الراحلونَ، الباقون في الشظايا

الراحلونَ؛ لكنِ الباقونَ في شظايا المرايا. المُنسكبونَ في حُمرةِ الشَفَق وزُرقةِ الصباح. العالقون في بئرِ المجهول. المُتهادونَ كنسمةٍ تائهة في حُلُم. والمُرشَدُونَ بعنايةٍ إلى طُرُقاتنا المتفرّعة. المُطّلعونَ علينا من غيابِهِم الأثير، والذينَ لم يتركوا لنا سوى مكانِ غيابهم لنطّلعَ عليه ونمشيه ونتحسّسه ونكبر داخلَ نبضِهِ الخافت. المُنتظرونَ وراء كلّ باب، والمتأرجحونَ في كلّ هواء، والمُسَالونَ على لسانِ كلّ ذكرى وامضة. والعِذابُ الذينَ يُنادونَ فجراً ويأتلقونَ في أحلامِ الليالي. أسيادُ البشائرِ التي تهلّلُ لها الصباحاتُ وتطرَبُ لها اليدُ المتلهّفة والبالُ المشغول. الذينَ انهالوا فوقَ عيوننا المُغمضة وتجمّدوا فوقَ شفاهِنا، وانصبّوا في آذاننا موسيقًى لا تملّ التحليق. الذينَ أودعونَا ذكرياتِهِم وحيواتهم الفائضة في كلّ مكان. ثمَّ غابوا. هم الراحلونَ، نفسُهم، الذينَ ستنفضُ عن صورِهِم الغبارَ والشكّ. وعن ملاءاتهم الوحدةَ والنعاسَ الطويل. وستسمعُ أغانيهم العالقةَ في الحيطان، وتهويداتهم السابحة في الظلام، وستفتحُ لهم، القلبَ والذاكرةَ واليدين، وفجأةً، تسمعُهم يطرقونَ على الباب.

باب

على ضياءٍ انسكبَ في الغرفةِ حتى أغرقها كلّها صحوتُ
وفي فمي صرخةٌ تنتظر
ومئاتُ الكلماتِ التي حاولتُ إخفاءها في كلمات أخرى بلا جدوى
ليتني أفتحُ البابَ فلا أجدُ أحدا
أو ليتني أجدُ كلّ أحد
خائفٌ من احتمالاتي السخيّةِ
وأن أتبعَ الضياءَ فلا أقفُ إلّا على
بابٍ مواربٍ
في حُلم

نافذتي المفتوحةُ على العالم

من نافذتي المفتوحةِ على العالمِ أرى أسرارَهُ العميقةَ وهواجسَهُ التي تحطُّ بجلالةٍ لا مثيلَ لها على كتفي. أرى بعينيَّ وأتقصَّى بفضولي وأتلصّصُ كما لو من خلالِ كوّةٍ خفيٍّة ومهجورةٍ في الجدار. أرى من يضيعُ في حواراتِهِ الطويلةِ بينه وبين نفسِهِ. أرى من يستلقي معكوساً على سريرِهِ ويبدأ في السباحةِ ضدّ التيّار. أرى من ترقصُ على ساقٍ واحدةٍ وتدورُ، تدورُ كأنها تحفِرُ أرضيةَ الغرفةِ وأرى ينبوعاً يتفجَّرُ وموسيقى تلمَعُ في الهواء. أرى من تسقي نبتةً كأنها تُعيدُ للعالمِ معناه. أرى من يعزِفُ-وحيداً-مقطوعةً أسمعُ قليلَ ما يصلني منها وأتنبّؤ صداها الذي سيظلُّ يحيا معي. أرى وجهَ من يستعيدُ ذكرى خاطئة، ويدَ من يكتُبُ كأنها آخر وصاياه. أرى غريبينِ في فضاءِ المكان وبينهما شظايا. أرى قُبلاً تُطبَع على المرايا والصور، أرى كيفَ بدأت الأشياءُ وكيفَ انتهت. أرى العناقاتِ على البابِ، واللعنات والشتائم خلفه. أرى من يطردُ القلقَ بكتاب، ومن يطردُ كارثةً بنفخةٍ واحدة. أرى العالمَ مفضوحاً وأرى حيواتِ من فيه مصفوفةً أمامي. أرى ما تغيَّرَ وما جدَّ، كأنّي سأبتزّ العالمَ في أقصى حالات وحدتِهِ وعُريه. وأغلقُ النافذةَ، فأعودُ إلى قدميَّ المُعطّلتين وسرّ حياتيَ المجهول، ونبوءاتي وظنوني التي ستصيرُ حطباً تأكلهُ في داخليَ النار.

غاليانو صيّادُ القصص

كنتُ أقرأ كتابَ “المُعانقات” لغاليانو، بعدَ عدّةِ نصوصٍ مختلفةٍ عن الجُدران، والجوع، والليل والجنس والنسيان وغيرها. لاهثاً خلفَ الأسماءِ صعبة النُطق، لا بدَّ أنّ محرّكَ عقلي قد توقّفَ حينها. عندها فقط دونَ أن أشعرَ رحتُ أغطُّ في نومٍ عميق. حلُمتُ وقتها بأني كنتُ مستلقٍ في مكان دافئٍ ومُعتم، توسلتُ اللا أحدَ، وصرختُ في كلِ اتجاه. لحظاتٌ ولمعَ ضوء خافتٌ يرتجفُ على بُعد أمتارٍ قليلة(على أنَّ صلعتهُ المضحكة والشعر الأبيض الرابض على جانبيّ رأسهِ كان كافياً لملاحظتي إياه)اقتربَ ببطءٍ، وجلسَ إلى جانبي صامتاً، محملقاً فيَّ بلطف. ثمَّ ابتسمَ وكانتِ ابتسامتهُ كما أذكرها. أسنانهُ المتهالكة، والضحكةُ اللطيفة بعدَ كلمةِ(أبناءِ العاهرة)كانَ يحملُ في يدهِ معجماً، وبادلتهُ بدوريَ الابتسامَ بارتباكٍ شديد، بينما راحَ يقلّبُ صفحاتِ الكتاب بعشوائيةٍ تامة. وفي لحظة وضعَ إصبعهُ فوقَ كلمةٍ ما، كانت الكلمةُ هيَ(كابوس)أخرجَ ورقةً من جيبهِ ثم كتبَ اسمي دونَ أن يسألني، وبدأ في سردِ أحداثِ حياتي كما هيَ، تابعتُ بقلقٍ ما كتبَ واستغربتُ أجزاءً قليلة مما كتبَ، ثمَّ ما لبثتُ أن ألِفتها جميعها. كان منهمكاً ومستغرقاً في الكتابةِ، حتى أنهُ لم يلاحظني عندما كنتُ أناديه، كررّتُ اسمهُ كثيراً، وشعرتُ بأنَّ النصَ(الكابوس)هذا لن ينتهي. تجرأتُ قليلاً وهززتُ كتفهُ، وإذ بصيّادِ القصص(يقعُ في فخِّها)ويرتطمُ بالأرض، تزامناً معَ وثبتيَ المباشرة خارجَ حدودِ الحُلم والسرير.

إيقاع

عندما أكبرُ
يقول الطفلُ في داخلي
لا أريد شيئا سوى كلمتين أستأنسُ بهما في حضرةِ الغياب والقدرة على اكتشافِ الهشاشة
في الأحلامِ والأشياء
عندما أتضاءلُ
يقول الخَرِفُ في داخلي
خذوا كل شيء
واتركوا لي النغماتِ
التي ابتكرتها بأصابع ثلاث ونظرةٍ طافيةٍ في الهواء
وما تزالُ منسيّةً هناكَ
على
طاولات المقاهي

الاحتيالُ الطويل وقطعُ البازِل

كلُّ قطعةٍ نقديةٍ تختفي خلفَ أذنِ طفلة تَهْوي لحظتها إلى قاعِ بنكِ العُملاتِ الاحتياطيّ للعالم. كلّ حَمَامةٍ تدخُلُ نفقَ قبّعة تنتهي في سربِ طيورٍ لا يُرَى مرّتين. كلّ يدٍ تتوارى في جيبِ صاحبها تتركُ أثراً في جنّةِ الغياب. كلّ ورقة تسبحُ في الهواءِ تصوّبُ نظرَها إلى صاحباتها في الخيالِ يتحلّقنَ حولَ بعضهنّ، ويتخفّفنَ بالدوران. كلّ سكينٍ تخطفُ أنفاسَ الهواء وتنطلق نحوَ جسدٍ شبه عارٍ ومُثبّتٍ على جدارٍ يلفّ بجنون، تنغرسُ في كُرسيٍّ سيصيرُ عرشاً وسيجلسُ عليه أكبرُ المُحتالين وسيّدهم. كلّ فَمٍ ينفخُ النارَ، يُحيي ذكرى أوّل ديناصورٍ طويلِ عُنُق، احتالَ ومدّ عنقه طويلاً ورأى التاريخَ كلّه وانسحب. كلّ فاتنةٍ تحاولُ أن تفكَ سلسلةَ العُقد والأقفالِ حول يديها وقدميها بينما تغرقُ في خزّانِ ماءٍ شفّاف، تصيرُ عاشقةً تستحمُّ تحتَ شلّالٍ في مكانٍ مجهول في العالم البعيد. كلُّ احتيالٍ تافهٍ هو قطعةُ(بازل)وحيدة، تراها من كلّ مكان وزاويةٍ فلا ترى شيئاً، ولكن حينَ الخُدعة طويلةُ الأمد تكتملُ وتتكشّف على الطاولةِ، تصيرُ كابوساً لا يُطاق. كلّ خدعةٍ مُجرّدُ بداية، والبداياتُ مثل الخطايا، يستدعينَ بعضهنّ.

اقتفاءُ شاعرٍ ولحظةُ الغياب

مُعطَّلاً عن حياةٍ عشتُها وسأعيشُها كيفما كان، خفيفاً مضيتُ عن حياةٍ أحياهَا بأقلّ مجهود. خفيفاً وطافياً كأنما اصطادتني موسيقى غريبة وستأخذُني إلى مكانٍ ما. وكأنَّ حنيناً عميقاً أذابني وأنقذني من هذه الورطة. هل هذا ما يشعُرُ بهِ من اقتفى حياةَ شاعرٍ أحبَّهُ، ومشى في ظلالِها؟ هل هناكَ يدانِ طويلتانِ كفاية لتتحسَّسا وجهاً هامَ فيه؟ ورغبةٌ مجنونة لعبورِ منافيهِ الأثيرة ومُدُنِهِ التي لا تُحصى؟ ومخيّلةٌ أخرى للتطفُّلِ على آلامِهِ وآماله وعذاباتِه؟ وأصدقاء كثُر كانوا دوماً في الصورِ على بُعدِ قصيدةٍ أو هاجِس. أمشي في مكاني، وأحفرُ بيدي وتنهيدتي في ذاكرةٍ لم تأذن لي، وأبتسمُ طويلاً حينَ أكون في اللحظةِ الطائشة في القصيدة إلى جانبِ سيّدها؛ في ظلالِ جدار، أو في الطريقِ إلى المطبخ، أو نفقِ مترو*. وفي لحظةٍ أنتبهُ وأعودُ خالياً إلى حياتي، تلكَ التي لن تُذكَرَ-بالخطأ-في حديثٍ جانبيّ، وآملُ أن يسامحني العالمُ على لحظةِ غيابي القصيرة.

*أماكنُ ولحظات من قصائد لسرگون بولص.

عُرضةً للمحبة

الجميع يحبّني بعد أول خطأ
كأنهم ينتبهونَ إلى مقدرتي على تجربةِ الأخطاءِ مثلهم
الأعداءُ يحبّونني أيضاً
لأني أذكّرهم بأنفسهم
وبما ينتظرونه من الآخرين
أمّا الأصدقاءُ فأنا اخترتهم خصّيصاً لعدم استطاعتهم التامةِ على المحبّة
وإنما لمقدرتهم الحذرة
على الادّعاءِ والتظاهر

فَجْر

تركتُ الأغنيةَ تغفو في أذنيّ ونمتْ
دونَ انتباه للعالم الذي غمرتُهُ بهذا الصمت الفسيح
ولا لغوايةِ الأسئلة تسيلُ تحت الوسائد
الفجرُ الشفيف ما تسمحُ بهِ النوافذ والستائر والأرواح
أما الصباحاتُ الساحرة فطافحةٌ بها عزلةٌ ترفضُ المشاركة،
انتبهتُ
ولفرطِ ما نَبَشتُ قبرَ اللحظةِ ودفَنتُني في شرودها
تركَتني الأغنيةُ أغفو في أذنيها
و…..

Movies

كتبتُ في أوّل السطر-أنا-ثم استدركتُ أنه ما من أبشع من تدوينة تبدأ بأنا. لكن ها أنذا من جديد، أكرّر الكلمةَ بوحشية مُفزلَكَة ومزعجة. والمهم أني سأحاول التخفيف من الجُرعة هذه المرة. أنا مع من يقول أن المشاهدات والقراءات تكونُ تجربةً مختلفةً وأقرب للنفس ورضاها إذا ما وقعت عليها بنفسك. يعني، أن الأفلام والكتب وغيرها نتيجةَ بحثٍ وتقصٍّ تكاد تكون نوعاً من الاستشفاء الذاتي. أيش؟ ما علينا، لعلّ الفكرة وصلت. من ثلاث سنوات تقريباً أُغرِمت بحبكة فيلمٍ تابعته وخاتمته الساحرة ثم وجدتني أكتبُ عنه نصّاً قصيراً، ومنذ ذلك الوقت وأنا أدوِّنُ عن الأفلام-وأتحذلق في تغيير سيناريوهاتها أحياناً-ما أسمّيه شذرات/لمحات عن مفهومٍ ما، فكرة، حوار، لقطة سينمائية من الفيلم، أنشر أغلبها. وأظنّ هذه محاولة لمغازلة الذاكرة، وتغذيتها بالتفاصيل، وشحنها بالاسترسال حتى تتعطّف وتبذل جهداً أكبر إذا صرتُ بحاجتها في أي وقت. ولكنّي سأتواضع هذه المرة بإذن العليّ القدير وأترك لكم مجموعة أفلام دون ثرثرةٍ عنها وحولها. سأعرضُ سبعة أفلام-شاهدتها مؤخراً-تتنوّع تصنيفاتها وقصصها، ليس من بابِ التوصية بالطبع، لأني أحبّ الموصّينَ ولا أحبّ أن أكون منهم.(ولا سينمائياً، ولا سيناريوهيّاً، ولا بطّيخاً) لكن من بابِ مشاركة بعض المفضّلات ونبشِ ذاكرة الأفلام واستدعاء اللحظاتِ الشاهقة؛ مُتسمّراً أمام شاشة وفي العيونِ دمعةٌ، أو ابتسامة تضيقُ عنها الغرفة. سأحاول الاختصار بكتابةِ سطرين أو ثلاثة عن كل فيلم، محاولةُ لملمةٍ وشحذُ أطرافٍ أحياناً، وستنتهي التدوينة بصورة جماعية للأفلام كعائلةٍ تتبرأ منّي.

1.wonder boys (2000)
أسبوعٌ حافل بالمصائب ينتظر جريدي، الكاتب الذي لم ينشُر شيئاً منذ سبع سنوات، يعيشُ على ذكرى المجد ويكتُب كأن العالم سينتهي غداً. يجدُ نفسهُ عالقاً مع شابٍ عبقريٍّ موهوب وغريب أطوار. أيّامٌ هستيرية على الأبواب، ونحنُ ننتظر.
كوميديا/دراما

2.Sleepers (1996)
أربعةُ صبية دفعت الحياةُ وأهوالها عجلةَ أيّامهم وحيواتهم. بسبب خطأٍ طائشٍ لا يُغتفر يُرسلونَ إلى إصلاحيةٍ أفسدَ من فيها وشوّه كل براءة بهم. عُقد الطفولة وعتمتها تكبر وتتبعكَ مثل ظلالك. بعد عشر سنوات يلتقي الأطفالُ الذينَ تعطّلت حياتهم في مكانٍ بعيد وقديم. وتبدأ قصةٌ لم تنتهِ.
جريمة/دراما

3.catch me if you can (2002)
يروي سيرةَ فرانك أباغنيل المُراهق المُزيِّف والمتلاعِب. ليوناردو الذي لعبَ الدور، بدا كأنهُ يرتجِلُ الاحتيال. من طبيبٍ إلى طيّارٍ ومُحامٍ. المراهقُ الذي وجدَ أن الانتقالَ في السماء أسهل من الركض على العشب كانَ أسبقَ دوماً بخطوة.
سيرة ذاتية/جريمة/دراما

4.Rear Window (1954)
المصوّر العجوز بكسرٍ في ساقهِ يجد نفسه مضطرّاً للجلوس أمام النافذة ومراقبة نوافذ الجيران. تلك القصص الفائضة في التفاصيلِ المربّعة المقصوصة من حيواتِ الآخرين. وفي لحظةٍ ومن هذا المكان النائي يستنتجُ ويرى ما لا يُرَى.
غموض/إثارة

25th hour (2002).5
في يومِهِ الأخير حُرّاً طليقاً قبل أن ينتقلَ إلى بلدة سيُحتجز فيها سجيناً لسبعةِ أعوام. اليوم الذي لهُ جناحا فراشة وأثرُها(وأفضّل ألّا أحكي عن أفلام نورتن لأني سأطبّل، وربما أفتَحُ مناحةً)والصورةُ الأولى تكفي.
دراما

6.The Usual Suspects (1995)
الأشخاصُ الذينَ تصفّهم في طابورٍ وتستجوبهم لأن ذلكَ هو الأمر الطبيعي لفعله. المشتبهون العاديّون. خمسةُ رجالٍ يردّونَ على اتّهام الشرطة الباطل بعمليةٍ مُحكمة. لكن خلال ذاك يتورّطونَ مع مجرمٍ خطير. وهنا تبدأ الحكاية.
غموض/إثارة/جريمة

7.the hunt (2012)
رأساً على عقب. الحياةُ التي تهزّها إشاعةٌ وتقلب أحلامها إلى كابوس طويلٍ ومستمرّ. لوكاس، معلّمٌ وحيدٌ، ومحبوب. تتّهمه طفلةُ صديقه القريب-في الحضانة حيثُ يعمل-بالتحرّش. وبسبب كذبةٍ يتعقّد عالم لوكاس ويُصارع وحشاً مُتسلّطاً اسمه الناس. حياة، تختفي، بنفخة.
دراما

هذا وشكراً لحسن استضافتكم. ومشاهدة ممتعة، إذا حدثَ. نراكُم في تدوينة أخرى. يفتَح الله.

وحشيةُ الإشاعةِ والكذباتُ الصغيرة

حكايةٌ عن أحدِ رجالاتِ الضيعةِ صالح، المعلّمُ البسيطُ كانَ مُختاراً لإلقاءِ خُطبةٍ في حضورِ شيوخ القريةِ وأهلها، وأثناءَ ما كان يخطبُ سقطَ شرواله الفضفاض إلى كعبيهِ فضجّت الضيعةُ بالضحكِ والصراخ. شروالُ صالح الذي صارَ حديث الناسِ ولُبّ حواراتهم أرغمَهُ على الارتحالِ والغياب. وبعد عشرينَ سنةٍ عندما هزّهُ الشوق وأمالتْهُ الصبابةُ، عادَ يُرشِدهُ النسيم والحنينُ والناس إلى ضيعتِهِ ومسقط رأسه(كَفْر الصفصاف)ولمّا وصلَ، وجدَ أن الضيعةَ ومقهاها ومقبرتها سُمّيت بضيعةِ(اللي فِلِتْ شرواله)
تذكّرتُ هذه القصة لحظةَ توقّفت فيها الصورةُ وعادتْ الموسيقى في فيلم”The hunt”ورغمَ أن هذا الأخير لم يفعل شيئاً، ولكن ما يُشاع وحده مقبرةٌ جماعية نلتقي فيها جميعاً. يروي الفيلم قصّة لوكاس، معلّمٌ محبوب بينَ الجميع وفي مدرسةِ الأطفالِ حيثُ يعمل، كلّما حضرَ تخاطفتهُ الأيدي والعناقاتُ والقُبلُ البريئة. يضيعُ كلّ هذا وتنقلبُ حياته عندما تكذبُ طفلةٌ كذبةً صغيرة بحقّه ويصيرُ في عيونِ الآخرين أقلّ من حشرة. جرجرَهُ هذا الزَعم، وتلاعبت بهِ الحياةُ كما اشتهت. وفي المشهدِ الأخيرِ بعد أن حصحصَ الحقُّ وانتهى كل شيء. كان واقفاً في الغابةِ ورصاصةٌ طائشةٌ مرّت بجانبِ رأسِهِ واستقرّت في الشجرة. إنها الإشاعةُ نفسها، لها خبرةُ صيّادٍ وضحكةُ شيطان. كانت تهزأ منهُ وتُغذّي ساديتها الوحشية.

كوكبٌ بعيد ومناحةٌ جماعية

إذا أردتَ أن تُلقي نكتةً في قلبِ غرفةِ انتظارٍ متوتّرة، إذا أردتَ أن تُسعفَ صديقاً حزيناً بنكتةٍ لا تُقاوَم، إذا كنتَ تحاول إنقاذَ لحظةٍ شعرتَ فيها أنكَ ساذجٌ وخارج المكانِ، إذا تورّطتَ بطفلةٍ تبكي بين يديكَ قُل إنكَ:”وصلتَ للتوّ من كوكبِk-pax” لكن، لو للحظةٍ واحدة، تخيّلَ أننا في إغماضةِ العينِ وحمّى الألمِ ومرارةِ التجربةِ نصيرُ إلى تلكَ البلادِ البعيدة، اعتبرْها مدينتنا الفاضلةِ، تخيّلها مخرجَنا من المأزِقِ الأبديّ! على ذاكَ الكوكب الذي اخترعتْهُ عقولنا هرَبَاً من الاصطداماتِ المبكّرة، ومن تجارِبِ الطفولةِ، وعفونةِ الخيبة، ومآسي المُخيَّلة المُعذَّبة؛ وفراراً من الظنونِ وسوءِ الفهمِ والتقدير، ونَزْعةِ الغضب وغيابِ الذينَ نُحبّ، وانكسارِنا الأثيرِ على الأسرّةِ والأرصفة. تلكَ الصورةُ المعزولة عن الأخريات، ذلكَ المكانُ الآسرُ بصفائِهِ وبركاته، بالمنفيين فيه والغائبينَ عنه. لو استطعنا عنَ طريقِ اختلاقنا الانسحابَ، ووجدنا هناكَ في بصيصِ النورِ كوكباً مُعلّقاً، حياةً أخفّ من هذه، أكثر مرونَةً وألفة، وتبعنا مصائرنا إليها، وتحلّقنا حولَ”زهرةِ اليورك، وشممنا عبيرَها خلالَ النسيمِ العليل*”ثمَّ بعدَ كل هذا، تخيّلَ أنكَ انتصبْت بيننا وقلتَ:”إنكَ ذاهبٌ إلى كوكبِ الأرض.”هل ستتوقّعُ شيئاً أقلَّ من أن تختنقَ الأنفاسُ ويتحوّلَ الجوُّ إلى مناحةٍ جماعية؟

للهواء

كتبتُ للهواء
ففي النهايةِ تظلّ النصوصُ التي كتبتها في الحلمِ والسهوِ
على بلاطٍ باردٍ وتحتَ رغبة ساخنة
مفتوحةً للاحتمالات على حدّ سواء
غير مدفوعة بفضول الخواتيمِ ولا سطوة نقطة المصير
مُعدّةً للنسيان وقابلة للقراءات العابرة
كتبتُ لاستنزافِ هواء حياةٍ كاملةٍ من السكون
أو لقطعِ مسافاتها بأقلّ مجهود وبلا انتباه
وللسخريةِ ممّا أوحته لي نسمةٌ أو عرّفتني عليهِ عاصفة
وللهواءِ
هواء وَحدةٍ نُغطّيها بالعناوينِ
وتدثّرنا بتفاصيلها
الباهتة

الاعتذارات

كلّ ما أحتاجه لأقول أني تَعِبٌ أن يُلفظَ اسمي في مكانٍ ما من العالمِ
برويّةٍ وحميميةٍ وكأنه لن ينتهي
ليسَ قبل أن أعرفَ الحكمةَ المفقودة في حكايا أمي حين لا تعثرُ على خيطِ البدايةِ وتتوه في التفاصيل
ليس قبل أن تخرجي يدكِ من شعرك
وتحاولي لمسَ”حياتي التي فشلتُ دائماً في لمسها”*
ولا قبلَ أن أكسبَ الرهانَ وأعرفُ من يُنادي وراءَ الباب
وبالطبع
ليس قبل أن أغفو وأنا أفكِّرُ
بالاعتذاراتِ
التي لستُ أعنيها حقاً

*الاقتباسةُ لإيمان مرسال

“الوقتُ هوَ عدوّي”

على هامشِ غلافِ الفيلم(1917)ولكن بشكلٍ فاضِحٍ لا يُمكن تجاوزهُ، كُتبَ”الوقتُ هو العدوّ”حينَ قرأتُها تفتّحتْ في البالِ ألفُ معركةٍ وعُلِّقتُ ضحيةً ورضيتُ بالخنوعِ وفتحتُ عيني على هذه العبارةِ الصغيرةِ وقد استدعتْ شبيهاتها وذكرياتِها الشاعريّة فتذكّرتُ سرگونيّةً”هُنا حيثُ أتدرّبُ على الإيماءِ السالبِ منذُ الظهيرةِ، وأتعلّمُ كيفَ أقتلُ وقتي كأنّهُ عدوّي”وتفطَّنتُ لأخريات، وشعرتُ أني فوَّتُ واحدةً بينهنَّ ورحتُ أشاهدُ الفيلم. وفيما الجُنديّ المجهولُ حاملاً طوقَ النجاةِ، يعدو عكس اتجاهِ الوقتِ، يُدافِعُ ويُزاحِم ويُغالِب دموعه، يتنقّلُ بين الثكناتِ وتغوصُ يدهُ في الأجسادِ المفتوحةِ وأحشائِها، يلتقي بطفلةٍ تتعرّفُ على أناملِهِ وسطَ هذا الجحيم، يعدو وتتبعهُ الكاميرا مثل ظلالِهِ، يقفِزُ كغزالةٍ في النهرِ، ويخرُجُ من بينِ هذه الجُثثِ كناجٍ أخير، ثمَّ يتبعُ ذاكَ النداء السحريّ العذب في الغابةِ ويميلُ برأسِهِ على جذعٍ شجرَةٍ ليستريح. خلالَ كلّ هذا كانت أُغنيةٌ تعتملُ في ذهني، أغنيةٌ تذوبُ في روحي مثل سرٍّ صافٍ، تلكَ الأغنية اليتيمةُ لكريستوفر فوجلمارك بعنوان(الحُبّ كانَ عُذري-Love Was My Alib)والتي تبدأ هكذا:
“Time’ll be the enemy
When you’re locked in a world of pain*”

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ