حكمة الصمت والركض والسكون والجهل والشك

١
حكمة الصمت

اِبحث في الكلام
تجد الصمت، ابحث في الصمت لن تجد أيّ كلمة. وراءَ الكلام محيطٌ من الصمت، وراء الصمت صورة للجفاف، أو زاويةٌ في مقهى وضيق في نَفَسي كأنّما أصّعدُ في السماء، كأن عيسَ أبي الطيّب ما ثُرنَ إلّا ليبركنَ فوق صدري في هذا الصباح الصامت. ما بعد الكلام وقت للصمت، ما بعدَ الصمتِ صمتٌ لا يُستَنْفَد أو صرخةٌ أخيرة تخمدُ كل ما كانَ
وما سيكونُ

٢
حكمة السكون

عندما تنطفئ العاصفة ويتلاشى الصخب
تعثرُ على غيمةٍ مهيأة للالتقاط وسكينةٍ لا تجرؤ على تسميتها. في السكون لكل نَفَس ثِقله، لكل صورة تسقطُ عليها العينُ معنى، لكل نبضةٍ طارئة دلالة وإشارة. قبل السكونِ كنتَ شيئا زائدا، واحدا من الحشد، نغمة لا قيمة لها وسط هذا النشاز. بعد السكون لن تكونَ سواك، ضروريٌ ومُهمل باختيارك، تكادُ تطفو لولا قيدكَ الخفيّ، تكاد تتلاشى لولا الضربات الخفيفة المتتابعة على القلب، تكاد تختفي لولا العيون
التي تبصرُك

٣
حكمة الركض

ما تزال تركض خارج الحلم وداخله
ما تزال تشكّ وتأمل أن يكونَ نَفَسكَ القادم هو الأخير ولن يكون. في الركض تفقد ترف وتفاهة أن تنشغل بالبحث عن الحكمة وراء هذا كله. خلال الركض تكون أقربَ لئلا تكون، تصير جزءا من كل مكان، واجدا زمنكَ الخاص مصغيا لإيقاعكَ الاستثنائي، بعيدا عن اليقين، منشغلا بأسمى قيمة وأرفع معنى: اللا شيء. بعد الركض يبقى الأملُ في خطوةٍ أخرى، تنهيدةٍ بطيئةِ التحليق، نداءٍ يجيء من لا مكان، صورةٍ لطفلٍ كنته لم يفكر يوما بكلّ هذه الرغبة في الكلام قبل الركض، بكلّ انعدام الرغبة في الكلام
عند خطّ النهاية

٤
حكمة الشك

يُعطّلكَ اليقين ويُعدّكَ الشك
ما أقربَ ما لا يُتوقَّع، ما لا يُحتمل أن يكون، ما أكثر نأيَ الموشكِ والـ يكاد، الأقرب من أي وقتٍ مضى. كل لحظة يقين مسوّرةٌ بالوعودِ والظنون والتصورات، كل لحظة شك خفةٌ في الهواء وخطوة حذِرة والتفاتة في وقتها. ما لا يضمنه اليقين طرقةُ مُنذرٍ على الباب، ما لا يضمنه الشك يد ممدودة ونبرة مطمئنة لستَ في حاجتها. بعد اليقين كل فكرة وقفزة احتمالُ شظايا، بعد الشك كل شيء مألوفٌ ومكرور كأنكَ رأيتَ العالمَ ألف مرةٍ ولا يزال على حاله هناكَ في نظرتكَ اليائسةِ
أو في
انعدامها

٥
حكمة الجهل

طِبتَ أنت، في مكانكَ
ما أقلّ ما تعرف عن العالم، ما أقلّ ما يعرفه العالم عنك. لست على يقين من أي شيء ولا قريبا من أي معنى أو منال. كم أهملتَ بالإشاحةِ ما يزيد عذابك، كم اتّقيتَ بالامتناع عن السؤال أو السلام من ورطة أو شجن يسكن الترانيم ولا يغادرها، كم تواريتَ في شطرِ الشاعر:”وأفظعُ منه أن تدري” ونسيت. ما بعد الدِراية إلّا الندم والتكذيب ويا ليت، وما بعد الجهل إلا وجودا طفيفا يشبه في تخفّفهِ
العدم

محمّد طير شلوى

محمّد طير شلوى۱
محمّد الموجود في الصورة غير الذي أعرفه لأن محمّد لا يحب أبدا أن يظهر في الصور. الولد المشغول بالتحضير للحدث لا الكلام عنه. ضابط الإيقاع الخفي أو الجندي المجهول لولا أن لجندي دلالات ورؤى لا يتبناها محمد ولا يتحدث عنها. آخر المتواجدين في الاستراحة مثل العازف الجديد وأول من ينزل العفش. يبقى ليتفقّد بقايا العجالى لأنهم غالبا ما ينسون هاتفا أو منشفة على الدرابزين أو فردة جوارب تُفقد أختها المعنى وتنبش السؤال الوجودي أين تختفي الأشياء. يجمعها في كيس صفراء لا تُفارق يده وأكاد أحلف على حسب معرفتي بمحمد أن لها قيمة عنده ووراءها موقف لو حكاه لي لسقطت على الأرض من الضحك لولا أني نسّاي. وإذا ما خلت يده من الكيس فلأنه يحمل صينية العشاء أو أكياسا زرقاء من البقالة البعيدة بسببها فاته أكثر من ثلثي الفيلم ولكن الأهم عند محمّد أنه لم ينس مشروبات الشباب الموصى عليها. محمد أكثرنا وسامة وأمتعنا حديثا وأظرفنا نكتة وما من شيء يمنعنا من الاعتراف سوى شيء من نرجسية وضحكة محمّد المتقطّعة ردّا على الأحاديث الجادة وكأنه يعزل نفسه عنها ولا تعنيه في شيء. محمد الظاهر في زاوية الصورة بنصف ابتسامة وعين حنونة وغير مهتمة بيده مهفّة ويخشى أن تخمد النار تحت أسياخ الكباب.

۲
على درب السفر ولأننا نعتقد بشيء لا يمكن التصريح به أن محمّد لا يجري عليه تعب أبي العلاء:”تعب كلها الحياة وما أعجبُ/إلا من راغب في ازدياد” نرمي إليه مفاتيح السيارة عند نقطة التجمّع ونزوّده بجرعات الإسبرسو على محطات الطريق. ولأنه يمكن أن يقود بنا إلى القريّات دون أن يتوقف لينفض الغبار عن مفاصله نعتمد نحن الخمسة مناوبات النوم وعلى مضض نتفق أن من ينود في غير وقته لا يحق له الاعتراض على ردة الفعل. محمّد الوحيد الذي لا ينطبق عليه المثل:”تعرف صاحبك في السفر” لا تسمعه يشكو من أي شيء في كل حال ولا يمر طبعه باضطرابات مخبوءة ولولا خوفي أن ينتفض أبو الطيب في قبره لسلخت بيت وحالات الزمان عليك شتى من كل أحد واصطفيته به. أحيانا تتشعب أحاديثنا فلا أذكر كيف بدأت لكني أعرف أني كنت آخذ بيده إلى جحيم سوداوي وكان يستدير بنا إلى فراديس متخيلة نستعيذ بها من حالنا المعلقة ونتوقف أخيرا في المنتصف فلا غايتي بلغت ولا خضرة بساتينه ظللته وأظن وقوفنا ذاك يشبه لازمته:تساهيل يا حبيبي. حدث مرة وأن غبنا جماعة في هوّة نوم ثم فتحت عيوني وبدأت أنبّه الجثث الباقية من حولي ووقتها رأينا فيما يرى المسافر محمّد الخجول يعافر اثنين على جال الطريق وكان أصيل يغني تعبك راحة وإشارة التوقف جانبا تنبض.

۳
أحبّ الكتابة عن محمّد لسببين أحدهما أنّ لي ملَكَة تسمية عيب جديد في كل مرة ألتقي بها مع شخص أعرفه ولأنّ ظروفا قهرية تمنعني من رؤية محمّد أبدا، أحسب أنّ هذا يضمن له البقاء في منطقة برزخيّة مقدّسة بين الكراهية والإعجاب. وأمّا الآخر فمحمّد هو الكائن الوحيد الذي أعرفه ولا يستجيب لتلك الإلماحة الخفيّة:”كنت في سيرتك البارح”ولا يتفاعل معها ولا ينوشه بسببها فضول. ولذلك فإنه ومهما تركت من أمارات فلن يرى انعكاسه ولن يتخيل أنه هو. أدخل مجلسا ضاجّا بالناس وأتبع خيط دخان فلا يذكرني برحيل العمر ولا يوقفني على مسرح عبدالحليم وحكاية الفنجان ولكن أمام محمّد شاردا في إحدى الزوايا زقارة في فمه وعيناه مصوّبتان نحو جهة كأنه شاعر محاورة يفكّر بردّه الملجم. على الأرجح أن ليس لمحمّد خطة ولا هدفا في الحياة ولا غاية سامية يبرّر بها وجوده أو يوهم نفسه بما ليس له. وعلى الأرجح أنّه يدري أن لا معنى أسعى إليه في حياتي ولا غاية مهما ادّعيت؛ ولعلّ هذه نقطة التقاء لم أنتبه لها قبلا. كلما تقاطعت طرقنا عند نهاية الشارع سألته:محمّد متى نشوفك؟ يتبسّم ويقول: عقب باكر. غفر الله لي يا ابن أبي ربيعة، انظُر كيف خرّبتُ عليك ذِكرى هند وغنج ضحكتها.

٤
لمحمّد ملامح عادية بمعنى أنك رأيتها في مئات الوجوه لكنها معا تخلق هذه النتيجة المريحة للعين. وله عادة واحدة وهي أنه دائم الإنصات. أحيانا أشك أنه يعمل بهذه الآلية وحدها، آلية التخزين، دون النشر. وإذا ما سألنا عن رأيه أجاب:”ما عندي شيء أقوله” رحم الله امرأ لم يذق حلاوة ما لم يقله وما توهّم أن ما في الجعبة أحلى وأرق. كم تفرّس فيه الأصحاب ولم يكتشفوا شيئا، كم حلّلوه وفهموا حياته لكنه أفسدها عليهم الليلة التي تليها. لا نعرف عنه ما يحب وما يكره، أزعم أنه اختار الحياد منذ زمن بعيد لم يعد يتذكره. له انفعالات طفيفة، أسمّيها حذرة وأعرف أنه يضطر إليها بحكم أنه يتنفّس. مرّة وقعت عليه متلبّسا في حالة غريبة لا تشبهه، محمّد يصرخ ويهدد ويشتم على الهاتف. لكنّه ما إن رآني حتى عاد إلى درجة عالية من طبيعته وشممتُ من جهته رائحةَ العشب النديّ تلك الرائحة الرمادية التي لا تحرك فيك شيئا. ومع ذلك لم أستطع منع نفسي من تذكّر تلك السيناريوهات الكثيرة عن الجواسيس والعملاء المتخفّين. لكن من له مصلحة فينا؟ بالأصحّ من له مصلحة في محمّد! هذا الذي لا يكاد ينطق بكلمة، ولا يستدرج أحدا إلّا ليشاهد معه الروسونيري في إحدى لياليه الحمراء وهو يرى خيال نيستا يتزحلق في ثلث ملعبه الأوّل.

٥
سقى الله حوش بيت أبي القديم، سقى الله الأصيل ذات يوم غائر في القدم حتّى كأني اختلقته من عدم أو تطفلت على ذكرى لم تكن لي، سقى الله خيالَ يد محمد وهي تمدّ هاتفا نحو أذني وصوته إذ يقول: بالله عليك تسمع. سقى الله زمان خشوعي في إرهاف السمع وسقى الله صوت هيفاء تغني: “كيف أنا بقوى عذابك؟ لا صار في بعدك عذاب وفي قربك عذاب” لم يفتح عينيّ أحد على جمال مبهم مثله ثم يتركني أسيرَ عمائي معلقا مع ذكرى لا تنضب، لم نتحدث عنها أبدا أعني هذه اللحظة المعلقة في الفراغ ولا هيفاء وما كنتُ أحسب حينها أن صوتا ما جدير بخلود كهذا. لم أكن الطفلَ تماما، ولا كنت أكبر من الطفل ذاته، لكنّ قلبي خفّ وقتها وأخرسني خجلي عن سؤال أو إثارة بحيرة حكاياه الغرامية باستنطاق متلهف أو تصرف أبله واخترت أن أسكت. ومع ذلك ما زلت بعد سنين أطمع أن نجلس أنا وهو في مقهى مدينة غريبة علينا أو غرباء عنها ويروي لي تلك التفصيلة الساقطة من كتاب السيرة ويخلصني من هوس الرعاية ومازوخية الاعتناء. كلما جنحت الشمس جهة المغيب أو رأيتُ شجرة تزحف أغصانها على حائط أو ذكرني باب موارب بترف الحوش والمساحات الرحبة أو طرأ على بالي محمد أو اسمه أومضتْ في بالي هذه اللحظة الفاتنة وإذا ما اقتربتُ منها لم أجد شيئا ولا أثرا ولا لوم ما دام أن:”عادة الظبي يجفل لا تحرك ظلاله”

٦
يبعث لي برسالة صوتية بعد سنتين من الغياب والانقطاع فأحسبُ نفسي إذ أتظاهر بالانشغال عن سماعها أني أؤخر سرورا غامرا لا يسعني تحمله وأقول في خيالي لعلّ الغربةَ ألانته كما ألانتني ربما اختار أخيرا أن يقول شيئا جديدا؛ شيئا لم يطق أن يخفيه في ثنايا حفيف الكلام والصمت الممتد والبسمة الساخرة ولمّا يفضي بي الفضول إلى هذا المنعطف من العالم وإلى ذروة الطفوِ والسكينة وأجدني قد استنزفتُ أعذاري يجيء صوته من أقصى الدنيا بلا مقدمات ولا سلامات يسألني عن بيت شعر كنت أطريته ذات مرة على حد تعبيره ثم يسترسل ولمدة دقيقتين في التوصيف والمقاربة ومحاولة استدراج كلمة إلى الظهور وما مِن كلمة. أستسلم لتفطّنه ذاك وأقرر أن أضيّع ليلتي تلك-ولمَ لا-في البحث عن البيت المنشود. وبعد عشرات الصفحات والأساليب المختلفة في طرق البحث واستنطاق الذاكرة أجد البيتَ دونما سبيل إلى معرفة النهج وأي ممر أوصلني إليه. حينها أفكر في أن أعلّقه لسنتين أُخريات ولكني أنا النصف نائم بأجفان كسلى من الإجهاد غير الضروري لا يخطر ببالي مما يناسب الحالة غير:”وقالت وعضّت بالبنان فضحتني-(وأنتَ امرؤ ميسور أمرِكَ أعسرُ)”أختار أن أزهدَ في فرصتي وأعفيه من التعلق. أبعثُ له أخيرا ببيت القصيد مقرونا باسم صاحبه حتى إذا نسيه لم ينس شاعره، فإذا هو أبو العلاء، عندها لا أندم على ما ضاع من عمري؛ لأن ما ضاع وما لم يضِع عندي وعند صاحبي رهينِ المحبسين سيّان، والله المستعان.

٧
هو ذاك القليل من الحكايا والصور والضحكات الساخرة والمقيدة بلحظاتها البعيدة، ذاك النادر من الوجوه المهملة والمطوية في الذاكرة المتّقدةِ فجأة في اللحظات الميتة والعابرة أستردّه من الغياب فيكون، أنساه فلا يبقى منه غير ذلك الأثر الطفيف الموشك في كل لحظة على التلاشي والتفاصيلَ إذ تنتظر أوان استنطاقها والبحث في خفاياها. كأن أرفعَ مقاماته الامّحاءَ، كأنه سمّى ما امتنع أبو الطيب عن تسميته “يقولون لي ما أنت في كل بلدة/وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسْمَى” فقالَ: العدم. نمشي في مسار متفق عليه دورتان حول الحارة ثم نفترق، نمشي والقصد هباء نساير كل منعطف في الحارة ويستغرق كل منا في هواجسه لفترات مطولة دون كلمة ولا نأمة، خفيفان كأن زمن الكلام انتهى والحاجة إليه انقطعت، نقاوم رغبة غامضة تجرنا منذ الأزل نحو البيت حتى نخضع أخيرا ونستجيب، وبنغمة ناشزة لأن الكلمة استثناء والمدى سكون:”بكرا إن شاء الله؟” أردّ:”بكرا إن شاء الله” أتذكر هذا وأنا أمام البيت القديم، نظرة ساهية نبّهتني من غفلتي نحو ظل الشجرة القصية حيث كان يختفي عند المنعطف قبل سنوات وفي بالي تنهال عبارة لصاحبي يختتم بها حكايا الأصدقاء في عام النهايات: “وسارَ مبتعدا واختفى في كلّ مكان*” أدير المفتاح وأنطلق، أمامي أربعين كيلو للعودة وبضع هواجس لأبددها في الطريق وعمرا نذرته للمشاوير والتطواف.

٨
وفي لحظة أنتبه من استغراقي في الكلام فأرى في وجه صاحبي:”وربّ منتصتٍ والقلبُ في صممِ” فأتذكر أنْ ليس له من الوجود غير هذا الظلّ الخفيف وبعض المتناقضات وهي تظهر في الأنماط والقرائن ولا تستشفّ بالقراءات والتفرّس، كأن وجهه المصغي المعتني بأقل نأمة وأدنى خطوة ليس هنا وإنما هناك في قلب لحظة بعيدة يحرضني من مكاني بمزاج عفوي ونظرة تستدعي الإمعان في تفاصيلي الساذجة وإذا أطلتُ النظر فكأنه في إنصاته الرهيب لا يشغل من المكان إلا قدر كذبة تتلاشى مع الوقت فلا هو الذي يذكر كيف بدأت حديثي ولا هو المشغول بهواجس المنعطف الذي سيطرأ على قصتي فأقدّر حينها أنه مقيّد إلى عذابين لا يشبه أحدهما الآخر وهناك ما بين غاية الأدب ومنتهى عدم الاهتمام اصطدته كما اصطدتُ نفسي غير مرة في برزخها القديم، أعتذر منه لحاجة ضرورية وأغادر متلفا الحكاية وقريبا من نسيانها تماما قبل أن يذكرني محمد بها بعد سنوات ولا أدري لأي نيّة فأرى مطلعها كالحلم وأستدعي مصرّا نهايتها وتفاصيلها فلا تحضر كأنها لم تكن لا هي ولا هذا الموقف الغريب إذ يتدلى من سقوف الذاكرة ولا محمّد هذا الرجل الضبابي في الصورة واقفا إلى جانبي أو يخيّل لي.

محمّد -٨-

٨
وفي لحظة أنتبه من استغراقي في الكلام فأرى في وجه صاحبي:”وربّ منتصتٍ والقلبُ في صممِ” فأتذكر أنْ ليس له من الوجود غير هذا الظلّ الخفيف وبعض المتناقضات وهي تظهر في الأنماط والقرائن ولا تستشفّ بالقراءات والتفرّس، كأن وجهه المصغي المعتني بأقل نأمة وأدنى خطوة ليس هنا وإنما هناك في قلب لحظة بعيدة يحرضني من مكاني بمزاج عفوي ونظرة تستدعي الإمعان في تفاصيلي الساذجة وإذا أطلتُ النظر فكأنه في إنصاته الرهيب لا يشغل من المكان إلا قدر كذبة تتلاشى مع الوقت فلا هو الذي يذكر كيف بدأت حديثي ولا هو المشغول بهواجس المنعطف الذي سيطرأ على قصتي فأقدّر حينها أنه مقيّد إلى عذابين لا يشبه أحدهما الآخر وهناك ما بين غاية الأدب ومنتهى عدم الاهتمام اصطدته كما اصطدتُ نفسي غير مرة في برزخها القديم، أعتذر منه لحاجة ضرورية وأغادر متلفا الحكاية وقريبا من نسيانها تماما قبل أن يذكرني محمد بها بعد سنوات ولا أدري لأي نيّة فأرى مطلعها كالحلم وأستدعي مصرّا نهايتها وتفاصيلها فلا تحضر كأنها لم تكن لا هي ولا هذا الموقف الغريب إذ يتدلى من سقوف الذاكرة ولا محمّد هذا الرجل الضبابي في الصورة واقفا إلى جانبي أو يخيّل لي.

ديجافو أو ظِلال الرؤية

بعد كل قطيعةٍ وهجر وبعد المشي في غاباتِ المُخيّلةِ والموسيقى، والشرودِ في ظلالٍ تتغير أشكالها بفعل الضوء والأسى وبعد أن أعودَ من كل نداءٍ صارخٍ حملته إليّ الهلوسات الخفيفة والمنى المعلّقة وبعد أن أستعيدني من كل لحظة غريبة وزرقة غامضة وإلهامٍ حالم وأحتفي بكل ما لا يستحق الاحتفاء وأستديمَ يائسا بنظرتي ما لا يدوم وبانتباهتي كل ما كتب له التلاشي وبعد أن أنجو من حدسي ومجازفتي وأستردّ ما يتبقّى لي عندما تنطفئ الرغبات وتموتُ الخطى الحريصة العجلى واليدُ التي تحلّق وتسعى للاصطياد والاصطفاء والظفر، بعد كل ما حدثَ وما لن يحدثُ أبدا في أشهى الخيالاتِ وأبهجِ الضحكات الشيطانية وبعد أن أهذّ مطلعا أو أحضّر لاستهلالٍ ساحر وأستفزّ حكايا كنتُ قد واريتها النسيان وبعد أن أُتلفَ نفسي في الرثائياتِ وأَلَا ليتَ وفي تتبّع الجمالِ واللهاثِ وراء نظرةٍ شاردة، وبعد أن أتفيّأ ظلّ ذكرى وأغتنم ليالي السمر وأنغمس في وهمي وأفطنَ لمعنى غامض وسرٍ مخبّأ، بعد كل لحظة مثل هذه؛ شبيهةٍ بأيّ شيءٍ من هذا وغيره أتسمّر للحظةٍ في مكاني وأحسبُ أني عشتُ كل تلك الحكايا المرصوفة قبل أوانها واخترتُ أن لا أروي رؤاي، أخذتُ نصيبي كما جاء وصدّقتُ غوايةَ السهو.

خيال

يا له من وهم. في الخيالِ أتكئ على صورة مجمّدة لشلّال وعلى قصة رويتْ في غير وقتها وكلمة مهلهلة أطرافها ومَثَلٍ يتمنّع على الاصطفاء في لحظة مناسبة وعلى كل ما لا يكتمل لوحدهِ ولا يُستغنى عنه، أستندُ على رؤاي والاحتمالات الخفيفةِ والوجوهِ الطليقةِ من قيدِ الأماكنِ والمشوّشةِ في بال الزمن، أزهدُ في الرؤية والملاحظة وأدرّب حواسي على الإهمال والتخلّي، أطرقُ وأرهف السمعَ لنهرِ الجواهري أو لنغمة الكسرتينِ في حرفيّ القافية وأُنشِدُ للنهرِ:”بالنهرِ فيّاض الجوانبِ يزدهي-بالمطربينِ: خريرهِ، وصليلِهِ” أطفو كأني ملكتُ كل ما أريد أو كأني ما أردتُ شيئا أبدا، أُصغي فإذا المدى سكون واللحظة حياة عبرت، أغيب فلا أجد ما يحرضني على العودة ولا ما يدلني على الحكاية، أرمشُ فإذا المشاهد تنهارُ والحقيقة تسيل فأنتبه إلى الخيال؛ هناكَ، حيثُ لا أقبض على صورة بعينها، لا أستفزّ أملا ولا هاجسا قديما ولا أتأمل في لحظة ميتة كانت أو تكاد، هناكَ حين أُحاول أن أُنسَى في لحظة ساكنة أعوّل على أن تكرّر نفسها مرارا حتى أنخرِطَ في الإيقاعِ أو أفقدَ نفسي في النَغَم

ويا له من وهم.

محمّد طير شلوَى-٧

٧

هو ذاك القليل من الحكايا والصور والضحكات الساخرة والمقيدة بلحظاتها البعيدة، ذاك النادر من الوجوه المهملة والمطوية في الذاكرة المتّقدةِ فجأة في اللحظات الميتة والعابرة أستردّه من الغياب فيكون، أنساه فلا يبقى منه غير ذلك الأثر الطفيف الموشك في كل لحظة على التلاشي والتفاصيلَ إذ تنتظر أوان استنطاقها والبحث في خفاياها. كأن أرفعَ مقاماته الامّحاءَ، كأنه سمّى ما امتنع أبو الطيب عن تسميته “يقولون لي ما أنت في كل بلدة/وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسْمَى” فقالَ: العدم. نمشي في مسار متفق عليه دورتان حول الحارة ثم نفترق، نمشي والقصد هباء نساير كل منعطف في الحارة ويستغرق كل منا في هواجسه لفترات مطولة دون كلمة ولا نأمة، خفيفان كأن زمن الكلام انتهى والحاجة إليه انقطعت، نقاوم رغبة غامضة تجرنا منذ الأزل نحو البيت حتى نخضع أخيرا ونستجيب، وبنغمة ناشزة لأن الكلمة استثناء والمدى سكون:”بكرا إن شاء الله؟” أردّ:”بكرا إن شاء الله” أتذكر هذا وأنا أمام البيت القديم، نظرة ساهية نبّهتني من غفلتي نحو ظل الشجرة القصية حيث كان يختفي عند المنعطف قبل سنوات وفي بالي تنهال عبارة لصاحبي يختتم بها حكايا الأصدقاء في عام النهايات: “وسارَ مبتعدا واختفى في كلّ مكان*” أدير المفتاح وأنطلق، أمامي أربعين كيلو للعودة وبضع هواجس لأبددها في الطريق وعمرا نذرته للمشاوير والتطواف.

العدم

لا ناعسا ولا يقِظا؛ في برزخ بينهما، كم أسعفتني انتباهة يدي على المقود وأنقذتني من حادثة أو خيال شجرة معترضة، كم تبدّى لي في المشاوير وهم أعذب من أن يُصدّق وكلمة أشهى من أن تُقطَفَ، كم معنى غاب في ضبابه وأهمل استجدائي، كم ومضة في البعيد جرّت خطاي مثل السائر في نومه، كأني منذور للاستدراك، لشرود يمتدّ في خياله الأعمى، لاصطياد لحظة مرتجفة، لاقتناص كسول خلا من النية، لنظرة عائمة تهبط في دنيا العيون، لتجنّب مصير محتوم وغاية أنأى من المستحيل. يبدّدني وقتيَ العابرُ، يعطّلني امتناني للجمال ووقوفي الطويل وتحديقي الغامض، يخنقني كل ما لن يكون لي ويطمئنني أن أطفو في مكاني أو أتكئ على شطرٍ صوفيّ أو معنى تخفّفي عبثيّ. لا ناعسا ولا يقظا، بكفّي أسندُ رأسي المائلة جهةَ النغم الضائعِ ومؤتمنها على خزانةِ الأسرار والحكايا والصور، وللحظةٍ ناشزةٍ عن الزمنِ أكادُ لا أكون، ومن يدري؟

محمّد طير شلوَى-٦

٦

يبعث لي برسالة صوتية بعد سنتين من الغياب والانقطاع فأحسبُ نفسي إذ أتظاهر بالانشغال عن سماعها أني أؤخر سرورا غامرا لا يسعني تحمله وأقول في خيالي لعلّ الغربةَ ألانته كما ألانتني ربما اختار أخيرا أن يقول شيئا جديدا؛ شيئا لم يطق أن يخفيه في ثنايا حفيف الكلام والصمت الممتد والبسمة الساخرة ولمّا يفضي بي الفضول إلى هذا المنعطف من العالم وإلى ذروة الطفوِ والسكينة وأجدني قد استنزفتُ أعذاري يجيء صوته من أقصى الدنيا بلا مقدمات ولا سلامات يسألني عن بيت شعر كنت أطريته ذات مرة على حد تعبيره ثم يسترسل ولمدة دقيقتين في التوصيف والمقاربة ومحاولة استدراج كلمة إلى الظهور وما مِن كلمة. أستسلم لتفطّنه ذاك وأقرر أن أضيّع ليلتي تلك-ولمَ لا-في البحث عن البيت المنشود. وبعد عشرات الصفحات والأساليب المختلفة في طرق البحث واستنطاق الذاكرة أجد البيتَ دونما سبيل إلى معرفة النهج وأي ممر أوصلني إليه. حينها أفكر في أن أعلّقه لسنتين أُخريات ولكني أنا النصف نائم بأجفان كسلى من الإجهاد غير الضروري لا يخطر ببالي مما يناسب الحالة غير:”وقالت وعضّت بالبنان فضحتني-(وأنتَ امرؤ ميسور أمرِكَ أعسرُ)”أختار أن أزهدَ في فرصتي وأعفيه من التعلق. أبعثُ له أخيرا ببيت القصيد مقرونا باسم صاحبه حتى إذا نسيه لم ينس شاعره، فإذا هو أبو العلاء، عندها لا أندم على ما ضاع من عمري؛ لأن ما ضاع وما لم يضِع عندي وعند صاحبي رهينِ المحبسين سيّان، والله المستعان.

محمّد طير شلوَى-٥

سقى الله حوش بيت أبي القديم، سقى الله الأصيل ذات يوم غائر في القدم حتّى كأني اختلقته من عدم أو تطفلت على ذكرى لم تكن لي، سقى الله خيالَ يد محمد وهي تمدّ هاتفا نحو أذني وصوته إذ يقول: بالله عليك تسمع. سقى الله زمان خشوعي في إرهاف السمع وسقى الله صوت هيفاء تغني: “كيف أنا بقوى عذابك؟ لا صار في بعدك عذاب وفي قربك عذاب” لم يفتح عينيّ أحد على جمال مبهم مثله ثم يتركني أسيرَ عمائي معلقا مع ذكرى لا تنضب، لم نتحدث عنها أبدا أعني هذه اللحظة المعلقة في الفراغ ولا هيفاء وما كنتُ أحسب حينها أن صوتا ما جدير بخلود كهذا. لم أكن الطفلَ تماما، ولا كنت أكبر من الطفل ذاته، لكنّ قلبي خفّ وقتها وأخرسني خجلي عن سؤال أو إثارة بحيرة حكاياه الغرامية باستنطاق متلهف أو تصرف أبله واخترت أن أسكت. ومع ذلك ما زلت بعد سنين أطمع أن نجلس أنا وهو في مقهى مدينة غريبة علينا أو غرباء عنها ويروي لي تلك التفصيلة الساقطة من كتاب السيرة ويخلصني من هوس الرعاية ومازوخية الاعتناء. كلما جنحت الشمس جهة المغيب أو رأيتُ شجرة تزحف أغصانها على حائط أو ذكرني باب موارب بترف الحوش والمساحات الرحبة أو طرأ على بالي محمد أو اسمه أومضتْ في بالي هذه اللحظة الفاتنة وإذا ما اقتربتُ منها لم أجد شيئا ولا أثرا ولا لوم ما دام أن:”عادة الظبي يجفل لا تحرك ظلاله”

حلم

“حلُمَ تشوانغ تزو أن فراشة،
وحين استيقظ، لم يعد يدري،
أبشرا هو يحلم أنه فراشة،
أم فراشة تحلم أنها
إنسان”
*

لستُ حالما لأتبعكَ أيّها الفَرَاش ولا يائسا كفاية لأتجاهل إشاراتك، إنما أجاري تهاديكَ في القصائد وأصطادُ في مجازكَ صورةَ أبي؛ عينيه المبشّرة ويديه المقيدة بالفوضى وقلة الحيلة فأقع مثلكَ في فخ الضوء وأصدّق موتي. لولاك لم أصفح، ولولا خيالك لم أكن لأرى. وها أنت برّأتني من تهمة الأمل، وحفظتني عن خطيئة التصديق ونفيتَ عني عواطفي وخيالي وكرى الوهم وأحلام رامي. ما الخفة غير أن أقتفيك بالنظر، ما الطفو غير أن أنسى في أثركَ نفسي، وما السكينة غير أن أرهفَ السمعَ لفلسفة الأحلام وأستجيب لحلمِ فراشة ظنّت أنها إنسان مثلي وأتلاشى حينها في العدم بلا ظلال ولا أثر.

موج

الليل الأخير والسماء من فوقي وحولي مثل موج غامرٍ مجمّد في لحظة طيشِهِ كأني ذاك الغريبُ على باب الرجاء في رواية أم كلثوم أو كأني السر الخفيّ واللحن الغامض في مطلعها. ليس لي من وجهة ولا مقصد، لعلّي اختلقتُ واحدا مع مستهلّ النهارِ ونسيتهُ أو أضعتُ دربَ الأصحاب وانطفأتْ نارهم في البعيد ولا نداء. أمشي وأتساءل أليس في كل خطوةٍ عذاب مؤجل ألا يكفي التيه؟ معبأة رأسي بالهلاوس وكل شيء عندي طارئ ما خلا الوهم. أتلفّتُ فلا تقع عيني على شيء ولا تصيب احتمالا. أصرخُ وإذا بي في حلم تحت الماء، مغمور بما لا أريد، غريق النظرة الشاردة والاحتمال الأسهل. أهيّج فضولي بالتصورات، أرتجي حنان الزرقة وأتبصّر فيها فتمنعني الصوت والإشارة، أفرض عليها خيالي فلا تغيّر ما هي عليه. وفي لحظة غير مسمّاة أوقفُ تدفّقَ صوري، وأعود إلى سمائي الجامدة وخطوتي المترددة وأقرر أن أنتظر حتّى الصباح، فأرى، أو بقليلٍ من الحظّ أُمْحَى من الوجود.

*الصورة لنايف.

عنقود

قل لازَورد وانظر كيف يسيلُ على صورةِ المدى هذا الأزرقُ الغريب المعقّد. قل كلمة ما سمعتها في حلمكَ وانتظر الانفراجةَ الخفيفة الطارئةَ على الباب مثل المسافة بين أسنان ليلي سيمونز الأمامية. قل نجاة وأطبِقْ جفنيكَ على الاحتمالِ الفاتنِ المعلّق في الفراغ. قل النهر واجلِس على ضفّة روحك وتأمل. قل الطائر وتداعى في المشهدِ مثل ريشة تهبطُ أو رفيف مهدور. قل أين؟ وامشِ، ربما وجدتَ المدينةَ أو وجدتك. قل السكينة مثلَ زلّة لسان. قل النعاسَ وأبطئ في السير واتّكئ على خيالِ شلّالٍ وظلٍ نديٍّ. قل القيدَ وتذكّر كيف كان يقولُ عمر:”ولا قُربُ نُعمٍ إن دنت لك نافعٌ-ولا نأيُها يُسلي ولا أنتَ تصبرُ” قل الفراشةَ واتبعِ الضوء. قل الغوايةَ وغِبْ في خدركَ. قل الضبابَ وتمهّل، واختفِ؛ كالكلماتِ في الكلمات أو غيابِ الفمِ في الفم. قل السأم واقترب من النهاية. قل المصير وانأى عن الجهات. قل الملاذ واسبح إلى المجهول. قل البرقَ واحيا حياتكَ الوامضة الخاطفة تلك. قل الطفو واسخر من الازدحام والمبالغة في التمسّك. قل القصيدةَ وهذّ القريبَ من:”كم قتيلٍ كما قُتلتُ شهيدِ-ببياض الطُلى ووردِ الخدودِ” قل اليدَ واقتفِ مسارها العبثيّ ونسيانها الشاسع. قل الشدوَ واطرد النشاز. قل الاسمَ واحلم بمن يناديك. قل سَمَر واحكِ للنار عنها أو استعذب حكايا النار. قل المطلع، اِقطفْ عنقودَ الكلامِ وتحمّل ثمنَ الخطايا.

كوّة

“وكُنَّ إذا أبصرنني أو سمعنَ بي
سعينَ، فرقّعنَ الكُوَى بالمحاجِرِ”

العُتبي*

العيون أوّلُ الكوَى المفتوحةِ ومن الداخل أرى الدنيا وأحفظ الزرقةَ في خيالي عن الجفاف وأرى الصورةَ في نشأتها الأولى قبل التآويل وانهيارَ العالم الأحمر لحظةَ الغروب والشموسَ الجانحات وما أُريدَ لي أن أرى. ومن الخارجِ لا يبصرُ أحـدٌ إلّا مقدار ما يراه المتلصّص على غابة مُدهّامةٍ من الهلاوسِ والمشاهدِ الضبابيةِ والتصوّرات. ولأن عيني حين تديم النظر تُتلف الأشياء وتزهد فيها، ولأنها حين تغمض تخلق كوارثا وتتنبأ مصيري البائس وتؤرِخ له، أختار أن أخرِقَ كوّتين ملولتينِ في حائطِ الوجود وبهما أرى وأعبر خفيفا فلا أفسر العالمَ ولا أختبر قدرتي على إذكاءِ اليأس والسخط. ربما بهذا، كنتُ أجاري شيئا أجهلُ ما هو، لعلّ اسمَهُ الغياب.

صورة

لا بدّ من مشهد يتراءَى أثناء إغماضةِ العين؛ خيالٍ قديم جارفٍ أو هاجسٍ يتدلّى وصوتٍ غنائيّ يصدح مطر مطر والظبا على مدّ النظرِ الخاوي جافلةً تدوّر مَكنّة. لا بدّ من صورةٍ أولى للغياب وراحةِ يدٍ تهبطُ على جبينِ محموم أو تنشر الغسيل على حبلٍ يصلُ بين دولتين اغتربتُ فيهما صغيرا بين خيالِ الحالمِ وأحلام الخيال. لا بدّ من وقفةِ أبي عند الباب وراءَهُ شمسُ المغيبِ كأنّ يدا لحظتها وضعته هناك؛ في يده كيس وتكاد شماغه أن تسقطَ عن رأسه. أو صورته وهو يمدّ ساقيه في مجلسهِ ويحكي حكايته تلك للمرّة الألف فأسمعها ليس للمرّة الأولى بل للمرة الألف. لا بدّ من موجةٍ تغمرُ محْجَري عيني. لا بدّ من ضبابٍ يطوي شيئا وكفٍّ تخبئ فراشةَ البشائر ولغةٍ تبوح بأسرارها. لا بدّ مـن ذكرى أخّرها الوقتُ أو خبأتها الأيام للحظة لن تكونَ كهذه. لا بدّ من أزرقٍ يهطُلُ وبيتِ شعرٍ يتعرّى. لا بدّ من وقوفٍ على طلل أو تحتَ مطرٍ صيفيّ. لا بدّ من رؤية بانورامية تطمئنُ على الطفولة. لا بدّ من فكرة لم أستجلِها ولم أردمها بعدُ. لا بدّ من طفوٍ مرهفٍ وتخلٍّ خجول. لا بدّ من عينين جريئتين وشغب فضوليّ. لا بدّ من صورة خادِرة في الظلام. لا بدّ من حياةٍ هنالكَ تتوهّج في الخفاءِ وتنتهي ببطء جليلٍ مثل قفلة، مثلَ طائرٍ جريحٍ هَوَى من عليائه.

آثار

عندما يسكنُ العالمُ وتظنّ أنهُ انتهى وأنتَ آخرُ آثارِهِ التي لم تُطمس بعدُ. عندما تفتحُ بابَ الحلمِ فلا تدخلُ ولا تنتبه من نعاسكَ. عندما تدورُ في حلقةِ حارتكَ المفرغة فلا تقتربُ من البيتِ ولا عنهُ تنأى كأنّ الدربَ كرّرت نفسها في غفلة منك. عندما يشتري المجهولُ صحبتكَ ويمدّك في غيّكَ. وتدعوكَ رغبة غامضة لترى ما يخبّئه المنعطف وما تصطفيه لك الحكاية. عندما يستردّكَ حدسٌ أو عادةُ خطوة خجْلَى. عندما ترجعُ من تطْوافكَ الزمهريريّ الليليّ وتجلسُ مرتعشا في حضن المدفأةِ لتُدفئ يَدَي غريبٍ عدتَ بهما لا تدري من أين.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ