فأسعدتُهُ وأبكيته، وسألته عن حاله وحوادث الأيام فأبكاني وأضحكني، لم تكن في كلماته حكمةٌ ولم يبدُ لي أنه اجتهد ليتكلفها أو يحضرها للقاءات كهذه، ولم يبدد بكلامه فضولي وقد ساق الحديث إلى حيث يريد وأشركني فيه أو حاصرني في نطاقه وما أكثر ما اجتهدت في ضبط أنفاسي واحترام السياق، عندما قلتُ “عمّي أبسألك” قال “أنا مستعجل والله بس بغيت أسلم عليكم وعلى أبوك بس قدّر الله، لكن غير مرة إن شاء الله” حلّفتهُ أن نلتقي مجددا، فطلبني رقمي وأخبرني أنه بعد أن ينتهي من أشغاله خلال ثلاثة أيام سيتصل بي ونلتقي وسيجيب على سؤالي المعلّق ويتعشّى عندي؛ بابتسامةٍ قالها، وادعتهُ عند الباب واختفى عند المنعطف في آخر الشارع. اليوم شمسٌ أخرى تنغمس في آخرِ الأفق وتغيب، واليوم هو الذكرى العاشرة لوعد الثلاثة أيام تلك، وحتّى اللحظة كلُّ من يُفاجئني باتصاله بي رقمه مُسجّل عندي ويظهر في أعلى الشاشة، والله المستعان.
٣ لم أنسه في غمرة الأيام رغم تتابعها الكثيف والعجول ولا أظنه نسيَني هناك في زحمة المواعيد المؤجلة، لكنه اختار لي وربما له نهاية تشبهُهُ؛ مؤمّلة ولكن بعيدة، وشيكة ولن تحدث، مورّطة ولكن دون قصد، لعلّي ما رأيتُ في انعكاسه الغريب غير نفسي، ولا لمست في صوته ونبرته غير صوت أبي ونبرته، ولعلّي انشغلت أكثر منه بالسؤال عن سياق حياته ومساراتها التي لا أدري عنها شيئا، لكنها رغم ذاك قد تبدّتْ لي واضحة تماما فيمن عرفتُ، ورأيتُ، وسمعت، فصارت قصته الموهومة لِصق ذاكرتي أقابل بين احتمالاتها وأرجّح منها ما يطيب لي، ما دمتُ لن أصل بها إلى يقين، والله المستعان.
٤ يلمعون في مقدمة رأسي عندما أُغمض عيني أو عندما أفتحها على اتساعها راغبا في رؤية الأقل، ألا يختفي معنى كل شيء فرداني وسط الحشود كما تتلاشى قيمة الصوت الغِرّيد في زحمة الأصوات وجلبة النداءات المتداخلة والصخب؟ يلمعون، تضيء صورهم، طيوفهم الباقية إذْ تتشكّل حسب التخمينات والافتراضات ولا يقين يؤكدها، أولئك الذين لطالما تمنّيناهم في المكان الخالي في زاوية المجلس، الذين حدسنا أنْ ستطيب لهم هذه الحكايا العشوائية في السيارة المسافرة وهي تشقّ عتمة الليل، والذين نفتقدهم في رحلة لم يُخطّط لها، ومشاوير طارئة لم نحسب لها حسابا، الذين ننتبه لضحكتهم الناقصة في كرنفالات الأفراح، ونتنبأ بذوقهم واختياراتهم وأغانيهم في المكان، الذين نحفظ لهم ما يحبّون ونشعل لهم السراج ونترك لهم الأبواب مفتوحة فلا يجيئون، البعيدون فلا يقبض عليهم خيال، والنائون كم تنوشهم احتمالاتنا الهوائية وسيناريوهاتنا العبقرية البهيجة ولا تضعهم أبدا في خانة الأكيد، ولا تقرّبهم من فراديس الطمأنينة، إلى متى يا ترى سيحكمون هذا المكان الخاص في الذاكرة؟ وحتّى متى يثيرون هذه النبضة المتوتّرة في القلب؟ وإلى متى سيبقون في برزخ الشكّ؟ أحياءً، وأمواتا، سالينَ أو تطرق ذكرياتنا بالهم مثل مطر خفيف؟ وما الذي بإمكان الكلمات أن تقول إذا التقينا بهم؟، أولئك الذين لن نلتقي بهم أبدا، والله المستعان.
يا مَن حسبتَ نفسك تقدر على أن تقطع العمر وحدك، ماذا تسمّي التنهيدةَ حين تخرج من معتزلك إلى صالة البيت ولا نورَ ولا أحدَ في زواياها يستكمل معك حديثا لم ينقطع منذ أن صرتَ وصار؟ ماذا تسمّي الانعكاسَ على زجاج النافذة؛ انعكاسك وحدك واقفا على المجلى ولا صوت ولا أصداء في الخلفيةِ بعيدا، ولا خطوة على بعد غرفتين، ماذا تسمّي ظلامكَ وسط الظلام، تراقبُ نَفَسا يعلو ويهبطُ وما لك إلّا أن تزجي الوقت العابرَ حتى يباغتك النعاسُ، وهل يباغتكَ النعاس؟ ماذا تسمّي الفنجان المقلوب؟ وهذا المحيط من الصمت؟ وهذه الاستدراكات الشفيفة على نفسك التي صارتْ عدوا لوهلة؟ وكل تلك المسافات ما بين نقطة الانطلاق والمحطات المنشودةِ، وماذا تسمّي مشاويرَ آخرِ الليل؛ تخرج لتجلس في أي مكانٍ بعيد، فتكتشف أنك لم تُرِدِ المكان البعيد وإنما الرحلة الطويلةَ قبل الوصول إليه فتعود، وهكذا بين مكانين معلّقا أوشكا أن يصبحا لا مكان، ماذا تسمّي حكايا لن تُروى، وماذا تسمّي هذه الالتفاتة التي تعلم يقينا أنها لن تجد أحدا ولا أثرا، وماذا تسمّي بظنّكَ هذه الحياة؟ الأقل من حياة
في موسيقى التراثيات نَغَمٌ يأتي من لا مكان ويهبّ من لا جهة وينبعث من غير قاعٍ ولا استثارةِ ريح، الذين مرّ بهم هذا الخاطر وتعبوا من محاولات تفسيره سمّوه النغمَ الغامضَ وادّعوا أنه يجيء من لا من الخارج بل من الداخل نفسه ومن أقصى مجاهل الروح ومعانيها المُفَتَّتةِ، والذين أوّلوه لم يقولوا أكثر مما قاله الممتنعون، في التراثيات نغم فائض عن طاقة الاستيعاب وألفاظِ اللغة المختزلة، في نغم التراثيات كل الجوارح تضاعف من لا منطقية هذا الاندماج الغريب، فالرأسُ تنوس في حضن المجهول، والأصابع تُفلتُ وترا سرّيا في الهواءِ المحض، في التراثيات نغم الأزقّةِ وعطر الأرض المبللة توّا، وأنفاسُ الأماكن التي راكمتها في الذكريات مرارا حتى اختفتْ ولا سبيل إلى استرجاعها واستحضارها، فيها رنّة كل الأسماء التي نادتني بها أمّي، وغنائية الحكايا التي دارتْ في مجلس أبي القديم وهمسها الخفيف الصاخب في أعالي الذاكرة، في إيقاعها المسترسل جوعٌ ولهفةٌ للانعزال والخروج المؤقت عن قبضة العالم، وفي نغماتها المكرورة حاجةٌ للوقوف على الحواف وإغفالِ كل ما ينتظرنا وما انتظرناه طويلا وما جاءَ ولن يجيء، في نغم التراث لغةٌ أولى أوقدتْ هذا الشوق إلى كل ما نفتقدهُ دون أن نُسمّيه، في نغمها حنينٌ إلى ما ليس نعرفُ؛ ما يتخفّى، ويظهر للحظةٍ في شقوق الحيطان، وفي الزرقة الداكنة للسماء المنبسطة على امتداد النظر، وفي البسمةِ المفاجئة على طارف الفم؛ استلّها سرٌّ كونيٌّ منيعٌ على الإحاطة، أذعنتُ له وما عدتُ أفتش عن غاياته ومعانيه، ولا أفكر حتّى في الأسباب.
لم تحظ قصيدة عربية مطولة بقوالب لحنية وموسيقى وأسراب من العصافير وسيل من التغاريد بمثل ما حظتْ به النونيّة عند ممدوح الجبالي ولمّا كان مدخل النونية بهذه الحدّة والجزم والمباشرة لم تحتج المقدّمة إلا أن تكون تمهيدا ساحرا عبقريا يهيئ لاستيعاب هذا التسليم أو إذا جاز لي أن أسمّيه النطق الاعترافي:”أضحى التنائي بديلا من تدانينا-وناب عن طيب لُقيانا تجافينا” ولم يكن صوت فدوى ليُسَتَبْدَل بأحسن منه إنوجِدَ ليجسّد هذا المطلع المأساوي بنبرةٍ تهبطُ وتتهادى وترتفع وتتجاوز في أبياتٍ أربعة تنتهي في ذروتها بعد “آمينا”. هناك ما بين ثانيتين إلى خمس ثوانٍ فاصلة قبل لحظة الانهيار، أو الانهمار والسقوط حتّى، لحظة الوصول إلى النتيجة والتفكك، لحظةٌ تذكرني بصورة لسركون رسمها في قصيدته؛ سقطَ الرجلُ:”في وسطِ الساحةِ/سقطَ الرجلُ فجأةً مثلَ حصانٍ/حصدوا ركبتيه بمنجل” هذا النغم القصير المخاتل يحضّر لخبر كانَ أسهلَ لو حدث ولم يتحدّث عنه أحد ولو ظلّ ينزف كجرحٍ عميق لا يُرى، لكن:”فانحلّ ما كان معقودا بأنفسنا-وانبتّ ما كان موصولا بأيدينا/وقد نكونُ وما يُخشى تفرُّقنا-فاليوم نحنُ، وما يُرجى تلاقينا” عجيب، أيتها المودّة! ما أسهل انفراط عقدك. يا للعاشق حتى وهو يعرّي نفسه من أوهام الـ ما يزال، ويكاد، يجدُ لنفسه وقتا ليبرّر ويستذكر ويستحلف ويناشد وربما يبكي قليلا، لعلّ هذا ما فكّر به الجبالي عندما ترك فدوى في القالب نفسه تغنّي الأبيات العشر التالية تقريبا؛ هنا كان ابن زيدون يلتقط أنفاسه أو لعلّه يلفظها. ثمّ إلى النفق المظلم الحزين لبضعة أبيات وداعية، تتبعها انعطافة عجلى متوترة لكنها شرقية مُنغّمة كأعذب ما يكون، لا بدّ أنّا سنرتقي إلى عوالم ابن زيدون الغزلية العالية:”ربيب ملكٍ كأنَّ الله أنشأهُ-مِسكا وقدّر إنشاء الورى طينا” تجوّل ممدوح في بكائيات العشّاق واعتذارياتهم على لا شيء ربما، وطاف بصوت فدوى في الرياض الخضراء والنعيم الذي حال، ثم اختفى نغمُهُ كصوت فدوى بعد القفلة والخاتمة المولَّهة وألف القافيةِ الممتدة بجلالٍ مُهيب إلى الأعالي.
الأغنيةُ العشوائية في المذياع عندما كان النهارُ في أوّله، أعادتْ لي كل ما لم أكن بانتظارهِ ما لا قدرةَ لي على مواجهتهِ أو احتماله، ما ظننتُ أنه قد كان كابوسا وأنّي منذُ زماناتٍ بعيدةٍ أفقتُ من سكرتِهِ وطويتُ في صدري خبرَه.
ما أرحب فضاءَ الموّال، كم رفعوا فيه من ابتهالات ورجاوات وكم علّقوا فيه من بَسَمات أحبةٍ ومواعيد وأنهار وأنغام وحكايا وكم ملأوا مداه بالندى والصبايا والعطر والبشائر، ما يزالون يصعدون في آفاقه بأصواتهم إلى أعالٍ لم تُجرّب مسبقا وإلى سَكَتَاتٍ سَكرى لم تُختبر قطُّ، وما تزال نبراتهم تتطوّح في هوائه الشاسع والغريب فتبتكر نغما لا يُسمّى وتلمس مقامات لم يبلغها قبلُ أحد، كم تميل الرأس في مجهول مدارات الصوت وفي غموض هذه النشوة الروحانية، وكم تتشوّف العيونُ المُغمَضة لما يلمع في أفق البال على صدى الشدو البديع، ها هم يرقّصونَ أصواتهم ويزخرفونَ الترددات العابرة في الهواء ويترنّمون وجدا ويهزّون أوتارا سرّية في الغيب، وها هم يؤرجحون الكلام والألفاظ وينتخبون -بالوقف والامتناع والتقديم والتأخير والاستغراق- قواما جديدا لكلٍ منها ورنّةً خاصة بها، انظرهم يهيمون في صحراء التطريب ويقتحمون بسرورٍ أخطارَ انقطاع الأنفاس ويغيبون على مهل في خَدَرٍ لا يُستعادونَ منه بسهولة، ويجترحون مسافاتٍ بلا انتهاء إلا على الحواف، وينزِلون إلى أدنى نقطة في الصوت ويسمون إلى الذروة، ويرجفون المعاني فيزيدونها حسنا وحلاوة، ويرعِشون المدود تغريدا فيربكون المصغين بحيرةِ متاهات الترانيم، ويطيلون الليالي ويستعذبون “يا عين” ويحلقون في جوّ من التحنان ولوعات التوجّد، ما أرحبَ فضاءَ الموّال؛ كم ملؤوه بوافر التغاريد وفائض النغم فما ضاق عليهم، ولا يزال يمنّ عليهم بالاتساع والاستيعاب، ويعدهم بما لن يتوقّعوه في أندى البشائر وأفسح الأماكن وأقصى الأبعاد.
ما أعذب أن تتعرّف إلى صوت جديد مصادفةً وسط هذا الصخب المكرور والضجيج الحيادي، ما أجمل أن تقودكَ هذه اللحظة البريئة العشوائية إلى كنز ثمين وصوت مُخبئ في الثنايا والهوامش، كأنها حينذاك تشفق عليك فتنقذك من عُقَدِ الحاضر ووحشيّة الآني وتدخلك في غيب المأنوس والمألوف، كأنها تُحيطك بما لا يُلمس ولا يتجاوز في الآن نفسه، بالضباب الحالمِ يغمر الروح وفضاء المخيلة، وبألف ألف مَن في الأعماق يلوي عُنقَهُ انجذابا وتلهّفا للنبرة ويصيخ السمع، إنها لحظةٌ جديرةٌ بالأبد؛ لكن كلّا، كغيرها من المفاجآت السّارة واللحظات الهائلة وَسَمْناها بالخلود وسرعان ما انسربت وتسللت وامّحى تاريخُها الجليل القصير؛ لا لشيء، إلّا كي تعود اللحظةُ بعد سنين عندما يعبُرُ الصوتُ -مصادفةً مرّة أخرى- مُحمّلةً بماضيها الزاخر ودهشتها المبتورة من غير عمد، عندها تسقط من سقوف الذاكرة وجوهٌ وأمانٍ وأسماء ولحظات ربما ميّزتَ فيها ومنها أحدا، أو لعلك لحسن الحظ أو لسوئه لم تتعرف على أحد، ولكنك كالمدهوش العَيِيِّ على مدخل حلمٍ نورانيٍّ مألوفٍ وقفتْ، وفي صدى نغمةٍ بعيدةِ الجرسِ غمستَ الحواس!
ما عرفت قافية تتفجر نغما في فضاءات السماع وتتشظى فراشات وعطرا مشاعا في بساتين الخيال كالدال، ما انفكّ أبو الطيّب يؤجلها ويؤخر فاعلها وخبرها ومبتداها وأسئلة الاستنكار في “عواذل ذاتِ الخال فيَّ حواسدُ” وما يزال يدفعها -بديهةً أو اشتغالا- إلى أقصى ما يمكن فتعطيه هذه القوافي الآبدة وتوقد في المخيلة معانيه العلويّة وتركيباته الهائلة وحِكمه المطواعة وتبوح بشيء من غزارة نغمه وكثافة موسيقاه السهلة الممتنعة، وها هو يكتب معنى ثم إذا انتهى إلى القافية وجد أنه لا يزال في المكان نفسه، راسما دائرة من التيه والاغتراب:”أهم بشيءٍ والليالي كأنها-تُطاردني عن كونه وأطاردُ” ثمّ يتابع:”وحيدٌ من الخلّانِ في كُل بلدةٍ-إذا عظمُ المطلوبُ، قلَّ المساعدُ” ملبسا الدال المضمومة في الفراغ يأسها؛ بلا صدى يعودُ، ولا عون معين، ظل أبو الطيّب طوال القصيدة يقلّب في التراكيب والجمل ويقسّم الأشطر ويقابل ويقدّم ويؤخر، ولم يبخل بالألفاظ؛ غريبها وقريبها وشجيّها وجموعها وجامدها وحيويّها وراقصها، ولا بالصور التي تتشوّف لها الأذهان والمعاني التي تطلبها الأنفس فلا تنتهي إليها، غير أنه -في أثناء ذلك كله- كان قد ترك لي خارج نغم القافية وتركيبة الأشطر نغمةً فوق البَيْعة لا أرجو سواها ولا أبحث عن غيرها، نغمةً تنظر لي من غيبها المجهول بابتسامةٍ عذبةٍ ومربكة، هي سكتةٌ موسيقيةٌ كأرقّ ما يكون على ميم السؤال بعد كسر اللام، هي عندي في الكلام، كالحِسانِ الخرائد.. “إذا كُنتَ تخشى العار في كلِّ خَلْوةٍ فلِمْ تتصبّـاكَ الحِسانُ الخرائدُ!”
رأيتُ فيما يرى الغافي ليلةَ البارحة صورة شعرية تنزّلت من الأعالي وجاء بها الإلهام كأحسن ما يكون، فتكاسلتُ عن تدوينها، وقلتُ: لن يُعجزني عن تذكّر لو شيء بسيط منها يقودني إلى الصورة كاملة كما رأيتها أول مرة، واضطجعت على جنبي الآخر ونمت. واليوم منذ أول النهار وأنا أُحدّق في الفراغ كمن ضيّعَ مُلكا. أقول لنفسي: عندما أُمعن النظر وأستغرق في التأمل وألحّ في التذكّر سيبين شيءٌ ما، لكنّ عقلي سيظلّ يخلق تلك الطبقات المضاعفة ويُقصيني كلما اقتربتُ منها تلك الصورة التي لن تُنال، والتي ليست لي في المقام الأول، ولسوء الحظّ أو لحسنه أظل مشجوّا بها، مستأنسا بما أكرمتني به وألهمتني بتحويهما الوديع حولي، وإن كانت بعد هذا كلّه لم تكن شيئا موجودا وأنّي أنا الذي صدّقتُ كذبتها وخيالها الواهم. بعد ساعاتٍ مطوّلة من إفراغ الوقت من معناه والمراهنة على قبضة من الريح في يدي، أستسلم لخسارتي غير المسجلة وأتخلّى عن الاجتهاد غير الضروري في البحث عمّا لا يوجد، أشيح ببصري وأترك ذاك الهاجس -الذي لا ينقطع حين أشاءُ فجأةً- يعتمل في ذهني، ويموت ببطء بلا مبرر، مهملا احتمالات تلك الفرصة الذهبية وطاويا ذاك الفضول الغريب في صدري والألفة الرهيبة تجاه ما لا أعرفه. ستمر أيام لا أدري عددها، ستعود فيها الصورة تلك، تومضُ في عراء المخيلة وتلحّ بإصرار مثل وخزٍ متتابعٍ تحت الجلد، وسأنتبه لها، وأعطيها حقها، وأستبشر بها كأنها كل نصيبي الباقي، وأجلس لها ليلتي بطولها. لكن ومع هذا كله، سيظلّ في خاطري وقلبي أنّ شيئا ما ينقصها، شيئا أخفته عني وحرمتني منه، أو ربما فقدتهُ في المسافة مع الأيّام وكثرة التطواف في خيالات المستغرقين والشاردين، سيظلّ ذاك الشيءُ المفقودُ يسلبها مسحةَ الكمال التي أحلم بها وأنتظرها من سنين على أحرّ من الجمر.
صحوتُ وليس في بالي أن أصلح العالم أو أن أكسب أصحابا جددا أو أثير عداوات قديمة برسالة مستفزة أتركها على باب أحد ما، وليس في خاطري صورةٌ عمّا أريد من هذا اليوم ولا فكرةٌ أولية تفضي إلى خطّةٍ عبقرية سيختمها الليل أخيرا بدمغته الثقيلة وحبره السيّال، ولا نية عندي لإكمال ما بدأتُهُ البارحةَ من مشاريع بدتْ لي حينها مشاريع العمر ولأجلها نذرتُ كل حياتي، وما هزّني من موتي الطويل حلمٌ ساخر ولا جئتُ على هذا اللحظة مدفوعا بالكوابيس والطيوف المألوفة في رؤاي، كلّا ولا قبضتُ في أوّل الصحوِ على خيالٍ فاتن تبدّى للحظةٍ في أطراف المخيلة، ولا رنّتْ في أقصى المسامع نغمةٌ هبطتْ من علٍ سماويّ لتدلّني على لحن أضعته منذ سنين، ولا جرفني من أعماق طمأنينتي وسكوني جارفُ حقدٍ غير مُبرّر لأعالجه طوال يومي دون خلاص، وليس في قلبي حنانٌ لشيء ولا جوعٌ ولا عتبٌ على نهايةٍ مبتورة قد حال بيني وبين استذكارها تشابُهُ النهايات، ولا رغبة لي في تفريغ الوقت من معناه بالحملقة في نقطةٍ غامضةٍ في الحائط بالكاد تُرى، ولا بي تطلُّعٌ لمتابعة ما قطعته بالأمس من سردياتٍ وقطع شعريّة ومقالات مشتّتة الموضوعات، ولا يد لهفةٍ زجّتْ بي في مخاطر ليس لها آخر، أو دحرجتني إلى قلب اللحظة الآنية وأيقظتني على واقع حسبتُني أبعدَ ما أكونُ عنه، لكنني صحوتُ وقد أغرق ضوءُ النهارِ نصف الغرفة وزركش حيطانها بانعكاساته الهائلة وتكعيباته النورانية وزواياه العجيبة؛ وفي بالي يومضُ بيتُ شعرٍ وحيدٍ أعادني فجأةً لأسلاف أسلافي وانتخبَ لي مُداما أصفى وأشهى مما أتمنّى على الريق:”ضعيفَ ابتسامٍ ثُمَّ يَقْوَى، كأنَّهُ-مرورُ خيوطِ الصُبح من رُتَقِ الخِيَمْ” ثُمَّ صمتَ الكونُ.
من أبسط وأحلى متع العربيّ لعبته الخاصة مع اللغة، فها هو يستأني ويترقّب ويُنصِت لنغم البحر ويتتبّع حروف القافية حتّى يتوقع القادم ويصطاد الكلمة التالية التي اختارها الشاعرُ ومهّد لها لتقع في هذا المكان تماما. ها هو يُقلّب الألفاظ ويقطّع الأشطر ويحسب احتمالات القوافي وحركاتها ويقيس رنّة ودرجة الموسيقى في المدى ويستبعد الكلمات المكررة والمعاني المألوفة ويفكر بالمتضادات والمرادفات والمعاني وعكسها ويراجع الصورةَ الشعريةَ قبل اكتمالها في سلسلة البيت ويتخيلها ويستحسنها ويفاضل بينها وبين احتمالٍ واردٍ آخر تسمح به القافية مكعّبةُ الاحتمالات؛ كل هذا يحدثُ دون أن يدري وينوي، دون أن يُقرّر التوقف عن السماع أو القراءة حتى، كم من قوالب تفرّعت خواتيمها فقادتْ قارئها إلى فخ التوقعات، وكم من قوالبَ أحكم شاعرها ضبطها فكأنها دربٌ تضيقُ لتفضي إلى جهةٍ معلومة وغايةٍ بعينها. والصورةُ الشعريةُ بالرغم من أنها راسخةٌ مذ كُتبت أول مرة؛ إلّا أنها نبعٌ يتفجّر كلما مررت به، وما أحلى أن يجيءَ الشيءُ على صورته الأصيلةِ كما اشتهيتها وتوقعتها وتطلّعتَ إليها، انظر إلى وجد أبي الطيّب المتمكّن، ثم انظر كيف يتحدّر وينزل حتّى كسرةِ القافية الميمية، واطرب عندها لتخمينكَ الهائل:”وقفنا، كأنّا كلُّ وَجْدِ قلوبنا-تمكّنَ من أذوادنا في القوائِمِ” كأنّ الشاعرَ بمسمارِ الأبدية يُثبّت الصورةَ في مخيّلة العالم، والقارئ والمُصغي تتكشّف له، أو تتراءى، أو يتوهّمها ويُخيّل إليه، ولكنّه على الأرجح سيناله دوما شيءٌ منها، نفحةٌ من شذاها، ولمعةٌ من ضوئها، وفي ذلك كفاية. أذكر أنّي لعبتُ هذه اللعبة مع الجواهري في قصيدة سامراء (ودّعتُ شرخ صبايَ قبل رحيلِهِ) وقوافيها الراقصة المنغّمة، ومن يومها وأنا أحفظها عن ظهر قلب، وأنشدها فيسألوني لمن هي، فلا أزعم أنها لي تماما ولا أنكر حقي في أن تكون لي كذلك.
تذكرني كلمةُ “شيء” في النثر والشعر غالبا بلا شيء، وغالبا كذلك ما يعتمد كاتبها على براعة مخيّلة القارئ ويتكئ على تصوّراته ويأمل أن تكون شاسعة وبلا حدود، فيتركك أنت مع تفسير هذا الشيء الذي لا يعرفه هو أصلا، يقول مثلا:”انهار من حولي كلُّ شيء” وها هو يُحيلك بلا تفسيرٍ موازٍ ولا سياقٍ يضع الأشياء في محلّها، وأحيانا ما تكون “شيء” هذه، حشوٌ وفراغ هائل يُعبّئ مسافة بين كلمتين ويقترح ما يليق أو ما يشبه خاتمة وقفلة مناسبة، يأمل من خلاله الكاتب أحيانا أن تتفهّم عجزه عن تسمية ما يريد، فتجده يهمس في أذنك، هذا السِّر الغامض البِكر دوما، لأنه يعوّل على فكرتك أنت، وقالبك الذي تختار أن تضعه فيه. وعكس هذا تماما، ما تجده في قصيدة شهيرة لسركون بعنوان (جئت إليك من هناك) القصيدة تبدأ بالنهاية:”نهايةُ العام:/عامُ النهايات/الطقسُ والغربان، ضيقٌ في نَفَسي/من كثرة التدخين، عِلّةٌ ما/(وحشةٌ، قلقٌ، ألمٌ دفين)/أطاحتْ بي لأطوف في أنحاء البلادِ المقفرة/وأقطع حول تلك الزاويةِ بالذات/حيثُ لاقاني وجها لوجه/قبل هبوط الليل:/صديقي/القصّاصُ هو بعينِهِ/لكنّ شيئا أفرغَ عينيه من الضياء” كأنّ سركون في هذا التمهيد العبقري يحضّر لوصول هذا الشيء، ليكثّف من معناه ويضفي عليه قصة وثقلا، فحزنُهُ والضيقُ والعلّةُ التي جعلته يطوف، وقدره الذي أخذه إلى حيث تلك الزاوية بالذات، وهبوط الليل والبداية النهاية وعام النهايات، والتعريف المضاعف (هو بعينه) قبل أن ينزع عنه باقي صفاته ويستدرك (لكنّ شيئا!) كلّ ذلك يُلبسَ “الشيء” شكله الأول ويقتبسه من حزن سركون، هذا كلّه، وصاحبنا لم يروِ لنا بعدُ قصةَ صديقه، وما هو الشيء الذي قلبَ قَسَماتِهِ وأفرغ عينيه من ضيائها، لكنّ القصيدةَ للتوّ بدأت، وعندما تقرأها أو تسمعها بصوت شاعرها؛ ستجد أنّ كل ما سيأتي لاحقا يرفِدُ ويعضد ويكثّف “شيئا” هذه ويشبعها حتى يكتمل معناها، وصوتها، وصورتها؛ حتى وإن بقيتْ بعد ذاك محتفظةً بهالتها الغامضة وسرّها الرهيب.