
الليلُ أقدمُ الطائيين وأوّلُ الحواتم، كبيرُ المُقْرِين، شيخُ شيوخ مَن أوقدَ النار فاستدلَّ عليه وإليه كل طارِقٍ وتائهٍ في العراء، خيمةُ الغرباء والمغتربين والهاربينَ من شيءٍ لا يدرونَ كُنهَهُ، جبُّ العُشّاق والمجانين والهائمينَ على وجوههم، أعتقُ من صافَحَ بابتسامة أبٍ حانٍ وعانقَ بقلبِ أُمٍّ لا ترى غير ابنِها في الوجود، أرحبُ مَن استضافَ وأدفأ من آوى، وأفسحُ من فتح صدره فأدركَ حتّى مَن خُيِّل له النأيُ وظنَّ الفرار ممكنا؛ “فإنَّكَ كالليلِ الذي هو مُدركي * وإنْ خِلتُ أن المنتأى عنكَ واسِعُ” أعبَقُ مَن هَلَّا وأشيمُ مَن كتَمَ سِرَّا وأغضى طرفا وتحمّلَ كلاما وتسامح عن أنّاتٍ موجَعَةٍ وتغافلَ عن أذى، كهفُ الحَيَارى الذين فقدوا البوصلةَ وضلّوا الطريقَ ولم تجد أصواتُهُم الأسماءَ، هناكَ في ضيافة الليل، في قلبِهِ أجلسُ، حتّى يصدع الفجرُ العتمةَ أو تمحو يدُ النهارِ حبرَهُ السيّال، فأمضي وفي القلب بقيّةٌ من كلام، وفي الخاطرِ شيءٌ لم يبلغه بعدُ قولٌ ولم تطرده نفثةُ مصدور..













