
١
حكمة الصمت
اِبحث في الكلام
تجد الصمت، ابحث في الصمت لن تجد أيّ كلمة. وراءَ الكلام محيطٌ من الصمت، وراء الصمت صورة للجفاف، أو زاويةٌ في مقهى وضيق في نَفَسي كأنّما أصّعدُ في السماء، كأن عيسَ أبي الطيّب ما ثُرنَ إلّا ليبركنَ فوق صدري في هذا الصباح الصامت. ما بعد الكلام وقت للصمت، ما بعدَ الصمتِ صمتٌ لا يُستَنْفَد أو صرخةٌ أخيرة تخمدُ كل ما كانَ
وما سيكونُ
٢
حكمة السكون
عندما تنطفئ العاصفة ويتلاشى الصخب
تعثرُ على غيمةٍ مهيأة للالتقاط وسكينةٍ لا تجرؤ على تسميتها. في السكون لكل نَفَس ثِقله، لكل صورة تسقطُ عليها العينُ معنى، لكل نبضةٍ طارئة دلالة وإشارة. قبل السكونِ كنتَ شيئا زائدا، واحدا من الحشد، نغمة لا قيمة لها وسط هذا النشاز. بعد السكون لن تكونَ سواك، ضروريٌ ومُهمل باختيارك، تكادُ تطفو لولا قيدكَ الخفيّ، تكاد تتلاشى لولا الضربات الخفيفة المتتابعة على القلب، تكاد تختفي لولا العيون
التي تبصرُك
٣
حكمة الركض
ما تزال تركض خارج الحلم وداخله
ما تزال تشكّ وتأمل أن يكونَ نَفَسكَ القادم هو الأخير ولن يكون. في الركض تفقد ترف وتفاهة أن تنشغل بالبحث عن الحكمة وراء هذا كله. خلال الركض تكون أقربَ لئلا تكون، تصير جزءا من كل مكان، واجدا زمنكَ الخاص مصغيا لإيقاعكَ الاستثنائي، بعيدا عن اليقين، منشغلا بأسمى قيمة وأرفع معنى: اللا شيء. بعد الركض يبقى الأملُ في خطوةٍ أخرى، تنهيدةٍ بطيئةِ التحليق، نداءٍ يجيء من لا مكان، صورةٍ لطفلٍ كنته لم يفكر يوما بكلّ هذه الرغبة في الكلام قبل الركض، بكلّ انعدام الرغبة في الكلام
عند خطّ النهاية
٤
حكمة الشك
يُعطّلكَ اليقين ويُعدّكَ الشك
ما أقربَ ما لا يُتوقَّع، ما لا يُحتمل أن يكون، ما أكثر نأيَ الموشكِ والـ يكاد، الأقرب من أي وقتٍ مضى. كل لحظة يقين مسوّرةٌ بالوعودِ والظنون والتصورات، كل لحظة شك خفةٌ في الهواء وخطوة حذِرة والتفاتة في وقتها. ما لا يضمنه اليقين طرقةُ مُنذرٍ على الباب، ما لا يضمنه الشك يد ممدودة ونبرة مطمئنة لستَ في حاجتها. بعد اليقين كل فكرة وقفزة احتمالُ شظايا، بعد الشك كل شيء مألوفٌ ومكرور كأنكَ رأيتَ العالمَ ألف مرةٍ ولا يزال على حاله هناكَ في نظرتكَ اليائسةِ
أو في
انعدامها
٥
حكمة الجهل
طِبتَ أنت، في مكانكَ
ما أقلّ ما تعرف عن العالم، ما أقلّ ما يعرفه العالم عنك. لست على يقين من أي شيء ولا قريبا من أي معنى أو منال. كم أهملتَ بالإشاحةِ ما يزيد عذابك، كم اتّقيتَ بالامتناع عن السؤال أو السلام من ورطة أو شجن يسكن الترانيم ولا يغادرها، كم تواريتَ في شطرِ الشاعر:”وأفظعُ منه أن تدري” ونسيت. ما بعد الدِراية إلّا الندم والتكذيب ويا ليت، وما بعد الجهل إلا وجودا طفيفا يشبه في تخفّفهِ
العدم