
كم استعدتُ في بالي من صور لأناس أكاد لا أعرفهم ولا أتذكر لبعضهم أسماءً ولا قصصا مألوفة ولا بقايا حكايات لا أدري أين وإلامَ ستنتهي ولا حتّى سرديات موازية لعلّها تُبين منهم ما غمُضَ وغبش والتبس عليّ، كم جئت بهم من أقاصٍ لست أدري بوجودها وكم استللتهم بلا سابق نيّة ولا قرار من مواضٍ منسيّة وغابرة، وكم حمّلتهم -بغيرِ قصدٍ منّي- من عناءٍ وتعبٍ لم يكن في حسبانهم ولم يرِد لهم في خاطر، عندما جاؤوا لم يكن بانتظارِهِم وهج الذكريات الأُوَل ولا مِلْحُ البسمات العتيقة المتدلّية صورُها وطيوفها من سقوف الذاكرة، ولا تفتّحتْ احتفاءً بهم وردةُ الآن واللحظة ولا فاح عبيرها تلهّفا واشتياقا، ولا رنتْ إليهم عيونٌ ولهى واجدة ولا أذعن لهم فؤاد، كلّا ولا وجدوا الأشياء كما عهدوها ولا الخواطر كما تركوها، ولا ذكّروني بعد كل هذا الغياب الطويل بما كان عندي وفقدتُهُ، أو بما كان لي وتلاشى في غمضة عين، ما يزالون مثل نبضٍ متتابع رتيب في مقدمة رأسي؛ لكنهم في الآن نفسه وعلى كل حال -في خيالي- مجرّدُ أناسٍ في الظلمة المسدلة من كل جانب يحاولون عبثا أن يُنيروا عتمة هذا المدى الساكن المشغولِ بمجهولاته ومآسيه، وعبثا يحاولون استدراك ما فاتني وفاتهم من معنى وذكرى فرح مُدّخر أو بشارةٍ مهدورة، وهيهات هيهات من هذا كلّه.. والله المستعان.