ميلاد

هذا اليوم هو يومُ عيدِ ميلادي في واحدةٍ من حيواتي الفائتةِ أو اللاحقة
حدستُ، وبحاجةٍ للبهجة، ابتهجتُ قليلاً دون أن ينتبهَ أحد
ومضطرّاً إلى فهم أخطاءِ عمري فكّرتُ كثيرا بلا اشتهاءِ ندم
لم أفهم إلى أي حدٍ يجبُ عليَّ الاحتفال لكن احترازاً أهديتُ نفسي أغنية
وسمعتها حتى انتهتْ
وسمعتني حتى انتهيتُ
وتمنّت لي حياةً أثمن

مرآةُ الغرفة

أكثر ما يُضايقني هذه الأيام مرآةُ الغرفة
حين أقفُ أمامها بعد غسلِ وجهي ولا أراني بوضوح
بكم من المناديلِ مسحتُ هذه الحيرة البادية
بكم راحة يدٍ محوتُ ماضي لحظةٍ عابرة
قد يكون الحقُّ معها
لأني نقلتها من جدارها في بيتها القديم دون أن أسألها عن رأيها
لكن في المقابل
خذني على سبيل المثال
ينقلونني من بيتٍ إلى آخر وأنا مبتسمٌ بامتنانٍ ولا أقول شيئا
ولا أشتمُ أحداً
أو أنهمرُ بوداعةٍ
إلا عندما أغلقُ بابَ الغرفةِ جيداً ورائي

نجاة

نجوتُ من الموتِ عندما أخرجتُ رأسي من دلوِ الكابوسِ إلى ظلامِ الغرفة
وكنتُ حينها لا أدري أين أقفُ
أو أستلقي
أو أرتجف، لكنني لا زلتُ حياً
ولا زالت كتفي تؤلمني
والأغنيةُ تخفقُ
ولا أحدَ وراءَ البابِ يطرقُ
أو يتنفّس

سأم

بموسيقى شجيّةٍ أرثي هذا السأم النائم بين سريري وسريرٍ إضافيّ في الغرفةِ
بموسيقى تكبرني أسًى ووحدة
أصدّقُ أنني لن أنام
ما لم أسرد كل ما خطرَ لي
لحظةَ شرودٍ خلف المقود
ومع هذا
سعيدٌ بالوقتِ المتبقّي قبل أن يهزمني النعاسُ
سعيد لأني لا أقول أشياءَ مهمة
ولا أغيّر شيئاً في هذا العالم
أشعرُ بسكونٍ وقتَ كتابةِ هذه الفوضى
وأتخيّلُ السكونَ لحظة قراءتها
ربما شخص ما يتثاءبُ فقط هنا أو هناك
على الأرجحِ
بسبب الملل

حُلم

هكذا تنتهي الأحلامُ عادةً
دون أن أحظى بفرصةِ الرؤيةِ كاملة
أو أعثر على الفراغِ الذي أريد
أو أتذكّر الأشياءَ كلها
الأشياءُ نفسها التي حرصتُ دوماً على نسيانها
ونفسها التي جاءتني في الحلمِ ناقصةً
عائدٌ من داخلي
و”مستغرقٌ في دهشةِ أن أكون هنا، بعد كل تلك الهُناكات”*
زمني: اللحظةُ التي تشرد فيها عينيّ
في مكانٍ غير لائق.
مكاني: الخطوة الكفيلةُ
بإعادتي إلى الواقعِ
أو الخروجِ منه

*الاقتباسة سرگون بولص

مآل

ندى نفسي
هكذا فكّرتُ حينَ انتبهت لتلاشيَّ وتبخّري إثر حالةِ حمّى
يطمئنني السقفُ في مكانه
والمرايا تدور
ونظرتي في داخلها تدورُ بحثا عن نظرةٍ قديمة أضعتها
والحيطانُ دوما أبرد من جسدي
ثمّة ما أفقده في الهلوسةِ دون اهتمام
ولا أسترجعه في أكثر أيامي يقظةً
ربما لهذا
أردتُ البقاء هناك حياةً أطول
تحت تصرّفِ
الموسيقى والوهم

غيابٌ أبيض

عائدٌ من أضواءِ السيّاراتِ البعيدة
من أحلام زرقاء خفيفة خبأتُها في جيوبي
من أغنياتٍ ربّتها أمي معنا ولا زالت تغنيها لتعيدنا صغاراً
نقفُ على أطرافِ أصابعنا
ولا نخطو داخل الأغنية/المكان
إنما ننصتُ ككائنات مجبولةٍ على الحنين
ومن غيابٍ أبيض
أنزوي فيه لتدفنني نواياي
أو تحترمني على الأقلّ
نوايا الآخرين

مغادرةُ الطفولة

أقل ما أقدّمه للسقفِ أن أكونَ لوحته الساكنة
أقل ما أقدمهُ لطفولتي
مغادرتُهَا
أقل ما أقدمه لحياتي
مشي الطريقِ ذاته كل يومٍ بلا مفاجآتٍ
ولا توقّعات
أقل ما أقدمه للعالمِ
قراءةُ قصيدةٍ تافهة بصوت عالٍ
أقل ما أقدمه لنفسي
أن “أنام على نفسي من تعبي”*
أو تعبِ من أحببتُ

*الإقتباسة لمظفر النواب

اثنا عشرَ شعوراً ومصير

ثُنائيّةُ الأملِ واليأس. الغضبُ من جهة والامتنانُ من جهةٍ أخرى. حيلةُ الفَرَح وفجاجةُ الأسف. الندم الذي يحرثك والخيبة التي تعتَصِرُك. الفضول الذي يستنزِفكَ والذعر الذي ينصِبُ فخاخه. الخجلُ مُشذِّب الروحِ والضجرُ سالخها السادي. كُل هذه العيون تنظر نحوكَ، تتبعك وتحرسك، تتلاعبُ بك وتستفزّك. تحثّك، وتدافع عنك، تعرّيكَ وتفضحك، تختلقُ لكَ الأعذار وتهدهد ضميرك. يشفيها أن تحكمَ عليك، يقضُّ مضجعها أن تتركك وشأنك. مشاعِركُ هي الحَرَس، ذنوبك وخطاياك. وأحياناً، محاسِنُكَ وأسباب وبراءتك. وأنتَ تطفو، وتحلُم بصوتٍ يُناديكَ ويوصيكَ”جِد ما تُحبّ ودعه يقتلكَ*” لا تنسَ أن تجدَ اثني عشرَ شعوراً وتدعَ مصيركَ بين أيديهن.

*الاقتباسة لـ بوكوفسكي

غياب

ولدتُ لأتعرّفَ أبي للحظاتٍ
ثمّ أفقده في طوابيرِ الغياب
ولدتُ غيرَ ممتنٍ
للزحامِ والخُطى والحشد
لاشتهاءِ المسافات اللائقةِ وغير اللائقة
للنظرةِ الهشّةِ
وهي تحطُّ على كل ما يستحقُ الاحتفاء
ولدتُ هكذا
بيدينِ مُتعبة
وعينين تخدعهما
الألفةُ العابرة

شُكراً على لا شيء

شكراً على اللا شيء
أيها النسيمُ
المجلى الخالي من الصحون
ريشةُ طائرٍ تهادتْ كالبشائرِ
المفاتيحُ التي تضيعُ في اللامكانِ ونجدها فيه
الأصدقاء
الذينَ يُبالغونَ في عدمِ المبالغةِ
أو الذين يذكّرونكَ في كل مرّةٍ أنكَ الآن فقط
قمت بفعلِ أسوأ شيء في حياتك،
الأصابعُ التي نعضّها حينَ تلمسُ بالخطأ
ليلةَ البارحة

وَهمُ الكلام وحيلةُ الثرثرة

|

عجيبٌ كم الأذى الذي نستطيع احتماله. نحنُ الذين نبتكرُ حتى خلالَ النومِ طُرقا أشدّ تلطفا وعنايةً في الآخر. عجيبٌ كم نحن آسفونَ على لا شيء. كم غريبٌ أن نكسلَ عن استجداء كلمة واحدة بعد هذا الانهمارِ السهل. عجيبٌ كم نعجزُ عن الموازنةِ نحن الذينَ فضّلنا الهامش وابتكرنا التفاصيل. كم نحن عاجزونَ عن سلوكِ دربٍ آخرَ غير الشعر. حتى حين نخافه، ولا نجرؤ على الخطوِ فيه. عجيبٌ كل شيء ظنّنا أنّا لمسنا جوهرهُ، وغريب كيف لنا أن نموتَ محاولينَ إنعاش الآخر. عجيبٌ كم يستطيعُ الآباءُ الرحيلَ عنّا في حياة واحدة. وعجيبٌ كيف نُرشَدُ إليهم حتى في إغماضةِ الجفن وحمّى اليدين. عجيب يا الله كل ما أفكّر فيه الآن. كل ما يلمسُ فينا الطفلَ ويقدرُ على تجاوزهِ بعدها. كل من يرَى فينا ضياءَ الحنينِ ويسدّ فجوتي عينيه. عجيبة، كل هذه المحبّة التي تغمرنا؛ كيفَ لنا أن نقولها دون أن نُفسِدَ قيلولةَ الهارب الوجل في أعماقنا؟

||

ميزتُنا نحنُ المملّونَ سهولةُ تجاوزنا. إمكانيةُ نسياننا ومحونا. نحنُ المملون بخجلنا الآسر. وهمومنا الثقيلة وتاريخ سوداويّتنا العريضة. لا نُحبّ لأننا نريدُ، بل لأن شيئاً ما يوحي إلينا أن ارتكبوا. لا نودُّ إلا لأن كياناً ما يهمسُ لنا أن ميلوا. نحن البؤساء. بمشيتنا الهزيلة والمقرفة بشقوقِ تعاستنا الواضحة على الجدران. بظلالنا المتيبّسة من أثرِ الوقوفِ الطويل والمشية الوَجلَة. نحن الذين تحمّلنا يأس عوائلنا وقرأنا خوف آبائنا وفهمنا ما ينقُصنا لنكونَ آدميين حقيقين. أساطيرُ سوءِ الفهم. نحن الذين لا يجيدُ تعبيرنا أحدٌ. ولا يفهم أحدٌ حقاً غايةَ إيماءاتنا. ولا يصدّقُ أحد بكاءنا حين ننخرطُ ولا صمتنا حين نغصُّ. ولا يعذُرنا أحدٌ لأننا نقول دائماً ما نخشاه. وما نخشاهُ دائماً يُفضّلُ أن يبقى خارجنا. نحن الذين نعتذر لأننا مع الوقت صرنا أشدّ مللا لأننا حُرِمنا من مَلَكة اختلاق الأحاديث والحكايا. نحن الذين أبداً نجدُ الدربَ تقترح علينا الغياب. والخُطى تجرّنا لنعمةِ الجهل. نحن الذين حتى حينَ نفرح مؤقتاً أو نلمسُ السعادةَ عرضاً فلا بدّ أنّا اعترضنا حقّ غيرنا. وتورطنا بما لا يخصُنا. نحن المملّون. عُتقاء هذه الحياة. نحنُ من نُصبحُ أحراراً وأحياءً حينَ نُنسى. وحين نموت.

|||

إلهي. إله المتعبين. إنه التعب. أنتَ الذي علمتنا المشيَ وذرعنا الأرض حبواً. أنت أوحيتَ لنا النظرةَ ونحنُ آمنّا بالحدس. أنت الذي أوجدتَ النتوءات، ووقفنا بمشيئتنا وبغيرها على الصَبَا. إلهي، إنه نصيبنا من الحظّ الذي يختارنا كل مرة. إنها اليدانِ التي تُغيّبها أغبرة اللحظة التعِسة. إنه اليأسُ، صوتُنا نحن، صوتنا الذي لم نتعرّف إليه بعد. إنها اللوعة، مرارةُ آخر النهارِ في الحلق. إنه التَعَبُ الذي يطفر مع آخر دمعة. إنها النشوةُ في امتلاك الحزن. إنها المَلَكَة في اجيتازِ الفرحِ الطفيف. إنه العبور الشاسع لتأريخ الاستلقاءِ تحت ظلّ ذكرى. إنه الشَجَن سأمٌ خافتٌ في الشرايين. إنها الشهوةُ للموت في التوقيتِ المناسب. إلهي. خُذني حينَ ينسكبُ كل ما بي، حين المرحلةُ الأخيرة من الحزنِ تهبط. حين أغسلُ كل ما بي تعبا وسأما ويأسا. خُذني إليكَ وامنحني رحمتك. خذني وأنا في انتظارِ الثقب الأشد عتمة. مسافراً إلى المساء، أو منتظراً الغربةَ الجديدة. خُذني إلى الشساعة والحلم. إلى ضياء طفولةٍ مفقودة.

سرّ اليدين

يدانِ ممدوتانِ
ظلّتا تمتدا طويلاً لكنهما نسيتا طبيعتهما
وأنهما في النهايةِ لا بدّ أن تصطدما بشيءٍ
أو أن تتحسسَ بصماتهما شيئاً آخرَ أو تخترقا بغيرِ قصدٍ مشهداً دراميّاً، أو ربما تعومانِ في الهواءِ مع بداية النغمةِ أو تنزلان مع نفسِ الموّالِ الأخير، أو تمرّا بمحاذاة بعضهما لحظةَ سهو، أو تتشابك أصابعهما مثل غريبينِ
يتشاركانِ
سرّاً ما

تَعَبٌ

حياتي الفارغة
الفارغة تماما ليست ما تمرّ
وأحسبُ أني سأفوّتها إذا ما دفعتها بعينيّ إلى نهايةِ الغرفةِ أو الممرّ أو الشارع المعتم
بل ما تظلّ عالقةً في السُعالِ
ومتجلّية في خدرِ الأطراف
ومتدفّقةً في ظلالي هنا على السرير
أو الخيالات الأولى للعناقاتِ الممحوّة من ذاكرة الذراع التي لا تُمَدّ إلا للانتقالِ من حلمٍ إلى حلم أو مصافحةٍ إلى غياب
إذا صرتُ ساكناً بهذه الكيفيةِ أطمئنُ، لأن هذا التعب مألوفٌ ولا أعرفه

خَدَر

مشغولٌ بالغيابِ ومغازلةِ الخطايا
التي تتذكّرني عندما أُنسَى وأصدَأ والهمومِ التي تتكدّسُ على بابي، بقياسِ مسافاتٍ يُرغمني على قطعها
الندمُ وخللُ الملاحظةِ المؤقت
مشغولٌ بي كما يليق
عابراً
وساهما في وهمٍ
أو حاضرا ومقيما في أغنيةٍ
يُعيدني خدرُ الأطرافِ
إلى أماكن تجرأتُ
على نسيانها
ببساطة

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ