في ضيافةِ الليل

الليلُ أقدمُ الطائيين وأوّلُ الحواتم، كبيرُ المُقْرِين، شيخُ شيوخ مَن أوقدَ النار فاستدلَّ عليه وإليه كل طارِقٍ وتائهٍ في العراء، خيمةُ الغرباء والمغتربين والهاربينَ من شيءٍ لا يدرونَ كُنهَهُ، جبُّ العُشّاق والمجانين والهائمينَ على وجوههم، أعتقُ من صافَحَ بابتسامة أبٍ حانٍ وعانقَ بقلبِ أُمٍّ لا ترى غير ابنِها في الوجود، أرحبُ مَن استضافَ وأدفأ من آوى، وأفسحُ من فتح صدره فأدركَ حتّى مَن خُيِّل له النأيُ وظنَّ الفرار ممكنا؛ “فإنَّكَ كالليلِ الذي هو مُدركي * وإنْ خِلتُ أن المنتأى عنكَ واسِعُ” أعبَقُ مَن هَلَّا وأشيمُ مَن كتَمَ سِرَّا وأغضى طرفا وتحمّلَ كلاما وتسامح عن أنّاتٍ موجَعَةٍ وتغافلَ عن أذى، كهفُ الحَيَارى الذين فقدوا البوصلةَ وضلّوا الطريقَ ولم تجد أصواتُهُم الأسماءَ، هناكَ في ضيافة الليل، في قلبِهِ أجلسُ، حتّى يصدع الفجرُ العتمةَ أو تمحو يدُ النهارِ حبرَهُ السيّال، فأمضي وفي القلب بقيّةٌ من كلام، وفي الخاطرِ شيءٌ لم يبلغه بعدُ قولٌ ولم تطرده نفثةُ مصدور..

فنُّ البقاء وحيدا

يكفيك أن لا ترى في الكرسيّ الفارغ قبالتك احتمالَ شخص قادمٍ أو خيالٍ مسافرٍ نحوكَ منذُ الأزل ولمّا يصل بعدُ، أنْ لا تشمَّ في الرائحةِ العابرةِ ذكرى ملحّة، أنْ لا تفتش ذاكرتُكَ في الاسم المألوف عن وجوهٍ تتوارى في الغيوب، أنْ لا تفتح أبدا كتاب المواعيد، أنْ لا تصغي أكثر من اللازم ولا تعرف أكثر من الواجب عليك، أنْ لا تضيع طريقَ العودةِ إليك كلما شئت، أنْ تجتهدَ في فهمِ الليل وتألف سكونه الجليل وصمته المهيب، أنْ تتقن الانسلالَ من بين الحشود والإفلات من قبضة العناقات ومصائد الأحاديث التي لا تُفضي إلّا إلى المزيد من الأحاديث، أنْ تتعوّدَ توهّم عينيك وتستسلم للطرق الطويلة التي يفترعها لا وعيُكَ مرارا مرارا، أنْ تتحمّل معرفةَ شيءٍ جديد عن نفسكَ في كل لحظة، أنْ لا ترمشَ قبل الظلِّ الماثلِ أمامك ويحدّق فيك منذ أول النهار، أنْ تجيد الاختفاء والدوران حول حقائقك كلما لزِمَ الأمرُ واستدعت الحاجة، أنْ تدفنَ أسراركَ أعمق كلما وجدتَ الوقت، وأنْ تنهي النصَّ كما يجب دون أن تتركَ فرصة لما يقوله الآخرون؛ فيفسدونَ عليكَ -عندها- وحدتك..

الوقتُ المناسبُ لكتابة نصٍّ جيّد

لا وقت مناسب لكتابة نصٍّ جيّد، ثمةَ فكرةٌ مربكة مراوغة ستكون دوما في انتظاركَ عندما تشرع في الكتابة، وأخرى ستظل تعود إليكَ من دون أن تعرّي نفسها بالكامل ومن دون أن تعطيكَ سرها الذي سيموتُ معك، وثمّةَ أُخرياتٌ مِلحاحة لن تفتأ تطرق هذا الباب الذي لن يفتح أبدا، لا وقتَ مناسبٌ للبدء في كتابة نصٍّ جيّد؛ لا أثناء الوقوف المتكرّر أمام إشارةٍ حمراءَ في عزِّ الظهيرة، ولا خلال انتظار أن يجهز كوبُ القهوة الثالث، ولا في تخبّطات الساعة البرزخيّةِ قُبيل النوم، ولا إثرَ موقف حرِجٍ وحقيقةٍ تتكشَّفُ بمرارتها على مرآك، ولا بُعَيْد أن يبتسمَ لك وجهُ وضيءٌ لطفلٍ تعرفه، في الحلم، ولا وقتَ وصولك عائدا من رحلة شرود طويلة، ولا بعدَ أن تنبثق في خيالك فكرةٌ من العدم أو ذكرى مِنْ ما وراءَ الذاكرة، ولا في انتظاركَ من يملأ فراغَ الكرسيّ المقابل، عندما تجلِسُ إلى شاشة البياض الهائل وتحدِّقُ باهتمامٍ في الخطِ الوامض في أعلاها؛ لن يكون بوسعكَ سوى انتظارِ تلك الانفراجةِ الصغيرة، الصَدْعِ الخافت، الشقّ البسيط في سماوات المخيلة حيث يتدفّق الكلامُ وتمطر من غيوبِ المجهول.. فِكرة!

ليلةُ اختفاء المدوِّنين

لم يبق من جماعة المدوِّنين أحد لا المهووسون بتتبّع الأخبار الغريبة والعلاقات الغامضة، ولا الباحثون عن حبكةٍ عبقرية في فيلم مغمور يشوّقونك إليها بسرد رشيق يُضبِّبُ أكثر ممّا يكشفُ ويُغري كما ابتساماتُ الغيد أكثر ممّا يُنيل، ولا خفيفوّ الظلّ يقتفون آثار الطُرَف والهفوات فينسجون منها قصصا أغنى وأزخر وأوثق ارتباطا بلحظتهم الراهنة، ولا المغرمون بالشذى والعبق النفّاذ يفوِّحونَ العِطرَ كلاما ويترجمون أريجَه نوتاتٍ وتراكيب ويصطفون لكل عطر مشهدا وسرديةً لم تخطر في مخيال شعرائنا الأوائل، ولا المُقتبسونَ النحاريرُ الحذّاق يفتّشون في بطونِ الكتب عن خَبَرٍ لم يُروَ بعدُ ونكتةٍ دقيقةٍ لم يختبرها رأيُ عارِفٍ ولا أجرى فيها ممحّصاً حِبرا، ولا حتّى المُتّهمونَ بالكتابة المتورطة والعالقة في محراب الذات، عندما تهدَّمَ ليلُ تلك الليلةِ وبَزَغَ من وراء الحُجُبِ ضوءُ النهار وجدنا منقوشا على جدار قائمٍ بالكاد كلمةً ختاميّة يتيمة ناجية من طوفان الخراب وعبثيّات الذكاء الاصطناعي: “سنعود، لا ندري متى!”

قُبح الآلة

كم هي الوجوه الباهتة التي تولِّدُها الآلةُ في كل لحظةٍ وكم هي النظراتُ الميّتة والعيون المُفرَغَةُ من أي معنى والبساتينُ التي بلا أريجٍ واللوحات التي بلا ريشة فنّان والمكتبات التي تعوزها رائحة الوَرَق وينقصها جهدُ أولئك الذين جمعوا كتبهم وأثقلوا الرفوف على مدى سنين، وكم هي قبيحةٌ خُصلات الشَعْرِ المتطايرة في صور الذكاء الاصطناعيّ وليس فيها شيءٌ من عبقٍ يضوع ولا ذهب يلمع، ألهذه الدرجة يسلبُ غيابُ الأصالة معنى ما نراه رأي العين؟ ويفضح الادّعاءات المتكلَّفة حتى في هذا العالم الطافح بالأدعياء؟ ويُفرِغ ثقلَ الكلمة المكتوبة بلا روح؟ وهل علينا أن نرى تلك الشجرة المصطنعةَ المنبثقةَ من خيال آلةٍ لا تُحسُّ على أنها ظلٌّ لشجرةٍ ما نتذكّرها من أيّام الطفولة؟ وتلك العيون المحدّقة فينا من غيبٍ خفيِّ على أنها أبعادٌ تتوالد فيها الأبعادُ كما يقول نزار؟ أم يجب أن نبادلها النظرةَ الميّتة الجامدةَ نفسها باحتقارٍ وازدراء..

القلبُ الطائر

نظرَ الشعراءُ إلى القلب فرأوه دائمَ الرفيف أزليّ الرعشة والخفقان مضطربا لا يستقرّ على حال يهفو ويخفُّ ويطربُ ويميل ويتقلّب فشبّهوه بالطائرِ وأمعنوا النظرَ فيه فوجدوه أسيرا وراء الضلوع تماما مثل طائر في قفص فرثوا له وأشفقوا على حاله:”ولي بين الضلوع دمٌ ولحمٌ * هما الواهي الذي ثكلَ الشبابا/تسرّب في الدموعِ فقلتُ: ولّى * وصفّقَ في الضلوعِ فقلتُ ثابا” وها أنتَ كلما فاجأك وجهٌ مليحٌ، أو تسرّبتْ إلى أذنك نغمةٌ شاردةٌ، أو غمرتْكَ ذكرى ما من أيّامٍ لا تُستعاد؛ شعرتَ بقلبكَ يختلجُ، وينبضُ ويخفقُ ويرتعدُ، ثمّ يهفو ويطير فلا يلبثُ حتّى يرتطم بالضلوع ويرجع إلى مكانه:”وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخِيْف مِن مِنى * فهيَّجَ أحزانَ الفؤادِ وما يدري/دعا باسمِ ليلى غيرِها فكأنما * أطارَ بليلى طائرا كان في صدري” ولعلّك الآنَ تفكّر في تشبيه اضطرابه هذا بتغريد صموت تحرسهُ في سِرّك ولا تسمح لأحد أن يسمعه ولن ألومك، بل أذكّرك وأحثّكَ على الأمل والرجاء والفأل الحسن وأدعو لك بالندى والبشائر والخير:”فإذا نهاني عن رجاءِ لقائهم * يأسي، هَفَا قلبٌ إليهم شَيِّقُ!” ودوام التحليق، والسلام.

مَن تذكّرناهم فجأةً

أين كانوا؟ مَن تذكّرناهم فجأة، من طرأوا على أذهاننا دون أقلّ اشتغال وبحث فيما ورائيات المخيلة ولا نبش في مجمرةِ الغيوب، من نبتوا من لا مكان كما ينبتُ المستحيلُ في قلب الممكنات وكما تنتصبُ وحدها نخلةٌ في أرضٍ خلاء، ومَن أطلّوا علينا من شقوقِ المجهول وعتمات الأفق، فلووا الأعناق واجتذبوا الخطى الممعنة في ذهابها ويأسها، وتحت أي ردومٍ كانوا طوال هذا الزمن؟ وهل همُ هُمْ حقا من نتذكّرهم؟! ألَا تُغربِلُ صروفُ الدهر الوجوهَ كلّها وتغيّر المعالم والقَسَمات؟ فكيف بهم إذنْ؛ بوجوههم التي عرفنا، بهيئاتهم وهي ترتسم في فضاء الخيال، بما جرّوا خلفهم من ذكرياتٍ وأحاديثَ سمر، بما أتلفوا وراءهم من حكايا كُتب لها ألا تكتمل وألا تُكتَشَف لها نهاية، بأزوالهم التي ما فتأتْ عيونُنا الحائرةُ في الزمانات البعيدة تراقبها وهي تجفو وتمعن في الرحيل حتّى يُغيّبها السرابُ وتبتلعها المسافاتُ ويطوي ذكراها -كما يطوي بعبورِهِ الثقيل كلَّ شيءٍ- الوقتُ.

الأفكار المباغتة

لقد تخلّيتُ منذ زمن عن حصّتي ونصيبي من الأفكار الجيّدة المباغتة قُبيل النوم ومهما راودتني وتجمّلت لي وبدا لي منها ما أعرف أني لن أراه في أي لحظة أخرى غير هذه فلن تظفر مني بأكثر من نظرة تقدير خاطفة وبسمةِ حالم على وشك أن يغيب في برزخ فاصل بين اليقظة والسهو، لم تعد تندلع في عيوني دهشة الاصطفاء ولا تبرُقُ في ذهني سحائب الإلهام ساعةَ تحطّ الأفكارُ الخلّاقةُ على غصنٍ في مخيّلتي أو تُلْمح لشيءٍ عبقريّ تُضمره في مجاهيلها الغامضة، ولم تعد يدي تتلقّف الهاتف أو أيّ ورقةٍ قريبة لتدوّن مطلعا أو ملاحظةً ما تقودني في ساعات التيه وحبسات الكتابة وصدّها إلى خريطة كنزي المفقود، بدا لي أنني أعوّد نفسي دون وعي على الاستغناء حتّى عمّا لا أملكُهُ، وأُرخي قبضةَ يدي المتشبّثة بالفراغ، وأعفُّ عمّا كنت له البارحةَ والها أشدّ الوَلَه؛ وهل ذلك كلُّهُ إلا طيفا من خيالٍ زائر، وومضة باهرة في فضاء الخيال تجذبُ القلوبَ وتلوي إليها الأعناق

بحثا عن النص المفقود

بانتظار أن تحطّ الكلماتُ مثل أسراب حمامٍ وتملأ هذا البياض الهائل أمامي على شاشة الحاسوب في رَمْشة عين، بانتظار أن تنبثق من هذا الفراغ الفضفاض كلمةٌ ما فتتزاحم وتتكوّم عليها الأُخريات حتّى يتجسّد ذاك المعنى الذي أطمح له ولا أعرف حتّى الآنَ كيف يبدو، بانتظار أنْ تخطفني من هذا الوجود سَكْرَةٌ لا أفيق منها إلّا وقد اِكتمل النصُّ الذي سأنسبُهُ ما حييتُ -بيني وبين نفسي- لذلك الضيف الغريب، وسأدلّل به أمام الناس على عبقريّتي وبراعة مخيّلتي وسَبْقي وتفرّدي، هكذا منذ أوّل النهار وما كلّت عيوني التائقةُ محدّقةً في هذا الخط العمودي وهو يومضُ مثل بابٍ سرّي أطمع بأن يُفتَحَ على غيبٍ مجهول، أو يستفزّ ذلك الهاجس الأخرسَ في صدري، وما يزال هذا البياضُ بدوره يجتاح المدى ويتّسع فيغمر محجري عيني ويسدّ عليَّ الأفق ويذكّرني بأوّل الثواني بعد الاستفاقة من حُلُمٍ مُضيء يعجز اللسان عن وصفه ويستعصي على الذاكرة حصر تفاصيله، أو بعد العودة من ذكرى باهرة ما فتأت تكتنز في تلافيفها كلّ هذا الضياء والحنان، هكذا أنتظرُ طويلا ما ظننتُهُ لي وليس هو من نصيبي، خبرا من غائب، تبريرا لاختفاء مفاجئ، صوتا من الضفّة الأخرى لا يسمعه سواي، نصّا ذهبيّا مفقودا مكتملَ الجوانب أستغني فيه عن الاشتغال، والتهذيب، والتشذيب، والتدقيق، والترقّب، والانتظار.. محضَ الانتظار.

السَـهَارى

على حوافّ الليل الأخير منغمسون في ذكرى أو ظِلّ ذكرى، مصغون لداعٍ ينادي من قلب الظلمة، أو ملتزمون بضيوفهم الذين لن يحضروا إلّا في الإغفاءات القصيرة واللحظات البرزخيّة بين الحقيقة والوهم، والذين لن يحطّوا رِحالهم إلا في صحراء الخيال داخل رؤوس هؤلاء التي تنوسُ وتميل وتكادُ تسقط بين حين وحين، ما الذي تُراهُم يقرّبونه باستعجالهم الأيّام ودخولهم إياها من غيرِ أبوابها المعهودة؟ وأيّ شيءٍ تُرى يؤخرونه بقراءتهم الوقتَ بالطريقة العكسية؟ ساهمون بحثا عن كلمةٍ ستفتح شقّا في جدار أو تسترجع قصةً مغمورة أو تستكمل حوارا انتهى من سنين لكنّها لن تجيء على الأرجح إلّا وقدْ فات أوانها وسكنت اللهفةُ إليها، السَهَارى حَرَسُ الفراغ، مضيفو الليل، المديرو ظهورهم للإجابات والباحثون عن الأسئلة، الموهومون بما لن يفوتهم، والمؤمِّلون على ما لن يحدث، ما تزال عيونُهُم المحمرّةُ مفتوحة على اتساعها وما تزال تختبئ في جفونِهُم ارتعاشةٌ مُجهَدَةٌ في انتظارِ أحدٍ ما سيأتي من جهةِ الصوت المُنادي، أو بانتظارِ حدثٍ ينبثِقُ من العَدَم ولا يكونُ كل شيءٍ قبله، كما سيكون بعده.

شيءٌ من الأطلال

ربما كنتُ قصة هامشيّة لا يقف عندها رشيد كثيرا بل لعله لم يفكّر بها إطلاقا، ولن أستطيع إكراما لخاطري القول عن عبوره في حياتي بأنه هامشي وجانبي، ولن أفتري عليه فأدّعي أنّي اصطدتُ حكايته المنسيّة من السيل الهادر الذي هو حياتي، لقد كان ولا يزال في مكان آمن ومألوف في ذاكرتي الفوضويّة، ولا تزال صورتُهُ المجمّدة في خيالي كما هي بظهرٍ مقوّس وعودٍ مهزولٍ وشعر أبيض يطفو مثل غيمة فوق رأسه، كان قد قارب السبعين في آخر مرة التقينا قبل سنوات، وبالنسبة لي فإنّه قد توقّف عند هذا العمر وإنّي لأراه في شرودي أحيانا هناك في مسقط رأسه في إحدى قرى السودان يعتني بشجرة خضراء تفرّعت أغصانها حتّى خرجت عن إطار الصورة، لطالما شاهدته منحنيا على أكوام الفواكه والخضروات في ركن متواضع داخل بقالة تبعد عن بيتنا القديم مسافة ليست بالهيّنة، ينحني بلهفة جدّ على حفيده، باهتمام يبدو معه كل شيءٍ حينها في هذا العالم غير مهمٍ بل غير موجود، فيرتّبها، وينفض عنها الغبار، ويؤنقها ويوالف بين أنواع الفاكهة في علب، ويسعّرها، ثم يعيد ترتيبها وهلمّ جرّا. كنت أتعمّد قطع هذا المشوار الطويل لأقف بين يديه وأسأله عن حاله وأهله وأسمع منه شيئا طارفا ممّا تكرمني به ذاكرته من حكايا لدقائق قبل أن أمضي في طريقي بكيسٍ زرقاء وحفنة من الدعوات المُندّاة بلهجته العذبة، ولقد تحدّثنا في تلك اللقاءات البسيطة عن كل شيء يخطر على البال تقريبا، لكنني في الآن نفسه لستُ أذكر شيئا بعينه من تلك الأحاديث، ما أذكرُهُ تماما كما لو أنّه حدث البارحة، وقبلها، وفي كل لحظةٍ تأتي وستأتي؛ أنني عند هذا المنعطف الذي وصلت إليه بالصدفة كنتُ ألوي عُنَقَ راحلتي وأستدير بسيّارتي، متجها لبقالة صاحبي التي لم يبْقَ منها غير أطلال متهدّمة تتراءى لعين ناظرها مثل صورٍ مموَّهةٍ تتطاير في فضاء المخيلة

شيءٌ ما في دورِ الممثّل الأوّل

شيءٌ ما من دور الممثل الأوّل حين التقينا غريبين في فيلم ما لا يزال يُلقي بظلاله عليه في كل مرةٍ أرى له عملا جديدا وقصةً يتخبّط في تحوّلاتها المصيرية، ما زلتُ أرى في عَيْنَيِّ إدوارد نورتن على الشاشة العريضة ثعلبا ماكرا يحوم في مكانه ويتحيّن فرصته ليثِب، وما زلتُ أرى في وقفة مايكل دوغلاس الثابتة رجلا مرتابا ومتوترا رأيتُهُ ذات ليلةٍ يَهْوي من أعلى سطح مبنى ويدوم معلّقا في الفضاء لبضع ذكريات، وما كلّ خيالي يفرضُ عليّ كلما رأيتُ كريستيان بيل في حدود الإطار وجهه المؤرَّق وجسده النحيل ويَقظته المعذّبة وهلاوسه التي تملأ عليه الأفق وتمدّ له من حيث لا يدري عذابات أُخَر، ولا يزال دي كابريو في كل انفعالاته الاضطرارية والطبيعية يتبدّى لي من خلاله وجهه الطفولي البريء الغادِر وهو يفكر بحيلته القادمة، أمّا براد بِت فقد لازمتْهُ في ذهني نهايته الأسيفة وسؤاله المرير ونشيجه المتقطّع في فيلم الخطايا، وهناك بين هذه وتلك وجوهٌ أخرى كثيرة تطفرُ حينا وتختفي حينا لكنّ من بينها وأكثرها إلحاحا ذلك الوجه الحائر في أسئلته الوجوديّة والعينان المنطفأة أمام قسوة الاحتمالات واللغة الرّخوة المتفكّرة لا بحثا عن اليقين واحتمال الضوء ولكن إمعانا في غياهب اليأس والشك، ذلك الوجه المألوف الغريب لرجل يُدعى ماثيو ماكونهي.

قُبيل الثلاثين، برزخ العمر

ما دون الثلاثين بقليل، عند المنعطف الأخير، ربما لم يفُتك شيءٌ في هذا العمر الهائل الذي طويته بسرعة الهاربين من شيء لا يدركون كُنهه، لكنك لن تملك إلّا أن تتساءل عمّا فاتك وتفكّر بكلّ ما أمكنك أن تملكه، أن تفوز به، أن تستأثر به لنفسك، كم حكاية كان يمكنك دخولها من أوسع الأبواب لكنك عففت عنها، وكم أسرفت في التسويف وتأجيل المجهول في التجارب والرحلات والمسامرات، وكم ركنت إلى المألوف وقبضت على الراهن الموجود عوضا عن الانشغال باستقصاء الممكن والمُحتَمل، وكم استكانتْ نفسُكَ لمّا كِلتَ لها الأعذار وطمأنتها بما في الوقت من فسحة واتساع، وها أنت قُبيلَ الثلاثين، في منتصف العمر إذا شئت، لم تجرّب جديدا ولا اختبرتَ قديما ولا وطأتْ قدمُكَ بلدة عزيزة على قلبك ولا ابتعدت عن مكانك مسافةَ حلم، ولا جسرت على المغامرة ولا سعيت إلى شيء تحبّه ولا تحدّيت مخاوفك؛ لعلّك لم تتعرف عليها بعدُ؟ غدا بعد أيامٍ قلائل ستقفُ على مشارف الثلاثين ولن تجد في ضباب مجهولاتها أمام عينيك وغبش مستقبلها وما تدّخرُهُ لك؛ شيئا هو أكثر حيرةً ممّا رأيته عندما ألقيت نظرةً على ما خلّفته وراءك من سنين وذكريات وأيام، ما إنْ التفتّ حتّى انهارتِ السنونُ وبدت الأيام وعليها غشاوةٌ والذكرياتُ أبهت ما تكونُ، ثلاثونَ سنة معقول؟! ستقولُ في نفسك مستغربا، ولن يجيبك فيك غيرُ رجع الصدى!

الجملةُ السرِّيَّة

ليس يمكنك أن تضع يدك على الجملة السرّية التي سيبدأ بها الكاتبُ نصّه فتظلّ تسحبك كالسائر أثناء نومه حتّى تأتي على آخرِ النصِّ دون أن تشعر، وليس يمكنك أن تنتخب الطبيعةَ الأسلوبية التي ستجبرك على الاستمرار بالقراءة إلى آخر المطاف، ولست تدري ما اللفظةُ التي ستنشزُ عن أخواتها وتفقدكَ رغبة القراءةِ فجأةً، إنها مراهنة خطِرة تعتمد على إحسانك الظنّ لا سيّما وإنك مشغول ومهتمّ بالبحث عن شيءٍ لست تدري ما هو وكيف سيكون، لكنك ما تزال مستمرّا بالقراءة ومنهمكا بالتفتيش عن الخيوطِ الخفيّة إذ تربطُ البدايةَ بالنهاية وتحلُّ كلَّ ما انعقدَ في أثناء السرد؛ كم تذكّرني بالسَهَارى على مشارفِ الليل آثروا البقاءَ يقظين وخافوا أن يفوتهم هذا الشيء الذي ليس بشيء فانتظِرْ حتّى تصطدم بالنهايات الفارغة أو النهارات الرتيبة وتجد نفسك قد وقعت في الفخ مجددا، أنا مثلُكَ تماما، لكنني أعرفُ الجملةَ السرّيةَ التي ستبقيني فضوليا حتّى آخر كلمة والتي ستفضي بي دوما إلى ينابيع المعنى وتوقفني على مشارِفِ الدهشة؛ غيرَ أنّها لن تكون سرّية لو أخبرتك بها وحينئذ سينهارُ هذا النصُّ بأكمله ولن يكون له معنى.

ابنُ زُريق بين صوتين

أترحّمُ على ابن زُريق كلما رأيتُهُ في خيالي يتردّدُ جيئة وذهابا في خطى مرتجفة متوترة أمام عتبة باب بيته في الكرخ، بذهنٍ حائرٍ وقلبٍ مؤمن تقلّبه على جمر الغضا أسئلة مرتابة ومشوّشة، وتفتح له أبواب المجهول، وتزيده حيرةً واضطرابا، أترحّمُ عليه حين أحسُّ بخفقِ قلبه وتأرجحه بين ما يؤمن به وما يلمسه، بين ما يحتاجه وما يؤمله هناك، هل يقتحم الأخطار ويطوي ما يطويه من بلاد كي يحظى بما هو له؟ أم يستأني ويفكر في الأمر مجدّدا؟ وهل يملك الواحدُ منّا إلّا أن يكون أسيرا لإحدى فكرتين متناقضتين تتجاذبانه؟ وهل يملكُ أخيرا إلّا أن يختار ما سبقتْ إليه الخطوةُ في لحظة ارتجال، ورأتْ فيه البصيرةُ في التماعةِ يقين خاطفةٍ حلّا يصرِفُ النظر عن كل ما هو دونه؟! كم فتّت فؤاده هذا الاشتغالُ الذهني وكم أظمتْهُ الحيرةُ فظلّ يهتزّ ويتذبذب بين صوتين أحدهما يقولُ:”وما مُجاهدةُ الإنسانِ توصلُهُ * رزقا ولا دعةُ الإنسانِ تقطعُهُ” والآخرُ يجيب:”لكنهم كُلّفوا حِرصا فلستَ ترى * مسترزقا وسوى الغاياتِ تُقنِعُهُ” والغريبُ أنه كلما أصخى السمع وجدَ الصوتينِ يتشابهانِ تماما ولا سبيل إلى التفريقِ بينهما.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ