
|
عجيبٌ كم الأذى الذي نستطيع احتماله. نحنُ الذين نبتكرُ حتى خلالَ النومِ طُرقا أشدّ تلطفا وعنايةً في الآخر. عجيبٌ كم نحن آسفونَ على لا شيء. كم غريبٌ أن نكسلَ عن استجداء كلمة واحدة بعد هذا الانهمارِ السهل. عجيبٌ كم نعجزُ عن الموازنةِ نحن الذينَ فضّلنا الهامش وابتكرنا التفاصيل. كم نحن عاجزونَ عن سلوكِ دربٍ آخرَ غير الشعر. حتى حين نخافه، ولا نجرؤ على الخطوِ فيه. عجيبٌ كل شيء ظنّنا أنّا لمسنا جوهرهُ، وغريب كيف لنا أن نموتَ محاولينَ إنعاش الآخر. عجيبٌ كم يستطيعُ الآباءُ الرحيلَ عنّا في حياة واحدة. وعجيبٌ كيف نُرشَدُ إليهم حتى في إغماضةِ الجفن وحمّى اليدين. عجيب يا الله كل ما أفكّر فيه الآن. كل ما يلمسُ فينا الطفلَ ويقدرُ على تجاوزهِ بعدها. كل من يرَى فينا ضياءَ الحنينِ ويسدّ فجوتي عينيه. عجيبة، كل هذه المحبّة التي تغمرنا؛ كيفَ لنا أن نقولها دون أن نُفسِدَ قيلولةَ الهارب الوجل في أعماقنا؟
||
ميزتُنا نحنُ المملّونَ سهولةُ تجاوزنا. إمكانيةُ نسياننا ومحونا. نحنُ المملون بخجلنا الآسر. وهمومنا الثقيلة وتاريخ سوداويّتنا العريضة. لا نُحبّ لأننا نريدُ، بل لأن شيئاً ما يوحي إلينا أن ارتكبوا. لا نودُّ إلا لأن كياناً ما يهمسُ لنا أن ميلوا. نحن البؤساء. بمشيتنا الهزيلة والمقرفة بشقوقِ تعاستنا الواضحة على الجدران. بظلالنا المتيبّسة من أثرِ الوقوفِ الطويل والمشية الوَجلَة. نحن الذين تحمّلنا يأس عوائلنا وقرأنا خوف آبائنا وفهمنا ما ينقُصنا لنكونَ آدميين حقيقين. أساطيرُ سوءِ الفهم. نحن الذين لا يجيدُ تعبيرنا أحدٌ. ولا يفهم أحدٌ حقاً غايةَ إيماءاتنا. ولا يصدّقُ أحد بكاءنا حين ننخرطُ ولا صمتنا حين نغصُّ. ولا يعذُرنا أحدٌ لأننا نقول دائماً ما نخشاه. وما نخشاهُ دائماً يُفضّلُ أن يبقى خارجنا. نحن الذين نعتذر لأننا مع الوقت صرنا أشدّ مللا لأننا حُرِمنا من مَلَكة اختلاق الأحاديث والحكايا. نحن الذين أبداً نجدُ الدربَ تقترح علينا الغياب. والخُطى تجرّنا لنعمةِ الجهل. نحن الذين حتى حينَ نفرح مؤقتاً أو نلمسُ السعادةَ عرضاً فلا بدّ أنّا اعترضنا حقّ غيرنا. وتورطنا بما لا يخصُنا. نحن المملّون. عُتقاء هذه الحياة. نحنُ من نُصبحُ أحراراً وأحياءً حينَ نُنسى. وحين نموت.
|||
إلهي. إله المتعبين. إنه التعب. أنتَ الذي علمتنا المشيَ وذرعنا الأرض حبواً. أنت أوحيتَ لنا النظرةَ ونحنُ آمنّا بالحدس. أنت الذي أوجدتَ النتوءات، ووقفنا بمشيئتنا وبغيرها على الصَبَا. إلهي، إنه نصيبنا من الحظّ الذي يختارنا كل مرة. إنها اليدانِ التي تُغيّبها أغبرة اللحظة التعِسة. إنه اليأسُ، صوتُنا نحن، صوتنا الذي لم نتعرّف إليه بعد. إنها اللوعة، مرارةُ آخر النهارِ في الحلق. إنه التَعَبُ الذي يطفر مع آخر دمعة. إنها النشوةُ في امتلاك الحزن. إنها المَلَكَة في اجيتازِ الفرحِ الطفيف. إنه العبور الشاسع لتأريخ الاستلقاءِ تحت ظلّ ذكرى. إنه الشَجَن سأمٌ خافتٌ في الشرايين. إنها الشهوةُ للموت في التوقيتِ المناسب. إلهي. خُذني حينَ ينسكبُ كل ما بي، حين المرحلةُ الأخيرة من الحزنِ تهبط. حين أغسلُ كل ما بي تعبا وسأما ويأسا. خُذني إليكَ وامنحني رحمتك. خذني وأنا في انتظارِ الثقب الأشد عتمة. مسافراً إلى المساء، أو منتظراً الغربةَ الجديدة. خُذني إلى الشساعة والحلم. إلى ضياء طفولةٍ مفقودة.