
أترحّمُ على ابن زُريق كلما رأيتُهُ في خيالي يتردّدُ جيئة وذهابا في خطى مرتجفة متوترة أمام عتبة باب بيته في الكرخ، بذهنٍ حائرٍ وقلبٍ مؤمن تقلّبه على جمر الغضا أسئلة مرتابة ومشوّشة، وتفتح له أبواب المجهول، وتزيده حيرةً واضطرابا، أترحّمُ عليه حين أحسُّ بخفقِ قلبه وتأرجحه بين ما يؤمن به وما يلمسه، بين ما يحتاجه وما يؤمله هناك، هل يقتحم الأخطار ويطوي ما يطويه من بلاد كي يحظى بما هو له؟ أم يستأني ويفكر في الأمر مجدّدا؟ وهل يملك الواحدُ منّا إلّا أن يكون أسيرا لإحدى فكرتين متناقضتين تتجاذبانه؟ وهل يملكُ أخيرا إلّا أن يختار ما سبقتْ إليه الخطوةُ في لحظة ارتجال، ورأتْ فيه البصيرةُ في التماعةِ يقين خاطفةٍ حلّا يصرِفُ النظر عن كل ما هو دونه؟! كم فتّت فؤاده هذا الاشتغالُ الذهني وكم أظمتْهُ الحيرةُ فظلّ يهتزّ ويتذبذب بين صوتين أحدهما يقولُ:”وما مُجاهدةُ الإنسانِ توصلُهُ * رزقا ولا دعةُ الإنسانِ تقطعُهُ” والآخرُ يجيب:”لكنهم كُلّفوا حِرصا فلستَ ترى * مسترزقا وسوى الغاياتِ تُقنِعُهُ” والغريبُ أنه كلما أصخى السمع وجدَ الصوتينِ يتشابهانِ تماما ولا سبيل إلى التفريقِ بينهما.