
الحياة
الأغنيةُ العشوائية في المذياع
عندما كان النهارُ في أوّله،
أعادتْ لي كل ما لم أكن بانتظارهِ
ما لا قدرةَ لي
على مواجهتهِ أو احتماله،
ما ظننتُ أنه
قد كان كابوسا
وأنّي منذُ زماناتٍ بعيدةٍ أفقتُ
من سكرتِهِ
وطويتُ في صدري
خبرَه.
نصوصٌ.، وشذرات عن الأفلام والموسيقى والقصائد.

الحياة
الأغنيةُ العشوائية في المذياع
عندما كان النهارُ في أوّله،
أعادتْ لي كل ما لم أكن بانتظارهِ
ما لا قدرةَ لي
على مواجهتهِ أو احتماله،
ما ظننتُ أنه
قد كان كابوسا
وأنّي منذُ زماناتٍ بعيدةٍ أفقتُ
من سكرتِهِ
وطويتُ في صدري
خبرَه.

ما أرحب فضاءَ الموّال، كم رفعوا فيه من ابتهالات ورجاوات وكم علّقوا فيه من بَسَمات أحبةٍ ومواعيد وأنهار وأنغام وحكايا وكم ملأوا مداه بالندى والصبايا والعطر والبشائر، ما يزالون يصعدون في آفاقه بأصواتهم إلى أعالٍ لم تُجرّب مسبقا وإلى سَكَتَاتٍ سَكرى لم تُختبر قطُّ، وما تزال نبراتهم تتطوّح في هوائه الشاسع والغريب فتبتكر نغما لا يُسمّى وتلمس مقامات لم يبلغها قبلُ أحد، كم تميل الرأس في مجهول مدارات الصوت وفي غموض هذه النشوة الروحانية، وكم تتشوّف العيونُ المُغمَضة لما يلمع في أفق البال على صدى الشدو البديع، ها هم يرقّصونَ أصواتهم ويزخرفونَ الترددات العابرة في الهواء ويترنّمون وجدا ويهزّون أوتارا سرّية في الغيب، وها هم يؤرجحون الكلام والألفاظ وينتخبون -بالوقف والامتناع والتقديم والتأخير والاستغراق- قواما جديدا لكلٍ منها ورنّةً خاصة بها، انظرهم يهيمون في صحراء التطريب ويقتحمون بسرورٍ أخطارَ انقطاع الأنفاس ويغيبون على مهل في خَدَرٍ لا يُستعادونَ منه بسهولة، ويجترحون مسافاتٍ بلا انتهاء إلا على الحواف، وينزِلون إلى أدنى نقطة في الصوت ويسمون إلى الذروة، ويرجفون المعاني فيزيدونها حسنا وحلاوة، ويرعِشون المدود تغريدا فيربكون المصغين بحيرةِ متاهات الترانيم، ويطيلون الليالي ويستعذبون “يا عين” ويحلقون في جوّ من التحنان ولوعات التوجّد، ما أرحبَ فضاءَ الموّال؛ كم ملؤوه بوافر التغاريد وفائض النغم فما ضاق عليهم، ولا يزال يمنّ عليهم بالاتساع والاستيعاب، ويعدهم بما لن يتوقّعوه في أندى البشائر وأفسح الأماكن وأقصى الأبعاد.

ما أعذب أن تتعرّف إلى صوت جديد مصادفةً وسط هذا الصخب المكرور والضجيج الحيادي، ما أجمل أن تقودكَ هذه اللحظة البريئة العشوائية إلى كنز ثمين وصوت مُخبئ في الثنايا والهوامش، كأنها حينذاك تشفق عليك فتنقذك من عُقَدِ الحاضر ووحشيّة الآني وتدخلك في غيب المأنوس والمألوف، كأنها تُحيطك بما لا يُلمس ولا يتجاوز في الآن نفسه، بالضباب الحالمِ يغمر الروح وفضاء المخيلة، وبألف ألف مَن في الأعماق يلوي عُنقَهُ انجذابا وتلهّفا للنبرة ويصيخ السمع، إنها لحظةٌ جديرةٌ بالأبد؛ لكن كلّا، كغيرها من المفاجآت السّارة واللحظات الهائلة وَسَمْناها بالخلود وسرعان ما انسربت وتسللت وامّحى تاريخُها الجليل القصير؛ لا لشيء، إلّا كي تعود اللحظةُ بعد سنين عندما يعبُرُ الصوتُ -مصادفةً مرّة أخرى- مُحمّلةً بماضيها الزاخر ودهشتها المبتورة من غير عمد، عندها تسقط من سقوف الذاكرة وجوهٌ وأمانٍ وأسماء ولحظات ربما ميّزتَ فيها ومنها أحدا، أو لعلك لحسن الحظ أو لسوئه لم تتعرف على أحد، ولكنك كالمدهوش العَيِيِّ على مدخل حلمٍ نورانيٍّ مألوفٍ وقفتْ، وفي صدى نغمةٍ بعيدةِ الجرسِ غمستَ الحواس!

ما عرفت قافية تتفجر نغما في فضاءات السماع وتتشظى فراشات وعطرا مشاعا في بساتين الخيال كالدال، ما انفكّ أبو الطيّب يؤجلها ويؤخر فاعلها وخبرها ومبتداها وأسئلة الاستنكار في “عواذل ذاتِ الخال فيَّ حواسدُ” وما يزال يدفعها -بديهةً أو اشتغالا- إلى أقصى ما يمكن فتعطيه هذه القوافي الآبدة وتوقد في المخيلة معانيه العلويّة وتركيباته الهائلة وحِكمه المطواعة وتبوح بشيء من غزارة نغمه وكثافة موسيقاه السهلة الممتنعة، وها هو يكتب معنى ثم إذا انتهى إلى القافية وجد أنه لا يزال في المكان نفسه، راسما دائرة من التيه والاغتراب:”أهم بشيءٍ والليالي كأنها-تُطاردني عن كونه وأطاردُ” ثمّ يتابع:”وحيدٌ من الخلّانِ في كُل بلدةٍ-إذا عظمُ المطلوبُ، قلَّ المساعدُ” ملبسا الدال المضمومة في الفراغ يأسها؛ بلا صدى يعودُ، ولا عون معين، ظل أبو الطيّب طوال القصيدة يقلّب في التراكيب والجمل ويقسّم الأشطر ويقابل ويقدّم ويؤخر، ولم يبخل بالألفاظ؛ غريبها وقريبها وشجيّها وجموعها وجامدها وحيويّها وراقصها، ولا بالصور التي تتشوّف لها الأذهان والمعاني التي تطلبها الأنفس فلا تنتهي إليها، غير أنه -في أثناء ذلك كله- كان قد ترك لي خارج نغم القافية وتركيبة الأشطر نغمةً فوق البَيْعة لا أرجو سواها ولا أبحث عن غيرها، نغمةً تنظر لي من غيبها المجهول بابتسامةٍ عذبةٍ ومربكة، هي سكتةٌ موسيقيةٌ كأرقّ ما يكون على ميم السؤال بعد كسر اللام، هي عندي في الكلام، كالحِسانِ الخرائد..
“إذا كُنتَ تخشى العار في كلِّ خَلْوةٍ
فلِمْ
تتصبّـاكَ
الحِسانُ الخرائدُ!”

رأيتُ فيما يرى الغافي ليلةَ البارحة صورة شعرية تنزّلت من الأعالي وجاء بها الإلهام كأحسن ما يكون، فتكاسلتُ عن تدوينها، وقلتُ: لن يُعجزني عن تذكّر لو شيء بسيط منها يقودني إلى الصورة كاملة كما رأيتها أول مرة، واضطجعت على جنبي الآخر ونمت. واليوم منذ أول النهار وأنا أُحدّق في الفراغ كمن ضيّعَ مُلكا. أقول لنفسي: عندما أُمعن النظر وأستغرق في التأمل وألحّ في التذكّر سيبين شيءٌ ما، لكنّ عقلي سيظلّ يخلق تلك الطبقات المضاعفة ويُقصيني كلما اقتربتُ منها تلك الصورة التي لن تُنال، والتي ليست لي في المقام الأول، ولسوء الحظّ أو لحسنه أظل مشجوّا بها، مستأنسا بما أكرمتني به وألهمتني بتحويهما الوديع حولي، وإن كانت بعد هذا كلّه لم تكن شيئا موجودا وأنّي أنا الذي صدّقتُ كذبتها وخيالها الواهم. بعد ساعاتٍ مطوّلة من إفراغ الوقت من معناه والمراهنة على قبضة من الريح في يدي، أستسلم لخسارتي غير المسجلة وأتخلّى عن الاجتهاد غير الضروري في البحث عمّا لا يوجد، أشيح ببصري وأترك ذاك الهاجس -الذي لا ينقطع حين أشاءُ فجأةً- يعتمل في ذهني، ويموت ببطء بلا مبرر، مهملا احتمالات تلك الفرصة الذهبية وطاويا ذاك الفضول الغريب في صدري والألفة الرهيبة تجاه ما لا أعرفه. ستمر أيام لا أدري عددها، ستعود فيها الصورة تلك، تومضُ في عراء المخيلة وتلحّ بإصرار مثل وخزٍ متتابعٍ تحت الجلد، وسأنتبه لها، وأعطيها حقها، وأستبشر بها كأنها كل نصيبي الباقي، وأجلس لها ليلتي بطولها. لكن ومع هذا كله، سيظلّ في خاطري وقلبي أنّ شيئا ما ينقصها، شيئا أخفته عني وحرمتني منه، أو ربما فقدتهُ في المسافة مع الأيّام وكثرة التطواف في خيالات المستغرقين والشاردين، سيظلّ ذاك الشيءُ المفقودُ يسلبها مسحةَ الكمال التي أحلم بها وأنتظرها من سنين على أحرّ من الجمر.

صحوتُ وليس في بالي أن أصلح العالم أو أن أكسب أصحابا جددا أو أثير عداوات قديمة برسالة مستفزة أتركها على باب أحد ما، وليس في خاطري صورةٌ عمّا أريد من هذا اليوم ولا فكرةٌ أولية تفضي إلى خطّةٍ عبقرية سيختمها الليل أخيرا بدمغته الثقيلة وحبره السيّال، ولا نية عندي لإكمال ما بدأتُهُ البارحةَ من مشاريع بدتْ لي حينها مشاريع العمر ولأجلها نذرتُ كل حياتي، وما هزّني من موتي الطويل حلمٌ ساخر ولا جئتُ على هذا اللحظة مدفوعا بالكوابيس والطيوف المألوفة في رؤاي، كلّا ولا قبضتُ في أوّل الصحوِ على خيالٍ فاتن تبدّى للحظةٍ في أطراف المخيلة، ولا رنّتْ في أقصى المسامع نغمةٌ هبطتْ من علٍ سماويّ لتدلّني على لحن أضعته منذ سنين، ولا جرفني من أعماق طمأنينتي وسكوني جارفُ حقدٍ غير مُبرّر لأعالجه طوال يومي دون خلاص، وليس في قلبي حنانٌ لشيء ولا جوعٌ ولا عتبٌ على نهايةٍ مبتورة قد حال بيني وبين استذكارها تشابُهُ النهايات، ولا رغبة لي في تفريغ الوقت من معناه بالحملقة في نقطةٍ غامضةٍ في الحائط بالكاد تُرى، ولا بي تطلُّعٌ لمتابعة ما قطعته بالأمس من سردياتٍ وقطع شعريّة ومقالات مشتّتة الموضوعات، ولا يد لهفةٍ زجّتْ بي في مخاطر ليس لها آخر، أو دحرجتني إلى قلب اللحظة الآنية وأيقظتني على واقع حسبتُني أبعدَ ما أكونُ عنه، لكنني صحوتُ وقد أغرق ضوءُ النهارِ نصف الغرفة وزركش حيطانها بانعكاساته الهائلة وتكعيباته النورانية وزواياه العجيبة؛ وفي بالي يومضُ بيتُ شعرٍ وحيدٍ أعادني فجأةً لأسلاف أسلافي وانتخبَ لي مُداما أصفى وأشهى مما أتمنّى على الريق:”ضعيفَ ابتسامٍ ثُمَّ يَقْوَى، كأنَّهُ-مرورُ خيوطِ الصُبح من رُتَقِ الخِيَمْ”
ثُمَّ
صمتَ
الكونُ.

من أبسط وأحلى متع العربيّ لعبته الخاصة مع اللغة، فها هو يستأني ويترقّب ويُنصِت لنغم البحر ويتتبّع حروف القافية حتّى يتوقع القادم ويصطاد الكلمة التالية التي اختارها الشاعرُ ومهّد لها لتقع في هذا المكان تماما. ها هو يُقلّب الألفاظ ويقطّع الأشطر ويحسب احتمالات القوافي وحركاتها ويقيس رنّة ودرجة الموسيقى في المدى ويستبعد الكلمات المكررة والمعاني المألوفة ويفكر بالمتضادات والمرادفات والمعاني وعكسها ويراجع الصورةَ الشعريةَ قبل اكتمالها في سلسلة البيت ويتخيلها ويستحسنها ويفاضل بينها وبين احتمالٍ واردٍ آخر تسمح به القافية مكعّبةُ الاحتمالات؛ كل هذا يحدثُ دون أن يدري وينوي، دون أن يُقرّر التوقف عن السماع أو القراءة حتى، كم من قوالب تفرّعت خواتيمها فقادتْ قارئها إلى فخ التوقعات، وكم من قوالبَ أحكم شاعرها ضبطها فكأنها دربٌ تضيقُ لتفضي إلى جهةٍ معلومة وغايةٍ بعينها. والصورةُ الشعريةُ بالرغم من أنها راسخةٌ مذ كُتبت أول مرة؛ إلّا أنها نبعٌ يتفجّر كلما مررت به، وما أحلى أن يجيءَ الشيءُ على صورته الأصيلةِ كما اشتهيتها وتوقعتها وتطلّعتَ إليها، انظر إلى وجد أبي الطيّب المتمكّن، ثم انظر كيف يتحدّر وينزل حتّى كسرةِ القافية الميمية، واطرب عندها لتخمينكَ الهائل:”وقفنا، كأنّا كلُّ وَجْدِ قلوبنا-تمكّنَ من أذوادنا في القوائِمِ” كأنّ الشاعرَ بمسمارِ الأبدية يُثبّت الصورةَ في مخيّلة العالم، والقارئ والمُصغي تتكشّف له، أو تتراءى، أو يتوهّمها ويُخيّل إليه، ولكنّه على الأرجح سيناله دوما شيءٌ منها، نفحةٌ من شذاها، ولمعةٌ من ضوئها، وفي ذلك كفاية. أذكر أنّي لعبتُ هذه اللعبة مع الجواهري في قصيدة سامراء (ودّعتُ شرخ صبايَ قبل رحيلِهِ) وقوافيها الراقصة المنغّمة، ومن يومها وأنا أحفظها عن ظهر قلب، وأنشدها فيسألوني لمن هي، فلا أزعم أنها لي تماما ولا أنكر حقي في أن تكون لي كذلك.

تذكرني كلمةُ “شيء” في النثر والشعر غالبا بلا شيء، وغالبا كذلك ما يعتمد كاتبها على براعة مخيّلة القارئ ويتكئ على تصوّراته ويأمل أن تكون شاسعة وبلا حدود، فيتركك أنت مع تفسير هذا الشيء الذي لا يعرفه هو أصلا، يقول مثلا:”انهار من حولي كلُّ شيء” وها هو يُحيلك بلا تفسيرٍ موازٍ ولا سياقٍ يضع الأشياء في محلّها، وأحيانا ما تكون “شيء” هذه، حشوٌ وفراغ هائل يُعبّئ مسافة بين كلمتين ويقترح ما يليق أو ما يشبه خاتمة وقفلة مناسبة، يأمل من خلاله الكاتب أحيانا أن تتفهّم عجزه عن تسمية ما يريد، فتجده يهمس في أذنك، هذا السِّر الغامض البِكر دوما، لأنه يعوّل على فكرتك أنت، وقالبك الذي تختار أن تضعه فيه. وعكس هذا تماما، ما تجده في قصيدة شهيرة لسركون بعنوان (جئت إليك من هناك) القصيدة تبدأ بالنهاية:”نهايةُ العام:/عامُ النهايات/الطقسُ والغربان، ضيقٌ في نَفَسي/من كثرة التدخين، عِلّةٌ ما/(وحشةٌ، قلقٌ، ألمٌ دفين)/أطاحتْ بي لأطوف في أنحاء البلادِ المقفرة/وأقطع حول تلك الزاويةِ بالذات/حيثُ لاقاني وجها لوجه/قبل هبوط الليل:/صديقي/القصّاصُ هو بعينِهِ/لكنّ شيئا أفرغَ عينيه من الضياء” كأنّ سركون في هذا التمهيد العبقري يحضّر لوصول هذا الشيء، ليكثّف من معناه ويضفي عليه قصة وثقلا، فحزنُهُ والضيقُ والعلّةُ التي جعلته يطوف، وقدره الذي أخذه إلى حيث تلك الزاوية بالذات، وهبوط الليل والبداية النهاية وعام النهايات، والتعريف المضاعف (هو بعينه) قبل أن ينزع عنه باقي صفاته ويستدرك (لكنّ شيئا!) كلّ ذلك يُلبسَ “الشيء” شكله الأول ويقتبسه من حزن سركون، هذا كلّه، وصاحبنا لم يروِ لنا بعدُ قصةَ صديقه، وما هو الشيء الذي قلبَ قَسَماتِهِ وأفرغ عينيه من ضيائها، لكنّ القصيدةَ للتوّ بدأت، وعندما تقرأها أو تسمعها بصوت شاعرها؛ ستجد أنّ كل ما سيأتي لاحقا يرفِدُ ويعضد ويكثّف “شيئا” هذه ويشبعها حتى يكتمل معناها، وصوتها، وصورتها؛ حتى وإن بقيتْ بعد ذاك محتفظةً بهالتها الغامضة وسرّها الرهيب.

ربما ألف ارتحاله وطاب له أن يتقلب ويتغرب في شوارع المدن البعيدة التي رغم تغنّيه بأسمائها، وحيطانها، وتاريخها وأزقتها الخلفية وشوارعها وناسها وحسناواتها لم تُبلّغه الجهة ولا الملاذ الذي يريده على ما يبدو، أو ربما اصطفته تلك اللحظات الفارقة والساحرة سريعة التلاشي والذوبان ليكون الشاهد الناجي الوحيد على ومضاتها الأصيلة وليروي عن كثافتها وخصوصيتها وأنفاسها الأخيرة، كان وفيا لما بدا هامشيا ومألوفا واعتياديا وكان دون أدنى جهد وتكلّف يصغي لما بالكاد يقول أو ينطق أو يُلمِحُ أو يقترح حتى، والشعر عنده كان ما تُمليه عليه الأشياء لا ما يُلبسها أو يزينها، والشعر عنده صورة هائلة ومعنى عبقري يفكّكه في جملتين أو ثلاث غير مزخرفات ولا غريبات يقلن بالامتناع ما يعجز عنه الكلام، عندما طرأ طارئ على القرية الجبليّة وأربك سكونها وعكّر صفوها، صوّرهُ فقال:”فجأةً يُستفزُّ الهواءُ/ويرتجفُ الليل في الشجرةْ/ثمّ نُصغي/لعاصفةٍ من رفيفٍ/لأجنحةٍ تتعالى/بآلافها في الظلام/العصافيرُ تهربُ من صخرةٍ/سقطتْ في فمِ البئرِ/من عُلْيها…” يا للإصغاء المُرهف، ويا لجلالة السكون المهيب أفسده فزع العصافير ورفيف أجنحتها، لو يدري السرب أنّ ما يخشاه ليس بكائنٍ! وعندما كان جالسا في إحدى صباحات الحديقة والندى، يتأمل ببراءة طفل وتخفّف زاهد وفأل حالم لحظات النهار الأولى ويستغرق لأنه ابن القصيدة والمشهد، واللحظة الشاعرة؛ لطالما وقعت في سحره والتقطها برشاقةٍ وتأنقٍ وسهولة لا تُعطى لأحد، بلغةٍ تُقتَطفُ اقتطافا قال:”‘الفراشةُ التي تطيرُ كأنّها/مُقيّدةٌ بخيطٍ خفيٍّ إلى الجنّة/كادتْ تمسُّ ذقني وأنا جالسٌ في الحديقةِ/أشربُ قهوتي الأولى/نافضاً من رأسي كوابيسَ الليلةِ الماضية/متململاً في الشمس…./رأيتها تعبُرُ فوقَ سياجِ الخشب/كأنها حُلمٌ أو صلاة، هي التي كانت/دودةَ قَزٍّ بالأمس، سجينةً/في شَرْنَقتها الضيّقة.” بدت لي هذه القصيدة المشهدية بمثابة سفر حالم نحو المعنى النورانيّ الأثير، رحلة إلى الأمل، والضوء، والبركات والبشائر؛ قد يتغرّب -فيها ولأجلها- محاوِلُها العمرَ كلّه.

ما أطول عمر وحياة الصورة واللحظة الشعريّة في المخيلة، ما انفكّ خيالي يستعيد ضحكة هند الضبابية في مجاهل الغيب ويتطفّل عليها ولا يزال يسترجعها ويُلبسها بل ويفرضها على كل ضحكة غاوية وكل وعدٍ مؤجل ولا تكاد الضحكة تنضب بل إنها ترشح ندًى وعذوبة وأنهارا وليست قريبة أبدا من أن يطويها النسيان:”كلّما قلتُ متى ميعادُنا-ضحكتْ هِندٌ وقالتْ بعدَ غد” وما زلت أصغي في إغماضات السكون إلى موسيقى النهر المتدفق نغما وتطريبا؛ كأني إلى لا مكان أتبعه وأتخفّف معه وأرمي بهذا الهدوء الحالم كل شيء ورائي:”بالنهرِ فيّاضِ الجوانب يزدهي-بالمُطربين: خريرِهِ وصليلِهِ” وهذه الكوّة في البال المشغول تسمح بعبور الضوء والحياة إليه فتُنبّه صورة الاشتغال والحركة وتعيد تجسيد تلك اللوحة الهائلة:”وكُنَّ إذا أبصرنني أو سمعنَ بي-سعينَ فرقّعنَ الكوى بالمحاجِرِ” وها أبو الطيب يُعلّقني في فضاء عبقريِّ التصوير وسيريالي الأبعاد ويلتقط بعدسته السرّية لحظةَ الانفلات والانعتاق المرهونة بحركةٍ ينتج عنها هذا الانسكاب:”كأنَّ العيسَ كانت فوق جَفْني-مُناخاةٍ، فلمّا ثُرنَ، سالا” ولا يزال العالم مزدحما بهذه الصور الشعرية واللحظات الهائلة التي تُلهب الحواسَّ وتؤطر الأوقات والمواعيد وتغذّي الحكايا برحيقها الذي لا ينتهي، وتُضفي بحضورها الأليف على اللحظة ما لا يتوقّعه أشد المستبشرين والحزانى. عندما تقلّب في ديوان وديع سعادة (بسبب غيمةٍ على الأرجح) وتصل إلى قصيدة بعنوان (أمّي) “وضعتْ آخرَ نقطةِ ماءٍ في دلوها على الحبقة/ونامت قُربها/عبرَ القمرُ وجاءت الشمسُ/ وظلّت نائمة/الذين كانوا يسمعون صوتها كل صباح/لفنجان قهوةٍ/لم يسمعوا صوتها/نادوها من سُطيحاتهم، نادوها من الحقول/لم يسمعوا صوتها/وحين جاؤوا/كانت نُقطةُ ماءٍ لا تزالُ/ترشَحُ من يدها وتزحفُ/إلى الحَبَقة.” ستفهم ما كان يريد أن يقول دون أن يقوله، وستحفظ ذاكرتك طويلا هذه اللحظة الحيويّة والصورة الخلّاقة، وستظلّ تستعيد صورة نقطة الماء تلك، الرويّة دوما، والنديّة، وهي ترشحُ وتزحفُ ببطء وإلحاح إلى الحَبَقة.

الأصفر يذكّرني بالشمس وأصفر على أصفر ليت محسن يشوفه وباليأس ورأس ڤيرونيكا المائل أمام النافذة كأنه جزء منها ويذكّرني بالأصيل واعتلال النسيم ووقفة ابن زيدون المطوّلة يُقلّب كفّيه ويستذكر ويرثي عهدا مضى وحال، وبالفُرادى في مقاهي الليل الطويل سكنوا المسافةَ وزهدوا في محطات الوصول وبشائر اللقيا ودموع المحبّين بعدها، وبابتسامات المرضى الهذّائين يغرفون من أقصى القلب حنانا لم يعرفوا أنه موجود، وبأعمدة الإنارة في الحارة القديمة؛ بضوئها الأصفر الكسول يُغيّب من الزوايا والممرات والخطى أكثر مما يبين لكنّه على الأقل يطيل في عمر هذا المدى المفتوح ويزيد السكون وضوحا ودفئا، ويذكرني الأصفر بباقي الصور العتيقة المحشورة في الحقائب والأكياس والجيوب، بقصصها الهائلة مجمّدة في زمانها البعيد وسالف أيامها المستحيلة، ويذكرني بطوق الذهب نسجتْهُ في أول النهار خيوطُ الشمس للعشّاق اللاهثين وراء ما لا يُنال والقنطرة تنأى وتبعُدُ، وبالتراب والعجاج والرياح المحمّلة تملأ سماء المخيلة وعن قريبٍ كالسهم يشقّها ممدوحُ أبي الطيب ومن ورائه قومٌ كأنّ أكفهم عرفنَ الرُدينيات قبل المعاصمِ، وبنار القِرى ما انطفتْ أبدا، ولا يذكرني فحسب.. بل يحشد لي الأصفر ملايين النهايات المفتوحة المنقوصة والمؤرجحة بين الشك واليقين، بين هوان المحتمل وسطوة الممكن اللاذعة، ويوقفني على أشفاء الذاكرة؛ أكادُ مع كل خطوةٍ واستذكار أسقطُ في هوّةِ كذبةٍ صنعتها وصدّقتها وانخدعتُ بأصالتها مع الأيام.

من زمانات كثيرة وأنا أعيش هذه الحالة قبل أن أقرأها في بيت شعر:”أوزع جسمي في جسومٍ كثيرة-وأحسو قراح الماء والماء باردُ” وقبل أن أعهد لها اسما أو أقتطع لها وجها مُتعبا من المشهد وقبل حتى أن أتتبع جريانها وتدفقها في عينية ابن زُريق:”كأنما هو في حلٍّ ومُرتحلٍ-موكّلٌ بفضاء اللهِ يذرعُهُ” ولم أعرفني قط في حالة من الاسترخاء والهدوء -كأنّ كل هذه الدنيا لي وليس لي منها في الآن نفسه شيء؛ وسيّان هما، في هذه اللحظة- إلّا عندما أقف ولا يد تمنعني ولا قيد يشدّني أمام إشارة تحمرّ ويزداد ولعُها كأنما تتنفّس، كأنّ عينا ما في هذا الفراغ الهائل تهزأ بي وتهددني وتنذرني، والإشاراتُ عندي فواصلٌ في كتاب المدينة غير أن نَفَسي قصيرٌ فأطيل الوقوف عندها؛ شاردا أو عائدا من حلم ذكرى قديمة أو ذكرى حلم قديم، ولا تجرّني من غفلتي غير الشتائم التي تنبّه أسلاف أسلافي من غيابهم الطويل، كأن الإشارةَ اختطافٌ لطيف، لحظة انقطاع قسرية عن عاجل الحياة وآجلها وأخبارها، فما هو عاجل يؤجل، وما هو ضروري ينتظر، وما قد يفوت فات كثير قبله ولا ضير، أو لعلّها كانت زمنا بين زمانين، مكانا بين مكانين، برزخا وهميا بين حقيقتين اثنتين، كم أثارت هذه النقطة الحمراء التافهة من براكين في صدري، وكم ذكرتني بملايين الأشياء التي لا يمكن استعادتها إلا بهذا التوافق الغريب مع المخيلة، وما استرجعته من لحظات اختبأتْ خلف غطائها الشفيف وانعكاسها الحازم، هناك فقط، وعندها في وقتها غير المعلن وتحت الاحتمالات الرياضية لتوقيت وموعد انطلاقي، ألتقط أنفاسي وأستريح من الركض المكرور في دوائر الحياة التي لا تفضي إلى مكان وأسخر من نفسي وحياتي لدقائق أتمنّاها أحيانا أن تطول، لكني أحيانا أخرى، فجأةً ومن غير أن أعرف السبب أجدني قد تهيأتُ للانطلاق، وبحماسةٍ لا معنى لها ولا مبرر؛ هكذا أنثرُ روحي وأنفاسي في هذا الهواء الخانق، أسافر بلا وجهة، وأذرعُ فضاءَ الله

كلما استدلّ تاهَ وكلما احتار حيّرته الخيارات أكثر وما أعطته الأيام والأقدار إلّا الدروب التي تضيق والمصائر التي تنأى وتوغل في الحرمان والقسوة، روحه مشدودة للارتحال والاغتراب، وليس في قلبه إلا ما يتداعى ببطء في الحل والترحال، كان احتمالَ بُشرى لكنّه اليوم يُفاجَئُ بزخّات المصائب المتكررة ويقف طويلا كي يستجلي تآويلها ويفهم حكمتها الممتنعةَ وسرّ غزارتها الغريب، ما أطلعَ الناسَ إلا على فأل التساهيل والآمال المختزلة في أبشر وهلا بك وعندي وسمّ وجاك، وما ادّخر لنفسه غير الحوقلة بها يتقوّى ويعبر ويصبر وبها تطيب أنفاس الثلث الأخير من الليل، كم طوى في صدره عن الآخرين من نُذُرٍ تهدّ الجبال وكم محا بالعناية والإضمار ما يمحونه بالإسرار والمكاشفة، من يا ترى نصّبهُ للشدائد والعظام وأضاءَ اسمَهُ وحدَهُ في ذاكرة المحتارين والمتورّطين والحزانى والناخين؟ من دفع نحوه كل أولئك المثقلين بأسئلتهم وشكاويهم ومصائبهم؟ وهل دروا رغم ما يروون عنه أنه لا يعطي إلا ما في قلبه ويده وروحه كلها؟! هو الغريب منذ كان، ضاعت حياتُهُ في المواعيد والمؤجل، وما اشتكى ولا عتب واكتفى بالقليل القليل، ربما علِمَ منذ البدء أن روحه الوثّابة وخطوته الجريئة خطيئتاه اللتان لن يغفرهما له أحد فألحّ ورضيَ بما سيجيء مرتقبا ومدركا فداحة ما ينتظره، وربما ودّ لو يداري هذا الخطر الساكن فيه ويسايره حتى النهاية ويقنع بالهامش؟! ومَنْ قال أن النفوسَ العلويّةَ تستشير وتختبرُ أصحابها قبل أن تجرّبهم وتكون لهم؟! ترويض جسارة الروح؟ هيهات هيهات! لا يزال هو النائي الممعن في تطوافه نحو لا مكان، ولا تزال تعتمل في روحه اضطرابات الحنين وأسئلة المجهول، وكأنّي به إذا أغفى واستسلم للطبيعي الدنيويّ سَمِعَ نغمةً كانتْ تصخبُ في خاطره يوما ما تحت الهجير، ورأى في البعيد أُناسا يغيبون في لمع السراب

حدث مرات لا أحصيها أن تحسفت على قصور ذاكرتي المجحف في استحضار بيت أو شطر ناسب الحالة والموقف والوقت وأكاد ألمح شيئا من كلماته تطل برأسها وتختفي تتمنع أو كأنها تذكّر بقيمتها ولا تتعطّف إلا بعدما تنتهي الحاجة إليها وبعد أن تنزلق اللحظة في نهر الوقت ويمر الموقف وتظل الحسرة بوخزها الرشيق وحقدها المبرر في صدري إلى أن تحلّ محلها لحظة أخرى تشبهها. حدث مرات أخرى كثيرة أنْ وجدتُ بين يدي أو على لساني أو في ومضةٍ مريبةٍ في مجاهل البال شطرا يضيء ولا يُبين ما حوله، يلمع ولا يقترح مقطعا نغميا يفضي إلى ما بعده، هكذا فجأة أجدني أمام:”لقد ضلّ من تحوي هواهُ خريدةٌ…” أو مثلا مع:”نضجتم في الصميمِ من الدواهي..” فها قد قبلتُ القاعدةَ، ولكني لم أتذكر من الذين أنضجتهم الكُرب والمصائب؟ وحسبي أني اجتهدتُ فلم أوفّق، وحاولتُ فما استطعت. لكن مع هذا كله، تظلّ لحظات صغيرة، وضيئة كوجوه الأحبة البعيدين، فاتنة كأبعد ما يكون من ذكرى الطفولة، وشهيّة كأعذب ما يُجتَنَى، لحظات تفتح فيها يدٌ ما في المخيلة صنبورَ الشعر والكلام، فيتدفّق ويجري على اللسان، والبيتُ الشعريّ دوما عندي في أحلى تجلياته بمثابة قفزةٍ إلى قبرٍ أو ملاذٍ أو -معنويا- إلى لحظة إدراك جوهرية تنهار عندها كل المعاني المتراكمة وتعقيدات الوعي واللاوعي، لحظةٍ تشبه زفرةً علويّةً تأبى محاولات الإخفاء والتغافل والتجاهل، مقتطعة من الزمن وصاعدةً بمرارةٍ نحو أفقٍ غريب. “وأُخفِّضُ الزفرات وهي صواعدٌ-وأكفكف العبرات وهي جوارِ” وكفى ببيتٍ من الشِعر -يطرأ فجأةً- حكمةً وخلاصةً ورواءَ.

يحكون عن شاعر بينما كان يتمشّى في شوارع قرطبة عائدا إلى منزله يخرج من جيبه مفتاح بيته في دمشق ويتحسسه ثم يعيده إلى مكانه أم أن هذه اللحظة المقتطفة من حديقة الزمن بكل شاعريتها ومعانيها كانت من قصيدة لنزار؟ لستُ متأكدا ويبدو أني لست في مزاج جيد لأتأكد، يحكون عن الشخص الذي يذهب إلى مقهى ويختار زاوية ما معينة ويظل يحدق بالباب دون أن ينتظر أحدا ثم يغادر بعد ساعتين، يحكون ويحكون عن أولئك الذين تُتوِّجوا بخصوصية اللحظات الهائلة وذاقوا سكّرها وحلاوتها بعيدا عن الركض المضني والدوران اللانهائي في حلقات الزمن المفرغة، أما أنا لو كنتُ كاتبا فيلما لكتبتُ عن خليل آخر الذين عادوا من الهوّة التي لا تُرجّى منها عودة أحد وخليل يليقُ به -في بالي- أن يكون في المشهد الشخصَ الذي ينبثق من تلك الفرجة الضيئلة جدا قُبيل أن تنغلق الجدران على بعضها، أو أن يكون آخر الواصلين في صالة انتظار المطار بعد أن انتهت العناقاتُ على الأبواب ولقيَ كل حبيب حبيبه، خليل هو سيّد اللحظات الاستثنائية بل ربما هو نتيجةُ أحلى وأعذب تجلّياتها، على الأقل بالنسبة لي إنْ لم يكن لآخرين غيري، لم يغادر خليل القرية قط، وظلّ بعيدا عن المقاهي قدر ما استطاع وأظنه لم يسمع بها، لكنّ خليلا كان حاضرا في حكايانا وقصص كبارها وصغارها وأحسب أننا بقليل من الجهد والاهتمام نستطيع استخراج روزنامة باسمه ونصل بين أيامها وبين أحداث الأعوام التي خلت، فأبي يذكر يوم ميلاده لأن صاحبنا يومها فقد إصبعين من يده اليسرى بسبب آلة ثقيلة سقطت يقول هو، من لا مكان؛ ويكرر ذلك كلما روى القصة، والقريةُ تعرفه لأنه بنى مسجدها القريب إلى كل البيوت بطريقةٍ ما تُعيد تعريف المسافة أو تقترح لها معان ودلالات أخرى، ربما لا يمكن إدراكها، وأنا أذكره لأنّه كان أول من فتحت عليه عيني اليمنى تلك التي كنت على وشك أن أفقدها بسبب شجارٍ بسيطٍ وحجرٍ مسافرٍ شقّ الهواء وأصابني قريبا منها، قاد بي وقتها ساعتين أو ثلاث إلى المستشفى ولم أحتسب ذاك خروجا من القرية لاعتباري أنّي لم أشهده، وإنما كنت في برزخٍ ما، ميّت من خوف فقد العين، وغائب عن الوعي لظنّي أنّي فقدتها، لكنه استدركني، ورأيته للمرة الثانية واقفا بجانب أبي عند رأسي في المستشفى، ويزعمون في القرية من زمانات لا حصر لها أنّ خليلا رأى فيما يرى النائم ذات ليلة أنه سيموتُ في سنِّ السابعة والسبعين، وكنتُ سأصدّق نبوءته، لولا أني أنظر إليه في صالة المطار قد تجاوز الثمانين بقليل، يمشي باتجاهي وقد تفرّق الناس، ومن خلفه حقيبة حمراء داكنة يجرها، قد ذكّرتني على نحو غريب برائحة الدم الحار المتدفّق على عيني ووجهي في واحدة من صباحات الطفولة، قبّلته على رأسه وبين عينيه وتحمّدتُ له بالسلامة، وأخذت من يده الحقيبة، وعندما فتّشتُ عميقا في طريق العودة الطويلة عن حكاية يصلح أن أبدأ بها كلامي ووجدتها، التفتُّ إليه، فإذا به قد أسند رأسه على نافذة السيارة وغفا من التعب