
ربما كنتُ قصة هامشيّة لا يقف عندها رشيد كثيرا بل لعله لم يفكّر بها إطلاقا، ولن أستطيع إكراما لخاطري القول عن عبوره في حياتي بأنه هامشي وجانبي، ولن أفتري عليه فأدّعي أنّي اصطدتُ حكايته المنسيّة من السيل الهادر الذي هو حياتي، لقد كان ولا يزال في مكان آمن ومألوف في ذاكرتي الفوضويّة، ولا تزال صورتُهُ المجمّدة في خيالي كما هي بظهرٍ مقوّس وعودٍ مهزولٍ وشعر أبيض يطفو مثل غيمة فوق رأسه، كان قد قارب السبعين في آخر مرة التقينا قبل سنوات، وبالنسبة لي فإنّه قد توقّف عند هذا العمر وإنّي لأراه في شرودي أحيانا هناك في مسقط رأسه في إحدى قرى السودان يعتني بشجرة خضراء تفرّعت أغصانها حتّى خرجت عن إطار الصورة، لطالما شاهدته منحنيا على أكوام الفواكه والخضروات في ركن متواضع داخل بقالة تبعد عن بيتنا القديم مسافة ليست بالهيّنة، ينحني بلهفة جدّ على حفيده، باهتمام يبدو معه كل شيءٍ حينها في هذا العالم غير مهمٍ بل غير موجود، فيرتّبها، وينفض عنها الغبار، ويؤنقها ويوالف بين أنواع الفاكهة في علب، ويسعّرها، ثم يعيد ترتيبها وهلمّ جرّا. كنت أتعمّد قطع هذا المشوار الطويل لأقف بين يديه وأسأله عن حاله وأهله وأسمع منه شيئا طارفا ممّا تكرمني به ذاكرته من حكايا لدقائق قبل أن أمضي في طريقي بكيسٍ زرقاء وحفنة من الدعوات المُندّاة بلهجته العذبة، ولقد تحدّثنا في تلك اللقاءات البسيطة عن كل شيء يخطر على البال تقريبا، لكنني في الآن نفسه لستُ أذكر شيئا بعينه من تلك الأحاديث، ما أذكرُهُ تماما كما لو أنّه حدث البارحة، وقبلها، وفي كل لحظةٍ تأتي وستأتي؛ أنني عند هذا المنعطف الذي وصلت إليه بالصدفة كنتُ ألوي عُنَقَ راحلتي وأستدير بسيّارتي، متجها لبقالة صاحبي التي لم يبْقَ منها غير أطلال متهدّمة تتراءى لعين ناظرها مثل صورٍ مموَّهةٍ تتطاير في فضاء المخيلة













