عيونُ الطفلةِ التي بالكادِ تظهرُ وجبهتها الأنصع من نهارٍ بعيدٍ من نهارات الطفولةِ خلف الزجاج المغبرّ للسيارة القريبةِ تُحدّق في شيءٍ لا أراه في الأفق وتركّز نظرها في نقطةٍ ما بلا تعيين شعرها المنسوجُ ضفائرَ ما يزال يحكي شيئا للهواء وعيناها الدافئتان ترشح براءة وندى هي التي بلا سبب ولا موعد جعلتني أعومُ في بحيرةِ الزمن دون أن أصل إلى ضفة الماضي تماما أو أعود إلى لحظةِ الحاضرِ المُضاءةِ بالزماميرِ والشتائم والأخضرِ المشعّ فجأةْ
المطرُ حنانٌ سيّال وموجةُ انتشاءٍ لا تقفُ على مشارفِ سُدّةِ الروح وغلالةٌ مرهفة تحيط بعاشقينِ تعبا من الكلامْ وظِلُّ طيفٍ باسمٍ في البعيد وصورةٌ لا تسأم من اجترارِ نفسها ولا يملّ الناسُ وأريجٌ يريقُ نفسه في الفضاءْ واسمٌ لقريةٍ ما قديمةٍ مضاءةٍ بأهازيجِ أطفالها وبسكونها الحالمِ على هامشِ المدنْ وضحكةٌ أولى عذبةٌ كانتْ فاتحةَ الذكريات ولستُ أدري الآنَ ضحكةُ مَن!
ما يزالُ في الصباحِ بقيّةٌ لم تجهَد نظرتي من تحليقها العبثيّ في المدى وراء زجاج نافذة المقهى وما تزالُ كفّاي من بِركة هذا الوقت الضائع تغرفُ وتتملّى في انسلالهِ الدؤوب من بين الأصابع وما تزال الشمسُ متمهّلةً تصعدُ وتكشفُ لي بنورها بين حينٍ وحين ما التبسَ وخفيَ من نقوشٍ مبهمة في صفحاتِ روحي الغارقة في الظلمة
لم تعد ثمّة لقاءات تنبتُ في ظلِّ الصدفةِ ولا خطواتٌ متمهّلة تأخذني إلى مفاجآتٍ مدّخرة هناكَ في الأعالي ولم يعد هناك من ينتظر مجيئي عندَ عتبةِ باب بيتي القديمِ قُبيل الغروب ولم ينجُ احتمالٌ واحد لكلّ الرؤى التي فتّشتُ عنها وتبعتها طويلا في الطفولةِ وكأنّي عن طريقِ الخطأِ فوّتُ منعطفا ما تجاوزتُ بابا مضيئا في حلم تغافلتُ عن فصلٍ في الحكاية وضاعَ إليَّ منّي الطريقْ
لم ينبّه سواي الرجلُ الذي انسلّ فجأةً من بين الحشودِ وغيّرَ الطريق لم يبدّل مسارهُ عندما علِمَ أني أتبعُهُ ولم يتوقّفْ ولم أتفطّن أنا عندما بدت الوجهةُ مألوفةً لي نعم، طالت الدربُ ولكننا في لحظةٍ ما وصلنا، معا ولمّا التفتَ نحوي تبدّدتِ الحيرةُ وانطفأ في قدميَّ لظى السؤال
قدرُكَ أن تظلّ وحيدا قال لي الطيفُ الذي تركَ مقعدهُ الفارغَ أمامي ورحل وكَذَا الوجهُ الذي تأمّلتُهُ قبل أن يُفاجئني النهار قال والصوتُ الوديعُ المسافر إليَّ عبر حشود المركبات المتكوّمةِ على مَفْرق الطريق والنظرةُ الخدِرةُ التي تجاوزتِ الناسَ وما أفلتُّ منها والدربُ الذي ما انفكّ يطولُ وتتضاعفُ أرصفتُهُ والمباني على جانبيه والطائرُ الذي يطوّفُ في مدى نظرتي ولا يبرحُ مكانه كأنّه لأولِ مرةٍ يرى السماءَ غريبةً عليه وكذا خَطَر لي مرةً عندما كنتُ طفلا بعدما انفضّتْ الجموعُ من حولي ولم أرَ بينهم أحدا أعرفه أو مَن يألفُ وجهي من بعيدٍ فيضيّقُ عينيه وينظرُ لي مليّا مليّا حتّى أصيرَ لهُ من يريد
ماذا سيحدثُ لو أنك لم تلقَ ذاك الغريب الذي ستنشأ بينكما محادثةٌ عابرةٌ تلتصقُ بك أبدَ الدهر وتنبّهك لكل ما تحاشيتهُ في دربكَ دون أن تدري؟ لو أنّك لم ترَ الفراشةَ في إحدى صباحاتك تطوّف في فضاء الغرفة المضاءة بأصفر الشمس الخفيفِ أوّل النهار؟ أو في الحلم؟ لو أنك لم تعرِف سرّا يسلّيك في ليالي الغربة ويستلّ منك ابتسامة في ليالي اليأس؟ لو أنك لم تتبيّن الدربَ الذي يُفضي بك إلى قريتك في الطفولة؟ لو أنك لم تلمس المعنى الذي بحثت عنه طوال حياتكَ؟ لو أنك لم ترَ من الوردةِ غير شوكها؟ لو أنك لم تجاور ذكرى ترويك من نبعها الفيّاض؟ لو أنك لم تستجب للعيون التي دعتكَ ولم تنغمس في ضبابها الغامر وغموضها الرهيب؟ لو أنك لم تقطف لحظةً وديعةً واحدة تستردُّ خيالاتها من أعماق الذكريات حينما تُقعدك الحياة ويحبسكَ الطريق؟ لو أنك لم تعبر النهرَ ووقفتَ طويلا تفكّر في احتمالات الضفاف؟ لو أنك لم تصغي لتهويدةٍ بصوتٍ مألوف في إغفاءةٍ ما؟ لو أنك لم تعش لحظةَ التخفف حدّ أن تتناولَ ذرى الأشياء بأناملك؟ لو أنك لم تتعرّف في رحلتكَ الأبديةِ على من يقاسمكَ الخطوةَ ومن يبصر في روحك التعبَ؛ وفي حساسيةِ روحكَ إنكارَهُ؟ وماذا سيحدثُ لو أنّ كل هذا لم يحدث بعدُ، وما زلتَ تتذكره، وتستدعيهِ، وتستعيده؛ كحياةٍ مختَلَسةٍ ومعنى مُنتَحَل
في صمتِ المدن المفاجئ قُرىً تنام، خيام شيّدها أهلها منذ الأزل ولا يزالون هناك في العراء يلتحفون ليل صحرائها ويسمرون على حسيس نارها، ويسرحون في ضوء نجومها المسافر، ويغرقون في سكونٍ ناعمٍ لا تقطعه سوى رنّة الفناجيل وصدى التراحيب، ما تزال خطواتهم على الرمال تصدر حفيفا لا تسمعه إلا في تجلّي لحظةٍ مهيبةٍ في هدوئها، وما يزال انغماسهم في أفق السراب الممتد رحلةٌ مستعذبةٌ يفيئون منها عند المغيب، قبل أن يلقي الليل بظلّه ويسفح حبرَهُ السيّال على بياض النهار، وفي صمت المدن المفاجئ جَلَالُ لحظةٍ تنفكّ عن الزمن بمقدار، قبل أن تعود إلى الالتصاق به من جديد، قد لا تكفي لردم هوّةٍ في القلب، ولا لتستلّ قدما مشغولةً بركضها الجنونيّ واختياراتها العشوائية، ولا أن تنبّه عقلا غارقا في احتمالات ممكناته وتصاوير مجهولاته، لكنها قد تكفي لعبور زفرةٍ تبدّد في تلاشيها البطيء كل ما راكمه الفؤاد ولم تطاوعه الكلمات، وكل ما جال في الخاطر فاستحتْ أن تنطقهُ الشفاهُ المرتعشة وأن تقوله العيون الحيرى
لأبي فراس بيتٌ:”عفافكَ غَيٌّ، إنّما عفةُ الفتى-إذا عفَّ عن لذاتهِ وهو قادِرُ” يصلح أن يكون مدخلا لباب العفّة في الشعر، ومطلعا تنتظم تحته كل تلك الوقفات الزاهدة لا عن عجز ولكن عن طهارة روح وزكاة نفس، وكنت حين قرأتُ لأبي الطّيب ذاك المطلع البرّاق الزاهي:”عواذلُ ذاتِ الخالِ فيَّ حواسدُ-وإنَّ ضجيعَ الخودِ منّي لماجدُ” ثم يُفصّل:”يردُّ يدا عن ثوبها وهو قادرٌ-ويعصي الهوى في طيفها وهو راقدُ” ويستكمل في بيتين أشهى من خيالات الغافين بالكاد؛ كنتُ أظنّ أنه قد ترك بصمته في هذا الباب، ولمسَ ذروته وسقفه، إلّا أن أبا الطّيب الذي يظهر عادة من الشقوق وينتظرك وراء كل باب ومعنى سامٍ رفيع، وكأنه كعادته يضمّن نفسه في كل شعره؛ ألم يقل مادحا:”علّامة العلماء، والبحرُ الذي-لا ينتهي، ولكلّ لُجٍّ ساحلُ” يأبى أن يكتفي من معنى شريف كهذا، دون أن يَسِمُهُ بما لا يُنسى، ويترك فيه كتابةً تتعتّقُ وتعبقُ كلما مرّ بها أحد واستثارها متأملا، وجدتُهُ هناك في قصيدته (لعينيك ما يلقى الفؤادُ وما لقي) وهو يغنّي بشيء من السحر الخالص:”وأشنب معسول الثنيّات واضحٍ-سترتُ فمي عنه، فقبّل مفرقي/وأجيادِ غزلانٍ كجيدك زُرنني-فلم أتبيّن عاطلا من مطوّقِ/وما كلّ من يهوى يعِفُّ إذا خلا-عفافي، ويرضي الحِبّ والخيلُ تلتقي” [فلم أتبيّن عاطلا من مطوّقِ] يا لها من عبارة واصفةٍ صامتةٍ تكادُ تنطقُ، وتسيل!
ابتساماتُ الغرباء والعابرين دَينٌ في عنقه إلى يوم الدين، لكنَّ شريانه النازف لأجل أن يؤمّن فرحةً مُترفة لن يفتقدها أحد ولن يسأل أحد عن موعدها لا يعدّه شيئا، ولا يقف حتّى لثوانٍ أمام براكين الأسئلة ومشارف المجهول والغامض، هو المشغول دوما بما ينقص اللحظةَ وما يُمكن -لخللٍ ما طارئ- أن يُنقصها، ما فتأ يحفر بيديه ويفتش بهاجسه القلِق عن أسباب تأخذه من لحظات الاطمئنان إلى صحراء الاضطراب والحيرة، هو اليقِظُ الشارِدُ، العابر إلى الضفاف المستحيلة لأن صوتا ما دعاه، فلبّاه قبل أن يعرف من هو، وما يطلبُ، كم تزيّنت له الدُنيا فعفّ عنها وزهد بها، وما أغوته مساراتها المبشّرة وضوء مباهجها البعيد القريب، هو الغارق في محيط سكونه، القصيّ الذي تحجبه غلالات الترفّع والاستغناء، والداني الذي يعطي روحه من قبل أن يستلزم الأمر، هو الغريبُ حتما، ما سأمت خطواته تضاعف معاني اغترابه، وما ملّت محطّاته الكثيرة تجديدَ دلالاتِ تيهه، وما تزال الأقدار ترسم له مسارا دائريا لا تُعرف له بداية ولا تُنتظر نهايته، هو الاسم المألوف سُرعان ما تتمثّل صورته في خيال السامعين الذي لن يفهموه ولن يجتهد في فهمهم هو، المسافر من الأزل؛ ما أقنعتهُ ضروراتُ الوجهات، ولا خَطَر في قلبه أن يختار محطةَ الوصول، ولا أن يعدّ نفسه لما ينتظرها من عذاباتٍ تتوعّد ومُنىً تستعصي وتنأى، من هَذه الدنيا، من خيالاتها الأولى ربما، ومن أساطيرها الذين تتتبّع أثرهم في ثنايا الأحداث والمواقف والذكريات القصية؛ فلا تجزم بوجودهم ولا تنفي آثار عبورهم في صحراء القصص وخطواتهم المندثرة بالكاد في رمل الحكايا
(من وحي الشيخ كُثيّر) بهاءٌ ليس يشرحهُ الكلامُ وحسنٌ لا يُعرّفهُ التمامُ وعينٌ رُبما اكتحلتْ بشيءٍ وعينٌ كُحْلُها ما لا يُرامُ متى ما شوَّقتنا للتلاقي تناءتْ فجأةً وبدا غمامُ فتسلبنا بهذا النأيِ حقّا ويمنعنا عن الوِردِ الكِرامُ لقد أحييتمونا لو أردتُمْ ولكن شِئتُمُ فدَنَا حِمامُ لَغُربةُ عاشقٍ فيكم ملاذٌ وصحةُ سادرٍ عنكم سَقامُ أقولُ كما يقولُ الشيخُ قبلي تعرّضَهُ سِبـابٌ وانصرامُ: أسيئوا أحسنوا لا حَيْد عنكم سواءٌ عِندنا؛ هَجْرٌ، مُقامُ
(صوتُ النون) قالت بصوتٍ لا يُمَلُّ رنينُهُ -الوجدُ رطّبَهُ وفاضَ حنينُهُ- أنتَ الذي ما دقَّ شيءٌ في الهوى، إلّا وأنتَ مُشيعُهُ ومُبينُهُ وإذا خفا في النفسِ سرٌ كامنٌ أوضحت غامضَهُ ولاحَ جبينُهُ فإذا استَحَلْتَ على الحلولِ جميعها وتمازجا شكُّ الهوى ويقينُهُ وأشحتَ عن فرضِ الغرامِ تعفّفا وطغا على بوحِ النوى تضمينُهُ فبأيِّ شيءٍ أستعيدُكَ دائما؟ وبأيِّ صوتٍ رائقٍ تلحينُهُ قلتُ النِدا يكفيك عمّا بعدهُ، وبأيّ صوتٍ؟ قد كفاكِ حزينُهُ
(انطفاءة الكلام) وحيدٌ غربةً وهوًى ونحتا تؤمِّلُهُ من الألفاظِ: ليتا وتسجنُهُ طيوفٌ من حبيبٍ تبثّ خياله؛ شكلا وصوتا ووحدكِ وانعكاسُكِ كمْ وشتّى يُسلّيني السؤالُ، متى، وحتّى: إذا انطفأ الكلامُ، رأيتُ فيكِ معانٍ لا تقولُ.. تفتُّ فتّا
(شجى واختناق) شجيٌّ والمدى دامٍ وخانِقْ كأنّي حانِقٌ يلقاهُ حانقْ يرى في الأفقِ شيئا مستحيلا فيدنو ثم تعييهِ الطرائقْ يقلّب فيه عينيهِ طويلا وتلمع في انعكاسهما الحرائقْ تُرى ماذا رأيتُ؟ ولستُ أدري! ترى ماذا يُرى! والكونُ غاسقْ أيا ضدّينِ من أملٍ ويأسٍ تقاربَ وصفُكم هادٍ وخافِقْ ويا دنيا تُعذِّبُ دونَ جُرمٍ تشابهتِ البشائرُ والطوارِقْ فكم جئناكِ منكسرين، أسرى، وأذعنّا!، فعلَّقْتِ المشانِقْ! أردناها معانقةَ الأماني ولكنّ الأمانيَ لا ……
(سفر طويل) ولهٌ على ولهٍ كفى بيَ والِهُ ومؤرَّقٌ نِصفي ونصفٌ دالِهُ ومُقسّمٌ بين الجهاتِ كأنني سَفَرٌ طويلٌ لا يَبينُ مآلُهُ ما زلتُ منجذبا لأجترحَ الهوى ما زال يُغريني الجمالُ وآلُهُ ويضيءُ لي بين الجوانحِ جمرةً، يُذكي لظاها: نقصُهُ وكمالُهُ “إيهٍ أحبّايَ الذين ترعرعوا..” باقٍ على العهدِ المحبُّ وحالُهُ وتظلُّ ذكراكم ببابِ خيالِهِ؛ تطغى على زمنِ الصِّبا أطلالُهُ
(النظر الخفي) ظلالك في المدى مطر ورِيُّ وذكراك القوافي والرويُّ لها في الأذنِ ترنيمٌ وجِرْسٌ وفي القلبِ التصدُّعُ والدويُّ تظلّ بخاطري نارا أوارا ويُذكيها من الوجدِ الشجيُّ ظمأتُ إليك عاما بعد عامٍ وها أنتِ الهطولُ المخمليُّ أيا شفتينِ من وَلَهٍ عتيقٍ ويمنع عنهما خجلٌ تقيُّ ويا عينينِ زاهدتينِ حتّى محالٌ منهما النظرُ الخفيُّ بهاؤكما دلالٌ لا يُجارَى وحسنُكما جلالٌ ألمعيُّ ودونكما سياجٌ من لهيبٍ وبعدكما ضياعٌ سرمديُّ تجاسرتِ الخُطى والعمرُ فانٍ وأمعنَ في متاهتِهِ الشقيُّ تطرّفَ واستباح وكاد يفنى من الإمعانِ خاطرُهُ الحييُّ وحين رآكِ لم ينطِقْ، ولكنْ، تذكّرَ أنهُ اللَسِنُ العييُّ
من معاني النَّشْق في اللغة؛ نَشِقَ فلانٌ في حِبالة فلان: وقع منه فيما لا يتخلّص منه*، وكأن شمَّ عبيرِ العطر واستنشاق أريجِ الرائحة والانغماس في المسك المتضوّع في الأفق تورّطٌ غير محسوب، وغرقٌ في محيط الشذى، ووقوعُ آخر الأحياء في شَرَكٍ ما وسط غابةٍ ما لم يسمع بها أحد من قبل، وكأن الرائحةَ في سفرها اللانهائي فخٌّ معلّق في فضاء المكان، ومصيدة تختبئ هناك على مرآى العين، وقلّما نجا من مصايدها الشفّافة أحد، ويا للكلمةِ الشّمّيةِ تؤنسك برسمها ونغم أحرفها وإيقاع صوتها ويتسرّب إليك طيبُها دون أن تدرك الرائحة؛ فكيف إذا أدركت؟ عندما أنشد أبو الطّيب قصيدته المنغّمة “تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقِ” سرّب هذه الوصفة السحريّة لنموذج جماليّ ترقى إليه الخيالات:”سُهادٌ لأجفانٍ، وشمسٌ لناظرٍ-وسقمٌ لأبدانٍ، ومِسْكٌ لناشِقِ” وترك اللمسة العطرية تزيّن اللوحة والمشهد وكضربة الفرشاة الأخيرة تنثر رذاذها الفتّان في زواياها وأبعادها، وأحلى ما في البيت، هذا النَفَسُ الحَيَوي في الختام، والكلمة المالئة مكانها معنى ولفظا، وهذه المصيدة المُستعذَبة في العراء
قالت العربُ: كلُّ فتاةٍ بأبيها مُعجبة، ولعلّها قالت في مرويّاتها المنسيّة أو مدوناتها الضائعة أو ربما جال في خواطر ناسها وأهلها أنّ كل فتى لأبيه متطلّع، مُتشوّفٌ لصورته المهيبة الوادعة في البال، مختبئ في ظلالِ جسدِهِ النحيل عن هجير الصيف، يفرك عن عينيه غشاوة النعاس وضبابَ الأحلام وهو يتبعه إلى الجامع؛ ما أرحب الدنيا حينها إذ تقلّدُ الخُطى الخُطى وتشرأب الأعناق لتقرأ التهليلةَ والتسبيحةَ والحوقلةَ والتكبير على الشفاه، ما يزال الطفل نفسه مذ كان طامعا بالتفاتةٍ من الشيخ الكبير وابتسامة حلوةٍ تطمئنه وتهوّن عليه ما ينتظره وما لا يعرفه في قادم السنين ومجهولاتها، وما يزال يرى أثره وانعكاساته في كل الجهات والوجوه ويسمع صدى تراحيبه يرنّ معلّقا في الآفاق، ويفكّ أسرارَ روحهِ في القصائد والصور، ويصغي إلى هواجسه العميقة وقلقه المتراكم، وإذا ما تنبّه من منامهِ أجاب، بكلّ صوته أجابَ، وما الداعي سوى وهمٍ.. ورنّةِ نداءٍ من خيال
كل الأشجار المغروسة على جانبيّ الطريق وعلى مدّ النظر وتلك الموجودة في الصور والمشاهد، والمرفرفةُ أغصانُها في الريح والساكنة بحفيفها الرتيب في فضاءات الخيال والهامسة في ثنايا القصص والأساطير والحكايات العتيقة والمغمورة بأسراب الطيور المسافرة والجامدة في منتصف اللامكان كشيءٍ في غير محلّهِ، كلها.. كلها في عيني ظلالُ الشجرة العملاقة اليتيمة أمام بيت أبي، ما زلتُ أفيء إلى خضرتها الوارفة وظلالها الحنونة وطيفها المُتأرِجِ لأتسلّى بالقديم المألوف وأسلو عن الحاضر المجهول وأشذّب عن روحي ما يهمها ويثقلها بالأسئلة والشكوك، وأهتدي إليها في خطوات الحلم وأصل إليها بعد أن تجفّ الأنهار وتتراكم الدروب وينهار العالم، وما تزالُ في كل وقوفٍ لي أمامها تبوح بسرٍّ لا يُروى ويصعبُ على الصدرِ احتواؤه، مرّت زمانات كثيرة وما امّحى مكانها الأثير في إغماضة العين، وذكريات كثيرة مرّت دون أن تطوي صورتها المهيبة في الخاطر والبال، وها هي أبدا تسمو وتصعدُ في مداها اللانهائي وتضيء في أعتم الليالي والمحطات، وتنادي بكلّ أسمائي التي عرفني أهلي وجيراني ونادوني بها، لعلها في لحظةٍ ما غامضة كانت ذكرى وحيدة تناسلت منها كل هذه الذكريات، أو لعلّها أوّل وتدٍ مشدودٍ إلى ماضيَّ البعيد وحياتي الأبعد، ودونها، أو دون ذكراها الملحّةِ لن يبقى شيءٌ في مكانه وعلى ما هو عليه