(من وحي الشيخ كُثيّر) بهاءٌ ليس يشرحهُ الكلامُ وحسنٌ لا يُعرّفهُ التمامُ وعينٌ رُبما اكتحلتْ بشيءٍ وعينٌ كُحْلُها ما لا يُرامُ متى ما شوَّقتنا للتلاقي تناءتْ فجأةً وبدا غمامُ فتسلبنا بهذا النأيِ حقّا ويمنعنا عن الوِردِ الكِرامُ لقد أحييتمونا لو أردتُمْ ولكن شِئتُمُ فدَنَا حِمامُ لَغُربةُ عاشقٍ فيكم ملاذٌ وصحةُ سادرٍ عنكم سَقامُ أقولُ كما يقولُ الشيخُ قبلي تعرّضَهُ سِبـابٌ وانصرامُ: أسيئوا أحسنوا لا حَيْد عنكم سواءٌ عِندنا؛ هَجْرٌ، مُقامُ
(صوتُ النون) قالت بصوتٍ لا يُمَلُّ رنينُهُ -الوجدُ رطّبَهُ وفاضَ حنينُهُ- أنتَ الذي ما دقَّ شيءٌ في الهوى، إلّا وأنتَ مُشيعُهُ ومُبينُهُ وإذا خفا في النفسِ سرٌ كامنٌ أوضحت غامضَهُ ولاحَ جبينُهُ فإذا استَحَلْتَ على الحلولِ جميعها وتمازجا شكُّ الهوى ويقينُهُ وأشحتَ عن فرضِ الغرامِ تعفّفا وطغا على بوحِ النوى تضمينُهُ فبأيِّ شيءٍ أستعيدُكَ دائما؟ وبأيِّ صوتٍ رائقٍ تلحينُهُ قلتُ النِدا يكفيك عمّا بعدهُ، وبأيّ صوتٍ؟ قد كفاكِ حزينُهُ
(انطفاءة الكلام) وحيدٌ غربةً وهوًى ونحتا تؤمِّلُهُ من الألفاظِ: ليتا وتسجنُهُ طيوفٌ من حبيبٍ تبثّ خياله؛ شكلا وصوتا ووحدكِ وانعكاسُكِ كمْ وشتّى يُسلّيني السؤالُ، متى، وحتّى: إذا انطفأ الكلامُ، رأيتُ فيكِ معانٍ لا تقولُ.. تفتُّ فتّا
(شجى واختناق) شجيٌّ والمدى دامٍ وخانِقْ كأنّي حانِقٌ يلقاهُ حانقْ يرى في الأفقِ شيئا مستحيلا فيدنو ثم تعييهِ الطرائقْ يقلّب فيه عينيهِ طويلا وتلمع في انعكاسهما الحرائقْ تُرى ماذا رأيتُ؟ ولستُ أدري! ترى ماذا يُرى! والكونُ غاسقْ أيا ضدّينِ من أملٍ ويأسٍ تقاربَ وصفُكم هادٍ وخافِقْ ويا دنيا تُعذِّبُ دونَ جُرمٍ تشابهتِ البشائرُ والطوارِقْ فكم جئناكِ منكسرين، أسرى، وأذعنّا!، فعلَّقْتِ المشانِقْ! أردناها معانقةَ الأماني ولكنّ الأمانيَ لا ……
(سفر طويل) ولهٌ على ولهٍ كفى بيَ والِهُ ومؤرَّقٌ نِصفي ونصفٌ دالِهُ ومُقسّمٌ بين الجهاتِ كأنني سَفَرٌ طويلٌ لا يَبينُ مآلُهُ ما زلتُ منجذبا لأجترحَ الهوى ما زال يُغريني الجمالُ وآلُهُ ويضيءُ لي بين الجوانحِ جمرةً، يُذكي لظاها: نقصُهُ وكمالُهُ “إيهٍ أحبّايَ الذين ترعرعوا..” باقٍ على العهدِ المحبُّ وحالُهُ وتظلُّ ذكراكم ببابِ خيالِهِ؛ تطغى على زمنِ الصِّبا أطلالُهُ
(النظر الخفي) ظلالك في المدى مطر ورِيُّ وذكراك القوافي والرويُّ لها في الأذنِ ترنيمٌ وجِرْسٌ وفي القلبِ التصدُّعُ والدويُّ تظلّ بخاطري نارا أوارا ويُذكيها من الوجدِ الشجيُّ ظمأتُ إليك عاما بعد عامٍ وها أنتِ الهطولُ المخمليُّ أيا شفتينِ من وَلَهٍ عتيقٍ ويمنع عنهما خجلٌ تقيُّ ويا عينينِ زاهدتينِ حتّى محالٌ منهما النظرُ الخفيُّ بهاؤكما دلالٌ لا يُجارَى وحسنُكما جلالٌ ألمعيُّ ودونكما سياجٌ من لهيبٍ وبعدكما ضياعٌ سرمديُّ تجاسرتِ الخُطى والعمرُ فانٍ وأمعنَ في متاهتِهِ الشقيُّ تطرّفَ واستباح وكاد يفنى من الإمعانِ خاطرُهُ الحييُّ وحين رآكِ لم ينطِقْ، ولكنْ، تذكّرَ أنهُ اللَسِنُ العييُّ
من معاني النَّشْق في اللغة؛ نَشِقَ فلانٌ في حِبالة فلان: وقع منه فيما لا يتخلّص منه*، وكأن شمَّ عبيرِ العطر واستنشاق أريجِ الرائحة والانغماس في المسك المتضوّع في الأفق تورّطٌ غير محسوب، وغرقٌ في محيط الشذى، ووقوعُ آخر الأحياء في شَرَكٍ ما وسط غابةٍ ما لم يسمع بها أحد من قبل، وكأن الرائحةَ في سفرها اللانهائي فخٌّ معلّق في فضاء المكان، ومصيدة تختبئ هناك على مرآى العين، وقلّما نجا من مصايدها الشفّافة أحد، ويا للكلمةِ الشّمّيةِ تؤنسك برسمها ونغم أحرفها وإيقاع صوتها ويتسرّب إليك طيبُها دون أن تدرك الرائحة؛ فكيف إذا أدركت؟ عندما أنشد أبو الطّيب قصيدته المنغّمة “تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقِ” سرّب هذه الوصفة السحريّة لنموذج جماليّ ترقى إليه الخيالات:”سُهادٌ لأجفانٍ، وشمسٌ لناظرٍ-وسقمٌ لأبدانٍ، ومِسْكٌ لناشِقِ” وترك اللمسة العطرية تزيّن اللوحة والمشهد وكضربة الفرشاة الأخيرة تنثر رذاذها الفتّان في زواياها وأبعادها، وأحلى ما في البيت، هذا النَفَسُ الحَيَوي في الختام، والكلمة المالئة مكانها معنى ولفظا، وهذه المصيدة المُستعذَبة في العراء
قالت العربُ: كلُّ فتاةٍ بأبيها مُعجبة، ولعلّها قالت في مرويّاتها المنسيّة أو مدوناتها الضائعة أو ربما جال في خواطر ناسها وأهلها أنّ كل فتى لأبيه متطلّع، مُتشوّفٌ لصورته المهيبة الوادعة في البال، مختبئ في ظلالِ جسدِهِ النحيل عن هجير الصيف، يفرك عن عينيه غشاوة النعاس وضبابَ الأحلام وهو يتبعه إلى الجامع؛ ما أرحب الدنيا حينها إذ تقلّدُ الخُطى الخُطى وتشرأب الأعناق لتقرأ التهليلةَ والتسبيحةَ والحوقلةَ والتكبير على الشفاه، ما يزال الطفل نفسه مذ كان طامعا بالتفاتةٍ من الشيخ الكبير وابتسامة حلوةٍ تطمئنه وتهوّن عليه ما ينتظره وما لا يعرفه في قادم السنين ومجهولاتها، وما يزال يرى أثره وانعكاساته في كل الجهات والوجوه ويسمع صدى تراحيبه يرنّ معلّقا في الآفاق، ويفكّ أسرارَ روحهِ في القصائد والصور، ويصغي إلى هواجسه العميقة وقلقه المتراكم، وإذا ما تنبّه من منامهِ أجاب، بكلّ صوته أجابَ، وما الداعي سوى وهمٍ.. ورنّةِ نداءٍ من خيال
كل الأشجار المغروسة على جانبيّ الطريق وعلى مدّ النظر وتلك الموجودة في الصور والمشاهد، والمرفرفةُ أغصانُها في الريح والساكنة بحفيفها الرتيب في فضاءات الخيال والهامسة في ثنايا القصص والأساطير والحكايات العتيقة والمغمورة بأسراب الطيور المسافرة والجامدة في منتصف اللامكان كشيءٍ في غير محلّهِ، كلها.. كلها في عيني ظلالُ الشجرة العملاقة اليتيمة أمام بيت أبي، ما زلتُ أفيء إلى خضرتها الوارفة وظلالها الحنونة وطيفها المُتأرِجِ لأتسلّى بالقديم المألوف وأسلو عن الحاضر المجهول وأشذّب عن روحي ما يهمها ويثقلها بالأسئلة والشكوك، وأهتدي إليها في خطوات الحلم وأصل إليها بعد أن تجفّ الأنهار وتتراكم الدروب وينهار العالم، وما تزالُ في كل وقوفٍ لي أمامها تبوح بسرٍّ لا يُروى ويصعبُ على الصدرِ احتواؤه، مرّت زمانات كثيرة وما امّحى مكانها الأثير في إغماضة العين، وذكريات كثيرة مرّت دون أن تطوي صورتها المهيبة في الخاطر والبال، وها هي أبدا تسمو وتصعدُ في مداها اللانهائي وتضيء في أعتم الليالي والمحطات، وتنادي بكلّ أسمائي التي عرفني أهلي وجيراني ونادوني بها، لعلها في لحظةٍ ما غامضة كانت ذكرى وحيدة تناسلت منها كل هذه الذكريات، أو لعلّها أوّل وتدٍ مشدودٍ إلى ماضيَّ البعيد وحياتي الأبعد، ودونها، أو دون ذكراها الملحّةِ لن يبقى شيءٌ في مكانه وعلى ما هو عليه
الألف القائمة في ظ “ظَعَن” هي الشراع الممتد في الأفق البعيد، وهي ارتكاز الهوادج وانتصابها فوق ظهور الإبل وهي تغيب على مهلٍ وتختفي في السراب، وهي العلامة المعترضة والسؤال القائم في وجوه الراحلين نحو كل مكانٍ غيرِ هذا؛ ما الذي بظنّهم ينتظرهم هناك؟ وأي احتمالاتٍ تتفتّحُ لهم في المجهول وتهمس لهم من مكانٍ خفيّ أنْ تعالوا؟ وأي نصيبٍ يستحقُّ أن تُدفع لأجله كل هذه الخطى وتجترئ لأجله القلوب على الأهوال والمخاطر المخبّأة في ثنايا الدروب؟ تُرى هل وجدوا ما كانوا يبحثون عنه؟ وهل كان يستحق كل هذا؟ وماذا بعد ذلك؟ كم كان المعرّي رؤوفا لطيفا حنونا في رسالته الشعريّة إلى خاله وكم عطّرها بالسلامات والأماني والمدائح وكم ضمّخها بطيبِ الكلام وعطرِ المغالاة، وملأها برجاوات المساكين واستجداءات المحبّين، “وقيلَ أفادَ بالأسفارِ مالاً” وماذا تقول أنت يا أبا العلاء؟ “وقلنا: هل أفادَ بها فؤادا؟” في ساعة الضيق تُعيد ترتيب الأولويات؟ وأيُّ انتباهةٍ عطوفة تلك حين ينشغل الناس بالمظاهر والمقاصد الدُنيا! كم كان متواضعا حتى فشتْ لُغتُهُ بما يقول؛ في بيت القصيد؛ انُظر كيف يغضّ الطرف عن حزن نفسِهِ للمرة اللانهائية في القصيدة ويُفضّل أن يُقدّمَ ضمير خاله ليكون مفتاح البيت “ظَعَنْتَ” (ظَعَنْتَ لتستفيدَ أخاً وفياً) تقديرا وملاحظةً وانتباها لرحلته ومشواره الذي لم يرِد أن يستسهله في خاطر خاله قبل أن يكون في خاطره، وأيُّ اعتناءٍ دقيق! قبل أن يسكب عتابه الرقيق الناعم الساحر؛ ولا يفوته أن يضمّن في ثناياه لفتةً عطوفةً أخرى مشفقةً ورؤوفة ومشجية “وضيّعْتَ” (وضيّعتَ القديمَ المُستفادا)
تجيء الفكرة وتذهبُ؛ مثلما يمس طائرٌ صفحةَ الماء للحظة ثم يطير بعيدا، ويختفي كما يعبّر سركون “في كل مكان” وتعاود المجيء مرارا دون أن تميّزها بعينها، ودون أن تلمسَ ألفتها القديمةَ أو تسمع في أعماق المخيلةِ خريرَ ماضيها القصير المبتور، لكنها هيَ هي، وقد أكرمتك ربما عشرات المرات أو يزيد؛ بتحويمها الوديع ورفيفها الساحر حولك من غير أن تدرك ذلك، ومن يلومك؟ أو لعلّ تقاطعها الأثير معك لم يكن غير محطة أخرى من محطاتها اللانهائية، شيئا عابرا لا يستحق أن تعيره انتباها ناهيك عن تقفّي آثاره المتوهَّمة، لكنَّ الأفكارَ الأصيلة مغويةٌ بطبعها، وقد تسلبك منك فتكون أسيرها ولا ريب؛ هكذا تجيء الفكرةُ وتذهب؛ مثلما يمسّ طائرٌ صفحةَ الماء للحظةٍ ثم يطير بعيدا ويختفي…. ولا تملك حيالها سوى تلك الهزّة الخفية في الأعماق، الرعشة الغامضة في الأطراف وما يتبعها من جمود، الوميضُ الباهر في المخيلة وهو يخطفك من كل العوالم التي كنت فيها ويوقفك ها هنا الآن؛ تنتظر الفكرةَ بكل مجاهيلها أن تستقرّ في ذهنكَ، وأن تتفتّح ببطء كوردةٍ أمام عينيك، وأنت تحدّق بإمعانٍ في الأفق كمن هو على وشك أن يملك كل ما كان يحلم به ويتمنّاه
على أطراف المدينة بعيدا عن بيتي نحوَ خمسين كيلو مترا أو تزيد بقليل، أمام إشارة مرور في شارعٍ على الأرجح أنّي لن أكون فيه مرة أخرى؛ لمحتُهُ عن يميني، وبيننا أمتار قليلة وسيل ذكريات جارفٍ، عرفته يقينا من علامةٍ ميّزته منذ سنين الدراسة الأولى على خده الأيسر، لم نعرف سببها؛ ولم يأخذنا الفضولُ رغم زخمه في ذاك الحين إلى التقصي وراءها وعنها، وقد صدّقنا بعد زمنٍ قصير؛ أنه وحتما لا يراها عندما يقف أمام المرآة ويتأمل وجهه، تذكرتُهُ وتذكرت مكانه في قلب الفصل، شماغه المستقر بالكاد؛ والطافي على رأسه كما أراه الآن في حيطان المخيلة المُبْصرة، تذكرته وتذكرت الأيام الخوالي والحكايات التي بدا وكأنها الساعةَ انبثقت من سراب هذه اللحظة الأليفة، وتذكرتُ من يقول أن (العالم قريةٌ صغيرة) واستغرقتُ زمنا وأنا أقلّب احتمالات دروبنا المتشعّبة وكيف قادتنا الصدفة أن نكون حيث نحن ها هنا، تذكرت شخصيته الغريبةَ وتَرحاب كلّ من عرفهُ وتقاطع معهُ لو لمرة؛ ووقفتُ كما وقفتُ يوم كنت طفلا أمام هذا السرّ الغامض، واستعجلتُ تأويلي البدهيّ وقلتُ؛ لا بد أنها ألفة الأرواح، تذكرتُ طويلا واسترجعت تلك الوجوه الشفيفة في بالي؛ وهي تزداد حيرة يوما بعد يوم عندما وصلها خبر انتقاله دون كلمةٍ أو تبرير ولا وداع، عندما أمعنتُ في الذكرى وبنيتُ من حولي جدرانا من الوهم؛ نبّهني من شرودي صخب العجالى وزمامير المسافرين إلى لا وجهة، وعندما التفتَ أخيرا لم يكن هو، ولكنّ الذكرياتِ كانت؛ بضجيجها المتعالي في فضاء الذاكرة، ومعانيها المفتتة في أعماق الروح، كانت، رغم أنها الآن وفي لحظةٍ عابرة صارتْ مجرّد هباءٍ مُهَال ومنثورٍ في الهواء؛ وشيئا ما يحاول التشبّث دون جدوى ولا أمل
لا يزال في أروقة الحلم يتبع ذاك النداء الغريب بألفة والمألوف بغرابة ويتخبط في ضباب اللحظة الواهنة ما بين العدم والوجود، لا يزال بكل ما سمع ورأى وعرف يحاول أن يفكّ شفرةَ الألفةِ هذه، وأن يستوعب إحساسه المتأرجح وخطوته المرتجفة، أن يركّب ربما وجها على نغمة الصوت، وصوتا على ملامحَ ووجوه تتوارى في تجاويف الذاكرة، كلما اقترب شعر أنه ينأى، ومتى شعر أنه ابتعدَ دفعته يد من فضول، وأغواه قلب من لهفة، وجذبته نبرةٌ لم يجسر أبدا على تفسيرها، لعله كان موهوما أو محموما أو متعلّقا لعله بسببِ نجاةٍ أخير من أجله لم يعبأ بمراوغة المسافات وتداعيات الدروب، قد لا يأخذُهُ الإلحاح أبعد مما يتمنى، وقد لا تتعطّفُ الإشاراتُ وتستسلم لصدق النوايا، لكنه لم يعد يُبالي بها، ولم يعد يعوّل سوى على صوت نفْسِهِ وإيقاع نَفَسِهِ وسَكَتات الإصغاء لما يدور في غيبٍ بعيد، ها هو هناك كما يبدو لك وكما تراهُ؛ واقفا على ناصية الشارع كأنما على حافةٍ لا تُرى، محدقا ساهما أو شاردا في نقطةٍ عمياءَ في الأفق المفتوح، كأنهُ آخرُ الأحياء على هذه الأرض، وأنتْ، أنتَ ظِلُّهْ
لم أعد أرجع إلى لحظات الإلهام الأولى ولا إلى منابت الأفكار العبقرية التي أوقفتْني لمرات على جال الطريق لأدوّنها وأتتبع بشيءٍ من خجلِ المُمتنّين الأسارى سرَّ التماعاتها النافذة وإيحاءاتها المجنونة قبل أن أمضي في طريقي وأصعدُ كما يعُبّر كُثيّر في هواي، كلا ولم أعد أصغي لما تقول بصوتها الهامس ولا أنشغل بإصرارها الغريب وإلحاحها الواعد؛ إنما أتركها تتداعى في فضاء البال وتضيع في زحام ملايين الأفكار المؤجلة دون أن أقترح لها مخرجا أو أمنحها خاتمة كما يليق بها على الأقل، صرتُ -لا مستغنيا- أهجرها زهدا لغيري وأتركها متفضّلا على الآخرين بما لم أعطهم حتّى، ربما لم أعد مهتما بما أقول، ولا كيف ولمن، وربما أخطأتُ معانيَ أخرى كنت أنويها، وقصصا كنت أريد روايتها، وذكريات كنت أود تقشيرها إلى ما لا نهاية، لكني وعلى أية حال؛ موقن بعد هذا كله أنّ حتى فكرة بهذا التطرف أدري في قرارة نفسي أنّي نبّهتها من نعاسها وتطفّلت عليها (ربما كآخرينَ غيري) في هذا العالم المليء بالأفكار الخاملة والمنسية دون أدنى حق منّا، والله المستعان.
في صالة المطار مع الذاهبين أذهبُ، مع العائدين أعود، لي في كل جهة وعد مؤجل ولي بعد كل غياب لحظة يحنّ فيها القلب لما ترك وراءه وإنْ لم يكن قد ترك شيئا، لست في أثناء انتظاري هذه غير فؤاد ينبض لهفة بالراجعين من الأقاصي البعيدة، وبَصَرٍ يطوفُ فلا يلمس العيون ولا يقع على نظرة حائرة على وشك اكتشاف مجاهيلها وما ينتظرها في قادم المحطات، عمّا قريب سأنشغل برحلتي وأترك كل فكرة وهاجس للآخرين يتداعى في خلفية البال وأغفو في الهواء أثناء تحليقي، عمّا قريب سأفكر في الاحتمالات والتفاصيل والممكنات وأعيش ألف حياة بالتوازي في آن معا، عمّا قريب سأنسى النبرات التي أحبها والوجوه التي تهجّيتُ لسنين ملامحها وحفظت أعقدَ انطباعاتها وتعبيراتها الساكنة، عمّا قريب سأستذكر وصايا أمي وصوتها النديّ بالتسبيح والتهليل والدعوات؛ لكني الآن أتجاهل ما يُخبّأ لي في البعيد وأستغرق في هذه اللحظة الطافية وسط الزحام والركض والناس وآملُ لو يطولُ -لسببٍ مبهم لا يُفسّرُ- في هذا البرزخِ الهامشي وجودي أو لعلّي أقول غيابي
ليس عطرا ما انهال أمامي في هذا الفضاء الساكن دون أن أراه ولا هذا الخيال العابر على مرأى العين ومدّ البصر كائنا كنت أعرفه من زمان ما واختفى عند المنعطف، كلّا ولا هذا الذي استنشقتْهُ حواسيّ كلها دون أن أعي في هذا الليل المبهم بقايا من شذا معتّق في المخيلة، أو عبيرُ لحظةٍ تتخبّط في أروقة الذاكرة وتصعد على مهلٍ في أعاليها الغامضة؛ بلى هو ذلك كله، وهو الطّيبُ الذي شممتُهُ وتتبّعتهُ بأنفي ألف مرة -حين كنت طفلا- إلى ثنايا شماغ أبي، قُبيل الفجر، والدنيا ساكنة أنفاسها كما هي الآن إلى حد العدم
منذ أن خرج ولم يعد صار لديه الكثير ليرويه وما مِن أحد هناك أو هنا ليتلقف ما يقول، منذ أن خرج وأغلق الباب وراءه على احتمالات الرجوع الممكنة تعتّقتْ في صوته القصص والحكايا، ولمعت في نبرته مع الأيام حكمةٌ لم يعهدها منه أحد ولا سلّمَ هو بها لنفسه قبل الآن، منذ أن خرج ولم يعد أدرك أنه قد أُلهِمَ سرّ الارتحال وسمع في خاطرِهِ لألف مرة أو يزيد من يختلق له الأعذار لتأجيل ساعة العودة، ويبرّر بصوتٍ هامس وواعد للإمعان في الذهاب والسفر نحو فائض المجهولات، هناك حيث من سيعرفهم؛ سيعرفهم من جديد ولا حاجة عندها تضطره لاكتشاف النهايات، هناك حيث من سيعرفونه سيعرفون فيه ما جهله الآخرون منذ البدء وأساؤوا تقديره، ولا حاجة للطرفين باكتشاف ما تقترحه الطرق المسدودة أو ما تخبئه الحواف، منذ أن خرج ولم يعد تحرر من قيود التآويل ولا تزال تُخطئه التفاسيرُ الضيّقة، منذ أن خرج ولم يفتقد شيئا تركه وراءه ولا صوتا يرنّ صداه في الأفق ولا نظرةً تدّخر له في كل مرة صفوةَ المعاني وأقدس العواطف عرف أنه ذاهبٌ إلى ما وراء النهايات وشيئا فشيئا مثل سراب في البعيد تبخّر واختفى
كم استعدتُ في بالي من صور لأناس أكاد لا أعرفهم ولا أتذكر لبعضهم أسماءً ولا قصصا مألوفة ولا بقايا حكايات لا أدري أين وإلامَ ستنتهي ولا حتّى سرديات موازية لعلّها تُبين منهم ما غمُضَ وغبش والتبس عليّ، كم جئت بهم من أقاصٍ لست أدري بوجودها وكم استللتهم بلا سابق نيّة ولا قرار من مواضٍ منسيّة وغابرة، وكم حمّلتهم -بغيرِ قصدٍ منّي- من عناءٍ وتعبٍ لم يكن في حسبانهم ولم يرِد لهم في خاطر، عندما جاؤوا لم يكن بانتظارِهِم وهج الذكريات الأُوَل ولا مِلْحُ البسمات العتيقة المتدلّية صورُها وطيوفها من سقوف الذاكرة، ولا تفتّحتْ احتفاءً بهم وردةُ الآن واللحظة ولا فاح عبيرها تلهّفا واشتياقا، ولا رنتْ إليهم عيونٌ ولهى واجدة ولا أذعن لهم فؤاد، كلّا ولا وجدوا الأشياء كما عهدوها ولا الخواطر كما تركوها، ولا ذكّروني بعد كل هذا الغياب الطويل بما كان عندي وفقدتُهُ، أو بما كان لي وتلاشى في غمضة عين، ما يزالون مثل نبضٍ متتابع رتيب في مقدمة رأسي؛ لكنهم في الآن نفسه وعلى كل حال -في خيالي- مجرّدُ أناسٍ في الظلمة المسدلة من كل جانب يحاولون عبثا أن يُنيروا عتمة هذا المدى الساكن المشغولِ بمجهولاته ومآسيه، وعبثا يحاولون استدراك ما فاتني وفاتهم من معنى وذكرى فرح مُدّخر أو بشارةٍ مهدورة، وهيهات هيهات من هذا كلّه.. والله المستعان.
وأقسمَ أنّ فكرةً عبقرية راودته قبل أن ينام فأجّلها إلى حين استيقاظه، وها هو منذ أوّل النهار وهو يحاول استرجاعها ولا تزال تنأى عنه كطيفِ وجهٍ يخبُرُ جمالَهُ لكنّ ضبابا يحول بينه وبين ملامحه وقسماته، ليس يدري من قطع دونه خيط الإلهام الشفيف، بل إنه لم يعد يدري إن كان يصدق نفسه حقا ولم يتوهّم ما ظنّ أنه راوده، على كل حال لم يعد بوسعه سوى أن ينتظر فحسب، بلا يقين مؤرق، ولا يأس مميت، أن ينتظر هذه البشارة التي لم يعده بها أحد، ولم يتوقّعها في أبهج أحلامه ورؤاه، لكنها محتملةً تظلّ، ولعلّها للحق تبقى فرصة أثمن من أن يُفرّطَ بها، ونعمةً من اللؤم وسوء الظن ردّها، ها هو يترصدها في كل الجهات ويخاتلها بانتباه ملحّ، ويفكّر باحتمالات الفوات الكثيرة، ويعض أصابع الندم عما تسرّب منه لغروره، ويمعن في سراب الخيال عمّا يروي العطش ويبلّ ظمأ لهفته الحرّى، ربما لن يقوده كل هذا التطلّع إلى شيء وربما أوقفه توقُهُ الغريبُ على شفا حفرة من وهم، وربما تدلّتْ فجأة من غيبٍ غامضٍ -بعد تمنُّعٍ طويل- تلك الفكرةُ التي امتزجتْ بروحهِ ودمهِ قبل أن يلمسها ويقلّبها كالغانم بين يديه، وتسلّلت إلى وجدانه ومخيلته قبل أن يتقاطع مصيرُه مع مصيرها، فقرّر أن يودِعها في دفتر ملاحظاته الصغير سرّاً يتعتَّقُ على مر الأيام إلى أن تَحين لحظةٌ ما فيُفشَى أو يموت.