
أين كانوا؟ مَن تذكّرناهم فجأة، من طرأوا على أذهاننا دون أقلّ اشتغال وبحث فيما ورائيات المخيلة ولا نبش في مجمرةِ الغيوب، من نبتوا من لا مكان كما ينبتُ المستحيلُ في قلب الممكنات وكما تنتصبُ وحدها نخلةٌ في أرضٍ خلاء، ومَن أطلّوا علينا من شقوقِ المجهول وعتمات الأفق، فلووا الأعناق واجتذبوا الخطى الممعنة في ذهابها ويأسها، وتحت أي ردومٍ كانوا طوال هذا الزمن؟ وهل همُ هُمْ حقا من نتذكّرهم؟! ألَا تُغربِلُ صروفُ الدهر الوجوهَ كلّها وتغيّر المعالم والقَسَمات؟ فكيف بهم إذنْ؛ بوجوههم التي عرفنا، بهيئاتهم وهي ترتسم في فضاء الخيال، بما جرّوا خلفهم من ذكرياتٍ وأحاديثَ سمر، بما أتلفوا وراءهم من حكايا كُتب لها ألا تكتمل وألا تُكتَشَف لها نهاية، بأزوالهم التي ما فتأتْ عيونُنا الحائرةُ في الزمانات البعيدة تراقبها وهي تجفو وتمعن في الرحيل حتّى يُغيّبها السرابُ وتبتلعها المسافاتُ ويطوي ذكراها -كما يطوي بعبورِهِ الثقيل كلَّ شيءٍ- الوقتُ.













