شيءٌ من الأطلال

ربما كنتُ قصة هامشيّة لا يقف عندها رشيد كثيرا بل لعله لم يفكّر بها إطلاقا، ولن أستطيع إكراما لخاطري القول عن عبوره في حياتي بأنه هامشي وجانبي، ولن أفتري عليه فأدّعي أنّي اصطدتُ حكايته المنسيّة من السيل الهادر الذي هو حياتي، لقد كان ولا يزال في مكان آمن ومألوف في ذاكرتي الفوضويّة، ولا تزال صورتُهُ المجمّدة في خيالي كما هي بظهرٍ مقوّس وعودٍ مهزولٍ وشعر أبيض يطفو مثل غيمة فوق رأسه، كان قد قارب السبعين في آخر مرة التقينا قبل سنوات، وبالنسبة لي فإنّه قد توقّف عند هذا العمر وإنّي لأراه في شرودي أحيانا هناك في مسقط رأسه في إحدى قرى السودان يعتني بشجرة خضراء تفرّعت أغصانها حتّى خرجت عن إطار الصورة، لطالما شاهدته منحنيا على أكوام الفواكه والخضروات في ركن متواضع داخل بقالة تبعد عن بيتنا القديم مسافة ليست بالهيّنة، ينحني بلهفة جدّ على حفيده، باهتمام يبدو معه كل شيءٍ حينها في هذا العالم غير مهمٍ بل غير موجود، فيرتّبها، وينفض عنها الغبار، ويؤنقها ويوالف بين أنواع الفاكهة في علب، ويسعّرها، ثم يعيد ترتيبها وهلمّ جرّا. كنت أتعمّد قطع هذا المشوار الطويل لأقف بين يديه وأسأله عن حاله وأهله وأسمع منه شيئا طارفا ممّا تكرمني به ذاكرته من حكايا لدقائق قبل أن أمضي في طريقي بكيسٍ زرقاء وحفنة من الدعوات المُندّاة بلهجته العذبة، ولقد تحدّثنا في تلك اللقاءات البسيطة عن كل شيء يخطر على البال تقريبا، لكنني في الآن نفسه لستُ أذكر شيئا بعينه من تلك الأحاديث، ما أذكرُهُ تماما كما لو أنّه حدث البارحة، وقبلها، وفي كل لحظةٍ تأتي وستأتي؛ أنني عند هذا المنعطف الذي وصلت إليه بالصدفة كنتُ ألوي عُنَقَ راحلتي وأستدير بسيّارتي، متجها لبقالة صاحبي التي لم يبْقَ منها غير أطلال متهدّمة تتراءى لعين ناظرها مثل صورٍ مموَّهةٍ تتطاير في فضاء المخيلة

شيءٌ ما في دورِ الممثّل الأوّل

شيءٌ ما من دور الممثل الأوّل حين التقينا غريبين في فيلم ما لا يزال يُلقي بظلاله عليه في كل مرةٍ أرى له عملا جديدا وقصةً يتخبّط في تحوّلاتها المصيرية، ما زلتُ أرى في عَيْنَيِّ إدوارد نورتن على الشاشة العريضة ثعلبا ماكرا يحوم في مكانه ويتحيّن فرصته ليثِب، وما زلتُ أرى في وقفة مايكل دوغلاس الثابتة رجلا مرتابا ومتوترا رأيتُهُ ذات ليلةٍ يَهْوي من أعلى سطح مبنى ويدوم معلّقا في الفضاء لبضع ذكريات، وما كلّ خيالي يفرضُ عليّ كلما رأيتُ كريستيان بيل في حدود الإطار وجهه المؤرَّق وجسده النحيل ويَقظته المعذّبة وهلاوسه التي تملأ عليه الأفق وتمدّ له من حيث لا يدري عذابات أُخَر، ولا يزال دي كابريو في كل انفعالاته الاضطرارية والطبيعية يتبدّى لي من خلاله وجهه الطفولي البريء الغادِر وهو يفكر بحيلته القادمة، أمّا براد بِت فقد لازمتْهُ في ذهني نهايته الأسيفة وسؤاله المرير ونشيجه المتقطّع في فيلم الخطايا، وهناك بين هذه وتلك وجوهٌ أخرى كثيرة تطفرُ حينا وتختفي حينا لكنّ من بينها وأكثرها إلحاحا ذلك الوجه الحائر في أسئلته الوجوديّة والعينان المنطفأة أمام قسوة الاحتمالات واللغة الرّخوة المتفكّرة لا بحثا عن اليقين واحتمال الضوء ولكن إمعانا في غياهب اليأس والشك، ذلك الوجه المألوف الغريب لرجل يُدعى ماثيو ماكونهي.

قُبيل الثلاثين، برزخ العمر

ما دون الثلاثين بقليل، عند المنعطف الأخير، ربما لم يفُتك شيءٌ في هذا العمر الهائل الذي طويته بسرعة الهاربين من شيء لا يدركون كُنهه، لكنك لن تملك إلّا أن تتساءل عمّا فاتك وتفكّر بكلّ ما أمكنك أن تملكه، أن تفوز به، أن تستأثر به لنفسك، كم حكاية كان يمكنك دخولها من أوسع الأبواب لكنك عففت عنها، وكم أسرفت في التسويف وتأجيل المجهول في التجارب والرحلات والمسامرات، وكم ركنت إلى المألوف وقبضت على الراهن الموجود عوضا عن الانشغال باستقصاء الممكن والمُحتَمل، وكم استكانتْ نفسُكَ لمّا كِلتَ لها الأعذار وطمأنتها بما في الوقت من فسحة واتساع، وها أنت قُبيلَ الثلاثين، في منتصف العمر إذا شئت، لم تجرّب جديدا ولا اختبرتَ قديما ولا وطأتْ قدمُكَ بلدة عزيزة على قلبك ولا ابتعدت عن مكانك مسافةَ حلم، ولا جسرت على المغامرة ولا سعيت إلى شيء تحبّه ولا تحدّيت مخاوفك؛ لعلّك لم تتعرف عليها بعدُ؟ غدا بعد أيامٍ قلائل ستقفُ على مشارف الثلاثين ولن تجد في ضباب مجهولاتها أمام عينيك وغبش مستقبلها وما تدّخرُهُ لك؛ شيئا هو أكثر حيرةً ممّا رأيته عندما ألقيت نظرةً على ما خلّفته وراءك من سنين وذكريات وأيام، ما إنْ التفتّ حتّى انهارتِ السنونُ وبدت الأيام وعليها غشاوةٌ والذكرياتُ أبهت ما تكونُ، ثلاثونَ سنة معقول؟! ستقولُ في نفسك مستغربا، ولن يجيبك فيك غيرُ رجع الصدى!

الجملةُ السرِّيَّة

ليس يمكنك أن تضع يدك على الجملة السرّية التي سيبدأ بها الكاتبُ نصّه فتظلّ تسحبك كالسائر أثناء نومه حتّى تأتي على آخرِ النصِّ دون أن تشعر، وليس يمكنك أن تنتخب الطبيعةَ الأسلوبية التي ستجبرك على الاستمرار بالقراءة إلى آخر المطاف، ولست تدري ما اللفظةُ التي ستنشزُ عن أخواتها وتفقدكَ رغبة القراءةِ فجأةً، إنها مراهنة خطِرة تعتمد على إحسانك الظنّ لا سيّما وإنك مشغول ومهتمّ بالبحث عن شيءٍ لست تدري ما هو وكيف سيكون، لكنك ما تزال مستمرّا بالقراءة ومنهمكا بالتفتيش عن الخيوطِ الخفيّة إذ تربطُ البدايةَ بالنهاية وتحلُّ كلَّ ما انعقدَ في أثناء السرد؛ كم تذكّرني بالسَهَارى على مشارفِ الليل آثروا البقاءَ يقظين وخافوا أن يفوتهم هذا الشيء الذي ليس بشيء فانتظِرْ حتّى تصطدم بالنهايات الفارغة أو النهارات الرتيبة وتجد نفسك قد وقعت في الفخ مجددا، أنا مثلُكَ تماما، لكنني أعرفُ الجملةَ السرّيةَ التي ستبقيني فضوليا حتّى آخر كلمة والتي ستفضي بي دوما إلى ينابيع المعنى وتوقفني على مشارِفِ الدهشة؛ غيرَ أنّها لن تكون سرّية لو أخبرتك بها وحينئذ سينهارُ هذا النصُّ بأكمله ولن يكون له معنى.

ابنُ زُريق بين صوتين

أترحّمُ على ابن زُريق كلما رأيتُهُ في خيالي يتردّدُ جيئة وذهابا في خطى مرتجفة متوترة أمام عتبة باب بيته في الكرخ، بذهنٍ حائرٍ وقلبٍ مؤمن تقلّبه على جمر الغضا أسئلة مرتابة ومشوّشة، وتفتح له أبواب المجهول، وتزيده حيرةً واضطرابا، أترحّمُ عليه حين أحسُّ بخفقِ قلبه وتأرجحه بين ما يؤمن به وما يلمسه، بين ما يحتاجه وما يؤمله هناك، هل يقتحم الأخطار ويطوي ما يطويه من بلاد كي يحظى بما هو له؟ أم يستأني ويفكر في الأمر مجدّدا؟ وهل يملك الواحدُ منّا إلّا أن يكون أسيرا لإحدى فكرتين متناقضتين تتجاذبانه؟ وهل يملكُ أخيرا إلّا أن يختار ما سبقتْ إليه الخطوةُ في لحظة ارتجال، ورأتْ فيه البصيرةُ في التماعةِ يقين خاطفةٍ حلّا يصرِفُ النظر عن كل ما هو دونه؟! كم فتّت فؤاده هذا الاشتغالُ الذهني وكم أظمتْهُ الحيرةُ فظلّ يهتزّ ويتذبذب بين صوتين أحدهما يقولُ:”وما مُجاهدةُ الإنسانِ توصلُهُ * رزقا ولا دعةُ الإنسانِ تقطعُهُ” والآخرُ يجيب:”لكنهم كُلّفوا حِرصا فلستَ ترى * مسترزقا وسوى الغاياتِ تُقنِعُهُ” والغريبُ أنه كلما أصخى السمع وجدَ الصوتينِ يتشابهانِ تماما ولا سبيل إلى التفريقِ بينهما.

قصة قصيرة: انعكاس

لم تعد ممتعةً جلسته الانعزالية آخر الليل في مقهاه حيث تلفظه المدينة ويتركه الوقتُ في مواجهة عجائب ما تأتي به الأقدار، عاش زمنا لم يُسمع له صوت، ولم يُرَ في غير زاويته المعهودة، سارحا في عوالم ما وراء الزجاج وشاردا في شخوص العابرين وزوّار المقهى الرفاق الغرباء كما يُعرِّفهم، لم يعرِف متعةً في حياته تشبه أو تُداني متعةَ الانشغال والتسلّي عنها؛ بكتاب، بنصف بيت، بنغمة صوت، بطيف خيال، بذكرى تسيل، حتّى رأى فيما يرى الرائي في ليلةٍ مقمرةٍ ساكنة شيئا عَجَبا وكأنما طرأتْ عليه مَلَكَةٌ أو فُتِحَ له في عالم المجهول باب، رأى خيالات الجالسين الفرادى تنعكس في غير هيئتها على الزجاج، مجنونا في زيِّ عاقل، فاجرا في زيِّ قدّيس، منبوذا في زيّ عزيز، رأى خيالاتهم تتحرك في انعكاسها، تصرخ وتئن، تبكي وتضحك، تأسى وتموت وتهلوس، ولمدة ثلاثين يوما رأى عجائب النفوس كيف تتلوّى في صناديقها المحكمة وخوافيها المعتمة، كم أضحكته في سِرِّه ثم استغفر مُشفقا على أصحابها، وكم أشجتْ روحه وقلّبته على جمر الأسى فأغمض عينيه وردم هوّة الفضائح محاولا أن يتناسى سرّه الرهيب، بعد شهرٍ كامل من تلك الليلة وصل إلى المقهى وجلس في مكانه وعندما رفع عينيه رأى شيئا أعْجَبَ ممّا رآه سابقا، كانت الأجسادُ كما هي مستقرّة في مكانها، بريئة من حقائقها الصادمة، بلا خيالات عائمة تنداح في انعكاسات الزجاج، كان المشهد كما اعتاد أن يكون قبل هذه النكسة وتبعاتها، كرّر النظرَ وأجاله في أرجاء المقهى فلم يزِد على أن طمأنه وأراح باله، بعد سويعاته المعتادة هناك نهض مغادرا، لكنَّ شيئا ما في عيون الجالسين جميعهم؛ شيئا لا يُفسَّرُ بغير الاحتقار والازدراء الشديديْن، كان يطاردهُ ويكنسه إلى خارج عتبات المقهى.

التويتريّونَ القُـدامى

ليسوا أشخاصا تماما، ولا أشباحا تماما، ما كلّتْ عيونُهُم بنظراتها الساهمة المريبة تراقبك من غيبٍ خفي كأنّها عيونُ الحسناواتِ المُوَّلَّدات بالذكاء الاصطناعي وحدَقَات الشيوخ الموَّلَّدين الحانقين طبيعةً والناقمين من قبل أن يجدوا السبب، ليس في نظراتهم المختلسة حقيقة تصل معها إلى آخر، ولا وهما تنفيه فتستريح، يغيبون زمنا ثم يفاجئونك بجلوسهم إلى جانبك، يسكتون أبدا ثم في لحظة ما تجدهم يستكملون معك حديثا كأنْ لم ينقطع، كم شهدوا لك على قبيح فأغضوا، وكم شاركوك فرحك وأتراحك من دون أن تدري، وتمنّوا لك وباركوا على طول المسافة، وكم شتموك سِرّا وأصمتوك ثم استحوا فعادوا إليك كالأشقاء يعجمون عودكَ بتجاوزهم للتبرير والاعتذار ويربّون فيك أفهاما خاطئة وعِللا خفية، ما تزال تنظر إليهم بعين الصاحب في رحلة جمعتكم عبر الزمانات لم تعد تتذكر كيف بدأت ولا متى انتهت، وبعين الشريك في اتّحاد الرأي والتوافقات الفكرية والأخلاقية والأدبية وغيرها، وما تزال تثمّن معرفتهم وذكرى أول تقاطع أو ارتطام وترعى وداد لحظة وتحفظ عنهم ولهم أسرارا قد نسوها وحكايا قد طووها، ولا يزالون هم يعودون كالطيور بعد هجرة وتطواف في هذا العالم المشغول مترامي الأطراف، فيكتبون على صفحاتهم كلمةً أو سلاما بعد غياب فتبتسمُ لهم في خاطرك، وتردّ عليهم السلامَ بإيماءةٍ خفيفة مثل غريبين تقاطعت بهم الطرق عند منعطف شارع.

حائطُ العزلة

في المقهى تنخفضُ الرؤوس وتنوسُ مثقلة بعبء الهواجس والأفكار والديون المؤجلة، العيون مُطرقة تخالها تتأمّل نهرا يجري على سطح البلاط، أو أثرا لغائب ليس له حضور سوى في ركام الذكريات وتجاويفها، أو أنها بالشاشات المضيئة أمامها مشغولةٌ، تتحرّى خبرا من أحد، تنتظر شيئا ما تجهلُهُ، تبحث عن متعة تزجي بها الوقت أو طرفة تستلّ منها بسمة ما، تقلّب صفحات كتاب فيضيق عندئذ العالم المرئي ويتّسع ذاك الذي لا يُرَى، في المقهى مساحةٌ ووقت لاقتفاء الفكرة، لانتظارها والتوفّق لاصطيادها في أحلى مواضعها أو إفسادها بكثرة الاستطراد والتحويم حولها وتحميلها فوق ما يُراد لها ومنها وبها، هناك وسط انحناءات الأعناق الخفيفة والعروق المشدودة والسياجات الخفيّة حول الفرادى والصمت المسفوح على الأرضيّة والنظرات المحلّقة في زرقةِ ما وراء الزجاج لا سبيل لانعتاق كلمة، أو ولادة حكاية، أو نشوء محادثة عابرة؛ إذْ أدنى همسة حينها زلة لا تُغتفر، وأبرأ نحنحة قادرة على تقويض هذا السكون المُهيب، وثَلْمِ حائط العزلة الذي شيّدتُهُ دون أن تنوي كل هذه الطيوف والأزْوَال.

حبسة الكاتب

لم يكن كاتبا عاديّا بل كاتبا لا يُشقّ له غبار لكن فيما يبدو أنه يتحول يوما بعد يوم إلى كاتب أقلّ من عادي، كان المدعو چ محبّا للمعرفة والأدب شغوفا بكل جوانب الصنعة الأدبية ومبارِكا لأقل ما يطرأ عليها من جديد مشوق أو مُستحدَث بديع، وكان يرى في أقل مشتغلي الصناعة ما لا يرونه في أنفسهم، بل إنه يدعو لهم في الخفاء وينسى نفسه، مرّت السنونُ على چ وصار منغمسا في قراءة الآخرين، ماهرا في تتبّع أصواتِهم في ضباب الكلام، حاذقا في التفاسير وتآويل المجازات، معرِضا عن موهبته العظيمة وغافلا عمّا كانتْ تعني له خفقةُ الوحي، وناسيا ما كان يجد في نفسه من حلاوةِ أوّل كلمة تفتح له في الزمانات الأوَل باب السرد، لعلّ الأبواب التي فُتحت له في مجهولاته الخاصّة وغيوبه الغامضة خدعته بأنه هو المُتحكّم وصاحب السلطة والقرار، سرعان ما جفتْهُ الكتابةُ وأعرضت عنه، وأعاضته عن ودّها الأليف انقطاعا وفراقا لم يخطر ببال العاشقين الأوائل:”وقد نكونُ وما يُخشى تفرُّقنا * فاليوم نحنُ وما يُرجَى تلاقينا” وحين جلس بعد فراق إلى الورقة البيضاء وأمسك بالقلم تبخّرتْ في ذِهنه الكلماتُ، واختفت من باله وقلبه هواجس شغلته طوال أيام، حين طال عليه هذا السكوتُ المريب ولم يعد طامعا ولو بنزرٍ يسير يسدُّ شيئا من خلته ولهفته، ظنّ أنّ هذا ما يسمّيه الكُتّاب البارعون حبسةَ الكاتب، فاطمأن لتفسيره هذا وخفتتْ في صدرِهِ نبضَةٌ متوتّرةٌ قلِقَة، وتدفّق في عروقه بعد الحيرةِ الدمُ.

على هامش شيءٍ ما

الهامشُ أكثر إغراءً من المتن، ما حدثَ في أعلى مستوياته لا يوازي ما لم يحدث وبقي حبيسا في المجهول وفي طيّ الاحتمالات، الحلم مهما قصُر وغمُضتْ صورُهُ أوفى وأكفى من حياة لا ينتهي فيها الانتظار ولا تكفّ عن مفاجأتك بوضوحها الفج ووقاحتها المميتة، سياطُ الوحدة أرأف من جليس لا يصغي تماما لما تقول، الكلام الذي اشتهيت أن تقوله وعففت عنه أطربُ من كل الألفاظ المهدورة والأحاديث المطوّلة في مقاهي الليل وهدأة النهارات، العيون البخيلة والمشيحة بنظراتها المَوَاضي أغلى من تلك المصيبة بسهامها والجريئة في إمعانها، السرّ الذي لن تقوله ويظلّ يهدر في روحك أحلى من الأخبار والبشائر التي بحثت عنها وبحثت طويلا عنك حتى حطّت ببابك، القصص التي ترويها ينقصها أصالةُ ما تجتهد في إخفائه، الكلمةُ العفويةُ الأخيرة لراحل لن يعود أنفسُ من كل الحوارات التي جمعتكما في مشارق الأرض ومغاربها، حتّى اللحظة الهامشية التي لم يطّلع عليها سواك ستظلّ ترعاها في مجهولاتها وتسقيها لو اضطررت من دم قلبك

الصوتُ في غمرة الحشد

لا يذوبُ الصوتُ الفردانيُّ في غمرة الحشد بل ينسج هناك فيما لا يُرى بهاء النغم الأخّاذ فيصيرُ في تناهيه إلى أذن المصغي البعيد نغمةً واحدةً، يسمع في تماهيها خرير ماء السواقي، وحفيف أجنحة الطيور، وصوت المطر على زجاج الشبابيك، وربما لو أنه استغرق أكثر وأصخى لسمع ترانيم أبيه البدويِّةِ في طرق السفر الممتدّة في المسافة ما بين الطفولة والكهولة، ولا يذوبُ بل كما ينظم البيتُ الفردُ سلسلة القصيدة ويربط أولها بآخرها ويصل أقلّها بأعلاها فتصير كلّها في نظر القارئ قطعة واحدة لا يعلو بيتٌ منها على أخيه إلا بقدر ما تعلو تفصيلةٌ على أخرى في وجه الحبيب المليح، ولا يذوبُ ويختفي بل كما يزهد الأخ الشقي بين إخوته في عمره وحياته كي يكفيهم وأهلَه مؤونةَ الحياة وعبء التعرّض ومشقةَ السؤال وإعراض الوجوه، لا يذوبُ الصوتُ الفردانيُّ في غمرة الحشد وصخبه إنما يتحوّل شيئا فشيئا لشواهد أثيرة متفرّقة ومنثورة في الكتب تنتظرُ من يرعي سمعه ويرى بعين البصيرة:
“ولكن معدنُ الذهبِ الرُغامُ”

دُنيـا الفراغ

وجدتني أستعيدُ كلَّ ما لم يحدثُ، أتذكّر ما ليس لي، أقطف وردةً في البال من حديقة غنّاءَ لم تطأها قدمي، أسترجع لياليَ شاهقة ما عشت في دهاليزها، وأركض في المخيلة وراء طفلٍ يشبهني ولكنه ليس أنا تماما فلا يترك لي وراءه إلا المزيد من المنعطفات وحيرة الاحتمالات، أرى حفيدة والدي تحلّق بين يديه المفتوحتين باتساع العالم ويسكنُ الوجودُ في صخب ضحكتها الناعمة للحظات وسط صالة البيت، أقفُ على شفا لحظة برزخيّة جامدة في زمنٍ ما بين ندمَيّ الإقدام والإحجام فأتراجع خطوةً وأقاوم خفقةً مضطربة في الفؤاد، أتسلّل إلى واحدة من الصباحات البيضاء وأنقذُ كلُّ ما لم يُقدَّر فيها في غمرة الانشغال ولهاث الدالهين، أطيل الوقوف تحتَ ظِلِّ شجرة بيتنا القديم حتّى تغيب الشمسُ أو تتخدّر أطرافي، أصغي إلى ترتيل النسيم في قلب لحظةٍ ما تآكلتْ أطرافها وعمّا قريب تنزِلق في نهر النسيان، أمعنُ في الذهاب حتّى يطويني ظلام الليل ولا تنجح أضواءُ المدن كلّها في إغوائي، أختارُ بنفسي جهةً وأنغمسُ في وحيها الجاذب وأستسلم لمجهولاتها، أفكّ شفرةَ هذا الإلهام الغريب والفيض الدافق من لا مكان لهذه الرغبة الملحّة في الكتابة عن اللاشيء وإليه

جمال مهدور

أجمل الدروب ما تجرّك إليه قدمك في غفلة منك، أجمل الحكايات ما تدخلها دون أن تنوي أو تخطط، أجمل المواعيد صدفةٌ لم ترتّب لها كلمةً ولم تعدّ لها تصوّرا مبدئيا في أعمق أحلامك، أجمل الشعراء مَنْ وقفت متلصصا عليه غير مرةٍ وهو يحرِسُ حياتك ويحمل عنك همّ الأسئلة وشقاوة احتمال أجوبتها المريرة، أجمل اللحظات ما تقف على أطلالها ويلمع في أفق ذهنك:”يومٌ كأيّام لذّات لنا انصرمتْ-بتنا لها يوم نام الدهرُ سُرّاقا” أجمل الصباحات ما تُرِكتَ فيه لوحدك، أجمل الروائح ما شَمَمْتَهُ في شماغ والدك المثنيّ قُبيل الفجر في واحدة من صباحات الطفولة، أجمل الوجوه ما لا يُسْمَحُ لكَ باستعادة صورتها بعد أن رأيتها مرة للحظة خاطفة، أجمل الأصوات صوتُ ترنيمةٍ بدويّة معتّقة ما تزال تسافر إلى أذنك من صالة البيت القديم ذات أصيل، أجمل الذكريات ما لن تفتح لأمواجها المتلاطمة باب الذاكرة، أجمل القصص ما ترويه لنفسكَ عمّا كانت عليه حياتُكَ قبل الآن، قبل هذه اللحظةِ، وتكادُ للحظةٍ أن تُصدّق ما ترويه

الكونت مونت كريستو

مات بونابرت بعد أن قضى حياته يستولي على مدينة ويخسر أخرى من ورائه وبعد أن غرّب وشرّق في بلاد الله الواسعة كأنّه المعنيّ:”ما آب من سفرٍ إلّا وأزعجه-رأيٌ إلى سَفَرٍ..” مات وفي رقبته مئات آلاف الضحايا الذي خاض معهم الحروب والذين غربَلَهم في زحفه المنهك نحو روسيا ما بين حرائقها المُدبَّرةِ وطقسها المتجمّد، ستمرّ السنون وتُنسى أسماء الضحايا في هامش التاريخ وركامه؛ لكنّ اسما واحدا كان ضحيّةً لا ذنب له ستظلّ جدرانُ قلعةِ إيف تذكره مدى الدهر، ما يزال الشاب البريء إدموند دونتيس يربّي حقده الدفين بين جدرانها العملاقة، وما يزال يحفر في صخورها الصلبة بحثا عن ومضة من ضوء وهو يستذكر طارف ابتسامةٍ ما فتأتْ تورِي زناد الشوق وتبعث لاعج الهوى، وما يزال يتعلّم من صديقه الزرياب آبي في الليالي الطويلة كل ما سيعينه في حياته المنتظرة، ستمر سنونٌ عاصفة وهوجاء أخرى -يتذكّر فيها دونتيس حبيبته ترقص مثل غزالة في خياله- لكنّها لن تنقضي حتّى يولدُ من رحِمِها رجلٌ يُحبّ أن يُنادَى الكونت مونتي كريستو..

حيثُ كنتَ كان: ملامح من بستان أبي الطّيّب


في دواوين المتنبي يورِدُ الشُرّاح بيتين قالها في مجلس أبي محمّد بن طُغج، وقد أقبل الليلُ وهما في بُستان:”زال النهارُ ونورٌ منك يوهِمنا-أنْ لم يزُلْ، ولِجُنحِ الليلِ إجنانُ/فإنْ يكُن طلبُ البُستانِ يُمسكنا-فرُحْ، فكلُّ مكانٍ منكَ بُسْتانُ!” ولا يختلفُ الشُرّاح كثيرا على معنى البيتين ولعلّ معانيهما واضحة من القراءة الأولى، وببساطة، يقول أبو الطّيب إن الليل قد تأخر والنهار زال (هذه حقيقة) لكنّ نورَ وجهك ووهج حضورك يغلبُ إجنان/ظلام الليل، فلذاك نخالُ النهارَ باقٍ ولا لومَ على من توهّمَ حبّا وكرامة، ثم يستطرِدُ معتذرا لممدوحه في رحيله؛ إن كنّا نحنُ نريدُ البستان ونطلبه؛ فلأنّك فيه، فرُح (تصرّف ما أحببت) فإن البستان لصيقك، وهو معك وموضعك أينما حللت، وقد زاد بعضهم أن قال في المعنى (أنّ البُستان قد ألِفكْ وطلبك وأحبّ منك أن تبقى). وهذه بديهةٌ عطريّة وروح شاعرة من أبدع ما يكون، فقد كان يكفي المتنبي أن يذكر المكان دون أن يسمّيه ويُغلِّب عليه معنى كئيبا موحشا في حال رحيل الممدوح وزواله عنه كما قال ذات مرّة:”لمّا قفلتَ من السواحلِ نحونا-قفلتْ إليها وحشةٌ من عندنا!” لكنّ الشيخ نبهٌ لمّاح أراد توظيف المكان وخصوصيته -وخصائصه الانتقالية والشذيّة معنىً ومادّة- في مدحه، فكان هذا تركيزه العطري. ثُمَّ إن المتأمّل أكثر في البيت الثاني قد يتراءى له ملامح أخرى، منها، استدامةُ المتنبي طلبَ ممدوحه، وكيف ذاك؟ لمّا أن كان حُبّنا وملازمتنا البستانَ لأنك فيه، فلا يمنعنَّك يا أبا محمّد -رأفةً بنا وشفقة علينا- أن ترحل؛ فإنّ كل موضعٍ تطأه قدمك سيكونُ هو البستان الأعلى، والملاذ الأغلى، ولذا فإنّ طلبنا ورغبتنا في مجالستك ورؤيتك ستكون أبدا، والمكانُ بساكنيه، ثم إنّ المستغرق أكثر في التأمل ستلوح لها معاني أخرى لا يحيطُ بها الكلام ولا تمسك بصورتها الكاملة اللغةُ، والله المستعان.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ