محمّد طير شلوَى-٧

٧

هو ذاك القليل من الحكايا والصور والضحكات الساخرة والمقيدة بلحظاتها البعيدة، ذاك النادر من الوجوه المهملة والمطوية في الذاكرة المتّقدةِ فجأة في اللحظات الميتة والعابرة أستردّه من الغياب فيكون، أنساه فلا يبقى منه غير ذلك الأثر الطفيف الموشك في كل لحظة على التلاشي والتفاصيلَ إذ تنتظر أوان استنطاقها والبحث في خفاياها. كأن أرفعَ مقاماته الامّحاءَ، كأنه سمّى ما امتنع أبو الطيب عن تسميته “يقولون لي ما أنت في كل بلدة/وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسْمَى” فقالَ: العدم. نمشي في مسار متفق عليه دورتان حول الحارة ثم نفترق، نمشي والقصد هباء نساير كل منعطف في الحارة ويستغرق كل منا في هواجسه لفترات مطولة دون كلمة ولا نأمة، خفيفان كأن زمن الكلام انتهى والحاجة إليه انقطعت، نقاوم رغبة غامضة تجرنا منذ الأزل نحو البيت حتى نخضع أخيرا ونستجيب، وبنغمة ناشزة لأن الكلمة استثناء والمدى سكون:”بكرا إن شاء الله؟” أردّ:”بكرا إن شاء الله” أتذكر هذا وأنا أمام البيت القديم، نظرة ساهية نبّهتني من غفلتي نحو ظل الشجرة القصية حيث كان يختفي عند المنعطف قبل سنوات وفي بالي تنهال عبارة لصاحبي يختتم بها حكايا الأصدقاء في عام النهايات: “وسارَ مبتعدا واختفى في كلّ مكان*” أدير المفتاح وأنطلق، أمامي أربعين كيلو للعودة وبضع هواجس لأبددها في الطريق وعمرا نذرته للمشاوير والتطواف.

العدم

لا ناعسا ولا يقِظا؛ في برزخ بينهما، كم أسعفتني انتباهة يدي على المقود وأنقذتني من حادثة أو خيال شجرة معترضة، كم تبدّى لي في المشاوير وهم أعذب من أن يُصدّق وكلمة أشهى من أن تُقطَفَ، كم معنى غاب في ضبابه وأهمل استجدائي، كم ومضة في البعيد جرّت خطاي مثل السائر في نومه، كأني منذور للاستدراك، لشرود يمتدّ في خياله الأعمى، لاصطياد لحظة مرتجفة، لاقتناص كسول خلا من النية، لنظرة عائمة تهبط في دنيا العيون، لتجنّب مصير محتوم وغاية أنأى من المستحيل. يبدّدني وقتيَ العابرُ، يعطّلني امتناني للجمال ووقوفي الطويل وتحديقي الغامض، يخنقني كل ما لن يكون لي ويطمئنني أن أطفو في مكاني أو أتكئ على شطرٍ صوفيّ أو معنى تخفّفي عبثيّ. لا ناعسا ولا يقظا، بكفّي أسندُ رأسي المائلة جهةَ النغم الضائعِ ومؤتمنها على خزانةِ الأسرار والحكايا والصور، وللحظةٍ ناشزةٍ عن الزمنِ أكادُ لا أكون، ومن يدري؟

محمّد طير شلوَى-٦

٦

يبعث لي برسالة صوتية بعد سنتين من الغياب والانقطاع فأحسبُ نفسي إذ أتظاهر بالانشغال عن سماعها أني أؤخر سرورا غامرا لا يسعني تحمله وأقول في خيالي لعلّ الغربةَ ألانته كما ألانتني ربما اختار أخيرا أن يقول شيئا جديدا؛ شيئا لم يطق أن يخفيه في ثنايا حفيف الكلام والصمت الممتد والبسمة الساخرة ولمّا يفضي بي الفضول إلى هذا المنعطف من العالم وإلى ذروة الطفوِ والسكينة وأجدني قد استنزفتُ أعذاري يجيء صوته من أقصى الدنيا بلا مقدمات ولا سلامات يسألني عن بيت شعر كنت أطريته ذات مرة على حد تعبيره ثم يسترسل ولمدة دقيقتين في التوصيف والمقاربة ومحاولة استدراج كلمة إلى الظهور وما مِن كلمة. أستسلم لتفطّنه ذاك وأقرر أن أضيّع ليلتي تلك-ولمَ لا-في البحث عن البيت المنشود. وبعد عشرات الصفحات والأساليب المختلفة في طرق البحث واستنطاق الذاكرة أجد البيتَ دونما سبيل إلى معرفة النهج وأي ممر أوصلني إليه. حينها أفكر في أن أعلّقه لسنتين أُخريات ولكني أنا النصف نائم بأجفان كسلى من الإجهاد غير الضروري لا يخطر ببالي مما يناسب الحالة غير:”وقالت وعضّت بالبنان فضحتني-(وأنتَ امرؤ ميسور أمرِكَ أعسرُ)”أختار أن أزهدَ في فرصتي وأعفيه من التعلق. أبعثُ له أخيرا ببيت القصيد مقرونا باسم صاحبه حتى إذا نسيه لم ينس شاعره، فإذا هو أبو العلاء، عندها لا أندم على ما ضاع من عمري؛ لأن ما ضاع وما لم يضِع عندي وعند صاحبي رهينِ المحبسين سيّان، والله المستعان.

محمّد طير شلوَى-٥

سقى الله حوش بيت أبي القديم، سقى الله الأصيل ذات يوم غائر في القدم حتّى كأني اختلقته من عدم أو تطفلت على ذكرى لم تكن لي، سقى الله خيالَ يد محمد وهي تمدّ هاتفا نحو أذني وصوته إذ يقول: بالله عليك تسمع. سقى الله زمان خشوعي في إرهاف السمع وسقى الله صوت هيفاء تغني: “كيف أنا بقوى عذابك؟ لا صار في بعدك عذاب وفي قربك عذاب” لم يفتح عينيّ أحد على جمال مبهم مثله ثم يتركني أسيرَ عمائي معلقا مع ذكرى لا تنضب، لم نتحدث عنها أبدا أعني هذه اللحظة المعلقة في الفراغ ولا هيفاء وما كنتُ أحسب حينها أن صوتا ما جدير بخلود كهذا. لم أكن الطفلَ تماما، ولا كنت أكبر من الطفل ذاته، لكنّ قلبي خفّ وقتها وأخرسني خجلي عن سؤال أو إثارة بحيرة حكاياه الغرامية باستنطاق متلهف أو تصرف أبله واخترت أن أسكت. ومع ذلك ما زلت بعد سنين أطمع أن نجلس أنا وهو في مقهى مدينة غريبة علينا أو غرباء عنها ويروي لي تلك التفصيلة الساقطة من كتاب السيرة ويخلصني من هوس الرعاية ومازوخية الاعتناء. كلما جنحت الشمس جهة المغيب أو رأيتُ شجرة تزحف أغصانها على حائط أو ذكرني باب موارب بترف الحوش والمساحات الرحبة أو طرأ على بالي محمد أو اسمه أومضتْ في بالي هذه اللحظة الفاتنة وإذا ما اقتربتُ منها لم أجد شيئا ولا أثرا ولا لوم ما دام أن:”عادة الظبي يجفل لا تحرك ظلاله”

حلم

“حلُمَ تشوانغ تزو أن فراشة،
وحين استيقظ، لم يعد يدري،
أبشرا هو يحلم أنه فراشة،
أم فراشة تحلم أنها
إنسان”
*

لستُ حالما لأتبعكَ أيّها الفَرَاش ولا يائسا كفاية لأتجاهل إشاراتك، إنما أجاري تهاديكَ في القصائد وأصطادُ في مجازكَ صورةَ أبي؛ عينيه المبشّرة ويديه المقيدة بالفوضى وقلة الحيلة فأقع مثلكَ في فخ الضوء وأصدّق موتي. لولاك لم أصفح، ولولا خيالك لم أكن لأرى. وها أنت برّأتني من تهمة الأمل، وحفظتني عن خطيئة التصديق ونفيتَ عني عواطفي وخيالي وكرى الوهم وأحلام رامي. ما الخفة غير أن أقتفيك بالنظر، ما الطفو غير أن أنسى في أثركَ نفسي، وما السكينة غير أن أرهفَ السمعَ لفلسفة الأحلام وأستجيب لحلمِ فراشة ظنّت أنها إنسان مثلي وأتلاشى حينها في العدم بلا ظلال ولا أثر.

موج

الليل الأخير والسماء من فوقي وحولي مثل موج غامرٍ مجمّد في لحظة طيشِهِ كأني ذاك الغريبُ على باب الرجاء في رواية أم كلثوم أو كأني السر الخفيّ واللحن الغامض في مطلعها. ليس لي من وجهة ولا مقصد، لعلّي اختلقتُ واحدا مع مستهلّ النهارِ ونسيتهُ أو أضعتُ دربَ الأصحاب وانطفأتْ نارهم في البعيد ولا نداء. أمشي وأتساءل أليس في كل خطوةٍ عذاب مؤجل ألا يكفي التيه؟ معبأة رأسي بالهلاوس وكل شيء عندي طارئ ما خلا الوهم. أتلفّتُ فلا تقع عيني على شيء ولا تصيب احتمالا. أصرخُ وإذا بي في حلم تحت الماء، مغمور بما لا أريد، غريق النظرة الشاردة والاحتمال الأسهل. أهيّج فضولي بالتصورات، أرتجي حنان الزرقة وأتبصّر فيها فتمنعني الصوت والإشارة، أفرض عليها خيالي فلا تغيّر ما هي عليه. وفي لحظة غير مسمّاة أوقفُ تدفّقَ صوري، وأعود إلى سمائي الجامدة وخطوتي المترددة وأقرر أن أنتظر حتّى الصباح، فأرى، أو بقليلٍ من الحظّ أُمْحَى من الوجود.

*الصورة لنايف.

عنقود

قل لازَورد وانظر كيف يسيلُ على صورةِ المدى هذا الأزرقُ الغريب المعقّد. قل كلمة ما سمعتها في حلمكَ وانتظر الانفراجةَ الخفيفة الطارئةَ على الباب مثل المسافة بين أسنان ليلي سيمونز الأمامية. قل نجاة وأطبِقْ جفنيكَ على الاحتمالِ الفاتنِ المعلّق في الفراغ. قل النهر واجلِس على ضفّة روحك وتأمل. قل الطائر وتداعى في المشهدِ مثل ريشة تهبطُ أو رفيف مهدور. قل أين؟ وامشِ، ربما وجدتَ المدينةَ أو وجدتك. قل السكينة مثلَ زلّة لسان. قل النعاسَ وأبطئ في السير واتّكئ على خيالِ شلّالٍ وظلٍ نديٍّ. قل القيدَ وتذكّر كيف كان يقولُ عمر:”ولا قُربُ نُعمٍ إن دنت لك نافعٌ-ولا نأيُها يُسلي ولا أنتَ تصبرُ” قل الفراشةَ واتبعِ الضوء. قل الغوايةَ وغِبْ في خدركَ. قل الضبابَ وتمهّل، واختفِ؛ كالكلماتِ في الكلمات أو غيابِ الفمِ في الفم. قل السأم واقترب من النهاية. قل المصير وانأى عن الجهات. قل الملاذ واسبح إلى المجهول. قل البرقَ واحيا حياتكَ الوامضة الخاطفة تلك. قل الطفو واسخر من الازدحام والمبالغة في التمسّك. قل القصيدةَ وهذّ القريبَ من:”كم قتيلٍ كما قُتلتُ شهيدِ-ببياض الطُلى ووردِ الخدودِ” قل اليدَ واقتفِ مسارها العبثيّ ونسيانها الشاسع. قل الشدوَ واطرد النشاز. قل الاسمَ واحلم بمن يناديك. قل سَمَر واحكِ للنار عنها أو استعذب حكايا النار. قل المطلع، اِقطفْ عنقودَ الكلامِ وتحمّل ثمنَ الخطايا.

كوّة

“وكُنَّ إذا أبصرنني أو سمعنَ بي
سعينَ، فرقّعنَ الكُوَى بالمحاجِرِ”

العُتبي*

العيون أوّلُ الكوَى المفتوحةِ ومن الداخل أرى الدنيا وأحفظ الزرقةَ في خيالي عن الجفاف وأرى الصورةَ في نشأتها الأولى قبل التآويل وانهيارَ العالم الأحمر لحظةَ الغروب والشموسَ الجانحات وما أُريدَ لي أن أرى. ومن الخارجِ لا يبصرُ أحـدٌ إلّا مقدار ما يراه المتلصّص على غابة مُدهّامةٍ من الهلاوسِ والمشاهدِ الضبابيةِ والتصوّرات. ولأن عيني حين تديم النظر تُتلف الأشياء وتزهد فيها، ولأنها حين تغمض تخلق كوارثا وتتنبأ مصيري البائس وتؤرِخ له، أختار أن أخرِقَ كوّتين ملولتينِ في حائطِ الوجود وبهما أرى وأعبر خفيفا فلا أفسر العالمَ ولا أختبر قدرتي على إذكاءِ اليأس والسخط. ربما بهذا، كنتُ أجاري شيئا أجهلُ ما هو، لعلّ اسمَهُ الغياب.

صورة

لا بدّ من مشهد يتراءَى أثناء إغماضةِ العين؛ خيالٍ قديم جارفٍ أو هاجسٍ يتدلّى وصوتٍ غنائيّ يصدح مطر مطر والظبا على مدّ النظرِ الخاوي جافلةً تدوّر مَكنّة. لا بدّ من صورةٍ أولى للغياب وراحةِ يدٍ تهبطُ على جبينِ محموم أو تنشر الغسيل على حبلٍ يصلُ بين دولتين اغتربتُ فيهما صغيرا بين خيالِ الحالمِ وأحلام الخيال. لا بدّ من وقفةِ أبي عند الباب وراءَهُ شمسُ المغيبِ كأنّ يدا لحظتها وضعته هناك؛ في يده كيس وتكاد شماغه أن تسقطَ عن رأسه. أو صورته وهو يمدّ ساقيه في مجلسهِ ويحكي حكايته تلك للمرّة الألف فأسمعها ليس للمرّة الأولى بل للمرة الألف. لا بدّ من موجةٍ تغمرُ محْجَري عيني. لا بدّ من ضبابٍ يطوي شيئا وكفٍّ تخبئ فراشةَ البشائر ولغةٍ تبوح بأسرارها. لا بدّ مـن ذكرى أخّرها الوقتُ أو خبأتها الأيام للحظة لن تكونَ كهذه. لا بدّ من أزرقٍ يهطُلُ وبيتِ شعرٍ يتعرّى. لا بدّ من وقوفٍ على طلل أو تحتَ مطرٍ صيفيّ. لا بدّ من رؤية بانورامية تطمئنُ على الطفولة. لا بدّ من فكرة لم أستجلِها ولم أردمها بعدُ. لا بدّ من طفوٍ مرهفٍ وتخلٍّ خجول. لا بدّ من عينين جريئتين وشغب فضوليّ. لا بدّ من صورة خادِرة في الظلام. لا بدّ من حياةٍ هنالكَ تتوهّج في الخفاءِ وتنتهي ببطء جليلٍ مثل قفلة، مثلَ طائرٍ جريحٍ هَوَى من عليائه.

آثار

عندما يسكنُ العالمُ وتظنّ أنهُ انتهى وأنتَ آخرُ آثارِهِ التي لم تُطمس بعدُ. عندما تفتحُ بابَ الحلمِ فلا تدخلُ ولا تنتبه من نعاسكَ. عندما تدورُ في حلقةِ حارتكَ المفرغة فلا تقتربُ من البيتِ ولا عنهُ تنأى كأنّ الدربَ كرّرت نفسها في غفلة منك. عندما يشتري المجهولُ صحبتكَ ويمدّك في غيّكَ. وتدعوكَ رغبة غامضة لترى ما يخبّئه المنعطف وما تصطفيه لك الحكاية. عندما يستردّكَ حدسٌ أو عادةُ خطوة خجْلَى. عندما ترجعُ من تطْوافكَ الزمهريريّ الليليّ وتجلسُ مرتعشا في حضن المدفأةِ لتُدفئ يَدَي غريبٍ عدتَ بهما لا تدري من أين.

سَهْو

وكنت شاردا وأيقنتُ أنّي رأيت هذه اللحظةَ نفسها قبل سنين وأملت حقا أن يكون السهو هو خيط حياتي الناظم. إذا نظرتُ فثمَّ ما لا تملّه العين من أنهارٍ وشلالاتٍ تنسكبُ ونارٍ في بعيدِ العتمةِ تصعدُ وتسمو متلهّفةً إلى ما لا يُرى، تدعو وتكرِم. وإذا أطلتُ النظرَ فهناكَ قريبا من الفمِ شامة برزخيّةُ الإيحاء بين الماء والنار. وإذا ما أردتُ أن أنسحبَ من المشهد وأغضّ بصري فلا شيءَ لأتحسّر عليه ولا خيالا في الأعالي يُغوي عينيَ الكسْلَى الملولة.

الكتابة عن الهاجس

أكتبُ عن أوّلِ عاصفة في البالِ وأوّل حُلمٍ أهملَ محوَ بقاياه، أكتب عن فتاة بذراعٍ هذّبتها الرِقّةُ وراحةِ كفٍّ تشغل دور الأصيص؛ رأيتُها مرّة في الخيالاتِ مستحيلةِ البلوغ ونسيتها هناك. أكتب عن خلافٍ ودّي مع الضجر، عن نُكتةٍ لا يزالُ صداها يرنُّ في صالةِ البيت. عن فكرةٍ كان الأجدر بي أن أتجاهلها، وأخرى كان المفترض لها أن تتجاهلني. أكتب عن المطر، تحت المطر، مع المطر. عن النوايا التي لم تبلغها المخالبُ ولم تروّعها الكوابيس. عن يدين تفتح نافذة الروح، عن فراشات التباشير وقصاصات الأدراج. عن جلمات تنباگ من فوگ الشفايف*، عن الزاوية الأشدّ ظلمة في الغرفة، عن الطفولة الساخرة وكل ما يهيّجها ويُطفئها، عن الخَدَر شيطانِ التفاصيل الصغيرة. عن بابٍ وحدي أعرف ما خلفَه، عن مآلٍ مُتخيّل وموسيقى تُديرها يدٌ خفيّة. أكتب عن الأرصفة التي عدت منها، والتي تركت فيها أشباهي. عن نشوة الإحساس بالرضا المفاجئ ونقمة متابعة الغروب نهاية كلّ نهار. عن تفاصيل هامشيّة في الأفلام والأحلام. أكتب عن رأس مُطرقة، وعرَجَ في قدمٍ يُمنى، ونهاية قابلة للإضافات والاحتمالات. عن صمت مُستنزِفٍ خلف مقود سيّارة على طريق لا تُرى نهايته. عن العالم الذي رأيته أوّل مرة، وعن رؤايَ عنه بعد ذلك. عن السأم الخافت في الشرايين. عن حيرة غربة ولدتْ معي وسأموت قبلها. عن الانتظار والاحتضار والفرق الطفيف بينهما. عن شعراء شكّوا في العالم، “كأن العالمَ كان هكذا منذُ بدءِ الخليقةِ”*، أكتب عن أشياء أحبّها جدّاً حتى مع الوقت أحبّها أقل. عن المزاج المثاليّ والعاداتِ السيئة، عن طفح النهاراتِ على الأجساد. عن الجمال الذي لا يُمسّ. عن تبديد الوقت في المقهى، عن تبديد الوقت في كتابةِ أشياء لا يُمكن بروزتها. عن الغرف السرّية والمدن الفاضلة. عن الأغنيات هدايا المنعطفات الخجولة. عن الحياة المتورّطة بالتبرير، عن الماضي الشفيف بين ما يستحيل حدوثه وما حدث كومضة خاطفة تحرّضني على الشكّ في صحّتي العقلية. أكتب عن حاجتي للتكرار ويأسي من التكرار. أكتب عنّي حين لا أودّ أن أقول شيئاً، وعن ظلالي حين أرغب في الحديث. عن الجوع للحياة والخجلِ من اقترافها. أكتب عن روحي الكسولة حين لا تستغرب شيئاً. عن العُربَة في صوت المغنّي. عن البلادةِ التي تستيقظُ معي. عن التشظّي الدؤوب لذكرى الآباء. أكتب عن الحيلة الوحيدة التي تبقيني معي. أكتب عن أشياء يطاردها خيالي كلعنة. عن المرونة في النسيان، والأسى في شرح فكرة مرونة النسيان. أكتب عن ندم متجّذرٍ وثابت. وعن فضولي الذي أختفي معه حين يُمَسّ. وعن ثقة النّاس فيما يعرفون. أكتب عن افتقادي لكلّ ما يجعلني مشغولاً عني بحقّ. عن الطيف الحالم الذي يتبدّى في الخيال وتحتجزه الدموع. أكتبُ عن لحظاتٍ باردة وبعيدة لا تطرقُ الهاجسَ إلا خدِراً تحت ماء فاترٍ وعينين تأملان خلال إغماضتهما أن تُفتَحَا على لا شيء.

*يا حريمة-حسين نعمة.
*اقتباسة لسرگون بولص.

تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقِ

فتحتُ عينيَ فإذا النهارُ قد انسكبَ في الغرفةِ حتّى خفتُ أن أختفي في هذه الحفنةِ من الضياء أو أشِفّ فيخال الرائي أني اصطُفيتُ لأجل غايةٍ ما وليس مثلي لمثل ذلك. وفتحتُ فمي فإذا بي أقولُ:”تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقِ-مجرَّ عوالينا ومَجْرى السوابقِ ” فاستنتجتُ أنّ ما اختفى من حلمي كان ليلا غائرا في القِدم وأن آخرَ ما لاحَ من ضوء كانَ وجهَ حسناءٍ تُزيّن عنقها قِلادةٌ من حَصَا. نهضتُ وها هيَ رأسي صخرة تشدّني إلى مكاني فعرفتُ أنّ ليلتي البارحةَ لم تكن هي التي أذكرها وأن صداعيَ الآن مُبرّر وحاجتي إلى كوبِ قهوة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. أطرافي خاملة كأنها تبرأت منّي، وليسَ لي رغبة أو حاجة في هذا النهارِ الماضي. أظلّ_وليسَ بيدي_على حالي إلى أن تصفو سماء خيالي أو حتّى تهدأ الأضواء المريضة في مقدمةِ رأسي. أبعثُ نظرتيَ المُقيَّدة إلّا من فضولٍ بريء وحيرةِ عاجز فأرى ما لا يراهُ من لم يجرّب وأستردّ صورا كنت أظنّ أني قرأتُ عنها في مكان أو حفظتها ونسيتُ، وأصبغُ المكانَ بوهمي الشفيفِ وخيالِ المِلاحِ إذ يطُفْنَ ويسقينَ وأصرّ في هذياني حتى أغفو وعلى لساني شيءٌ من لذة، متوسّدا يدي وكأني أجدُ في مرفقها المُتربِ ريحَ عنبر.

نَدَى

يا هذيانات الحمّى والخيال. يا لحظة مكتنزة بالوجد وشفة محلّقة مثل طائر غِرّيد. يا أمنيةً تموت قُرب يديَ الكسلى. يا صورتي إذ تتلاشى من السقف. يا خدرا معقولا في أعلى حالات الصحو. يا نداء الذين تذكّرتهم فجأة، الذين تذكّروني. يا رجاءَ الواقفين على الحوافّ؛ اعلُ يا موّال. يا بِركة من حكايا. يا مجاز فراشة تختفي وتظهر. يا أزرق الاحتمالات. يا وهجَ الشموسِ الجانحاتِ غواربا أو يا زائرتي الحييّة تنتشي في الظلام. يا أبعد البيوت في القرية. يا أوّل الوصايا تومضُ في خاطري وتقيّد قدمي الطائشة. يا حجرا صِرتُهُ فسلوتُ، يا حجرا صارني فانفجر. يا عنقودَ الكلامِ المحرّم. يا ضبابا في مدخلِ الحلمِ ونظرة سارِحة تغلي. هو ذاكَ الندى؛ ندى الفكرةِ أو الوردةِ ما يسمحُ به الهاجس بعد كل هذا الاستجداءِ والتمنّع. هي حبّات العرقِ تنضح على الجبين وأسفل الظهر تسيل فترحمُ الجسدَ المحموم وتطردُ الرعشةَ الخفيّة من الأصابعِ فأنتبهُ من غفلتي أو
أكاد.

الأزرق

لا أقول للأزرق الزاحفِ من وراء الهواجس والبنايات المنتصبة في الأفق غيرَ تمهّلْ، كل شيءٍ سيغرقُ في بهائكَ الدكتاتوري. أحدّقُ فتسقطُ صوري القديمة وخيالاتي الأقدم. أرفعُ يدي عاليا وأغمسها في تدرّجاتِهِ المستحيلةِ فلا أستعيدُ منها غير صورتها أو خيالها الواهم. أتأملُ الأزرقَ فيُخيّل لي هطولا خفيّا وأحلاما مُسَالةً في الأعالي. أُصرّ عليه فيكون غديرا من فوقي وأنا على جالِهِ كأنّي جالِسٌ على ثيابِ العذارى إذْ يبترِدن وبزعمي أني الشاعر لن أتحرّك عن مكاني حتّى لو انفلقَ الصبحُ أو نضبَ الماء. أزرق ينزِف شريانه ويصفو. يسيل فيصبغ العيون بأسرارِهِ وأحجارِه الكريمة. يتدفّق فتستريح عليه نظرتي الحائرة. أستأنسُ بهواجسي المرصوفةِ وحواسيّ الخدِرةِ وأهيم في سماواتي لأن ليس لي لحظتها إلّا أن أتبعَ هذا النغمَ المجهول وأصدّق بغباء حكايةَ اصطفائي. أجدني سارحا في نقطة بعيدة كأني اضطررت العالمَ إلى أقاصيه وفشلت في فهمه. أمشي ولا نهر إلا عبرته ولا خاطرا حالما إلا جرفته بيأسي. وحدي قُبيل الفجرِ مُتعب من المشي وأحاذر في خطوي، كلّ الجهات حولي غارقةٌ في الزرقة وذراعي الطافيةُ مِشعلُ نار.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ