نَفْحٌ طارئ

المحطّاتُ الآن تسبح في فضاء الخيال والمدى بلا آخر ولا أحدَ منا مشغولٌ بهاجس الوصول، يطوي أبي القُرَى واحدة تلو الأخرى ولا تزالُ عيني مُعلّقةٌ بطارِفِ غترته وبيده التي ارتكى بها على نافدة السيّارة، سنطلبُ منه بعد حينٍ أن نفتح نوافذنا وسيهبُّ هواءٌ لن تستوعبه اللحظةُ وحدها ولن تحكم عليه هذه الذكرى السائلة قبضتها؛ هواءٌ كثيرٌ سيتسرَّبُ من تلك اللحظة البعيدة ويهبُّ شيءٌ من نسيمِهِ في وجهي بعد قرابةِ عِقدين مَضَيَا، بينما أمشي في ثُلثِ الليلِ الأخير؛ فأتوقّف لأدوّن سريعا هذا النَفْحَ الطارئ..

موسمُ الهجرة عن تويتر

لم تعُد هناك عباراتٌ لامعة أقصرُ من ذيل تنبثقُ فجأة في هذا الفضاء الأزرق فتفتقُ في ذهنكَ ما عجزت عنهُ مع طولِ التأمُّلِ وحسنِ التفرُّس في وجوه الأشياء، كلّا ولم يعد يصلنا من ضفاف _هذا العالم_ الأخرى شيءٌ من شَذَرَاتٍ نغبطُ أصحابها ونتمنّى لو أن معانيها الباهرة قد أكرمتنا بالزيارة قبلهم وأومضتْ في آفاق سرحاننا الطويل وشرودنا الوديع، ولم يعد أحدٌ يدّخرُ لنهاراتنا الطويلة مقالةً مكتنزة ولا نصّا مُخدَّرا أو قراءةً ساخرة تنالُ من شيءٍ نبغضه ونعفّ عن الكلام عنه، وما بقيَ أحدٌ ممّن ينتخبُ الأفلام المغمورةَ ويرشّح الكتب المجهولةَ وينثر الطرائف ويرشدُ إلى ما نسيناهُ وراءنا من متعٍ صغيرةٍ في رحلة الضياع الكبرى هذه! لقد اِختلفَ الناسُ إلى شتّى الأماكنِ وانشغلوا بحيواتهم ولم يبقَ منهم هنا سوى ما يُشبه الشعراءَ الأوائلَ الذين ابتكروا الوقوفَ على الأطلال، يكتبونَ تغريدةً ثم يمضون مهاجرين أسرابا، وينسونَ هذا المكان بما فيه، وعمّا قريبٍ ستمحو رياحُ الخوارزميّات آثارهم، ولن تتذكّرهم إلا كما يتذكّرُ غريبٌ وجها مألوفا لغريب آخرَ فلا يقبضُ على حقيقته الكاملة ولا يتمكّن من تجاوزه..

الحالمونَ القُدَامى!

من يتذكّر الحالمينَ القُدامى؟ أين اختفوا؟ وإلى أين طوّحت بهم يدُ الأقدار! وهل من المعقولِ أن يغادرونا كلهم مرّةً واحدة دون سابق إنذار؟ أين هم المتفائلون المبشِّرون، مَن يرون وحدهم في أعتمِ الليالي ومضة ما، وعدا يخفقُ في الأعالي البعيدة! مَن يهوّنونَ عليك الدنيا فلا تعودُ تساوي في عينيك جناحَ بعوضة، من يذكّرونكَ بلحظة الفَرَجِ الموشكةِ، بعوَض الأيّام الغزير، بقربِ انفتاحِ الأبواب المغلقة، مَن لا يعرفون من الكلام إلا التساهيل وأبشر والخير قدّام، المطمْئِنونَ المولعونَ بالنظرِ إلى نصف الكأس الملآن، من يثقون أكثرَ بما ينتظرهم لا بما فاتهم، مَن يسمعون في رتابة السكون والسآمة وقْع خطى العائدين المحمّلين بالفرح والبَسَمات والوعود المتحقّقة، مَن تدخل عندهم بضيق أهل الأرض وتغادرهم وقد تفتّحتْ في قلبكَ وردةُ الـ (رُبما) مَن يصدّقون ما يقولونه لك فلا يمكنك عندها إلّا أن تؤمن بهم ومعهم وتُعدّ كرسيا للانتظار، أينَ اختفوا وقد كانوا بالأمس القريب يقفون على كل باب، وتراهم في العابرين، وتتوسّمهم في الأصحاب والأحبة، وتميّزهم تماما تماما.. في المرايا!

قدرٌ كافٍ من الكلام

ثمّة لحظاتٌ لا تحظى -مهما حظِيَتْ- بقدْرٍ كافٍ من الكلام؛ اللحظة التي يصبح فيها أحدهم غريبا بعدما دنا فوق ما يدنو الآخرون، اللحظة التي تتأمّلُ فيها في جلسة عائليةٍ وجوهَ أحبّتك تتهلّل أساريرهم منغمسون في نعيم زمنيّ مستقطع ولا تسمعُ في ذاك الحال إلا صدى صخبهم يرنّ في أذنيك ويملأ عليك المكان، اللحظة التي تستعيد فيها مرارا صورةً ما مميّزة لأبيك، ذكرى يعرفها قلبُكَ وحده، اللحظةُ التي تشعرُ فيها بأن العالمَ كلَّهُ مُعرِضٌ أشدّ الإعراض عنك، اللحظة التي تلمس فيها حقيقةً لا مجازا معنى وحدتك، اللحظة التي تسمع فيها نَغَمَا عُلوِيَّا فلا يخطُرُ على بالك من تشاركه إياه، يا للوحدة! اللحظة التي يداهمك فيها شذى عِطْرٍ لا تهتدي إلى مصدرِهِ، اللحظة التي تنتبه فيها لنفسك تدّخرُ كلاما لن تشاركه مع أي أحدٍ أبدا، اللحظة التي تضيع فيها في مدينة غريبةٍ عليك وغريبٌ أنت عليها فلا يشغلك الضياع حينها ولا يخفق في قلبك -لأول مرّةٍ- هاجسُ التيه، اللحظة التي تتوقّف فيها عن الركض وتنفض يدك -متخلّيا- من كل ما علَقَ بها أو تعلّقت به..

طقوسُ الكتابة!

لم أكن أؤمِنُ ولا أُصدِّقُ بطقوس الكتابة حتّى حدثَ معي ذات ليلة مُدلهِمَّةٍ كنتُ أرى فيها سوادَ الليل المهيب خلف زجاج المقهى من مكاني يحدِّقُ بي بعيونه الألف وكانْ أنْ خفضتُ رأسي واستغرقتُ أكتبُ وأمحو في شاشةٍ مُستطيلةٍ مُضاءةٍ بالأبيضِ المحض والعالمُ من حولي غارِقٌ في دَعَةٍ لا مثيل لها، وما رفعتُ بصري إلّا وقد بدّدَ هذا الأزرقُ البارِدُ جيوشَ الظلام وانفلقَ صبحٌ من أعذب ما يكون! فأكبرتُ حالي، وكبرتُ في عينِ نفسي، ومن يومها وأنا لا أكتبُ إلّا وعلى يميني كوبُ قهوةٍ مُعتَّقَةٍ منذُ كَذَا وكَذَا، والفضاء يفوحُ فيه عطرٌ مُختارٍ بخصوصية عالية لدلالة خاصة، وفي خلفية ذاك كلّه تنشغلُ فرقةُ أم كلثوم بعزفٍ خفيّ هادئ لا يُسكِّنُ الجوّ حتّى الرتابة ولا يكسِرُ تسلسل الأفكار وهي تنتظمُ في بالي بشكل يفوق ما أتمنّاه وأريدُه!

إلحاحُ فكرة

بالأمس خَطَرَت لي فكرةُ نصٍّ ما، فأدهشتني، وعزمتُ على كتابتها واكتشاف ما تخبئه لي في تلافيفها المجهولة، غير أنّي نسيتُ وما دوّنت مطلعها ولا تفصيلةً هامشيّة منها، ومنذ أوّل النهار وهي تراقبني من وراء كتفي اليسرى مثل طيف لحوح لن يتعب من الاختفاء مرارا عندما ألتفت نحوه، غدا، ومع الأيّام ستخطر في ذهني مئات الأفكار المدهشة، وسأكتبُ منها أكثرَ ممّا أنسى؛ لكنّ الأفكار كلها لن تعوّضني عمّا ينتظرني في كنف ذاكَ المجهول الرهيب الذي كنتُ أرتقب، ولن تمحو هذا الظلّ الثقيل على كتفي!

خطأ استشهادٍ في غير محلّه

كنتُ -ولا أزال- مولعا بالسكونِ إلى فيء استشهادٍ شعري أستحضِرُه؛ وإنْ كان هذا يحدثُ غالبا في ذهني لا على أرض الواقع فأجدني في وسط جلسة ما قد شردتُ بعيدا، وانسحبتُ من اتّساع الأحاديث والآراء إلى ضيق شاهدٍ شعريّ ما وراءه إلا الرحابة والسعة، وعليه وسْمُ الخلود، وفيه كثافةٌ تتعالى على أحاديث السُّمّار وجدل المنظّرين وحذلقة الفارغين، لكنّ أليس لكل جواد كبوة ولكل حريص هفوة نادرة تظلّ تلاحقه أبدَ الدهر وتتملّى في وجهه من وراء زجاج المرايا؟ تلك إذن، هفوتي، حينَ شدّتني يدٌ من تكلّفٍ وجذبني خاطرٌ من خواطر التعالُمِ والتظرّف فوجدتُني أنطِقُ وسط مجموعة من الناس بيتا لم أستطع الاحتفاظ به في نطاق الخيال، ولم أقدِرْ على مقاومة سيله العارم، قلتُ في سياق الحديث عندها: “تأخرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْ * لنفسي حياةً مثل أنْ أتقدّما!” فإذا بالضجيج ينقلبُ للحظةٍ صمتا وادعا، وإذا بالوجوه تنظر نحوي نظرَ مُستعيْدٍ ملهوف، ثم ماج البحرُ مجدّدا وهاج، وعدتُ إلى دواوين الخيال، إلّا أنّ رجلا من الحاضرين، كان أشدّ حياءً من ربّات الخدور، مُتردّدا، حريصا، بينه وبين الحائط ألفةٌ وشيءٌ من صُحبةٍ قديمة، الشاهد أنّه منذ توقيت تلك الهفوة وأنا أسمع عنه وعن تطوّرات حياته من الغرائبيّات ما الله به عليم، لقد أصبحَ معروفا بالصرامة فجأة، وكلِفاً بالمبادرة والإقدام ومجاوزة الحدود والخطوط الحمراء، مشغولا بإعادة تعريف المخاطرة في كل خطوة وبدون حساب، أتُرى يكونُ هوَ نفسه؟ لله في خلقه شؤون! مِن حينها وأنا أتجنّب ذكره، وأتحاشى سماع اسمه، ولا أخوض في حديث جانبيّ عن أفلامه الهوليودية، وأدعو الله ألا يكونَ لذلك البيت الطافر سبب في هَيَجان هذا الوحش الأليف، وما أدراني لعلّه تغيّر هكذا بدون تدخّل بشريّ، وأنا الذي بنيتُ حول نفسي شَرَكا من الأوهام! لعلّ وقتا سيأتي ويجتمع فيه صاحبُنا بمن سيلقي في أذنه بيتا مُخيفا عليه مِسْحةْ من التشاؤم والاضطراب فيعيدُه صاحبنا البليد الحيّي وينقذني من وساوسي القهرية وهواجسي الملحّة!

ما يراه النرجسيُّ في حلمه

بمَ يحلُمُ النرجسيُّ أثناء نومه؟ هل يرى نفسه مكان امرئ القيس وقد حَبَسَ العذارى في الغدير؟ أم يحلم بانعكاسِ صورته في النهر، وهل يملكُ منذُ أنْ رآها رؤيةَ سواها؟ أم تراه يحلم بطوابير المعجبات تحت شرفته العالية يتلهّفن ولو لشيءٍ من نظرةٍ خاطفة؟ هل يعاودُهُ ذاك الحلم مثلنا حين نهوي من مكانٍ مرتفع فننتبه من نومنا بعيونٍ ذاهلةٍ سَكْرى وقلوبٍ من الهلع تصطفق، أو لعلّه يحلم بنفسه تحلّق وترتقي إلى أعالٍ لم تختبرها خيالاتُ العارفين وتجلّياتهم الروحانية؟ هل تُطارِدُهُ تلك الكائنات المرعبة والذكرياتُ المُضبّبةُ تتجلّى أمامه بكل صفائها وعذابها؟ أمْ لا تتملّى عيونُهُ إلا في وجوهِ الحسناوات وبتلاتِ الأزهارِ وهي تتساقطُ بأكوامها من السماء؟ هل يرى مثلما نرى وجوهَ من ظننّا أنّنا نقدرُ على نسيانهم ودفنهم في مجاهيل الذاكرة، أم أنّ مخيلته غير قادرةٍ إلا على إنتاج ملامحه هو وقَسَمات أشباهِهِ الأربعين إذا وجدوا في هذا الكون! أيحلُمُ النرجسيُّ؟ أم يأخذُ استراحةً من اعتقاده الهَوَسِيِّ بأنه محور هذا الوجود، فلا يرى غير سوادٍ وعتمةٍ وظلام سحيق يذكّرُهُ بشكلِ هذا العالم؛ إذا خَلَا مِنْهُ!

ذاكرةُ الأحلام المنسيّة

كم مرةٍ نجوتُ -وكم مثلي نجا- من مئات الأحلام الغرائبيّة؛ من كائناتٍ هُلاميةٍ تحاول أن تدهسنا بأقدامها غير المرئية، ووجوهٍ مُرعبةٍ مُركّبةٍ من كل ما كانوا يخوّفوننا به أيام الطفولة فندفنُ عيوننا في قلب الظلام ولا ننام حتّى ينفلق الصبحُ ويمحو نور الشبابيك بقايا الخيالات المتوهَّمة، من بيوتٍ تلتهبُ خرجنا منها بالكاد وارتطامات مؤلمة ما نزال نفسّرُ بها الكدمات الغريبة على أجسادنا، ومتاهات مُحكمة الإغلاق، ودروبٍ لا تصل مهما أمعنتِ الخطى واستطالت الزفرات، وطيوف لأشخاص غيّبتهم المسافاتُ وطوى الزمنُ لهم كل صورة، وأنفاق لا تنتهي إلّا وقد أعمانا الإجهادُ وأفقدَنَا اليأسُ كلّ بصيرة، كم مرةٍ نجوتُ من أحلامٍ ظننتُ أنّي لن أخرجُ منها حيّا، من أحلام لم أعد أتذكّرُها ولا تفاصيلها ولا أحداثها؛ لكنها لا تزالُ تخفقُ في بالي ويغمرني خيالُها الضبابيّ، مثل موسيقى مألوفة تعبرُ نحوي من سيّارة مجاورة عند الإشارة الحمراء؛ لا أنا قادرٌ على تمييزها، ولا على صرفِ ذهني عن الانشغال بنغمها المداهم المِلحاح ورفيفها المألوف بغرابة..

صمت صاخب

في كلّ صمتٍ مُطبِقٍ أسمعُ صوتَ صدى الفناجيل في مجلس أبي القديم، وصوت أمّي تترنّم ذات أصيلٍ بأبياتٍ تستيقظُ في ذهنها فجأةً بعد غياب سنين، وأسمع رفيفَ أوراقِ الأشجارِ التي كنتُ أعبرُ تحتها عائدا من المدرسة في ظهائر تشوي الجباه وتطيل المسافات أكثر مما هو محتمل، وأسمع جلبةَ أصوات الباعةِ الجوّالين من أيّام الطفولة، وطنينَ آلاتٍ مزعجة لا تدوّي إلا في خيالِ المُغْمضين، وأسمعُ نوحَ حمامةٍ ليستْ موجودةً في هذا العالم، وهديرَ كلماتٍ لم أجرؤ على نطقها وأخرى عففتُ عن البوحِ بها مستغنيا، وأسمعُ صَخَبَ نداءاتٍ لأصواتٍ بالكاد أتذكّرُ أصحابها فلا يمنعني عن الالتفات إلّا جلال الوَحدة وهيبة الاعتزال، وأسمعُ ارتباكَ المفاتيحِ الخطأ للأبواب الصحيحة، وأسمعُ الأنينَ الرتيبَ كما لو لشخصٍ في قاع بئر، ما لا أسمعه في الصمت؛ هو ما افترضتُهُ للصمت؛ سكونٌ ممتدّ وعماءٌ دائم بلا ذكريات مُنغَّمةٍ ولحظات رَهِيْفَةٍ ولا رفيفٍ ولا أجنحةٍ ولا صوتِ ارتطام قطرات ماء تتساقطُ من صنبورٍ نسيته ذاتَ يومٍ مفتوحا ولا يزال!

في ضيافةِ الليل

الليلُ أقدمُ الطائيين وأوّلُ الحواتم، كبيرُ المُقْرِين، شيخُ شيوخ مَن أوقدَ النار فاستدلَّ عليه وإليه كل طارِقٍ وتائهٍ في العراء، خيمةُ الغرباء والمغتربين والهاربينَ من شيءٍ لا يدرونَ كُنهَهُ، جبُّ العُشّاق والمجانين والهائمينَ على وجوههم، أعتقُ من صافَحَ بابتسامة أبٍ حانٍ وعانقَ بقلبِ أُمٍّ لا ترى غير ابنِها في الوجود، أرحبُ مَن استضافَ وأدفأ من آوى، وأفسحُ من فتح صدره فأدركَ حتّى مَن خُيِّل له النأيُ وظنَّ الفرار ممكنا؛ “فإنَّكَ كالليلِ الذي هو مُدركي * وإنْ خِلتُ أن المنتأى عنكَ واسِعُ” أعبَقُ مَن هَلَّا وأشيمُ مَن كتَمَ سِرَّا وأغضى طرفا وتحمّلَ كلاما وتسامح عن أنّاتٍ موجَعَةٍ وتغافلَ عن أذى، كهفُ الحَيَارى الذين فقدوا البوصلةَ وضلّوا الطريقَ ولم تجد أصواتُهُم الأسماءَ، هناكَ في ضيافة الليل، في قلبِهِ أجلسُ، حتّى يصدع الفجرُ العتمةَ أو تمحو يدُ النهارِ حبرَهُ السيّال، فأمضي وفي القلب بقيّةٌ من كلام، وفي الخاطرِ شيءٌ لم يبلغه بعدُ قولٌ ولم تطرده نفثةُ مصدور..

فنُّ البقاء وحيدا

يكفيك أن لا ترى في الكرسيّ الفارغ قبالتك احتمالَ شخص قادمٍ أو خيالٍ مسافرٍ نحوكَ منذُ الأزل ولمّا يصل بعدُ، أنْ لا تشمَّ في الرائحةِ العابرةِ ذكرى ملحّة، أنْ لا تفتش ذاكرتُكَ في الاسم المألوف عن وجوهٍ تتوارى في الغيوب، أنْ لا تفتح أبدا كتاب المواعيد، أنْ لا تصغي أكثر من اللازم ولا تعرف أكثر من الواجب عليك، أنْ لا تضيع طريقَ العودةِ إليك كلما شئت، أنْ تجتهدَ في فهمِ الليل وتألف سكونه الجليل وصمته المهيب، أنْ تتقن الانسلالَ من بين الحشود والإفلات من قبضة العناقات ومصائد الأحاديث التي لا تُفضي إلّا إلى المزيد من الأحاديث، أنْ تتعوّدَ توهّم عينيك وتستسلم للطرق الطويلة التي يفترعها لا وعيُكَ مرارا مرارا، أنْ تتحمّل معرفةَ شيءٍ جديد عن نفسكَ في كل لحظة، أنْ لا ترمشَ قبل الظلِّ الماثلِ أمامك ويحدّق فيك منذ أول النهار، أنْ تجيد الاختفاء والدوران حول حقائقك كلما لزِمَ الأمرُ واستدعت الحاجة، أنْ تدفنَ أسراركَ أعمق كلما وجدتَ الوقت، وأنْ تنهي النصَّ كما يجب دون أن تتركَ فرصة لما يقوله الآخرون؛ فيفسدونَ عليكَ -عندها- وحدتك..

الوقتُ المناسبُ لكتابة نصٍّ جيّد

لا وقت مناسب لكتابة نصٍّ جيّد، ثمةَ فكرةٌ مربكة مراوغة ستكون دوما في انتظاركَ عندما تشرع في الكتابة، وأخرى ستظل تعود إليكَ من دون أن تعرّي نفسها بالكامل ومن دون أن تعطيكَ سرها الذي سيموتُ معك، وثمّةَ أُخرياتٌ مِلحاحة لن تفتأ تطرق هذا الباب الذي لن يفتح أبدا، لا وقتَ مناسبٌ للبدء في كتابة نصٍّ جيّد؛ لا أثناء الوقوف المتكرّر أمام إشارةٍ حمراءَ في عزِّ الظهيرة، ولا خلال انتظار أن يجهز كوبُ القهوة الثالث، ولا في تخبّطات الساعة البرزخيّةِ قُبيل النوم، ولا إثرَ موقف حرِجٍ وحقيقةٍ تتكشَّفُ بمرارتها على مرآك، ولا بُعَيْد أن يبتسمَ لك وجهُ وضيءٌ لطفلٍ تعرفه، في الحلم، ولا وقتَ وصولك عائدا من رحلة شرود طويلة، ولا بعدَ أن تنبثق في خيالك فكرةٌ من العدم أو ذكرى مِنْ ما وراءَ الذاكرة، ولا في انتظاركَ من يملأ فراغَ الكرسيّ المقابل، عندما تجلِسُ إلى شاشة البياض الهائل وتحدِّقُ باهتمامٍ في الخطِ الوامض في أعلاها؛ لن يكون بوسعكَ سوى انتظارِ تلك الانفراجةِ الصغيرة، الصَدْعِ الخافت، الشقّ البسيط في سماوات المخيلة حيث يتدفّق الكلامُ وتمطر من غيوبِ المجهول.. فِكرة!

ليلةُ اختفاء المدوِّنين

لم يبق من جماعة المدوِّنين أحد لا المهووسون بتتبّع الأخبار الغريبة والعلاقات الغامضة، ولا الباحثون عن حبكةٍ عبقرية في فيلم مغمور يشوّقونك إليها بسرد رشيق يُضبِّبُ أكثر ممّا يكشفُ ويُغري كما ابتساماتُ الغيد أكثر ممّا يُنيل، ولا خفيفوّ الظلّ يقتفون آثار الطُرَف والهفوات فينسجون منها قصصا أغنى وأزخر وأوثق ارتباطا بلحظتهم الراهنة، ولا المغرمون بالشذى والعبق النفّاذ يفوِّحونَ العِطرَ كلاما ويترجمون أريجَه نوتاتٍ وتراكيب ويصطفون لكل عطر مشهدا وسرديةً لم تخطر في مخيال شعرائنا الأوائل، ولا المُقتبسونَ النحاريرُ الحذّاق يفتّشون في بطونِ الكتب عن خَبَرٍ لم يُروَ بعدُ ونكتةٍ دقيقةٍ لم يختبرها رأيُ عارِفٍ ولا أجرى فيها ممحّصاً حِبرا، ولا حتّى المُتّهمونَ بالكتابة المتورطة والعالقة في محراب الذات، عندما تهدَّمَ ليلُ تلك الليلةِ وبَزَغَ من وراء الحُجُبِ ضوءُ النهار وجدنا منقوشا على جدار قائمٍ بالكاد كلمةً ختاميّة يتيمة ناجية من طوفان الخراب وعبثيّات الذكاء الاصطناعي: “سنعود، لا ندري متى!”

قُبح الآلة

كم هي الوجوه الباهتة التي تولِّدُها الآلةُ في كل لحظةٍ وكم هي النظراتُ الميّتة والعيون المُفرَغَةُ من أي معنى والبساتينُ التي بلا أريجٍ واللوحات التي بلا ريشة فنّان والمكتبات التي تعوزها رائحة الوَرَق وينقصها جهدُ أولئك الذين جمعوا كتبهم وأثقلوا الرفوف على مدى سنين، وكم هي قبيحةٌ خُصلات الشَعْرِ المتطايرة في صور الذكاء الاصطناعيّ وليس فيها شيءٌ من عبقٍ يضوع ولا ذهب يلمع، ألهذه الدرجة يسلبُ غيابُ الأصالة معنى ما نراه رأي العين؟ ويفضح الادّعاءات المتكلَّفة حتى في هذا العالم الطافح بالأدعياء؟ ويُفرِغ ثقلَ الكلمة المكتوبة بلا روح؟ وهل علينا أن نرى تلك الشجرة المصطنعةَ المنبثقةَ من خيال آلةٍ لا تُحسُّ على أنها ظلٌّ لشجرةٍ ما نتذكّرها من أيّام الطفولة؟ وتلك العيون المحدّقة فينا من غيبٍ خفيِّ على أنها أبعادٌ تتوالد فيها الأبعادُ كما يقول نزار؟ أم يجب أن نبادلها النظرةَ الميّتة الجامدةَ نفسها باحتقارٍ وازدراء..

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ