نُعَاس

أستيقظُ على ميَلَان طفيفٍ طارئ في الحائط. كأنّ يدا خفيّة حرّكت مكعّب الهلاوس فانتبهتُ بسبب ما راكمتْهُ أحلامي الغرائبيّة من صورٍ مُغبشة ووجوهِ أصحابٍ ما طرقوا البال منذ كذا وكذا. أهمُّ ولا أنهض، أؤجل هِمّةً اختلقتها. أُسيّر الوقتَ بالنظر، بمتابعة خيالِ شلّال على الجدار وشقراءَ في نهر، بكلمة ناعسة، بمطلع قصيدة، بتفصيلة سقطتْ من الحلمِ أجترّها كأنها وصيّةٌ أو إشارة غامضة. أتبعُ نفسي، هوى نفسي وأطوف العالمَ بنظرة مطوّلة من عيني المُجهَدة الشاردة. بذراعٍ في نصف وعيها أصفع ذبابة وأصل إلى كأس ماء فيجهدني هذا القدر القليل من المحاولة وأتخفّفُ بالتخلّي. بدا لي أنّي قطعت مسافة مستحيلة بين الأمس والآن وأنّ الأشياء وإن كانت كما هي فباب واحد أفتحه ليؤكدَ لي الأمر أو ينفيه لكني أتسمّر في مكاني وأرمشُ ناعسا أو راجيا أن تسقطَ السماء أو يفاجئني سطل ماء في وجهي أو تتحرك أوراق الشجرة المركونةِ في زاوية الغرفة على الأقل، ولا شيء. أرقبُ ما لا يحدث، تغشّني هذه اللحظة بجناحيها الخافقَين في الهواء. أستوعب كل صوت مسافر نحوي وحده بذهني البطيءِ ساعتها وأهذي. بوجهٍ نصفه مدفون في الوسادة وشِقٍ تحدّق عينُهُ في الوجود الجامدِ وفي حائط يعود إلى مكانه شيئا فشيئا أبقى على حالي إلى ما شاء الله لي أن أبقى وأوشكُ أن أنام.

المطالِعُ

أُحبّ من المطالعِ ما لا يُستعاد إلّا بعد تمنّع. مثل وجه في الحلمِ أو مَثَلٍ شعبيّ روته لي أمّي في واحدة من عصاريها البعيدة وكأنّها تلخّص لي سيرة الوجود. فلا هذه الوقفة الطويلة أمام أصفريّ الشمس والحنين تستفزّ هذا الاستهلال ولا هذا الهواء الرطبُ على لساني يُلهمني الكلمة المفتاحيّة ولكن ربما من رنّة خفيّة وراء هذا السكون أو ربما من رضا ابن زيدون عنّي إذْ لا أنطق اسمه إلّا مقرونا باسمِ ولّادة وأرعى في أوقاتي الميّتة رسالته الهزليّة فجأة أقولُ:”إنّي ذكرتُكِ، بالزهراءِ مُشتاقا-والأفقُ طَلْقٌ ومرأى الأرضِ قد راقا” ولا حتّى بديهتي التي أتغنّى بها تسعفني عندما أتجمّد في حارتي القديمة في المسافة بين بيتي والمسجد وأتذكّر أنّ لي خليلين سأطلب منهما أن يعقلا قلوصيهما ويبكيا لكنّ المدخل يغيب في ضباب البال فلا أنا الذي بكى ولا نزعتُ عينيّ عن شجرة تميل حنانا على جدار البيت. أتنبّه مع هذا الأزرق الزاحف وأترحّم على كُثيّر وأصعدُ في هواي. لكن وبالرغم من كل هذا كلما_وأنا في سيّارتي_عدتُ من الدربِ نفسها تركتُ أذني تصغي إلى أنينها المؤلم وغنّيتُ هذا البيت الغافي تحت لساني مثل لازمة على الطويل:”أمن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِرُ-غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهجّرُ”

نُعاس

لم نعرف ثمالة أشدّ من النعاس إذ تنوس الرأسُ في محيطها وتسقط مرارا على الصدر دون كأس ولا نديم ولا نداء روحانيّ. كل نظرة تسقطُ في مداها المُدوِّخ، كل ذراع تتبع أسلَمَ احتمالاتها الخجْلى، للموسيقى يد تخنق الهواء وتبطئ العابر السهل. من غفا فاته الممكن المستحيل، من ظلّ متربصا لم يرَ من الأزرقِ إلّا الشفيف ولم يصطد في إهماله الاضـطراري غير فكرة معرّضة للضياع. ثمّ ما يدعوكَ لترى عندما ينحسر البصر ثمّ ما يستجدي خطاك عندما تثّاقل ويبدو التعب. لكل شيء صدى صرخة غامضة تعود عندما يهدأ العالم، وتحلُم أن تقودكَ.

أزرق

أترصّد الصباح بنظرتي المعلقة في سماواته البعيدة وبخار الشاذلية المتصاعد مثل أنفاس محموم. بعد أن نامت العائلة كلها وغفا البيتُ تحت هدهدة الخطوات التي تصعدُ الدرجَ استيقظت الغرفُ العلّية مثل الأفكار السيئة. سهارَى أنا والشقراء كلٌ منّا يؤخر نعاسَ صاحبه. أترقّب. أنتظر، أفركُ فانوس الهواجس. أكمن لفكرة. بالنظرة وحدها أفتح كوّة في الظلام.بالقليل من اليأس أصدّق هذه النبوءة. أختار جهة دون أن أذهب. يقِظٌ من غير حكمة، أفكاري تومض في رأسي مثل مصابيح الرهبان عند امرئ القيس. أغضّ الطرف، بشيء من الإهمال يمكن أن أستدرج الضوء أقول لنفسي. كل شيء غافٍ كأن يدين عملاقتين أرجحتا العالم في أعاليه الغامضة. هدير متصل لآلات جريحة. أرقب البنايات النائية، أنتظر إشارة. الأغاني مهدورة، العمر منذور لشيء أسمى. أساير فضول عيني. أعبر غابة من التخيُّلات. أعيش حياتين في لحظة غافلة. أُذكي نار الخيال. أطفو في حلم قديم. لست بغريب على الانتظار ولا بمنفيّ على أطراف الليل لكنّي أترصّد الصباح بنظرتي المعلّقة في سماواته البعيدة. أهزّ فنجاني وأملؤه. انتصفت الرحلة وها هو أزرقُ الليل الأخير ذاك الأزرق الذي يتفصّدُ عرَقه في المدى ويتخفّف حتى يستحيل صباحا أزرقَ خفيف اللون والظلال.

محمّد طير شلوَى

محمّد طير شلوى۱

محمّد الموجود في الصورة غير الذي أعرفه لأن محمّد لا يحب أبدا أن يظهر في الصور. الولد المشغول بالتحضير للحدث لا الكلام عنه. ضابط الإيقاع الخفي أو الجندي المجهول لولا أن لجندي دلالات ورؤى لا يتبناها محمد ولا يتحدث عنها. آخر المتواجدين في الاستراحة مثل العازف الجديد وأول من ينزل العفش. يبقى ليتفقّد بقايا العجالى لأنهم غالبا ما ينسون هاتفا أو منشفة على الدرابزين أو فردة جوارب تُفقد أختها المعنى وتنبش السؤال الوجودي أين تختفي الأشياء. يجمعها في كيس صفراء لا تُفارق يده وأكاد أحلف على حسب معرفتي بمحمد أن لها قيمة عنده ووراءها موقف لو حكاه لي لسقطت على الأرض من الضحك لولا أني نسّاي. وإذا ما خلت يده من الكيس فلأنه يحمل صينية العشاء أو أكياسا زرقاء من البقالة البعيدة بسببها فاته أكثر من ثلثي الفيلم ولكن الأهم عند محمّد أنه لم ينس مشروبات الشباب الموصى عليها. محمد أكثرنا وسامة وأمتعنا حديثا وأظرفنا نكتة وما من شيء يمنعنا من الاعتراف سوى شيء من نرجسية وضحكة محمّد المتقطّعة ردّا على الأحاديث الجادة وكأنه يعزل نفسه عنها ولا تعنيه في شيء. محمد الظاهر في زاوية الصورة بنصف ابتسامة وعين حنونة وغير مهتمة بيده مهفّة ويخشى أن تخمد النار تحت أسياخ الكباب.

۲

على درب السفر ولأننا نعتقد بشيء لا يمكن التصريح به أن محمّد لا يجري عليه تعب أبي العلاء:”تعب كلها الحياة وما أعجبُ/إلا من راغب في ازدياد” نرمي إليه مفاتيح السيارة عند نقطة التجمّع ونزوّده بجرعات الإسبرسو على محطات الطريق. ولأنه يمكن أن يقود بنا إلى القريّات دون أن يتوقف لينفض الغبار عن مفاصله نعتمد نحن الخمسة مناوبات النوم وعلى مضض نتفق أن من ينود في غير وقته لا يحق له الاعتراض على ردة الفعل. محمّد الوحيد الذي لا ينطبق عليه المثل:”تعرف صاحبك في السفر” لا تسمعه يشكو من أي شيء في كل حال ولا يمر طبعه باضطرابات مخبوءة ولولا خوفي أن ينتفض أبو الطيب في قبره لسلخت بيت وحالات الزمان عليك شتى من كل أحد واصطفيته به. أحيانا تتشعب أحاديثنا فلا أذكر كيف بدأت لكني أعرف أني كنت آخذ بيده إلى جحيم سوداوي وكان يستدير بنا إلى فراديس متخيلة نستعيذ بها من حالنا المعلقة ونتوقف أخيرا في المنتصف فلا غايتي بلغت ولا خضرة بساتينه ظللته وأظن وقوفنا ذاك يشبه لازمته:تساهيل يا حبيبي. حدث مرة وأن غبنا جماعة في هوّة نوم ثم فتحت عيوني وبدأت أنبّه الجثث الباقية من حولي ووقتها رأينا فيما يرى المسافر محمّد الخجول يعافر اثنين على جال الطريق وكان أصيل يغني تعبك راحة وإشارة التوقف جانبا تنبض.

۳

أحبّ الكتابة عن محمّد لسببين أحدهما أنّ لي ملَكَة تسمية عيب جديد في كل مرة ألتقي بها مع شخص أعرفه ولأنّ ظروفا قهرية تمنعني من رؤية محمّد أبدا، أحسب أنّ هذا يضمن له البقاء في منطقة برزخيّة مقدّسة بين الكراهية والإعجاب. وأمّا الآخر فمحمّد هو الكائن الوحيد الذي أعرفه ولا يستجيب لتلك الإلماحة الخفيّة:”كنت في سيرتك البارح”ولا يتفاعل معها ولا ينوشه بسببها فضول. ولذلك فإنه ومهما تركت من أمارات فلن يرى انعكاسه ولن يتخيل أنه هو. أدخل مجلسا ضاجّا بالناس وأتبع خيط دخان فلا يذكرني برحيل العمر ولا يوقفني على مسرح عبدالحليم وحكاية الفنجان ولكن أمام محمّد شاردا في إحدى الزوايا زقارة في فمه وعيناه مصوّبتان نحو جهة كأنه شاعر محاورة يفكّر بردّه الملجم. على الأرجح أن ليس لمحمّد خطة ولا هدفا في الحياة ولا غاية سامية يبرّر بها وجوده أو يوهم نفسه بما ليس له. وعلى الأرجح أنّه يدري أن لا معنى أسعى إليه في حياتي ولا غاية مهما ادّعيت؛ ولعلّ هذه نقطة التقاء لم أنتبه لها قبلا. كما تقاطعت طرقنا عند نهاية الشارع سألته:محمّد متى نشوفك؟ يتبسّم ويقول: عقب باكر. غفر الله لي يا ابن أبي ربيعة، انظُر كيف خرّبتُ عليك ذِكرى هند وغنج ضحكتها.

٤

لمحمّد ملامح عادية بمعنى أنك رأيتها في مئات الوجوه لكنها معا تخلق هذه النتيجة المريحة للعين. وله عادة واحدة وهي أنه دائم الإنصات. أحيانا أشك أنه يعمل بهذه الآلية وحدها، آلية التخزين، دون النشر. وإذا ما سألنا عن رأيه أجاب:”ما عندي شيء أقوله” رحم الله امرأ لم يذق حلاوة ما لم يقله وما توهّم أن ما في الجعبة أحلى وأرق. كم تفرّس فيه الأصحاب ولم يكتشفوا شيئا، كم حلّلوه وفهموا حياته لكنه أفسدها عليهم الليلة التي تليها. لا نعرف عنه ما يحب وما يكره، أزعم أنه اختار الحياد منذ زمن بعيد لم يعد يتذكره. له انفعالات طفيفة، أسمّيها حذرة وأعرف أنه يضطر إليها بحكم أنه يتنفّس. مرّة وقعت عليه متلبّسا في حالة غريبة لا تشبهه، محمّد يصرخ ويهدد ويشتم على الهاتف. لكنّه ما إن رآني حتى عاد إلى درجة عالية من طبيعته وشممتُ من جهته رائحةَ العشب النديّ تلك الرائحة الرمادية التي لا تحرك فيك شيئا. ومع ذلك لم أستطع منع نفسي من تذكّر تلك السيناريوهات الكثيرة عن الجواسيس والعملاء المتخفّين. لكن من له مصلحة فينا؟ بالأصحّ من له مصلحة في محمّد! هذا الذي لا يكاد ينطق بكلمة، ولا يستدرج أحدا إلى ليشاهد معه الروسونيري في إحدى لياليه الحمراء وهو يرى خيال نيستا يتزحلق في ثلث ملعبه الأوّل.

افتتاحيات الأفلام

وربما بدأ الفيلم بمشهده الختامي وها هي العدسةُ الحيّة تتفرّسُ في حَدَقة اللحظة الميّتة وتثّاقل في ارتفاعها فالمكان وقتها قطعة مفقودة من العالم وذا الغريب تفصيلة ساقطة من القصة والشاشة المسودّة فجأة خيلٌ دُهْم بعثها المخرج ليتسلّى. أو ربما أجالت الكاميرا_بحيرةٍ وقلق_طرفها في أنحاء غرفة ثمّ أوقفَتْك على بِركة من دم أو ائتمنتك على سر لا ينبغي لأحد من قبلك. أو لعلّك رأيت ما يرى الرائي في منامه جسدا عائما في الهواء مستغرقا في هبوطه الحرّ. ربما أسرف الراوي فأدخلك الحكاية من أضيق أبوابها أو سكت فوجدت نفسك على طاولة لثمانية شخوص وحولها تدور القصص العشوائية وتتجلّى النوايا. لعلّه جمّدك أمام منظر ساحر أو أفقدك أنفاسك وراء هارب لا تدري ممَّ، أو إلى أين؟ ربما فتح لك كوّة في باب على سرير عاشقَين أو استدرجك إلى حياة غرائبية أو فتّش في الماضي القديم أو راح يحمل عينه الثالثة على كتفه ويقتفي أثـر العابرين ويستنطق حيواتهم الهامشية أو لعلّه بدأ بلحظة التقاطع بين حيوات ثلاث أو تابع شلّالا في هطوله السخيّ أو ساقا في رقصتها المتأنّية أو أشرف على مدينة وأصغى لنبضها الخفيّ. أو ربما نبذَ كل هذه الاحتمالات وافتتح الفيلم بوجهٍ مألوف؛ وجه يشبه تلك الوجوه التي تراها في حلمك قبل أن يرنّ المنبه أو تحطّ اليد_متمهّلة_على كتفك.

اليدُ

خدِرَت اليدُ فلا انثلمت الكأسُ ولا تأرجحت الرأس على الصدر مثل تميمة ولا هبطَ الكتاب ولا تهدّم حائط ولا خرّت شجرة_شُدّت خفية إلى وتد الذراع_من عليائها ولا ارتعشَ طائر في يد الطفل ولا تحت كفّي من فرط الغواية ولا ارتختْ قبضة الخلود ولا فلتت النغمة ولا طارت الفراشةُ ولا غابت اليد في مسارها العبثيّ ولا نفضَت عنها خيالها ولا أحسّت بالوخز ولا الثقل ولا تعطّلت اللحظةُ ولا انهال الضياء من بين أصابعي ولا صمتَ نايُ الراعي ولم تخنه أنامله ولا تهاوت كواكب ليل ابن بُرد ولا انقضى الحلم وما تغيّر شيء وراء جفوني المسدلة غير أن الضفّة راحت تنأى بعد كل موجة في هذا المدى الأزرق.

إيناريتو وأبو الخطّاب

استيقظ أليخاندرو إيناريتو ليلته تلك على صوت بعير يهدر ومن نافذته العالية رأى الصحراء كما لم يرها من قبل ولا بعد. لم يسَل كيف انتهى به المطاف هنا ولم يلُم أحلامه ولا عفاريته ولعلّه قدّر أنّ خللا حدث أثناء نومه ونسف به وببيته من عاصمته البعيدة إلى مشارف هذه الصحراء ثمّ أسلم حواسه لوهمه هذا ونضح وجهه بالماء وبحث في أغراضه عن كاميرا حملها على كتفه وراح يقتفي أثر الزائر الغريب ظلّ بعينيه الغارقتين في لذة الخَدَر وعين عدسته المضبّبة يتبع الفتى في مفازاته ورحلته الموحشة وفي رجوى مناله البعيد حتى وقف المرتحل على جانب يطل على خيام بدأت مصابيحُها تنعسُ ويخمد صخبُ سُمّارِها. رفع إيناريتو وجهه ووجه حيوانه الأليف إلى السماء لأوّل مرة فرأى ليل الأسلاف وحيّا نجومها الخافتة وأعاد عينيه إلى مكانها فإذا بصاحبه قد أناخ بعيره ومشى قاصدا خيمة يعرفها حَذِرا يتلفّتُ ثم اختفى.انتظر أليخاندرو ليلته تلك مثل رفيق قديم كأنه قطع عهدا خفيا على نفسه حتى انفلقَ الصبحُ ونادى منادٍ للرحيل ثمّ خرج الفتى بين ثلاث شخوصٍ يطُفنَ حوله ويسترنه عن العيون. ركبَ بعيره وانطلق وتعقّبتهُ الكاميرا بإصرار مثل ظلاله. لم ينتبه لها ولم يلتفت، لكنّ الفتَى في طريقه الطويلة راح يسلّي نفسهُ ويؤنسها وينشدُ بصوتٍ مسموع:”أمِن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِرُ-غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهجّرُ”

كوينتن تارانتينو

مثلما تقف عارضة أو ممثلة شهيرة في إعلان لعطر أو في مشهد تخيّلي واهِم فترفع يدها عاليا وتبسط كفّها لتوقف العابر والرحلة والطائر والأهزوجة الدراويشَ وتأملاتهم ثم
تطوف بينهم كالزائر في المنام أو الجوّال الغريب في المرايا يعطّل كوينتن اللحظة ليمسخها أو يزخرفها يقلّبها بين يديه مثل مكعّب روبيك يستقرئ احتمالاته ويقيّم آثارها يحصي عيوب اللحظة ويضاعف حظوظها ثمّ يبعثها في عالمٍ موازٍ حيّة مرِنة لتُعاش وقابلة لأن تنقض مستقبلها المجهول بعد كل حركة. لعلّه رأى العالم في حلمه مقلوبا على رأسه أو لعل طارئا جمّده قبل المنعطف فظنّ أنه أمسك اللحظة من ذيلها وأعجبه إحساسه أو ربما جلس على عرشه وانتشى وظنّ الزمن لعبته فقطّع أجزاءه وأعاد وصلها أوّلها في الآخر وآخرها في الأول. كيفما بدأ تظلّ تترقب تلك القطعة المفقودة؛أحجيته الطفولية،تلك السخرية الفاجرة من التاريخ وحقائقه والصرخة الدموية في الغابة أو فجأة كيف انتهى كل شيء تزامنا مع اللحظة التي انطلق منها؛ كأن تعلَق في دورانك الأبدي داخل حارة نسيتْ معالمك ونسيت أزقّتها ثمّ إذا رضيَ بها واطمأن لحيَلِه الهزلية وركدتْ شياطينه فعل كما يفعل الرسام حين يتوّج تحفته الخالدة بضربة عبثيّة من فرشاتِهِ النحيلة…فيجيء أحمرُهُ قانيا ساخنا مثل الذي يتبقّى على حائطٍ أُزيْحَت عنه للتوّ جثّة.

مَبْسم هيا

هذه ثلاثة آماد قطعها المغنّي في تحليقه الأخير وجوابه العالي. هذه ثلاثة هواجسَ أخّرت العائد أو حاصرته وثلاث رؤى نبّهته إذ يمشي في نومه. هذه ثالث مرة يلمع فيها الاسم في رأسي دون وجه أو ندبة. هذه ثلاثُ بلادٍ سكنتها وشكّلتني على خرائطها بزواياي الحادّة. هذه ثلاث أمانٍ لم يُفرَك لأجلها مصباح ولم تشرئب إليها أعناق الحالمين. هذه لحظة كسرتْ النمط وسقطتْ في دوارها الأبديّ، وها هيَ ذي، ها هيَ..هذه ثلاث أصابع ظلّت غائبة في إيقاعها على الطاولة بعد أن غادر الجميع المقهى. هذه ثلاث نجوم ما فتئت تدعوني حتى تركتُ المدينةَ ورائي ماشيا وثلاث قصص تقاطعت وكنتُ نقطةَ مركزها. وثلاث كنت أداريهنّ مثل مخاوفي:”فأمّا غرامي واصطباري وسلوتي-فلم يبقَ لي منهُنَّ غيرُ أسامي*” هذه ثلاثيات الشَجْو والموت والفرح كتابة وبصريّة وسمعيّة وأخرى سجّلتها في دفاتري مثل اعتراضات خَجْلى. هذه ثلاث عادات انتبهتُ أنّي ورثتها في لحظاتي الميّتة. هذه ثلاث نوافذَ أحيَت الغرفة وسخرت من العالم. هذه ثلاث خطوات تفصلني عن دخول المتاهة. هذه ثلاث وصايا كانت تُهمَس في أذني قد اختفت وبقيَ طنينها. هذه ثلاث أغانٍ كي تطول الطريقُ ويفتح المدى للصبيّ يديه وهذه ثلاث ليالٍ مرّت، تنقصهنّ ليلةٌ بعد، ليلة يشعلُ ظلامها بَرقٌ.. برقٌ كأنه، مَبْسم هيا.

مفاتيح

في يدي سلسلةُ مفاتيح بيوت سكنتها وفي بالي خيال أبوابها إذ تنأى بعد إصراري الغريب. كلما أدرتُ مفتاحا في القفل رأيتُني غريقا يجرفه السيل القادم من وراء هذا الباب أو شهيدَ عاصفة ما اقتلعتني من جذوري أو لعلّي نجوتُ بسبب احتمال ضئيل وصرت الظل الخفيف لكلّ هذه الحكايا المرصوفة أو اليدَ الخفيّة وهي تضبط المشهد دون أن تُلاحَظ. ربما رأيتُ العائلة سعيدة متحلّقة حول مائدة أو فضيحة يتشاركون الطُرف ويتوهّمون البشائر يؤخرون الانتباهةَ ما استطاعوا وتغمرهم اللحظة بحنانها أو ربما جذبتني قدماي إلى زاوية الشَدْو حيث تغنّي أمي في صالتها ترانيمها البدويّة غائبةً عن الأبصار والآذان ولعلّها مثلي شاردة في مخيّلتها وبيوت الطين وحياة الترحال تكرّر بيتين منذ العصر الأوّل وبالله تستعين على الإبرة والخيط. أو ربما استنزفتُ أنفاسي وما توقّفت عن تأويل رؤاي ورحت أتأمل الصور على الحيطان وأخمّن الرائحةَ في الهواء وأستحضر الضجيج الناعمَ وأتسمّر وسط غرفتي مثل قطعة أثاث منسيّة قبل أن يهزّني جاري_وهو يصعد الدرج_بصوته الجهوريّ “سلام يا جار.” وفجأةً؛ أمامي الباب ينتفض والمفاتيحُ المدلّاة من أعناقها في السلسلة تعزفُ سيمفونيةَ الوعيد، وأنا واقفٌ… أنتظر.

حَجَر

ليت الفتى لم يُرهِف السمع لأوّل لغة منقوشة على جدار وأول حجرٍ يمسّ صفحةَ الماء. ليت الفتى لم يحدق طويلا في انعكاسه على سطح البحيرة ويستعذب الغرق، ليته لم يستدلّ بالنجوم ويقصّ الأثر ولم يقرأ الطالع ولم يقف على طلل ولم يختبر السُرى ليلا ويبلغ المثلَ الخالد عند الصباح. ليته لم يرِقّ لنظرة معذَّبة ولم يجتذب خصرا ولم يألف وجها ولم يتلقّف إشارة وليته إذ طوى البلاد طواها ولم يعد ولم يحلم بالعودة.ليت الفتى حين مالَ على شجرة لم تستنهضه رغبة ولم ينبّه حنين. ليته لم يعِد أحدا وصدّق حكمةَ الخَدَر وغاب. ليته حين وقف على شفا الأشياء رأى المعنى الخفيّ وتسمّر مكانه. ليت الفتى لم تحرّكه التغاريد ولم يستفزّه الخلود ولم يبصر في الليالي نارا أو في المفازة سرابا ولم يتبع الظنّ أو يسحله الأمل. ليت الفتى لم يقُل:”متذكّرٍ في مرقبي وش جرالي-وصفقت بالكفّين ياسٍ على ياس” ليته لم يدوّن رؤاه والتفاصيل والسيَر ولم يدندن لحنا مألوفا أو يحتفظ بسرّ ولم يستجب لغواية الخطايا ووساوس الفراغ. ليته لم يبالغ في المحبّة ولم يُفرِط في حقده ولم يفتح عينيه حين سمعَ النداءات المتعطّشة وليته ظلّ واقفا على العتبات وما عوّل على أحد ولم يخبئ أحدا للأيّام وما انتظر أكثر من قطرة مطر. ليت الفتى لم يتنبأ مصيره ولم يقلّب الحكمةَ بين يديه حتى جفّت ولم يصدّق البشائر ولم تبحث يداه في غرقها عن يدين. ليت الفتى حجرٌ … لم يذب في معنى أو يستميت لأجل فكرة أو هاجس. ليته حجرٌ فحسب.

تَطْواف

أسافر مع غيمة تائهة في الصباح. أُسلِم أمري مرة أخرى للتساهيل. أُنصِت لإيقاع الأصابع على المقود. أنتظِر هذا الأمل الأخضر. أتبعُ ذراعي في رحلة قصيرة إلى عوالمها الغرائبية. أدندنُ لحنا لا يُفضي إلى كلمة. أطرد هاجسا وأوقظ آخرَ. أُسمّي الغُرباءَ وأحرمهم الحقّ. أخون النظرةَ الناعسةَ في المرآة، أشردُ بعيداً، وأحلمُ جالسا في مكاني. أعُدُّ الخطايا الدفينة في صدري أو الأشجار والأعمدةَ على جانبيّ الطريق أو النَمَش على وجه إيفانجلين ليلي. أغيب في ارتعاشة أبديّة سببها موسيقى مألوفة بعثها الراديو للتوّ. أحسدُ هذا الطائر يتقلّب في الزُرقة المنبسطة كيفما شاء. أعبرُ المفازةَ بمجازٍ والبحر بالغرق. أستذكِرُ أسماءً وأنسى الوجوه. أستلذّ بهذا الاقتباس الشاعريّ حيث موجةٌ إذاعية تدلف إلى مركبتي من أخرى عابرة وتستريحُ على ساحلي. أُقطّع عروضيا:”وللنسيمِ اعتلالٌ في أصائِلِهِ-كأنّهُ رقَّ لي فاعتلّ إشفاقا” وأحسبني اِستعجلتُ البيتَ ولم أخدش المعنى. أبتكرُ طرقا مختصرة وأراوغ الشوارع وأرفض عروضها المجّانية للانسياق وراء المجهول. أتفقّد قصصا توقّفت عن روايتها. أفطَنُ إلى معنى شطر. أتابعُ بعينيّ حياتي حتى تختفي تماما. أطوْفُ، أو كما يقول الشاعر:”أطوّف ما أطوّف ثم آوي، إلى بيتٍ..” أستجلي طريقه مُسرنما أو مشمولا بنعمة الرجوع.

نورتن وكرو وبيل وبيت ودوغلاس وماثيو وليوناردو

في ذكرى المدوّنة السنوية الأولى أعيدُ نشرَ هذه القطع الصغيرة(مجموعةً)وفيها سبعُ قراءات مختلفة لسبعة ممثّلين وأدوارهم.

إدوارد نورتن الكائنُ البرزخيّ.
آرون الصبيُّ منشد التراتيل الدينية القاتلُ في بدايةِ الأمر والبريء وسط الحكاية والمجنون الغامض قريباً من النهاية هكذا تقاطعتْ حياتي مع حياة إدوارد نورتن لأول مرّة في فيلمِ”الفزعِ البدائيprimal fear”وهكذا أيضاً عرفتُ أني سأصدّقُ هذا الصبيّ وأستأمنهُ على عقلي كلما شاء. هذه البراءةُ المحضة بلا أدنى مجهود والعتمة المحبوسة خلف هاته العينين. نورتن كما أسميتُهُ الكائنَ البرزخيّ. رجلُ الحيرة والتباين. في كل أدواره التي شاهدتُها فيما بعد كان يعتاشُ فيها على التفصيلة الصغيرة. هذه الازدواجيّة في الشخصية، الخيط الرفيع بين الحُلُم واليَقظة كما في فيلمه الشهير”نادي القتالfight clup”أو بينَ العينين الفاسقة والصارخة الحزينة وهي ترشحُ دمعاً وأسفاً في فيلمه”التاريخ الأمريكيamerican history x”وإن لم يكُن هذا جليّاً في الأخير إلا أنه دائماً ما يكونُ مُتأرجحاً في جسده ودواخله، فيما هو عليه وما سيكونه. تنقّلٌ أزليّ بين حالين. حال الأول مُطمئناً في جسدهِ وحال الغريب الذي سيكون ضيفه بقيّة العمر. وحتى في فيلمه”الهدف the score”كنت أنتظرُ خدعته القادمة، التغيّرَ الذي سيقلب الطاولة ويُحيى مجدَ روي القديم. يُخيّل لي أن نورتن سيستيقظُ صباحَ ذات يوم ويقفُ في المطبخ مذهولاً لأنه لم يعد يتذكّر كيف كان يحبّ قهوته؛ بالحليب؟ أو سوداءَ كالكدمات التي تتركها النوادي السرّية على الجسد والذاكرة.

راسِل كرو والمشي في الظلال.
إذا استدارَ ومضى بعيداً بقامتهِ المحنيّةِ ومشيتهِ المُتثاقلة بدا لي كأن إحدى قدميهِ أطول من الأخرى. بدا كأنه مُتعبٌ من عبءِ الحيوات التي مشى في ظلالها. الرجلُ الغاضِب والعفويّ، الأسطوري النبيلُ والساذج، الحنون والعبقريّ في آن. من غضبٍ جمّ بسبب ذكرى من الطفولةِ(la confidential-إل آي سرّي للغاية)إلى مُضطربٍ في مواجهةِ شركةٍ عملاقة(المُطّلع-the insider)وصولاً إلى عقلِ عبقريٍّ تجاهلَ الأشباح بعد أن عانقها(عقلٌ جميل-a beautiful mind)ثم إلى أبٍ على حصانٍ يعدو نحو وداخل العاصفةِ(عرّاف المياه-the water diviner)يجرّ خلفهُ أطناناً من الهلاوسِ والجماجم والذكرياتِ والنظريات، ثمّ يعودُ آخر النهارِ ساكناً إلى وجهٍ يُشبه وجهَ فيرونيكا ليك. يُذكرُ أنه شوهِد قبل أشهرٍ يرتدي قميصاً أزرقَ باهتَ اللون، في يدهِ سيجارةٌ وبطنهُ تتدلّى أمامه على فخذيه، وليست هذه الصورةُ/اللحظة الفوضويّة إلا لسعةً أولى مُخفّفة من دورهِ القادم. لا أتخيّلُه إلا جالساً-في المشهدِ الافتتاحي-على صوفةٍ حمراءَ بالكادِ تتسع لجسده، وجهه مُضاءٌ بنورِ الشاشة أمامه وهناكَ ابتسامةٌ وعلى جبينهِ-بلازِمتهِ الأبديّة-يُحرِّك أصابعه… كأنه يتذكّرُ شيئاً ما.

ماثيو ماكونهي وأبو العلاء.
كُلّما-بلكنتهِ الفاتنةِ-أنهى جُملةً وأسرفَ حتى يصيرَ حرفُهَا الأخيرُ عدماً، أو فغرَ فمه مُندهشاً أو مُغوياً، مُتخيّلاً أو مهلوساً، وكلما وضعَ يده على شفتيهِ كأنهُ يُعيد اكتشافها واستغرقَ في تأمّلهِ وفلسفته، وكلما غرقَ في نوبةِ بكاءٍ حادة، وتفجّرَ في روحهِ أنينٌ مكتوم؛ تبدّتْ لي في سحنتهِ حكمةُ أبي العلاءِ الخالدة”هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد”. منذُ خطبتهِ المؤثرة في قاعةِ المحكمة بعد أن كادَ يخسر كل شيءٍ(وقتٌ للقتل-a Time to kill)وصولاً إلى قطعِ(مُحقّقِ فذّ-true detective)الثمانية ومروراً بالرجلِ ذي الجسد النحيل الشفّاف، الرجل الذي شعرَ أنه يُقاتِل من أجل حياةٍ ليس لديهِ الوقت ليعيشها(نادي دالاس للمشترين-dallas buyers club)يحكي ماكونهي-وفي قبضتهِ تمثال الأوسكار-عن شخص جاءه(على الأرجحِ أنهُ مُتخيَّل)وسأله وهو في الخامسة عشر من عمرهِ عن بطلهِ فأجابه: هو أنا، بعد عشرِ سنوات. وبعد عشر سنوات جاءهُ الشخص نفسه: هل أنت البطل الآن؟ والإجابةُ كانت: ولا حتّى قريباً من ذاك. متى تذكّرتُ هذا الخِطاب خطرَ إلى ذهني سؤال مارتِن هارت لـ رَسْت كول: إذا ما أهمّيةُ النهوض عن السريرِ كل صباح؟
“أقولُ لنفسي بأني سأشهدُ حدثَاً ما، ولكن الجواب الواضح والواقعيّ أنها ..برمجتي!”

مايكل دوغلاس والسقوطُ الحرّ.
لم أُغمِض عينيّ قطّ إلا ورأيته يَهوي من أعلى سطحِ مبنى، بيأسهِ التّام وذوبانهِ الدائم في حياةِ الرتابةِ، مُعلّقاً في الهواءِ تحفُّه ذكرياتهُ ورؤى الطفولةِ أثناءَ سقوطهِ الحرّ. ابنُ الميلاد، الكَهْل الرزين بشاربهِ وذقنه المحلوقين بعناية، وبشعرٍ مُصفّفٍ لا ينكشه سوى الافتقارُ إلى المنطقِ، وغريبيّ الأطوار. مايكل بيدهِ المُقيّدةِ أبداً إلى حقيبةِ عمل، وبمسحةِ تَرَفٍ لا يُمكن تفويتها، وجدّيةٍ تُحيّر مُنسّقي الهدايا وتُحرّضُ على الارتجال. الداهيةُ الذي بكلّ خبثٍ خطّطَ لسلبِ الروح(جريمةٌ مثالية-a perfect murder)والشُجاع حينَ ردمَ خاطفَ ابنتهِ جيسي(لا تتفوّه بكلمة-don’t say a word)والأعرجُ وهو يرى صفحاتِ كتابهِ الأثير نوارسَ تُحلّق في الفضاءِ وفوق البحر(أولاد مذهلون-wonder boys)مايكل دوغلاس والذي يبدو لي كمن يرسمُ خطّةً حتى لأتفهِ التفاصيل والنتوءات ولا يمشي في أزقّةٍ لا يعرفها ما يزالُ يهوي منذ ثلاثةٍ وعشرين سنة(اللعبة-the game)في الخيالات، وما تزال الخُدعة الوحيدة التي انطلتْ عليه في حياتهِ كُلّها تنطلي علينا جميعاً مرّةً كُل عام. عيدُ ميلادٍ مجيد.

براد بيت الدوبلير وحمّالُ الأسيّة.
يبدو وهوَ يكسِرُ إطارات الصورةِ ويلجُ داخلها بفكّهِ العريض وسيجارتهِ المتدلّية دوماً على عنقهِ مثل تميمةٍ غيرَ مهتمٍ، كأنه نذرَ على نفسهِ ألا تلتقطهُ عينُ العدسة. الوسيمُ بشقاوتِهِ المعهودةِ والحزينُ وهو يكملُ دورةَ الخطايا السبع. البطلُ الثوريّ في أعماقِ كلّ منا والضميرُ الحيّ الذي لا يكفّ عن النداء. والكائنُ الذي وحدَهَا الرغبةُ من تستدعيهِ وتستضيفهُ المُخيِّلَة(نادي القِتال-Fight club)إلى المحاميّ وقد شوِّهت طفولتهُ وصارَ مستعدّاً للتضحيةِ بكل شيءٍ من أجل أن ينامَ ليلةً في العتمةِ بلا خوف(النائمون-Sleepers)مروراً بالغجريّ العبثي أحد الخيوطِ الأربعةِ لحكاية الماسةِ المسروقة(خطف-snatch)والمحقّقِ الذي بنشيجهِ المؤثرِ ضاعفَ معنى الرفضِ والسخط(سبعة-se7en)ثمَّ انتقالاً إلى ابتكارِ المآلاتِ الجديدة في شخصيةِ جزّازِ فرواتِ الرؤوس(أوغادٌ مجهولون-inglourious basterds)براد بيت بكلّ هذه الشخوصِ السابحةِ في تعريفٍ آخر، الغرائبيةِ والمُظلمةِ الصعبةِ على التشريح يُرَى الآن بعيونٍ مفتوحةٍ على اتساعها لأنهُ الجُنديّ المجهول، واليدُ الثانويّة، صفوةُ الاحتمالات، الدوبليرُ وحمّالُ الأسيّة، لمسةُ الريشةِ الأخيرةِ.. والتي بدونها تصبحُ اللوحةُ خاليةً من المعنى والروح.

كريستيان بيل سيّدُ اللحظة.
2:12:28

بعدَ مرورِ ساعتين-تقريباً-في فيلمِهِ الأخير لم تكُنْ ثمّةَ صورةٌ ولا موسيقى، لا مشهدٌ حاضر ولا ماضٍ يتكشَّفُ في المرايا. كان بيل وحدَهُ خلفَ المقود والمجْد، وكان هطولٌ خفيٌّ للرغباتِ وهي تتنازعُ وتئنُ تحتَ حاجةِ التخلّي. بدا كأنه على وشكِ أن يحلِّقَ على ظهرِ تنهيدة، ويدهُ الثابتةُ المنعطفَ الوحيدَ الذي لم يختبِرهُ بعد، وكانت شفتاهُ الممطوطتانِ تبحثانِ عن أغنيةٍ ضائعة، وابتسامةٌ صفراء لمعتْ إثرَ التسليم. كريستيان الخفّاشُ الليليّ ببحّةِ صوتِهِ الأخّاذة وجناحيهِ المبسوطينِ على العتمات(فارسُ الظلام-The Dark Knight)والمخبولُ صاحبُ المنظرِ البهيّ والطلعةِ الوضّاءة، ابنُ التهيؤاتِ المنفِّرة والمجنونةِ وصديق الظُلُمات المثاليّ(مختلٌّ أمريكي-American sychco)والعبقريُّ الوفيُّ لخُدعتِهِ الخالدة، رجلُ الأسرارِ والتضحياتِ وخفّةِ اليد الناقصةِ التي لا تُرَى(العَظَمَة-The Prestig)والنحيلُ المؤرق العالِقُ في يَقَظةٍ معذِّبةٍ وأبديّة(الميكانيكي-The machinist)كان جالساً على عرشِهِ وكانَ سيّدَ اللحظةِ وكانت طوعَ يديهِ لكنّهُ رماها بعيداً، وانتظر.

دي كابريو والصرخةُ المستديمة.
سئمَ الفتى من الحيلة على صفحة الأرض فطار بها إلى السماء(امسكني لو استطعت-catch me if you can) ليو الغضوب الواقف على شفا الأشياء يؤجل انهماره ما استطاع؛ معلّقا في حكاية عتيقة ترويها الألسن وتجدّدها الذكرى كل عام موسيقى وقُبَلاً مطوّلة، أو مسترسلا في لهجة عذبة أو مُرخيا ابتسامته الصفراء خدعةً تُستحدَث كل حين من العَدَم، وحنقا تنفجر بين يديه الساخطة براكينُ الدم، ومنتشيا تارةً بثرائه وهلوساته الغرائبية وسخريته الباردة على السرير(ذئب وول ستريت-The Wolf of Wall Street)جوّابُ الآفاق وصاحب الصرخة المسلسلة الجريحة تمتدّ مثل عتاب أبيض شقّ عماءَ الليل. تخالُ لو أنك تتبّعتها دخلتَ في مداها واستقرأتَ أسرارها أو صرت محظوظا وانتهيت إلى أعمق نقاط انبعاثها. لو سمعتها كفاية أيقظتْ الغُيّابَ فيك واستفاضت لحنا وحَدَتْ التائهين إلى بلادهم البعيدة. ربما كانت صرخةَ الفتى الأشقر الوسيم ابن روديسيا الغائب ووريث هذه البقعة المنسيّة في ظهر العالم(الماسُ الدمويّ-Blood Diamond)أو صرخةَ الصيّاد بين القوائم(العائد-The Revenant)أو لعلّها صرخة الحالم في حلمِهِ(استِهلال-Inception)مهما استدامتْ لن تبلغ المدنَ ولن تقتل الألم.

النهاياتُ المفتوحة للأفلام

لتبقى النهايةُ مفتوحة أو معلّقة في غيب الظنون والرجاوات قد يعود القاتلُ إلى مسرح جريمته وفي عينيه الآثمتين تلمع الأضواءُ والنوايا حتى تصير حدقتاه قطعتين من ليل يتّسع وتحته تعوي الذئاب. ربما وقفَ الرجل هكذا أمام طريقين ينبسطان أمامه كالخطايا ولم تُلمِح الحكايةُ إلى شيء ولم يحرّرك حدسك من الحيرة. قد يظلّ المخطوف مخطوفا وقد تطفو الجثّة فوق سطح الماء وينقطع المشهد أو قد يسترسل الراوي فيعيدك سبعة مشاهد إلى الوراء ويؤخرك مثلهنّ تحليلا واستيعابا. ربما أوقفَ_الغائبُ الحبيس عشرين عاما_ترنيمته الجريحةَ لأنه سمع صوتَ خطى وراء الباب وحضرتْ في البال قصة فريدريك براون عن الشخص الأخير في العالم. لعلّ المخرجَ صدّق فكرة أوحيتْ له عندما كان طفلا شغوفا واقتطع مشهدا ضروريا في الفيلم ليختم به فأثار الأسئلة المطمئنةَ إلى أجوبتها السهلة. ربما عاد الفتى المنفيّ بعد حروبه الأزلية فلم يجد الأهلَ ولا البيت ولا زهرة كان يسقيها في صباه. ربما زلَّ لسان المحتال أخيرا فانهالت حيله مثل قطع الدومينو. ربما انتشى الكاتبُ فألقاك وسط غرفة البريء فيها خبيث والكلّ نَدَامى الكُل وغذّا وساوسك. ربما وربما والاحتمالات بلا نهاية. لكنَّ الأجمل عندي أن يُرفَع جفن الممثلة النائمة على سريرها مثل ستارة وتستيقظ على صوت تغريد ورائحة خُزامى بعدَ تأكّدك من موتها إثرَ رصاصةٍ مجهولةٍ في الحلم. وها نحنُ ذا نؤوبُ من احتمالات ما لم يكن حتّى.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ