ذِكـرى

من مركبة أخرى تحجبُ الشبابيكُ نغمها المستفيضَ تدلف موسيقى وتستريح على شاطئي وتدخل سيارتي التي يضبط إيقاعها أنين مؤلم ورتيب؛ موسيقى أتعرّفُ إلى ملامحها المضببة ولا أستدل من خلالها إلى كلمة أو وعد، أصغي بفضول لا تقطعه الهواجس ولا الانشغال بمصيرٍ مجهول وأدعو أن يطيل الله في عمر الإشارة الحمراء وأرهف السمع لسرّ الكون اللحظي وأكاد لولا الحياء أن أستفسر السائق عن الأغنية التي جعلتْ السيارة تنتفض من شبق خفي ولكني أتنازل عن هذه الرغبة الطفولية في معرفة كل شيء وأظلّ في ذهني أتبع هذا اللحن الغريب بعد أن تسوقنا الأقدار كلٌ إلى وجهته وفجأة في آخرِ الرحلة تنبثق كلمةٌ لا أدري أي يد حفرت عنها أو أي صحراء في هذا البال لفظتها بلا سبب فأركّبها بعناية في هذا الوزن الغامض وأدوزنها في نغم عَقَدَ لساني وجرّني في مجاهيله لساعة ونصف فتُفكّ شفرة الأغنيةِ وتظهرُ، ليس لوحدها وإنما بسيلٍ جارف من الذكرياتِ أوقفني على باب البيتِ لبضع دقائق، شاردا والمفاتيح في يدي كأني للحظةٍ نسيتُ كل ما ينتظرني وراء هذا الباب

ما بعدَ الأزرق

لن تبقى من الخيالاتِ الملحّة غير صورةٍ للجفاف ولا من الماءِ غير ما يروي العطش بالكاد ولا من الليالي المطولةِ إلا سكونها القاتم وهواجسها المؤجلة، لن تحضر تلكَ الذكريات الشفيفة مهما احتفيتَ بها ولن تفاجئكَ هذه البشارةُ المُسالة على زجاج الشبابيكِ كما تعوّدتْ أن تفعل، لن يُنادَى على اسمكَ بكسلٍ في الالتفاتاتِ المرتابة إلى الوراء، لن تتقدَ في بالكَ الألحاظ أو الوجوهُ التي عبرتها سريعا أو عبرتك، لن تفهمَ مراياك وقوفكَ الطويل أمامها وتسمح لك بالغرقِ المؤقت في هذه اللحظة العابرة، لن تستيقظَ الطفلَ المرهف والمولع بأنصافِ الحكايا والنهايات المعلقة في غيبها، لن تأخذكَ هذه الشفة المحلقة إلى الأعالي، لن يُطلِعكَ الجمالُ المورِّطُ على أقل أسراره، وإن ألححتَ على مجازك أو أطلت التحديقَ في نقطةٍ ما بعينها فلن تولدَ الكلمةُ التي ستعرفها إذا ما جاءتْ، ولن تجيء

بلا اسم

يا من حسِبتَ نفسكَ تقدر على أن تقطع العمر وحدكَ، ماذا تسمّي التنهيدةَ حين تخرج من معتزلك إلى صالة البيت ولا نورَ ولا أحدَ في زواياها يستكمل معك حديثا لم ينقطع منذ أن صرتَ وصار، ماذا تسمّي الانعكاسَ على زجاج النافذة؛ انعكاسكَ وحدك واقفا على المجلى ولا صوت ولا أصداء في الخلفية بعيدا ولا خطوة على بعد غرفتين، ماذا تسمّي ظلامكَ وسط الظلام، تراقب نَفَسا يعلو ويهبط وكل ما لك أن تزجي الوقت العابر حتى يباغتك النعاسُ وهل يباغتكَ النعاس؟ ماذا تسمّي الفنجان المقلوب؟ وهذا المحيط من الصمتِ، وهذه الاستدراكات الشفيفة على نفسكَ، وكل تلك المسافاتِ ما بين نقطة الانطلاق والمحطات المنشودة، وماذا تسمّي مشاويرَ آخرِ الليل تخرج لتجلس في أي مكان بعيد فتكتشف أنك لم ترِد المكان البعيد وإنما الرحلة الطويلة قبل الوصول إليه فتعود، وهكذا معلقا بين مكانين أوشكا أن يصبحا لا مكان، ماذا تسمّي حكايا لن تروى وماذا تسمّي هذه الالتفاتة التي تعلمُ يقينا أنها لن تجدَ أحدا أو أثرا، وماذا تسمّي بظنّكَ هذه الحياة؟
الأقل من حياة

الزوايا

ما الذي سيتدلّى من فوق هذه الجدران ويحلم بنا في انتظاره هناك، ما الذي سيفوتنا إن أغفلنا لحظة واحدة من هذا المشهد البانورامي الواسع في رمشةِ عين؛ نحنُ عشّاق الزوايا، أو سجناؤها على الأرجح، ما الذي نخفيه في شاشاتنا عن تطفُّل الأعين ومرور العابرين؟ صور أجساد عارية، نصوص غير مكتملة، محادثة من طرف واحد، مسودات أعمال لجهات سرية، سيرة ذاتية بحاجة دوما لتحسينٍ ما، ارتجافة شفة محلّقة، شيء من ذكرى الصبيةِ الأولى، خلفية ملتقطة للحوش القديم، لظلِ شجرةٍ وابتسامات غُيّاب سادرينَ، لما هو أبعد من ذلك بكثير، لما لا يُشرَحُ ولا يُلتقط سِرّهُ ولا تُجتلى خوافيهِ هناك في اللحظةِ المستحيلةِ المطويةِ والقلب الدالهِ عمّا ستحدثه الأيّام، ولمَ كلّ هذه الالتفاتاتِ إلى الوراء إذا كنّا لِصقَ الجدار وليس ثمّة مكان لانسلالِ نسمة، وما المتعةُ في أن تكشفَ العالمَ ببصركَ ولا تسمح له بفعل الشيء نفسه، وما الشيء الذي يخدّرنا أكثرَ من غيره في كرسيّ الزاوية ويمنحنا العبور السريع للأوقات؛ ساكنو الزوايا أنفسهم؟ ولمن نترك بعد ذهابنا كلّ هذا الإرثِ والذكريات وظلال الأسئلةِ والهواجسِ والوفرةِ التي ليست بشيء

العطش

العطشُ واحدٌ لكنِ العَطَاشى لا يقعون في الشبهِ ولا يلتقون في مكان، كلٌ يعطشُ لوحده، وكل لوحده يرتوي. هنا؛ ليسَ ببعيد عن أي مكان كنت فيه، ولا قريبا من أي مكان وددتُ لو أكون فيه، نصيبي ممّا يوشك على الحدوث الحيرةُ قبل حدوثه، وحظّي ممّا حدثَ وفات وانتهى سؤالٌ ملحّ عن المرة التي سيحدث فيها مجددا. لا شيء يشبه زهدي في الاحتمالِ الطارئ والسراب، ولا دربَ يستطيع أن يعِد الخطوةَ بجديدٍ لا تعرفه وبحكمةٍ خفية عما قريبٍ ستتجلّى، عطشي تقريبا خجلُ الاقترافِ والمبادرة ويأس المحاولةِ قبل المحاولة، لذلك كلما قلتُ لنفسي أن العطشَ واحدٌ، استدركتُ على نفسي بنفسي وقلت أنّه ما مِن أعفّ من نظرةٍ عَطْشى ولا تقول، ثمّ تركتُ هذه الرغبة الظمأى تهوي في الأعماقِ كأخواتها وارتويتْ

المجهول

ليس ثمّ أعنـدَ من نعاسي وهو يجرّني إلى أماكنَ أعرفها ولا أتذكر كيف تكون تماما، ملامحَ تطفو وتغيب، زرقة تتسع، ضوء ووحشة، حيطان تنأى عن اللمس، أثر ينقطع فجأة بلا تفسير، مصائر معلقة و”رقدةٌ يستريح الجسمُ فيها-والعيشُ مثل السُهادِ” هوًى بلا قرار وضباب يغمر المدى، كلما حاولتُ طردَ نعاسي استفزّيتُ شيئا غامضا وتنبّهتُ كالغريبِ على المدينةِ أو كالرافعِ رأسَه إلى جماعات متحلقة وصخبِ مقهى كان ميتا قبل لحظات أو زمنٍ بعيد، هل ثمّ ما أنتظرهُ ليكونَ لي وينتظرني لأكون له؟ ما أؤخره لأغيرَ النتيجة والحدث؟ ما أحرسهُ دون أن أنوي؟ هل ثمّ وراء هذه الأبواب بابٌ سيطرقه الناجي الأخير ويصيح بأعلى صوته؟ لستُ أدري، ولكني عمّا قريبٍ سأكتشفُ نهايةَ
هذا الحلم المرير

توقُّف

لا شيء في الذاكرةِ يُفضي إلى حقول وينابيع وبردٍ أزرقَ نستدفئ منه بحكايا الآباء المطوّلة حولَ نارِ السمرِ أو المواعيدِ المؤجلة، لا صوت فيها يسمّي الأشياءَ بأسمائها أو يبوح بما أُنسيتُهُ من أماكنَ ومشاوير ولا رعشة تُطلعني على نتف صورٍ تتمنّع في ضبابها الكثيف، لا خفقة تولع القلبَ بالمسير أو الغياب، لا نأمة تقترحُ فيضا جديدا أو هطولا محتملا، لا الجسد آن آوانه فيكونُ “خِرقةً تُخاطُ إلى الأرضِ” لا درب يحمل خطانا على التصديق، لا عناوينَ توقظ أصحابا كانوا على البال وهنا؛ على بعدِ منعطفٍ وسؤال، لا صدفة تصطفيها لي الأيام، لا خبر سيحطُّ على قلبي مثل فراشة، ولا كل ماً توهّمتُهًُ كان أو سيكون، لا شرفة تنأى بي عن العالم، ولا لحظة رضا خفيفةَ الإيقاع ستمحو عن روحي كل هذا السخط، لا باب في هذا الممر الطويلِ، ولا انعكاسي في المرايا يدورُ يدور حتى تتوقّفَ الأرضُ عن الدورانِ
أو ينقطعَ النَفَسُ

غفلة

كلما دنا الليلُ نبّهني من نظرتي الغافلة وأطلعني على دنيا من الفراغ بعد كل هذا العمر والمحطات من الفراغ والانتظار، كلما دنا الليلُ فتحت كتاب الأغاني وقرأت:”باديٍ في مرقبي والليل داني-سجّ يا قلب العنا والعمر فاني” فها أنا في لحظةٍ الصاعدُ إلى الليل وأنفاسِهِ الرطبة وشجونه الكثيفةِ في الأعالي وها هو في أخرى يدنو إليّ بعيونه الألف وهواجسه اللانهائيةِ وتحتهُ أكتبُ وأمحو كأني أستعيدُ وصايا لم أسمعها قطّ أو أنصتُ لصدى إلهام لا يدلّ على مكان، وتحته أبدّد عمري بأن أعلَقَ في حكايا لا تشبهني في شيء وأستريح لوهمِ ألا أكون. كلما دنا الليلُ غمرتُ نفسي بما لا يُستنفد من الصمت وانتظرتُ تلك اللحظة الطائشة عن قصدها، خفيفةً كرعشة الانتباهةِ من هوةِ الأحلام وضبابها، قريبةً ككل شيءٍ لن يُنال، واعدةً ككل المسافات التي قطعتها باتجاه العدم، وبعيدة حيثُ تذهب كل هذه النظرات الشاردة والمهدورة في زجاجِ العالمِ وما يتبدّى للحظةٍ وراءه ثم هكذا بلا سبب يختفي أو
يموت

تكرار

من للتكرارِ غيري أو صباح يعلقُ في لازمةِ القدّ فيظلّ يغني حتى يهبط الليل أو يجفّ الغصن ويذوي. من للتكرارِ غيري أو غير كرسيٍّ شاغر في زاوية مقهى وطريق واحدة تتلوّى تحت قدمّي حتى النهاية. من له غيري أو لحظات انتباهة خفيفةٍ إلى الحال المعلّقة بين بين. من للتكرار غيري أو رائحة الأرض بعد المطر إذ تستفزّ ما لا يُنسى ولا يمكن تذكره. من للتكرار غيري أو حمّى الشرودِ وندى التنبّهِ منه. من للتكرار غيري أو مجاز الموجة وأزليّة الإقبالِ بالعيون والتمنّع بالإشاحة والغياب. من للتكرار غيري أو بيتٍ تنتخبه لي الذاكرة كل صباح:”ألا عم صباحا أيها الطللُ البالي-وهل يعمن من كان في العصر الخالي” من للتكرار غيري أو غير درب تؤملني كل لحظة بالوصول. من للتكرار غيري أو زرقة تفاجئني من بعيد دوما بزخّةٍ من النقائض أو بشيء يسيرٍ من البشرى. من للتكرار غيري أو هاجِس قديم يتدلّى ويومضُ. من للتكرار غيري أو غير حياة خجلى بطيئةِ النبض تكادُ لولا لحظةٍ غريبةٍ عنها تموت، تكاد لولا انتباهةٍ مصرّة تختفي في
عدم

سَفَر

كأني في خاصرةِ المكانِ أحرسُ النظرةَ عن الطيش أو احتمالات العطش؛ زاويةٌ في مقهى تخفّفَ لتوّه من زوّارِه المحلّقين وبقايا الحكايا وفائض الصمت. ليس في يدي غير الوقت ولا على بالي غير المزيد من الذكريات الجافة بدون صورة أو صوت، وحيدا إلّا من الظلال الخفيفةِ والعابرينَ الخِفاف وراءَ الزجاج، بريئا إلا من خيالي المستنزِفِ وحكمتي الضالة. عالقٌ أينَ أضع قدميّ، وأقربُ ما أكون إلى لحظة ساكنة تجيء بعد انهيارِ العالم. أكتب حكايتي هذه ما بين النوم واليقظة وفي الأوقات المطرودةِ من نعيم الغفلةِ والمهدورةِ هناكَ في حدة الانتباه والوعي. مهمل في مكاني، وغريب على كل خطوة محتملة في هذا المشوار الطويل. لي قصة تبدأ دوما في أي مكان وأي لحظة وتنتهي إليّ هنا، جامدا في مقعدي، منتظرا ما لن يحدث، سابحا في سكوني نحوَ جهة غير معلومة، وواثقا من أن المعنى من عدمِهِ سيتجلّى لي بعد كل طعنة وأن كل ما ظننته واضحا سيزيدُ في وضوحِهِ وكلّ ما حسبتني قد واريته الثرى والنسيان يلمع هناك وراء نظرتي المسافرة في أقصى أزرق في المدى المفتوح

حكمة الصمت والركض والسكون والجهل والشك

١
حكمة الصمت

اِبحث في الكلام
تجد الصمت، ابحث في الصمت لن تجد أيّ كلمة. وراءَ الكلام محيطٌ من الصمت، وراء الصمت صورة للجفاف، أو زاويةٌ في مقهى وضيق في نَفَسي كأنّما أصّعدُ في السماء، كأن عيسَ أبي الطيّب ما ثُرنَ إلّا ليبركنَ فوق صدري في هذا الصباح الصامت. ما بعد الكلام وقت للصمت، ما بعدَ الصمتِ صمتٌ لا يُستَنْفَد أو صرخةٌ أخيرة تخمدُ كل ما كانَ
وما سيكونُ

٢
حكمة السكون

عندما تنطفئ العاصفة ويتلاشى الصخب
تعثرُ على غيمةٍ مهيأة للالتقاط وسكينةٍ لا تجرؤ على تسميتها. في السكون لكل نَفَس ثِقله، لكل صورة تسقطُ عليها العينُ معنى، لكل نبضةٍ طارئة دلالة وإشارة. قبل السكونِ كنتَ شيئا زائدا، واحدا من الحشد، نغمة لا قيمة لها وسط هذا النشاز. بعد السكون لن تكونَ سواك، ضروريٌ ومُهمل باختيارك، تكادُ تطفو لولا قيدكَ الخفيّ، تكاد تتلاشى لولا الضربات الخفيفة المتتابعة على القلب، تكاد تختفي لولا العيون
التي تبصرُك

٣
حكمة الركض

ما تزال تركض خارج الحلم وداخله
ما تزال تشكّ وتأمل أن يكونَ نَفَسكَ القادم هو الأخير ولن يكون. في الركض تفقد ترف وتفاهة أن تنشغل بالبحث عن الحكمة وراء هذا كله. خلال الركض تكون أقربَ لئلا تكون، تصير جزءا من كل مكان، واجدا زمنكَ الخاص مصغيا لإيقاعكَ الاستثنائي، بعيدا عن اليقين، منشغلا بأسمى قيمة وأرفع معنى: اللا شيء. بعد الركض يبقى الأملُ في خطوةٍ أخرى، تنهيدةٍ بطيئةِ التحليق، نداءٍ يجيء من لا مكان، صورةٍ لطفلٍ كنته لم يفكر يوما بكلّ هذه الرغبة في الكلام قبل الركض، بكلّ انعدام الرغبة في الكلام
عند خطّ النهاية

٤
حكمة الشك

يُعطّلكَ اليقين ويُعدّكَ الشك
ما أقربَ ما لا يُتوقَّع، ما لا يُحتمل أن يكون، ما أكثر نأيَ الموشكِ والـ يكاد، الأقرب من أي وقتٍ مضى. كل لحظة يقين مسوّرةٌ بالوعودِ والظنون والتصورات، كل لحظة شك خفةٌ في الهواء وخطوة حذِرة والتفاتة في وقتها. ما لا يضمنه اليقين طرقةُ مُنذرٍ على الباب، ما لا يضمنه الشك يد ممدودة ونبرة مطمئنة لستَ في حاجتها. بعد اليقين كل فكرة وقفزة احتمالُ شظايا، بعد الشك كل شيء مألوفٌ ومكرور كأنكَ رأيتَ العالمَ ألف مرةٍ ولا يزال على حاله هناكَ في نظرتكَ اليائسةِ
أو في
انعدامها

٥
حكمة الجهل

طِبتَ أنت، في مكانكَ
ما أقلّ ما تعرف عن العالم، ما أقلّ ما يعرفه العالم عنك. لست على يقين من أي شيء ولا قريبا من أي معنى أو منال. كم أهملتَ بالإشاحةِ ما يزيد عذابك، كم اتّقيتَ بالامتناع عن السؤال أو السلام من ورطة أو شجن يسكن الترانيم ولا يغادرها، كم تواريتَ في شطرِ الشاعر:”وأفظعُ منه أن تدري” ونسيت. ما بعد الدِراية إلّا الندم والتكذيب ويا ليت، وما بعد الجهل إلا وجودا طفيفا يشبه في تخفّفهِ
العدم

محمّد طير شلوى

محمّد طير شلوى۱
محمّد الموجود في الصورة غير الذي أعرفه لأن محمّد لا يحب أبدا أن يظهر في الصور. الولد المشغول بالتحضير للحدث لا الكلام عنه. ضابط الإيقاع الخفي أو الجندي المجهول لولا أن لجندي دلالات ورؤى لا يتبناها محمد ولا يتحدث عنها. آخر المتواجدين في الاستراحة مثل العازف الجديد وأول من ينزل العفش. يبقى ليتفقّد بقايا العجالى لأنهم غالبا ما ينسون هاتفا أو منشفة على الدرابزين أو فردة جوارب تُفقد أختها المعنى وتنبش السؤال الوجودي أين تختفي الأشياء. يجمعها في كيس صفراء لا تُفارق يده وأكاد أحلف على حسب معرفتي بمحمد أن لها قيمة عنده ووراءها موقف لو حكاه لي لسقطت على الأرض من الضحك لولا أني نسّاي. وإذا ما خلت يده من الكيس فلأنه يحمل صينية العشاء أو أكياسا زرقاء من البقالة البعيدة بسببها فاته أكثر من ثلثي الفيلم ولكن الأهم عند محمّد أنه لم ينس مشروبات الشباب الموصى عليها. محمد أكثرنا وسامة وأمتعنا حديثا وأظرفنا نكتة وما من شيء يمنعنا من الاعتراف سوى شيء من نرجسية وضحكة محمّد المتقطّعة ردّا على الأحاديث الجادة وكأنه يعزل نفسه عنها ولا تعنيه في شيء. محمد الظاهر في زاوية الصورة بنصف ابتسامة وعين حنونة وغير مهتمة بيده مهفّة ويخشى أن تخمد النار تحت أسياخ الكباب.

۲
على درب السفر ولأننا نعتقد بشيء لا يمكن التصريح به أن محمّد لا يجري عليه تعب أبي العلاء:”تعب كلها الحياة وما أعجبُ/إلا من راغب في ازدياد” نرمي إليه مفاتيح السيارة عند نقطة التجمّع ونزوّده بجرعات الإسبرسو على محطات الطريق. ولأنه يمكن أن يقود بنا إلى القريّات دون أن يتوقف لينفض الغبار عن مفاصله نعتمد نحن الخمسة مناوبات النوم وعلى مضض نتفق أن من ينود في غير وقته لا يحق له الاعتراض على ردة الفعل. محمّد الوحيد الذي لا ينطبق عليه المثل:”تعرف صاحبك في السفر” لا تسمعه يشكو من أي شيء في كل حال ولا يمر طبعه باضطرابات مخبوءة ولولا خوفي أن ينتفض أبو الطيب في قبره لسلخت بيت وحالات الزمان عليك شتى من كل أحد واصطفيته به. أحيانا تتشعب أحاديثنا فلا أذكر كيف بدأت لكني أعرف أني كنت آخذ بيده إلى جحيم سوداوي وكان يستدير بنا إلى فراديس متخيلة نستعيذ بها من حالنا المعلقة ونتوقف أخيرا في المنتصف فلا غايتي بلغت ولا خضرة بساتينه ظللته وأظن وقوفنا ذاك يشبه لازمته:تساهيل يا حبيبي. حدث مرة وأن غبنا جماعة في هوّة نوم ثم فتحت عيوني وبدأت أنبّه الجثث الباقية من حولي ووقتها رأينا فيما يرى المسافر محمّد الخجول يعافر اثنين على جال الطريق وكان أصيل يغني تعبك راحة وإشارة التوقف جانبا تنبض.

۳
أحبّ الكتابة عن محمّد لسببين أحدهما أنّ لي ملَكَة تسمية عيب جديد في كل مرة ألتقي بها مع شخص أعرفه ولأنّ ظروفا قهرية تمنعني من رؤية محمّد أبدا، أحسب أنّ هذا يضمن له البقاء في منطقة برزخيّة مقدّسة بين الكراهية والإعجاب. وأمّا الآخر فمحمّد هو الكائن الوحيد الذي أعرفه ولا يستجيب لتلك الإلماحة الخفيّة:”كنت في سيرتك البارح”ولا يتفاعل معها ولا ينوشه بسببها فضول. ولذلك فإنه ومهما تركت من أمارات فلن يرى انعكاسه ولن يتخيل أنه هو. أدخل مجلسا ضاجّا بالناس وأتبع خيط دخان فلا يذكرني برحيل العمر ولا يوقفني على مسرح عبدالحليم وحكاية الفنجان ولكن أمام محمّد شاردا في إحدى الزوايا زقارة في فمه وعيناه مصوّبتان نحو جهة كأنه شاعر محاورة يفكّر بردّه الملجم. على الأرجح أن ليس لمحمّد خطة ولا هدفا في الحياة ولا غاية سامية يبرّر بها وجوده أو يوهم نفسه بما ليس له. وعلى الأرجح أنّه يدري أن لا معنى أسعى إليه في حياتي ولا غاية مهما ادّعيت؛ ولعلّ هذه نقطة التقاء لم أنتبه لها قبلا. كلما تقاطعت طرقنا عند نهاية الشارع سألته:محمّد متى نشوفك؟ يتبسّم ويقول: عقب باكر. غفر الله لي يا ابن أبي ربيعة، انظُر كيف خرّبتُ عليك ذِكرى هند وغنج ضحكتها.

٤
لمحمّد ملامح عادية بمعنى أنك رأيتها في مئات الوجوه لكنها معا تخلق هذه النتيجة المريحة للعين. وله عادة واحدة وهي أنه دائم الإنصات. أحيانا أشك أنه يعمل بهذه الآلية وحدها، آلية التخزين، دون النشر. وإذا ما سألنا عن رأيه أجاب:”ما عندي شيء أقوله” رحم الله امرأ لم يذق حلاوة ما لم يقله وما توهّم أن ما في الجعبة أحلى وأرق. كم تفرّس فيه الأصحاب ولم يكتشفوا شيئا، كم حلّلوه وفهموا حياته لكنه أفسدها عليهم الليلة التي تليها. لا نعرف عنه ما يحب وما يكره، أزعم أنه اختار الحياد منذ زمن بعيد لم يعد يتذكره. له انفعالات طفيفة، أسمّيها حذرة وأعرف أنه يضطر إليها بحكم أنه يتنفّس. مرّة وقعت عليه متلبّسا في حالة غريبة لا تشبهه، محمّد يصرخ ويهدد ويشتم على الهاتف. لكنّه ما إن رآني حتى عاد إلى درجة عالية من طبيعته وشممتُ من جهته رائحةَ العشب النديّ تلك الرائحة الرمادية التي لا تحرك فيك شيئا. ومع ذلك لم أستطع منع نفسي من تذكّر تلك السيناريوهات الكثيرة عن الجواسيس والعملاء المتخفّين. لكن من له مصلحة فينا؟ بالأصحّ من له مصلحة في محمّد! هذا الذي لا يكاد ينطق بكلمة، ولا يستدرج أحدا إلّا ليشاهد معه الروسونيري في إحدى لياليه الحمراء وهو يرى خيال نيستا يتزحلق في ثلث ملعبه الأوّل.

٥
سقى الله حوش بيت أبي القديم، سقى الله الأصيل ذات يوم غائر في القدم حتّى كأني اختلقته من عدم أو تطفلت على ذكرى لم تكن لي، سقى الله خيالَ يد محمد وهي تمدّ هاتفا نحو أذني وصوته إذ يقول: بالله عليك تسمع. سقى الله زمان خشوعي في إرهاف السمع وسقى الله صوت هيفاء تغني: “كيف أنا بقوى عذابك؟ لا صار في بعدك عذاب وفي قربك عذاب” لم يفتح عينيّ أحد على جمال مبهم مثله ثم يتركني أسيرَ عمائي معلقا مع ذكرى لا تنضب، لم نتحدث عنها أبدا أعني هذه اللحظة المعلقة في الفراغ ولا هيفاء وما كنتُ أحسب حينها أن صوتا ما جدير بخلود كهذا. لم أكن الطفلَ تماما، ولا كنت أكبر من الطفل ذاته، لكنّ قلبي خفّ وقتها وأخرسني خجلي عن سؤال أو إثارة بحيرة حكاياه الغرامية باستنطاق متلهف أو تصرف أبله واخترت أن أسكت. ومع ذلك ما زلت بعد سنين أطمع أن نجلس أنا وهو في مقهى مدينة غريبة علينا أو غرباء عنها ويروي لي تلك التفصيلة الساقطة من كتاب السيرة ويخلصني من هوس الرعاية ومازوخية الاعتناء. كلما جنحت الشمس جهة المغيب أو رأيتُ شجرة تزحف أغصانها على حائط أو ذكرني باب موارب بترف الحوش والمساحات الرحبة أو طرأ على بالي محمد أو اسمه أومضتْ في بالي هذه اللحظة الفاتنة وإذا ما اقتربتُ منها لم أجد شيئا ولا أثرا ولا لوم ما دام أن:”عادة الظبي يجفل لا تحرك ظلاله”

٦
يبعث لي برسالة صوتية بعد سنتين من الغياب والانقطاع فأحسبُ نفسي إذ أتظاهر بالانشغال عن سماعها أني أؤخر سرورا غامرا لا يسعني تحمله وأقول في خيالي لعلّ الغربةَ ألانته كما ألانتني ربما اختار أخيرا أن يقول شيئا جديدا؛ شيئا لم يطق أن يخفيه في ثنايا حفيف الكلام والصمت الممتد والبسمة الساخرة ولمّا يفضي بي الفضول إلى هذا المنعطف من العالم وإلى ذروة الطفوِ والسكينة وأجدني قد استنزفتُ أعذاري يجيء صوته من أقصى الدنيا بلا مقدمات ولا سلامات يسألني عن بيت شعر كنت أطريته ذات مرة على حد تعبيره ثم يسترسل ولمدة دقيقتين في التوصيف والمقاربة ومحاولة استدراج كلمة إلى الظهور وما مِن كلمة. أستسلم لتفطّنه ذاك وأقرر أن أضيّع ليلتي تلك-ولمَ لا-في البحث عن البيت المنشود. وبعد عشرات الصفحات والأساليب المختلفة في طرق البحث واستنطاق الذاكرة أجد البيتَ دونما سبيل إلى معرفة النهج وأي ممر أوصلني إليه. حينها أفكر في أن أعلّقه لسنتين أُخريات ولكني أنا النصف نائم بأجفان كسلى من الإجهاد غير الضروري لا يخطر ببالي مما يناسب الحالة غير:”وقالت وعضّت بالبنان فضحتني-(وأنتَ امرؤ ميسور أمرِكَ أعسرُ)”أختار أن أزهدَ في فرصتي وأعفيه من التعلق. أبعثُ له أخيرا ببيت القصيد مقرونا باسم صاحبه حتى إذا نسيه لم ينس شاعره، فإذا هو أبو العلاء، عندها لا أندم على ما ضاع من عمري؛ لأن ما ضاع وما لم يضِع عندي وعند صاحبي رهينِ المحبسين سيّان، والله المستعان.

٧
هو ذاك القليل من الحكايا والصور والضحكات الساخرة والمقيدة بلحظاتها البعيدة، ذاك النادر من الوجوه المهملة والمطوية في الذاكرة المتّقدةِ فجأة في اللحظات الميتة والعابرة أستردّه من الغياب فيكون، أنساه فلا يبقى منه غير ذلك الأثر الطفيف الموشك في كل لحظة على التلاشي والتفاصيلَ إذ تنتظر أوان استنطاقها والبحث في خفاياها. كأن أرفعَ مقاماته الامّحاءَ، كأنه سمّى ما امتنع أبو الطيب عن تسميته “يقولون لي ما أنت في كل بلدة/وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسْمَى” فقالَ: العدم. نمشي في مسار متفق عليه دورتان حول الحارة ثم نفترق، نمشي والقصد هباء نساير كل منعطف في الحارة ويستغرق كل منا في هواجسه لفترات مطولة دون كلمة ولا نأمة، خفيفان كأن زمن الكلام انتهى والحاجة إليه انقطعت، نقاوم رغبة غامضة تجرنا منذ الأزل نحو البيت حتى نخضع أخيرا ونستجيب، وبنغمة ناشزة لأن الكلمة استثناء والمدى سكون:”بكرا إن شاء الله؟” أردّ:”بكرا إن شاء الله” أتذكر هذا وأنا أمام البيت القديم، نظرة ساهية نبّهتني من غفلتي نحو ظل الشجرة القصية حيث كان يختفي عند المنعطف قبل سنوات وفي بالي تنهال عبارة لصاحبي يختتم بها حكايا الأصدقاء في عام النهايات: “وسارَ مبتعدا واختفى في كلّ مكان*” أدير المفتاح وأنطلق، أمامي أربعين كيلو للعودة وبضع هواجس لأبددها في الطريق وعمرا نذرته للمشاوير والتطواف.

٨
وفي لحظة أنتبه من استغراقي في الكلام فأرى في وجه صاحبي:”وربّ منتصتٍ والقلبُ في صممِ” فأتذكر أنْ ليس له من الوجود غير هذا الظلّ الخفيف وبعض المتناقضات وهي تظهر في الأنماط والقرائن ولا تستشفّ بالقراءات والتفرّس، كأن وجهه المصغي المعتني بأقل نأمة وأدنى خطوة ليس هنا وإنما هناك في قلب لحظة بعيدة يحرضني من مكاني بمزاج عفوي ونظرة تستدعي الإمعان في تفاصيلي الساذجة وإذا أطلتُ النظر فكأنه في إنصاته الرهيب لا يشغل من المكان إلا قدر كذبة تتلاشى مع الوقت فلا هو الذي يذكر كيف بدأت حديثي ولا هو المشغول بهواجس المنعطف الذي سيطرأ على قصتي فأقدّر حينها أنه مقيّد إلى عذابين لا يشبه أحدهما الآخر وهناك ما بين غاية الأدب ومنتهى عدم الاهتمام اصطدته كما اصطدتُ نفسي غير مرة في برزخها القديم، أعتذر منه لحاجة ضرورية وأغادر متلفا الحكاية وقريبا من نسيانها تماما قبل أن يذكرني محمد بها بعد سنوات ولا أدري لأي نيّة فأرى مطلعها كالحلم وأستدعي مصرّا نهايتها وتفاصيلها فلا تحضر كأنها لم تكن لا هي ولا هذا الموقف الغريب إذ يتدلى من سقوف الذاكرة ولا محمّد هذا الرجل الضبابي في الصورة واقفا إلى جانبي أو يخيّل لي.

محمّد -٨-

٨
وفي لحظة أنتبه من استغراقي في الكلام فأرى في وجه صاحبي:”وربّ منتصتٍ والقلبُ في صممِ” فأتذكر أنْ ليس له من الوجود غير هذا الظلّ الخفيف وبعض المتناقضات وهي تظهر في الأنماط والقرائن ولا تستشفّ بالقراءات والتفرّس، كأن وجهه المصغي المعتني بأقل نأمة وأدنى خطوة ليس هنا وإنما هناك في قلب لحظة بعيدة يحرضني من مكاني بمزاج عفوي ونظرة تستدعي الإمعان في تفاصيلي الساذجة وإذا أطلتُ النظر فكأنه في إنصاته الرهيب لا يشغل من المكان إلا قدر كذبة تتلاشى مع الوقت فلا هو الذي يذكر كيف بدأت حديثي ولا هو المشغول بهواجس المنعطف الذي سيطرأ على قصتي فأقدّر حينها أنه مقيّد إلى عذابين لا يشبه أحدهما الآخر وهناك ما بين غاية الأدب ومنتهى عدم الاهتمام اصطدته كما اصطدتُ نفسي غير مرة في برزخها القديم، أعتذر منه لحاجة ضرورية وأغادر متلفا الحكاية وقريبا من نسيانها تماما قبل أن يذكرني محمد بها بعد سنوات ولا أدري لأي نيّة فأرى مطلعها كالحلم وأستدعي مصرّا نهايتها وتفاصيلها فلا تحضر كأنها لم تكن لا هي ولا هذا الموقف الغريب إذ يتدلى من سقوف الذاكرة ولا محمّد هذا الرجل الضبابي في الصورة واقفا إلى جانبي أو يخيّل لي.

ديجافو أو ظِلال الرؤية

بعد كل قطيعةٍ وهجر وبعد المشي في غاباتِ المُخيّلةِ والموسيقى، والشرودِ في ظلالٍ تتغير أشكالها بفعل الضوء والأسى وبعد أن أعودَ من كل نداءٍ صارخٍ حملته إليّ الهلوسات الخفيفة والمنى المعلّقة وبعد أن أستعيدني من كل لحظة غريبة وزرقة غامضة وإلهامٍ حالم وأحتفي بكل ما لا يستحق الاحتفاء وأستديمَ يائسا بنظرتي ما لا يدوم وبانتباهتي كل ما كتب له التلاشي وبعد أن أنجو من حدسي ومجازفتي وأستردّ ما يتبقّى لي عندما تنطفئ الرغبات وتموتُ الخطى الحريصة العجلى واليدُ التي تحلّق وتسعى للاصطياد والاصطفاء والظفر، بعد كل ما حدثَ وما لن يحدثُ أبدا في أشهى الخيالاتِ وأبهجِ الضحكات الشيطانية وبعد أن أهذّ مطلعا أو أحضّر لاستهلالٍ ساحر وأستفزّ حكايا كنتُ قد واريتها النسيان وبعد أن أُتلفَ نفسي في الرثائياتِ وأَلَا ليتَ وفي تتبّع الجمالِ واللهاثِ وراء نظرةٍ شاردة، وبعد أن أتفيّأ ظلّ ذكرى وأغتنم ليالي السمر وأنغمس في وهمي وأفطنَ لمعنى غامض وسرٍ مخبّأ، بعد كل لحظة مثل هذه؛ شبيهةٍ بأيّ شيءٍ من هذا وغيره أتسمّر للحظةٍ في مكاني وأحسبُ أني عشتُ كل تلك الحكايا المرصوفة قبل أوانها واخترتُ أن لا أروي رؤاي، أخذتُ نصيبي كما جاء وصدّقتُ غوايةَ السهو.

خيال

يا له من وهم. في الخيالِ أتكئ على صورة مجمّدة لشلّال وعلى قصة رويتْ في غير وقتها وكلمة مهلهلة أطرافها ومَثَلٍ يتمنّع على الاصطفاء في لحظة مناسبة وعلى كل ما لا يكتمل لوحدهِ ولا يُستغنى عنه، أستندُ على رؤاي والاحتمالات الخفيفةِ والوجوهِ الطليقةِ من قيدِ الأماكنِ والمشوّشةِ في بال الزمن، أزهدُ في الرؤية والملاحظة وأدرّب حواسي على الإهمال والتخلّي، أطرقُ وأرهف السمعَ لنهرِ الجواهري أو لنغمة الكسرتينِ في حرفيّ القافية وأُنشِدُ للنهرِ:”بالنهرِ فيّاض الجوانبِ يزدهي-بالمطربينِ: خريرهِ، وصليلِهِ” أطفو كأني ملكتُ كل ما أريد أو كأني ما أردتُ شيئا أبدا، أُصغي فإذا المدى سكون واللحظة حياة عبرت، أغيب فلا أجد ما يحرضني على العودة ولا ما يدلني على الحكاية، أرمشُ فإذا المشاهد تنهارُ والحقيقة تسيل فأنتبه إلى الخيال؛ هناكَ، حيثُ لا أقبض على صورة بعينها، لا أستفزّ أملا ولا هاجسا قديما ولا أتأمل في لحظة ميتة كانت أو تكاد، هناكَ حين أُحاول أن أُنسَى في لحظة ساكنة أعوّل على أن تكرّر نفسها مرارا حتى أنخرِطَ في الإيقاعِ أو أفقدَ نفسي في النَغَم

ويا له من وهم.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ