قصة قصيرة: انعكاس

لم تعد ممتعةً جلسته الانعزالية آخر الليل في مقهاه حيث تلفظه المدينة ويتركه الوقتُ في مواجهة عجائب ما تأتي به الأقدار، عاش زمنا لم يُسمع له صوت، ولم يُرَ في غير زاويته المعهودة، سارحا في عوالم ما وراء الزجاج وشاردا في شخوص العابرين وزوّار المقهى الرفاق الغرباء كما يُعرِّفهم، لم يعرِف متعةً في حياته تشبه أو تُداني متعةَ الانشغال والتسلّي عنها؛ بكتاب، بنصف بيت، بنغمة صوت، بطيف خيال، بذكرى تسيل، حتّى رأى فيما يرى الرائي في ليلةٍ مقمرةٍ ساكنة شيئا عَجَبا وكأنما طرأتْ عليه مَلَكَةٌ أو فُتِحَ له في عالم المجهول باب، رأى خيالات الجالسين الفرادى تنعكس في غير هيئتها على الزجاج، مجنونا في زيِّ عاقل، فاجرا في زيِّ قدّيس، منبوذا في زيّ عزيز، رأى خيالاتهم تتحرك في انعكاسها، تصرخ وتئن، تبكي وتضحك، تأسى وتموت وتهلوس، ولمدة ثلاثين يوما رأى عجائب النفوس كيف تتلوّى في صناديقها المحكمة وخوافيها المعتمة، كم أضحكته في سِرِّه ثم استغفر مُشفقا على أصحابها، وكم أشجتْ روحه وقلّبته على جمر الأسى فأغمض عينيه وردم هوّة الفضائح محاولا أن يتناسى سرّه الرهيب، بعد شهرٍ كامل من تلك الليلة وصل إلى المقهى وجلس في مكانه وعندما رفع عينيه رأى شيئا أعْجَبَ ممّا رآه سابقا، كانت الأجسادُ كما هي مستقرّة في مكانها، بريئة من حقائقها الصادمة، بلا خيالات عائمة تنداح في انعكاسات الزجاج، كان المشهد كما اعتاد أن يكون قبل هذه النكسة وتبعاتها، كرّر النظرَ وأجاله في أرجاء المقهى فلم يزِد على أن طمأنه وأراح باله، بعد سويعاته المعتادة هناك نهض مغادرا، لكنَّ شيئا ما في عيون الجالسين جميعهم؛ شيئا لا يُفسَّرُ بغير الاحتقار والازدراء الشديديْن، كان يطاردهُ ويكنسه إلى خارج عتبات المقهى.

التويتريّونَ القُـدامى

ليسوا أشخاصا تماما، ولا أشباحا تماما، ما كلّتْ عيونُهُم بنظراتها الساهمة المريبة تراقبك من غيبٍ خفي كأنّها عيونُ الحسناواتِ المُوَّلَّدات بالذكاء الاصطناعي وحدَقَات الشيوخ الموَّلَّدين الحانقين طبيعةً والناقمين من قبل أن يجدوا السبب، ليس في نظراتهم المختلسة حقيقة تصل معها إلى آخر، ولا وهما تنفيه فتستريح، يغيبون زمنا ثم يفاجئونك بجلوسهم إلى جانبك، يسكتون أبدا ثم في لحظة ما تجدهم يستكملون معك حديثا كأنْ لم ينقطع، كم شهدوا لك على قبيح فأغضوا، وكم شاركوك فرحك وأتراحك من دون أن تدري، وتمنّوا لك وباركوا على طول المسافة، وكم شتموك سِرّا وأصمتوك ثم استحوا فعادوا إليك كالأشقاء يعجمون عودكَ بتجاوزهم للتبرير والاعتذار ويربّون فيك أفهاما خاطئة وعِللا خفية، ما تزال تنظر إليهم بعين الصاحب في رحلة جمعتكم عبر الزمانات لم تعد تتذكر كيف بدأت ولا متى انتهت، وبعين الشريك في اتّحاد الرأي والتوافقات الفكرية والأخلاقية والأدبية وغيرها، وما تزال تثمّن معرفتهم وذكرى أول تقاطع أو ارتطام وترعى وداد لحظة وتحفظ عنهم ولهم أسرارا قد نسوها وحكايا قد طووها، ولا يزالون هم يعودون كالطيور بعد هجرة وتطواف في هذا العالم المشغول مترامي الأطراف، فيكتبون على صفحاتهم كلمةً أو سلاما بعد غياب فتبتسمُ لهم في خاطرك، وتردّ عليهم السلامَ بإيماءةٍ خفيفة مثل غريبين تقاطعت بهم الطرق عند منعطف شارع.

حائطُ العزلة

في المقهى تنخفضُ الرؤوس وتنوسُ مثقلة بعبء الهواجس والأفكار والديون المؤجلة، العيون مُطرقة تخالها تتأمّل نهرا يجري على سطح البلاط، أو أثرا لغائب ليس له حضور سوى في ركام الذكريات وتجاويفها، أو أنها بالشاشات المضيئة أمامها مشغولةٌ، تتحرّى خبرا من أحد، تنتظر شيئا ما تجهلُهُ، تبحث عن متعة تزجي بها الوقت أو طرفة تستلّ منها بسمة ما، تقلّب صفحات كتاب فيضيق عندئذ العالم المرئي ويتّسع ذاك الذي لا يُرَى، في المقهى مساحةٌ ووقت لاقتفاء الفكرة، لانتظارها والتوفّق لاصطيادها في أحلى مواضعها أو إفسادها بكثرة الاستطراد والتحويم حولها وتحميلها فوق ما يُراد لها ومنها وبها، هناك وسط انحناءات الأعناق الخفيفة والعروق المشدودة والسياجات الخفيّة حول الفرادى والصمت المسفوح على الأرضيّة والنظرات المحلّقة في زرقةِ ما وراء الزجاج لا سبيل لانعتاق كلمة، أو ولادة حكاية، أو نشوء محادثة عابرة؛ إذْ أدنى همسة حينها زلة لا تُغتفر، وأبرأ نحنحة قادرة على تقويض هذا السكون المُهيب، وثَلْمِ حائط العزلة الذي شيّدتُهُ دون أن تنوي كل هذه الطيوف والأزْوَال.

حبسة الكاتب

لم يكن كاتبا عاديّا بل كاتبا لا يُشقّ له غبار لكن فيما يبدو أنه يتحول يوما بعد يوم إلى كاتب أقلّ من عادي، كان المدعو چ محبّا للمعرفة والأدب شغوفا بكل جوانب الصنعة الأدبية ومبارِكا لأقل ما يطرأ عليها من جديد مشوق أو مُستحدَث بديع، وكان يرى في أقل مشتغلي الصناعة ما لا يرونه في أنفسهم، بل إنه يدعو لهم في الخفاء وينسى نفسه، مرّت السنونُ على چ وصار منغمسا في قراءة الآخرين، ماهرا في تتبّع أصواتِهم في ضباب الكلام، حاذقا في التفاسير وتآويل المجازات، معرِضا عن موهبته العظيمة وغافلا عمّا كانتْ تعني له خفقةُ الوحي، وناسيا ما كان يجد في نفسه من حلاوةِ أوّل كلمة تفتح له في الزمانات الأوَل باب السرد، لعلّ الأبواب التي فُتحت له في مجهولاته الخاصّة وغيوبه الغامضة خدعته بأنه هو المُتحكّم وصاحب السلطة والقرار، سرعان ما جفتْهُ الكتابةُ وأعرضت عنه، وأعاضته عن ودّها الأليف انقطاعا وفراقا لم يخطر ببال العاشقين الأوائل:”وقد نكونُ وما يُخشى تفرُّقنا * فاليوم نحنُ وما يُرجَى تلاقينا” وحين جلس بعد فراق إلى الورقة البيضاء وأمسك بالقلم تبخّرتْ في ذِهنه الكلماتُ، واختفت من باله وقلبه هواجس شغلته طوال أيام، حين طال عليه هذا السكوتُ المريب ولم يعد طامعا ولو بنزرٍ يسير يسدُّ شيئا من خلته ولهفته، ظنّ أنّ هذا ما يسمّيه الكُتّاب البارعون حبسةَ الكاتب، فاطمأن لتفسيره هذا وخفتتْ في صدرِهِ نبضَةٌ متوتّرةٌ قلِقَة، وتدفّق في عروقه بعد الحيرةِ الدمُ.

على هامش شيءٍ ما

الهامشُ أكثر إغراءً من المتن، ما حدثَ في أعلى مستوياته لا يوازي ما لم يحدث وبقي حبيسا في المجهول وفي طيّ الاحتمالات، الحلم مهما قصُر وغمُضتْ صورُهُ أوفى وأكفى من حياة لا ينتهي فيها الانتظار ولا تكفّ عن مفاجأتك بوضوحها الفج ووقاحتها المميتة، سياطُ الوحدة أرأف من جليس لا يصغي تماما لما تقول، الكلام الذي اشتهيت أن تقوله وعففت عنه أطربُ من كل الألفاظ المهدورة والأحاديث المطوّلة في مقاهي الليل وهدأة النهارات، العيون البخيلة والمشيحة بنظراتها المَوَاضي أغلى من تلك المصيبة بسهامها والجريئة في إمعانها، السرّ الذي لن تقوله ويظلّ يهدر في روحك أحلى من الأخبار والبشائر التي بحثت عنها وبحثت طويلا عنك حتى حطّت ببابك، القصص التي ترويها ينقصها أصالةُ ما تجتهد في إخفائه، الكلمةُ العفويةُ الأخيرة لراحل لن يعود أنفسُ من كل الحوارات التي جمعتكما في مشارق الأرض ومغاربها، حتّى اللحظة الهامشية التي لم يطّلع عليها سواك ستظلّ ترعاها في مجهولاتها وتسقيها لو اضطررت من دم قلبك

الصوتُ في غمرة الحشد

لا يذوبُ الصوتُ الفردانيُّ في غمرة الحشد بل ينسج هناك فيما لا يُرى بهاء النغم الأخّاذ فيصيرُ في تناهيه إلى أذن المصغي البعيد نغمةً واحدةً، يسمع في تماهيها خرير ماء السواقي، وحفيف أجنحة الطيور، وصوت المطر على زجاج الشبابيك، وربما لو أنه استغرق أكثر وأصخى لسمع ترانيم أبيه البدويِّةِ في طرق السفر الممتدّة في المسافة ما بين الطفولة والكهولة، ولا يذوبُ بل كما ينظم البيتُ الفردُ سلسلة القصيدة ويربط أولها بآخرها ويصل أقلّها بأعلاها فتصير كلّها في نظر القارئ قطعة واحدة لا يعلو بيتٌ منها على أخيه إلا بقدر ما تعلو تفصيلةٌ على أخرى في وجه الحبيب المليح، ولا يذوبُ ويختفي بل كما يزهد الأخ الشقي بين إخوته في عمره وحياته كي يكفيهم وأهلَه مؤونةَ الحياة وعبء التعرّض ومشقةَ السؤال وإعراض الوجوه، لا يذوبُ الصوتُ الفردانيُّ في غمرة الحشد وصخبه إنما يتحوّل شيئا فشيئا لشواهد أثيرة متفرّقة ومنثورة في الكتب تنتظرُ من يرعي سمعه ويرى بعين البصيرة:
“ولكن معدنُ الذهبِ الرُغامُ”

دُنيـا الفراغ

وجدتني أستعيدُ كلَّ ما لم يحدثُ، أتذكّر ما ليس لي، أقطف وردةً في البال من حديقة غنّاءَ لم تطأها قدمي، أسترجع لياليَ شاهقة ما عشت في دهاليزها، وأركض في المخيلة وراء طفلٍ يشبهني ولكنه ليس أنا تماما فلا يترك لي وراءه إلا المزيد من المنعطفات وحيرة الاحتمالات، أرى حفيدة والدي تحلّق بين يديه المفتوحتين باتساع العالم ويسكنُ الوجودُ في صخب ضحكتها الناعمة للحظات وسط صالة البيت، أقفُ على شفا لحظة برزخيّة جامدة في زمنٍ ما بين ندمَيّ الإقدام والإحجام فأتراجع خطوةً وأقاوم خفقةً مضطربة في الفؤاد، أتسلّل إلى واحدة من الصباحات البيضاء وأنقذُ كلُّ ما لم يُقدَّر فيها في غمرة الانشغال ولهاث الدالهين، أطيل الوقوف تحتَ ظِلِّ شجرة بيتنا القديم حتّى تغيب الشمسُ أو تتخدّر أطرافي، أصغي إلى ترتيل النسيم في قلب لحظةٍ ما تآكلتْ أطرافها وعمّا قريب تنزِلق في نهر النسيان، أمعنُ في الذهاب حتّى يطويني ظلام الليل ولا تنجح أضواءُ المدن كلّها في إغوائي، أختارُ بنفسي جهةً وأنغمسُ في وحيها الجاذب وأستسلم لمجهولاتها، أفكّ شفرةَ هذا الإلهام الغريب والفيض الدافق من لا مكان لهذه الرغبة الملحّة في الكتابة عن اللاشيء وإليه

جمال مهدور

أجمل الدروب ما تجرّك إليه قدمك في غفلة منك، أجمل الحكايات ما تدخلها دون أن تنوي أو تخطط، أجمل المواعيد صدفةٌ لم ترتّب لها كلمةً ولم تعدّ لها تصوّرا مبدئيا في أعمق أحلامك، أجمل الشعراء مَنْ وقفت متلصصا عليه غير مرةٍ وهو يحرِسُ حياتك ويحمل عنك همّ الأسئلة وشقاوة احتمال أجوبتها المريرة، أجمل اللحظات ما تقف على أطلالها ويلمع في أفق ذهنك:”يومٌ كأيّام لذّات لنا انصرمتْ-بتنا لها يوم نام الدهرُ سُرّاقا” أجمل الصباحات ما تُرِكتَ فيه لوحدك، أجمل الروائح ما شَمَمْتَهُ في شماغ والدك المثنيّ قُبيل الفجر في واحدة من صباحات الطفولة، أجمل الوجوه ما لا يُسْمَحُ لكَ باستعادة صورتها بعد أن رأيتها مرة للحظة خاطفة، أجمل الأصوات صوتُ ترنيمةٍ بدويّة معتّقة ما تزال تسافر إلى أذنك من صالة البيت القديم ذات أصيل، أجمل الذكريات ما لن تفتح لأمواجها المتلاطمة باب الذاكرة، أجمل القصص ما ترويه لنفسكَ عمّا كانت عليه حياتُكَ قبل الآن، قبل هذه اللحظةِ، وتكادُ للحظةٍ أن تُصدّق ما ترويه

الكونت مونت كريستو

مات بونابرت بعد أن قضى حياته يستولي على مدينة ويخسر أخرى من ورائه وبعد أن غرّب وشرّق في بلاد الله الواسعة كأنّه المعنيّ:”ما آب من سفرٍ إلّا وأزعجه-رأيٌ إلى سَفَرٍ..” مات وفي رقبته مئات آلاف الضحايا الذي خاض معهم الحروب والذين غربَلَهم في زحفه المنهك نحو روسيا ما بين حرائقها المُدبَّرةِ وطقسها المتجمّد، ستمرّ السنون وتُنسى أسماء الضحايا في هامش التاريخ وركامه؛ لكنّ اسما واحدا كان ضحيّةً لا ذنب له ستظلّ جدرانُ قلعةِ إيف تذكره مدى الدهر، ما يزال الشاب البريء إدموند دونتيس يربّي حقده الدفين بين جدرانها العملاقة، وما يزال يحفر في صخورها الصلبة بحثا عن ومضة من ضوء وهو يستذكر طارف ابتسامةٍ ما فتأتْ تورِي زناد الشوق وتبعث لاعج الهوى، وما يزال يتعلّم من صديقه الزرياب آبي في الليالي الطويلة كل ما سيعينه في حياته المنتظرة، ستمر سنونٌ عاصفة وهوجاء أخرى -يتذكّر فيها دونتيس حبيبته ترقص مثل غزالة في خياله- لكنّها لن تنقضي حتّى يولدُ من رحِمِها رجلٌ يُحبّ أن يُنادَى الكونت مونتي كريستو..

حيثُ كنتَ كان: ملامح من بستان أبي الطّيّب


في دواوين المتنبي يورِدُ الشُرّاح بيتين قالها في مجلس أبي محمّد بن طُغج، وقد أقبل الليلُ وهما في بُستان:”زال النهارُ ونورٌ منك يوهِمنا-أنْ لم يزُلْ، ولِجُنحِ الليلِ إجنانُ/فإنْ يكُن طلبُ البُستانِ يُمسكنا-فرُحْ، فكلُّ مكانٍ منكَ بُسْتانُ!” ولا يختلفُ الشُرّاح كثيرا على معنى البيتين ولعلّ معانيهما واضحة من القراءة الأولى، وببساطة، يقول أبو الطّيب إن الليل قد تأخر والنهار زال (هذه حقيقة) لكنّ نورَ وجهك ووهج حضورك يغلبُ إجنان/ظلام الليل، فلذاك نخالُ النهارَ باقٍ ولا لومَ على من توهّمَ حبّا وكرامة، ثم يستطرِدُ معتذرا لممدوحه في رحيله؛ إن كنّا نحنُ نريدُ البستان ونطلبه؛ فلأنّك فيه، فرُح (تصرّف ما أحببت) فإن البستان لصيقك، وهو معك وموضعك أينما حللت، وقد زاد بعضهم أن قال في المعنى (أنّ البُستان قد ألِفكْ وطلبك وأحبّ منك أن تبقى). وهذه بديهةٌ عطريّة وروح شاعرة من أبدع ما يكون، فقد كان يكفي المتنبي أن يذكر المكان دون أن يسمّيه ويُغلِّب عليه معنى كئيبا موحشا في حال رحيل الممدوح وزواله عنه كما قال ذات مرّة:”لمّا قفلتَ من السواحلِ نحونا-قفلتْ إليها وحشةٌ من عندنا!” لكنّ الشيخ نبهٌ لمّاح أراد توظيف المكان وخصوصيته -وخصائصه الانتقالية والشذيّة معنىً ومادّة- في مدحه، فكان هذا تركيزه العطري. ثُمَّ إن المتأمّل أكثر في البيت الثاني قد يتراءى له ملامح أخرى، منها، استدامةُ المتنبي طلبَ ممدوحه، وكيف ذاك؟ لمّا أن كان حُبّنا وملازمتنا البستانَ لأنك فيه، فلا يمنعنَّك يا أبا محمّد -رأفةً بنا وشفقة علينا- أن ترحل؛ فإنّ كل موضعٍ تطأه قدمك سيكونُ هو البستان الأعلى، والملاذ الأغلى، ولذا فإنّ طلبنا ورغبتنا في مجالستك ورؤيتك ستكون أبدا، والمكانُ بساكنيه، ثم إنّ المستغرق أكثر في التأمل ستلوح لها معاني أخرى لا يحيطُ بها الكلام ولا تمسك بصورتها الكاملة اللغةُ، والله المستعان.

الأقلّية الهائلة

مِن آخرِ الشعراء الواقفين على آخرِ الأطلال في أقصى الأرض يرثون عهد الأيام الخوالي والحكايا السوالف، مِن آخرِ الآباء ما زالوا يحرسون في الخفاء بوّابات الأحلام وخزائن الذكرى ويدارون عن خاطر الأبناء ما لنْ يحسّوه إلا بعد فوات الأوان، من آخِرِ الأمّهات حتّام يغرِفْنَ من أعماق قلوبهنّ كل هذا الحنان وينسِجْنَ في سكنَاتِهِنَّ المطوّلة في صالات البيوت غلالةً من ذهب وبهاءً يربو عن النعيم!، مِن آخر الغُيّاب ما يزال يجرّ ظِلّه على صحراء الذاكرة ويمضي إلى حيثُ لا تستعيدُهُ الذكريات ولا الهواجسُ ولا الضحكات الناقصة المغلّفة بشيء من خوف غامض وقلق لا يُفسّر، من آخرِ الحالمين ما فتأ يرقبُ البشرى ويدّخر لساعة مجيئها أندى بسماته وأصدق خفقاته، من آخرِ المنتظرين على عتبات البيوت دون أن ينادي على أهلها، من آخر المغمورين بفيضانات الأسئلة المحيّرة العاجزين عن فكّ شفرة الحواجز المستعصية، من آخر المشغولين بتأجيل المجهول، الباحثين عن زمنٍ ما خارج الزمن، عن خطٍ موازٍ لا تجري عليه الأحكام، وعن لحظةٍ تشذّ عن ضجيج الآنيّ وقلق الحاضر؛ من أولئك كلهم لا يزالُ صدًى يرتدُّ ويرجِعُ، وضوءٌ يُنير ما أظلمَ وبهتَ وأوحشَ في مجاهل الذاكرة والروح..

شِعـْرُ الأُبوَّة

لم يولِ والدي الشعرَ كبير اهتمام بل وقلّما سمعتُهُ يردّد بيتا أو يستدعي شطرا لظرف ما، ولكنه حين يستذكر فلستُ أنسى ما قال، مرّةً وفّقنا اللهُ للقاءٍ بعد انقطاعٍ اضطراري وفراق طويل، وسمعتُه في عرض الكلام يذكر بيتا ما، خرجتُ من عنده، ونسيتُ البيت، ومضت الأيام، ثمّ مضت السنون، ووجدتني بعد سنين أستذكر بيتا عجيبا، وأمدحهُ وأحمدُه، بل أغلو في مديحه، وتعجّبتُ من نفسي، أين كنتُ عنه وكان عنّي هذا البيت؟ عندما استغرقتُ في التذكّر وأمعنتُ في مجاهل نفسي، تذكرت ابتسامة والدي في ذاك اللقاء وهو يتمثّل البيت هذا، ويوظّفه خيرَ توظيف في منتصف الكلام، فعرفتُ أن البيتَ كان هناك منذ الأزل، في تجاويف الذاكرة؛ وأنّي في طريقي إليه، منذ زمن، لم يولِ والدي الشعرَ كبير اهتمام، لكن أليس آباؤنا هم الشعراءُ الأوائلُ الذين فتحنا أعيننا عليهم؛ فلم تعد تُغلِقُ إلّا على صورِهم، ولا تستذكر إلّا ما تركوا فيه بصمتهم وأثرهم؟ أليست تصرّفاتهم البسيطة ووقفاتهم المطوّلة تحت شمس الهاجرة وتطوافهم اللانهائي في دروب الحياة وحنانُهم البهيُّ، هو الشِعْرُ بذاته، قبل أن يصير كلاما، وقوافي، وموسيقى، وأوزان..

النص الذي لم يحِنْ موعدُهُ

لا شيءَ في الكتابةِ يشبه ذاك النص الحالم، الذي لن تكتبه أبدا، وستظلّ تحلم دوما بكتابته، ويظلّ يعتَمِلُ في مخيلتك ويأكل معك ويشرب؛ كالدَيْن، لكنه دينٌ لن يطالبكَ به أحدٌ؛ سواك، وكلما اقتنصت فكرةً ما، أو شدهتكَ نظرةٌ ما؛ ادّخرتها وخبّأت التماعاتها وشذاها الآسر، وكلما جذبكَ من ناحيةٍ علويّة نغمٌ، أو شدّك من عالمك المشغول هاجس طارئٌ أو وحيٌ غامضٌ؛ كنزتَ التفاصيل والمعاني وحملتها معك كالسّرِ الثمين، ستجد في ظِلّه الملازمِ لك ما لم تره في كل ما كتبت، وفي هيكلته المتوهَّمة وأسلوبه الخلّاب في فضاء تصوّراتك ما لم تعرفه في موسيقى نصوصك وأجراسكَ الخفيّة، وتحشد له كل ما اصطفيته وانتخبته من رحلة العمر الطويلة، هذه الكتابةُ المؤجلةُ إلى قَدَرٍ غيرِ معلوم تشبه قليلا تلك اللفتة الغامضة عند أبي الطّيب: “ولقد خبأتُ من الكلامِ سُلافَهُ-وسقيتُ من نادمتُ من جرياله” ولعلها -الكتابةُ السُلافية- في مكانٍ علويٍّ في نفسكَ تتشوّفُ إليها بين حين وحين، ترقبُ ساعة مجيئها، وتستعد لها إذ تدنو من بعيد منذ أول الوقت ولمّا تصل بعدُ، لكنك لن تتخلّى عنها، كيف وقد ألهمتكَ الوعد دون أن تقول، وولّهتك دون أن تنطق، فهل تملك الآن إلّا أن تنتظر لحظة الحصاد، وأوانَ القطف؟ وهل يمكنك إلّا أن تحلم بتلك الكتابة التي ستقول عند تحقّقها: هيَ ذي!

إحسانٌ يُزري بصاحبِهِ

لا بدّ أني ورثتها عنه خصلة المبادرة ككل الخصال والسجايا الكريمة التي ما بخل بها علي، أمّا ما تكاثف بي من قبيح الطباع فهو ابتكار شخصي واجتهاد فرديّ أفرزته كل تلك السنون بمصائبها ومراراتها، لكنّ المبادرةَ والمروءة والوقوف على حاجات الناس دون أن يطلبوا؛ فضل كبيرٌ وخلق سَمْحٌ لا أدّعيه بل أعزوه إليه، وأنسبه إلى الرابطة الأثيرة بين الأب والابن، والشَبَهِ الخفيف المدوّن في كتاب المصائر، وقد قال أبو فراس مرةً في ممدوحه:”وزندي وهو زندُك، ليس يكبو-وناري، وهي نارُكَ ليس تخبو/وفضلي تعجزُ الفضلاءُ عنه-لأنكَ أصلُهُ والمجدُ تِرْبُ” لكنِ الناسُ ليسوا هم الناس، وأنا وأعوذ بالله من أنا؛ كما كُنت، لا أتعلّم أبدا في مرتي الأولى ولا الأخيرة، ما زلتُ أتذكر ذاك الشيخ كبير السن واقفا ويكادُ يسقطُ من ثقل ما في يده اليمنى من أكياس، عند الفرن الملتهب ينتظر، قلتُ:”عمّي خل أساعدك” فلحظني بنظرةٍ كالسهم، وكاد أن يلطمني على وجهي بخبز التميس المستدير إلى مالا نهاية، نافثا من صدره شعلة من لظى، ثم قال:”أحد طلبك شيء؟” قلتُ:”قوّاك الله وأنا آسف” ثم انزويتُ على نفسي وعلى وجهي ارتسمت ابتسامةٌ بلهاء. وعدتُ إلى سيارتي بقطعتين من الخبز في يدي ودرسٍ حياتيّ رهيب، ثم مضت الأيام، وما تعلّمتُ شيئا حينَ في المقهى وقفتْ فوق رأسي كرقيبٍ أو خيالٍ ما سيدةٌ ظلّت في انتظار دورة المياه المشغولة -كرّم الله القارئ- خلفي لمدة تزيد عن ربع ساعة، فتجرأتُ ونطقتُ بعد لأيٍ واجتهاد:”يا أختي، لازم تطلبين المفتاح من المحاسب لأن الحمام مقفل” ثم عدتُ لأشغالي ليفاجئني بعد دقائق اثنان من إخوتها بعيونٍ محمرّةٍ وأوداجٍ منتفخةٍ وصدور تكادُ تنفجرُ ونيّةٍ مصمّمةٍ على الإيذاء، لعلّهم رأوني حين وجّهتُ لها تلك الكلمات، أخرس الله لسانك يا ولد قلتُ في نفسي، ثم جلستُ لخمس دقائق أشرح لهم الموقف، وقوانين المقهى وما قلتُ وما لم أقل، ثم مضوا في شأنهم، ثم إنّي مررتُ بغير ذاك من المواقف المحرجةِ نفسها، حتّى أوقفتُ نفسي عند حدّها، وحلفتُ غير حانثٍ أني سأعتمدُ ردّة الفعل، وأترك الفِعل والمبادرة والسؤال والمراعاة لأصحابها، وكم آلمني منذ ذاك الحين منظر الرجل يحمل أكياسا في يديه فلا أفتح له الباب، وارتطام الطفل بزجاج المحلّ النظيف دون أن أنبّهه، ومشهد الشيخ يركض ليلحق بالمحل المفتوح وأنا القافل منه وأدري أنه مُغلقٌ فلا أنبس بكلمة، درّبتُ نفسي تماما على الانشغال بنفسها، وغرقت في مشاكلي، أما الإلماحات الصغيرة، وتفاصيل المراعاة والإحسان البسيطة فقد تركتُ المبادرةَ فيها، إلّا أن تُطلب، لكنّي كلما لمعت في خاطري فكرةٌ مُراعية، أو اشتهت نفسي فعلا حَسَنا ومنعتُ نفسي عنه خوفا من تبعاته؛ تذكرتُ ذلك الوجه البشوش، الرجل الذي ما منعه شيءٌ من أن يعطي ويحسن ويخلص؛ حتّى بعد أن نكبته الحياة نكباتٍ لا تُحصى ولا تُعدّ، ولا أظنّه قد فكّر بما فكّرتُ به ووصلتُ إليه، لأنه الأصل، وأنا مجرد امتداد فرعي يعترضه ما يعترضه من طوارئ وهواجس وأسباب، فاستعضتُ عن قيامي بالفعل، بدعوتي له بالعافية، والخير، والبشرى، والفرج، والتيسير.

صورةٌ لأبـي

لا أحب الصور الشخصية؛ لا صوري، ولا صور من أعرفهم، ولعلّي أحب أن أحتفظ لهم بأعذب صورهم في بالي، وأُحسِنَ لهم في الغيب من حيث لا يدرون، أو ربما لأني أخاف من الوقوف المفاجئ أمام الصور ومواجهة أصحابها في الداخل، ومِن التفطّن لما يعنونه لي، وما أكنّه لهم؛ تعوّدتُ الهرب من نفسي؛ لا مراقبتها وهي تتكشّف وتهذي. وهكذا كلما بعث أخ لي صورةً لإحدى بناته قبّلتها طويلا طويلا، ثم سارعت لحذفها، وتعذّرتُ لنفسي بضيق ذاكرة الهاتف؛ على أنه لم يعد عذرا مقبولا هذه الأيام، وكلما خطرتُ على بال عمّي النائي في عزلته الأبدية وأرسل لي صورةً من أرشيفه لبلادي البعيدة وأعمامي ورحلاتهم أيام الصِّبا؛ عرفتُ أنه اشتاق لي، أو على الأقل إلى صوتي الذي يجد فيه -بطريقته- نغمةَ أصوات إخواني كلهم، فأرسل له تسجيلا مطوّلا مطمْئنا ومبشّرا بأنْ ستجمعنا الدنيا رغم الظروف وأنّه مهما اختلفت الدروب فسنلتقي في نهايةٍ ما سعيدة نسبيا -على الأقل- ولستُ أدري من يوحي لي بذاك الكلام في كل مرة؛ صوتا يهوّن به على نفسه اختياراته الصعبة في الحياة وغير الملزمة، ثمّ تعرف أصابعي طريقها إلى ملفات الصور فلا تبقي على شيء، اليوم وأنا أفتّش عن صورةٍ لملفٍ ما أحتاجه للعمل، وقد أضعته في ركام الصور، وجدتُ صورةً لرجلٍ ما، على وجهه ابتسامةٌ كاملة، وعلى ملامحه من الرِّضا ما لا يوصَفُ، سلّمتُ عليه على بعد المكان وطول المسافة و”سعي الدهر” بيننا، وقبّلتُ جبينه، ونسيتُ عن أي صورة كنت أبحثُ طوال النهار، أو لعلّي وجدتها وما انتبهتُ.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ