مِعطف غوغل

وأنا أقرأ روايةَ الحرافيش هذه الأيام وأعتذر لنفسي على تقصيرها وتأخرها الدائم عن العثور على نقطة بدايةٍ داخل هذه السنوات الضبابية. لكنّي وخلال لحظات أغفرُ لها بحنانِ أمٍّ، حينَ أتذكّر دوّامةَ الفوضى والعبث تحوم حولي. مدوّناً في رأسي بضع كلماتٍ لم أفهمها خارجَ السياق ولا داخله. وحتى بعد أن صرّفتها وقلّبتها في ثلاث لهجاتٍ وفتّشتُ عنها في حكمِ أمّي وأمثالها وأشعارها القديمةِ حين يوقظها موقفٌ أو مصيبةٌ، رأيتُ فيما أرى، أن الكلمةَ التالية ينتظرُها استجوابٌ طويل. وها هي ذي الكلمة سُرعانَ ما ستأتي، بعد صفحات قليلة. أنقلها إلى محرّك بحث قوقل، وبعدَ جهدٍ مُضنٍ، وبحث استغرقَ ثلاثين ثانية، أجدُ المعنى عارياً أمامي؛ كأني فتحتُ كوّةً في جدار. وأرى الكلمةَ تتوسّطُ عبارة قصيرة وأراها في كامل أشكالها ورسوماتها فأتعرّف إليها، وأترحّم على عاشور الناجي، إذ أسمعهُ يرددها وهو يمشي في قلبِ الحارةِ المعتمة، والأرضُ من تحت أقدامه تهتزّ. ثمّ أعودُ إلى الرواية، ولكن قبلَ ذاك تسقطُ في يدي كلمةٌ أخرى لم أرها من قبلُ ولا حتى سمعتها. أبحث عنها بدل كلمتي الأولى، فإذا هي اسمٌ لطائر! لا شكّ أني-بفضولي القذر-أخرجته من السرب، لكن بلا ندم وبفضولٍ أنانيّ مرّة أخرى، أضع الكلمة في محرّك بحث الصور، وأتأمل طائري. بريشه الأسود الكثيف، وساقيه المغروسةِ في الأرض كأعمدة معبد، ووجهه المزهوّ بألوانه الساحرة. وأسامح نفسي حينَ تخيّلتهُ محلّقاً في سرب؛ بعد أن رأيتُ جسده الهابط على الأرضِ كما لو أنه جثّة. الطائر الذي صُعقتُ بعدَ لحظاتٍ بخبرٍ يقول أنّه المتهم الأول والوحيد في جريمةِ قتل مالكه في ولاية فلوريدا، وبسلاحٍ موصولٍ إلى جسده”مخلب”. قلتُ في نفسي بعد أن انشغلتُ بهذه القضية الغريبة، لعلَّ الملحمةَ تنتظر. ورحت أبحثُ عن أخطر الطيور، علّي أتعلّم اليوم شيئاً جديداً عن العالم بعد ألف يومٍ ويوم من الجهل. فتعطّفَ عليّ قوقل واستخرجَ على صفحته الرئيسية قائمةً مُشذّبة لستة طيور. فرأيتُ صاحبي يتصدّر القائمة، إلّا أنه الآن قد صارَ له اسمٌ جديد، اسمٌ آخر. اسمٌ يبدو مناسباً أكثر، ويرسم له في الخيال صورةً أشرَس. نقلتُ هذا الاسم إلى خانة البحث أملاً في الوقوع على جانبٍ من حياة هذا الكائن. فصارت تحتَ يدي هذه السيرةُ المُهيبة، للطائرِ الأكثر خُبثاً في العالم. يدّعي ناشرُ السيرة أنّ هذا الكائن الخجول حينَ رصدتهُ الكاميرات، عندما يصطاد، فهو يخرجُ من لا مكان، هادئاً وساكناً، ينقضُّ على ضحيته ثمّ يختفي، هكذا، فجأة. بدا لي وجهُ”كايزر سوزيه”ظاهراً وواضحاً في ثنايا هذا الاستراتيجية العبقرية. ضربةٌ واحدة، ثمّ لا شيء. بعد ذلك من باب الإنصاف قرأتُ سيَر الخمسة طيور المتبقّية حتى لا تفهمَ معاذ الله أني أستهينُ بها وأركّز على الرأس الأكبر. وفيما أتصفّح سيرةَ الطائر الذي هزم أستراليا وجيشها. يُشير الناشرُ إلى الحادثة باعتبارها واحدة من الفقاعات الاستثمارية ويُعيد قراءة التاريخ للحادثة منذ بداياتها. المهم أنه يُلمّح إلى حادثة أخرى شبيهة. فقاعة “التوليب”هكذا دعاها. حادثةُ جنون التوليب في القرن السابع عشر. أقرأ المنشور وأتذكر أني سمعتُ عن شيء كهذا من قبل، أتذكّر، وأقرأ، والعكس صحيح. ثم أتذكّر مشاهدتي لفيلمٍ يحكي عن الحادثة نفسها. ولا يحضرني اسمه، أفتحُ صفحة جديدة على قوقل، وأكتب “tulip” فيقترحُ عليّ اسمَ الفيلم وممثّليه وعلاقاتهم الشخصية وتواريخ ميلادهم وأعمالهم الاستثنائية ويعرض لي صوراً خاصة ومسرّبة من جديد فضائحم، ثمّ أستدركُ نفسي. آخذُ نَفَساً، وأغلقُ تبويبات المتصفح اللا نهائية، أطلقُ طيوري في المدى، وتنفجرُ رائحةٌ في الهواء لا أميّزها، أخمّن أنها توليب، أسمعُ صوتَ بكر سليمان شمس الدين عاشور الناجي اليائس، وأدوّن في هاتفي ملاحظة قصيرة، شهادةَ امتنانٍ أبديّ، هكذا:
كلنا خرجنا من معطفِ Google.

*”كلنا خرجنا من معطف غوغول”: عبارة شهيرة تُنسب لدوستويفسكي عن قصة المعطف للأديب الروسي: نيقولاي غوغول.

شُرف النعاس

أن أتلاشى
لا يعني أن أنتهي
فأنا أبدأ دوما بالطريقةِ ذاتها، بالتلصصِ على الأحبّةِ والاستيقاظِ في خيالاتهم السيئة حينَ ينتبهونَ أني لم أعُد هنا
أو هناك
وحينَ يطمئنونَ على أماكني المهجورةِ وقد صارت حقّاً.
أن أتلاشى ربما يعني أن أقفَ، لبرهةٍ،
وأنا دائمُ الوقوفِ
على الأطلالِ
وشُرفِ النعاسِ
والشفاهِ التي لا تعرفُ
إن كان عليها أن تفكّرَ بما ستقول

لحظةٌ وعصفورانِ في سماء

أثمنُ ما لديّ هي هذه اللحظةُ في يدي. لكنّها ليست لحظتي وحدي. هي لحظةُ الحياةِ بقصصها الغرائبيّة، بشجَنِها وآلامها وهمومها وتعبها وقرفها وعُقدِها وجانبها المُعتم من كل شيء. بما لا يُستعَادُ منها بعد أن تمضي، وبها قبلَ أن تمضي حينَ تكونُ مفتوحةً على كلّ احتمال، وخفيفةً مثلَ معاطفِ النسيان. هي ذكرى طارئة تعبرُ في خاطرَين بعيدين. ورائحةٌ فاتنة تهبّ فجأةً على مكانين. هي الغريبُ في رؤيا، تلتقي بهِ بعد حياتين أو ثلاث. لحظةٌ موصولة بآلافِ اللحظات قبلها وبعدها، موسيقى تنقصها قفلة، ويدٌ تنقصها أخرى. لحظةٌ تترك أثَرَها. “لحظةٌ هي الأبديّةُ، كُلّها مكلفة*”لحظةٌ أشتركُ فيها مع العالم؛ حينَ يزرعني في قصةٍ لا أعرفُ أطرافها ولا نهايتها، وحين يضعني في مأزقٍ بلا أملِ خَلاص، وحين ينسى أن اللحظةَ لا تزالُ في يدي، لكنّي أتصوّرها في كل مرةٍ نقطةً لا مرئية في سماءٍ واسعةٍ وزرقاءَ كحُلم؛ يتقاطعُ عليها وفيها عصفورانِ عابرانِ يواصلُ كلٌّ منهما رحلتَهُ وعزفهُ المنفرد.

*اقتباس من مراجعة لفيلمٍ ما.

HATEmonologue

في ساعات مونتي الأخيرةِ حُرّاً، يصلُ شوارعَ بأخرى مع كلبه، يتهادى مدفوعاً بالارتباك والقلق، يؤجِلُ أساه المُنتظر بين ذراعيِّ حبيبتهِ وطيشِ الأصدقاءِ وهم يودّعونه ويودِعونه أسرارهم الغريبة تارة ولكماتهم الموجعة تارة أخرى. مونتي في ليلته النهائية، ليلته الأفضل في حياته، أمامهُ ساعاتٍ قليلة قبل أن يُرسَلَ إلى منفاه البعيد ليقضي سبعَ سنواتٍ في سجنهِ بعد إدانتهِ بتهمة تجارة المخدرات، ينظُرُ إلى حياتهِ وكأنها حلمٌ ضبابيّ أو محطّةٌ لا تُفتَقد، مُحاطاً بأسئلتِهِ وعذاباته، على طاولةٍ يجلسُ فيها مع أبيهِ ويتناولُ وجبةً أخيرة في العالمِ الحُرّ. ثمّ يتجه إلى دورة المياه فتلمحُ عينه عبارةً منقوشةً على المرآة، شتيمةً ساخطة وساخرة، يقفُ بجلالتِهِ وادّعائه منتظراً طوال النهار ما يدفعه إلى الانهمار بكلّ سخطه وغضبه المتّقد. عبارةُ”Fu*k you”بخطٍ صغيرٍ في الزواية، على هامش المرآة، كانت بمثابةِ قشّةٍ قصمت ظهر البعير. مونتي يردّ على هذه الشتيمة بالشتيمةِ نفسها، على لا أحد، على انعكاسه في المرآةِ رُبما. ثم يسترسلُ انعكاسُ مونتي على الزجاج ويبثّ كراهيته المُخبأة، يبدأها بالمدينةِ وكلّ ما ومن فيها، يشتمُ المشرّد إذ يسأل، وماسحي زجاج السيّارات الأوسخ من أن يُنظّفوا شيئاً؛ برائحة عرقهم النتنة، يشتم الهنودَ والباكستانيين، والكوريين؛ البائعين في مشاتل الورد، يشتم الروس يتسكّعون في المقاهي ويشربون الشاي في كؤوسٍ صغيرة، يشتم السماسرة المحتالين، والبورتريكيين بأعدادهم الكثيرة في سيّارة صغيرةِ الحجم رافعين أعلام بلادهم، والإيطاليين بشعورِهم الدهنية المقرفة، السود الذين لا يمرّرونَ الكرة أبداً، والشرطة والكهنة المتحرشين بالأطفال، وينتهي بأصدقائهِ وحبيبته الخائنة، وأبيه بحزنهِ اللانهائي. يشتم الجميع على حدّ سواء، الغنيّ والفقير، البعيد والقريب، والسُعداء والحزانى. ثمّ يتوقف، ويردّ عليه مونتي. بالشتيمةِ الأبديّة نفسها.”كانت الفرصة بين يديك وضيّعتها”خطابُ مونتي المليء بالكراهية، العنصريّ المقزِّز، أو الحقد الدفين والذي ينتهي به نفسه، كان طريقته في إلقاءِ اللوم على كل الأشياءِ من حوله عداه، كان يفتحُ بوّابةَ الجحيم على كل شيء وينظُرُ من بعيدٍ بحُرقة ومرارة. لاحقاً، مونتي الذي سيميلُ برأسهِ على نافذة السيّارة في آخر مشهدٍ من الفيلم، سينظر إليه طفلٌ في مركبة أخرى وسيكتب اسمه على الزجاج، يبتسم مونتي، ويدوّن اسمه أيضاً ويلوّح. وفي لحظةٍ مثل هذه، يُدرك أنه سيفتقد كل شيء، خاصةً الأشياء التي كان يكرهها.

نسيم

أدخلُ غرفتي
وأتنفّسُ رائحةَ سكونها وعتمتها
كأني أشمّ راحةَ يدِ الخلود
كأني لم أغادرها قبل دقائق صافقاً البابَ ورائي
وماضياً إلى حتفي
كأني ما زلتُ هنا مُذ تُركتُ واقفاً
بعد انتهاءِ مواسمِ الأغنياتِ
والوداعات
يهزّني نسيمٌ عابرٌ لأتذكّر
ويتجاوزني
لأنام

ضوءٌ شفيف

تاريخٌ قديم ولِدتُ فيه
لا يتذكّره أحدٌ في البيتِ، ولا الشموعِ؛ ولا تنهّداتٌ تُطفئها
أسماء كثيرة لا زالوا يندهوني بها
وأسماء أخرى أحفظها كما يحفظُ وديعُ سعادة عابريه
جسدي يقِظٌ وكابوسٌ يهزّه بيديه
لا أنام إلا من التعبِ أو التفكير في جدوى التعب.
لستُ أحداً بعينه وليس في جيبي سوى
مفاتيح صدئةٍ وما يبقيني على قيد الحياةِ والرغبةِ لأسبوعٍ آخر
لا أسألُ عن أحد، ولا أفتح باباً غير هذا الباب،
باب غرفةٍ ينقصُ هواءها أغنيةٌ
وجسدٌ نحيل تحتَ دشِّ الاستحمامِ
يغنّي ولا يفتح عينيهِ
إلّا لأنَّ الأحلامَ تغادرُ نفسها ويظلّ منها
ضوءٌ شفيف عالقٌ بينَ الأصابع

مطر

تولدُ الأغنياتُ من الأرصفةِ
حيثُ نجلس فحسب، ونظنّ أننا نصبحُ شعراءَ بواسطةِ النسيم
أو من شروخِ جسدِ الحائطِ
حينَ همهمةُ الجميلاتِ على الشُرفِ
يصلُ إلينا عبر أقراطهنَّ
وهي ترتطمُ بالأرضيةِ بخفّةٍ،
أو من المطرِ الشاردِ
حينَ يُفاجئ الترابَ بزخّاتهِ الطويلةِ
عندئذٍ
يتصاعدُ الغبار
يتصاعد
الغبارُ
وننتبه

الليالي

منهكٌ ممّا تقترحه الصباحاتُ الجديدة
والأوقاتُ المفرغة من كل شغفٍ وانشغال
من الحاجة لاستنزافِ العاداتِ والبقعةِ المفضّلة من الغرفةِ
ومن قُدرتي المفاجئة
على توديعِ الأشياءِ مرارا
والوقتِ الذي يطفو بين شهوة نُعاسٍ والتخلّص منها
وحتى من الضجرِ
الذي نادرا ما يوصلني
سليماً
إلى الليالي
الطازجة

مايك وبوّابةُ الخسارات

في البدء، قبلَ أن تُرهِفَ السمع لأوّل لغةٍ منقوشةٍ على جدار. قبل ميلادِ أوّل عدوٍ شخصيّ وقبل خللٍ طارئ في سيرِ الحُلم. قبل عطلٍ أوليٍّ في سيّارةِ البيتِ، استيقظتْ فجأة بمزاجٍ لا يسمح. قبل أن تفهمَ العلاقةَ بين يدكَ النائمة ومسارها العبثيّ. قبل أوّل مرةٍ شعرتَ فيها”أنَّ قاطرةً على وشكِ أن تخرج من أحشائكَ*”قبل أن تتدفأ بنارِ الخيانات وتنسى. قبل أوّل لسعةٍ في الأسنانِ أو الذاكرةِ ظننتَها مُزحة. قبل مرّةٍ يتيمة التقى فيها غريبانِ وافترقا دونَ سرٍّ أو ألمٍ غريب في الهواء. قبل أن تنسكبَ في مقهاكَ دونَ أن تُرى. قبل أن تتجرأ على العالم وتُطلق شتيمتكَ الأولى في قلبِ الغرفة ونوافِذُها مُشرّعة. قديماً قديماً، قبلَ أن تفقدَ نفسكَ وتنظر إلى الخلف فيتلاشى كل شيءٍ كان يتبعك. قبل المرةِ الأولى التي ملتَ فيها على جذعِ شجرة. قبلَ أوّل مرةٍ همَّ فيها”عصفوركَ الأزرق**”بالخروج. قبل أن ينفضك إدراككَ المتأخر، وقبلَ أن تستسلمَ لعدمِ فهمِ الحيلة بعد تكرارها. وقبل أن يخسرَ الإنسانُ الأوّل رهانهُ الأكبر أمامَ الحياة، كانَ مايك يجلسُ على طاولةٍ بمزاجٍ توّاقٍ للهرب وجُرحٍ بين عينيه، وكانَ يُقامرُ بحياتِهِ كلّها، للمرّة الثانية.

*اقتباس من الفيلم.
**قصيدة لبوكوفسكي.

نهايةٌ واحِدةٌ طويلة

|

النهاية المثالية
أن تقودَ سيارتك لأطول وقت ممكن
والأغنية تقودك لأطول وقت ممكن
وكوب القهوة بارد
بين المقعدين، ثم تتفاجأ بأن
مكابح السيّارة لا تعمل
وبأسرابِ حمام من بعيد ستصطدم بعد قليل
بالزجاج الأمامي
ويتبعها مجموعة من الجمال، والثيران، والأحصنة، والفيلة، والبطاريق،
والزومبي، والبشر.

||

أو أن تستيقظ في الظهيرة مثلاً
فتظنّ أنك لم تغادر الغرفة؛ لأنك تتذكر نومك داخلها
وتفاجأ بوجودك على الكنبة في غرفة الضيوف
تمشي نحو الباب وتصرخ بأسماء العائلة واحداً تلو الآخر
ولا ردّ، تصل إلى المطبخ
تفتح باب الثلاجة وأنت تحكّ عنقك بأظافرك
وتحدق إلى مالا نهاية
وتنتظر فحسب، الوقت الذي ستتوقف فيه لمبة الثلاجة عن الارتعاش.

|||

أو أن تسافر إلى مدينة غريبة، وتنام من التعب على مقعد في الحديقة، فتظهر لك مارلين مونرو في الحلم، وتقول لك بأنك إذا استيقظتَ الآن فستكونُ مشهوراً لمدة دقيقتين، ثم تذهب، فتفتحُ عينيكَ ببطء شديد، وتسمع صوت الأهازيج والتصفيق والتصفير، وترى الناس متحلقينَ حولك، ويبتسمون لك، تنهضُ وأنت تزرّ معطفك وتمشي مسرعاً إلى نهاية الشارع قبل انتهاء الوقت. مندهشاً مما يمكن للضوضاء البعيدة أن تفعلهُ، لا سيما إن كانت بسببك. ومستمتعاً بصدى التصفيق، الذي شيئاً فشيئاً يصيرُ مطراً ناعماً على النوافذِ حيث تنظر من مكانك.

||||

أو أن تموتَ فحسب، بأقل مجهود
بعيون مفتوحة على الأبدية
أو على سقف الغرفة حيثُ تستحمّ إيستيلا وورن تحت شلّالٍ في أحد أفلامها،
بأصابع لا تشير إلى مكان،
بجسد يتوه في وضعيتهِ المناسبة،
بدفء لا تنزعهُ الثرثراتُ العائلية،
ولا الصوت الأثير حين تعثر الأمّ دوماً في النهايةِ على اسمك في نسيانها، وتقول أنها الطبخةُ التي تحبّها، حتى وإن كنت لا تحبّها حقاً،
بجوارب ملوّنة لا تصلحُ في الأماكنِ العامة،
حيث تذهب الآن.

|

أو أن تستلقي على سريرك، الشيء الوحيد الذي لا يمكنه أن يخونك
تراقب أغانيكَ التي لم يعد بإمكانها الانتقال إلا باللمس؛
عائلتك التي فقدتَ أعضاءها لفرطِ ما حافظتْ على تكرار دهشتها الأولى حين تعيد تشغيلها
تتذكر بامتنانٍ عاداتك السيئة
وتدندن مقطعا غنائيا
تعرف أن أمكَ تغنّيه في مكان ما من العالم في ذاتِ اللحظة،
وتنتبه وأنت تتضاءل
إلى أنك لم تمتْ مطلقا؛ لا بسببِ الوحدة
ولا بأسباب أخرى مجهولة

||

أقول لنفسي
انتبه. العالم ينتهي بعد أول إطراقةِ رأس
وأحاول عندها البقاء يقظا
حتى وأنا أعرف أن كل المشاعر في العمق تتفتّت إذا استمرّت **** في الغناء
حتى وإن كنت أعرف
أن هذا الوقت؛ هو وقتُ الحيوات المستخدمة، حيوات قديمة نرتديها لنخفي وحشةَ اللحظة
اللحظةُ ذاتها
التي أسبقُ نفسي بها، وأهزّ رأسي لأنتبه
فقط لأني لا أحبّ النهايات
ولا أفضّل أن ينتهي العالم
والأغنية لم تنتهي بعد

|||

بقيتُ ساكنا في سريري
لم تصدُر عني نأمة رغبة، وما ساعدتني يدي على اكتشاف خطأ في الفتور
جسدي الذي ظلّ يتلاشى بسبب
تحديقهِ الممل، وتبريره السخيف،
وأغنياته العابرة
ذكّرني كثيرا
بأننا لا نختفي كليّا من وقت لآخر
بل نغيّر أماكننا في الروحِ والذاكرة والغياب
حتى نصير عصيّينَ على الملاحظة
ونخدش حياتنا قليلا
لتسيل هيَ وحدها مرة أخرى

||||

أن تتبخّر، لكن ببطء قاتل مثل ظهيرة
ذكرى حالمة وبريئة تصيرُ
وقصةً مرعبة عن الغرف العلّية
تعود أبدا
بعد عشرات أو مئات السنين
ورغم عفونة الندم وبلاهة الأخطاء
تصرّ على الاحتفاظ باختياراتكَ السابقة
خطواتك نفسها ورغباتك ذاتها
لأنكَ مهما فعلت، تدرك أن الأمر ينتهي دائما بهذه الطريقة
أن تتبخّر. . .
ببطء قاتلٍ
مثل

|

الوقت كافٍ لكتابة أكثر من نهاية
لتخيّل العشرات، للارتطامِ بأقلّهن دهشة وإغواء
للاستعداد لقدومهنَّ الفوضويّ أو التسليم
للامتنان لتأخرهنّ أو نسيانهنّ
لتجربة إحداهنّ في الهواء الطلق
وتبنّي أخرى
لكن الروحَ كما هي مذ عرفتها تفضِّلُ
لحظة الارتماء الخالدة على سرير الضجر

||

لدي فكرة بدائيّة عنها
لحظةٌ أتخيّلها تكونُ قبل التلاشي برَمشة
قبل الموت بانتباهة
لحظة بطيئة أرى فيها نفسي تعيد فعل ما عوّدتها على فعلهِ طوال سنين
كأسٌ زجاجيّة إلى وسط الطاولة
رغبةٌ حادة إلى ولادتها المتعسّرة
وطفولةٌ تأخذ بيدي
وآخذ بيدها ولا نصل أي مكان

|||

متمنّيا نهايةً تليقُ بما لا يعدّها الآخرون حياة من التضحيات
انتظرتُ طويلا حتى انتبهتُ أنها هي ذي نهاية جاءت بقدميها
بما فيها من سمر وشَجْو
أمام مرآة الصباح وتحت رحمة نوافذ الصيف المشرّعة واقفاً
بأقل مجهود في الثبات
بآخر كلمةٍ تحتفظُ فيها الشفاه
قلتُ:
أستسلم وتنهّدتُ

||||

سينتهي العالم مرّة
لأنه سيميل لتصديقِ افتراضاتي الطارئة
أمام إشارة مرور حمراء
داخل سيّارة مُصابةٍ بالخَرَف ونزلة معويّة
هناك ما يكفي من الانتظار لمراجعة كل ما في الدنيا من احتمالات
لكن النظرة السارحة باستهتار
تعي أن كل هذا سيتداعى بعد لحظات
وأني لا زلتُ كما أنا في أي لحظة قبل هذه وبعدها؛ جزءٌ صغير وتافه
من هذه المهزلة الكُبرى

|

لم أعد أترك الأغنياتِ في الصناديق
توقّفتُ عن كوني ساعيها الأول وابنها الشقي
يخيفني من ستكون له هِبةُ مباركة الأغنيات وتسميتها بأسماءِ أصحابها
أن يكونَ لي مصيرها المجهول
وتدفّقها الحتميّ
يُرهبني أن أنتهي كما أغنيةٍ لم تخترْ
ولم تشأ
أن يبعثني مرارا دونَ وعيٍ
من ببراءةٍ يبحثُ عن خلاصه

||

من بين كل النهايات المحتملة تروقني واحدة لا أتحدّثُ عنها
نهايةٌ تحدثُ لي باستمرار
تضطرّني للتواري خلفَ صورتي الأولى
وتحتفظ بي لأطول مدّة كأني حيلتها الأخيرة
ما زلتُ طفلا يتمرّنُ على بكائهِ في مواقف الانتظار وفي طريق العودة إلى البيت
الصارفَ انتباهه إلى أشياء أكثر عبثا وتوهّمات أشهى مما يجري
لكني حينَ أمشي، أضحك، أهوي، أذوب،
أحنّ، أستعرُّ رغبةً في الغياب أو الخلود
أعرف أنه يجب عليّ أن أنتظر
وأنه سيحين وقتي.، ربما

|||

لا أروي حكايتي إلا على من يعرفُ ثقةً أنني قطّعت أجزاءها وأخفيت بعض تفاصيلها ليتسنّى لي تكرارها من وقت لآخر
لا أخاف إلا من حكايا اؤتمنتُ عليها
وأظنُ أنه سيجيء وقت وتظهر
على أطرافي
بقعٌ وندب صغيرة
ولن يعرف أحدٌ لمَ

||||

أتطلّعُ إلى نهاية دافئةٍ لا تُفسد لحظة انغماسي في الخطايا ولا تُخرجني مبكّرا من الصورة الأولى
تستهلكني على مهلٍ كأني قدرُها وهي حِرزي
أريدُ لها أن تدوم معي
أن تأخُذني أخيرا بصفائها التام
طفلاً مُمسكا بيدِ أبيه في ذكرى حالمة
أو غريقا يفتح عينيه جيدا
تحت ماء الوَهم

|

هذه نهايةٌ تشبه سهولة التنقّل في ظلامِ المساحات الخاصة
لها ذات تأثيرِ الإنصات إلى تهويدةٍ لا تخصّني تماما
ولها تأثيرُ الوقوفِ طويلا أمام مرايا الصباح بلا عيونٍ مغرورقة بدموعِ الندم أو الضجر
نهايةٌ أتذرّع بها في الغياب والتباطؤ وأتدرّب على انتظارها كما رغبتُ دوما
هي لي وأحيانا للشخصِ الذي أكونه
بعد انتهاءِ الأغنية
أو بعد
فقدان الأمل

||

الصباحُ سيّدُ الإيقاع المجهول والاحتمالُ الأوّل لكل ما هو نهائي
حين بإمكان أغنيةٍ صَقْلي وباستطاعة قصيدةٍ نفضَ غباري
حين أسير طوعا لرغبة الطفل وامتثالا لصدى الكلمات
حين القليل من الوضوحِ يكفي
والقليل من ذكرى الوضوح يكفي
ويكفي أن أُسلِم روحي في صباح خامل
لأي تعبٍ طارئ
ولأي هاجسٍ يمر

|||

أنتهي إلى أحلام مُفزعةٍ أقلّ ما يقال عنها أنها اجتهادٌ شخصيّ وجحود ذاتيّ
إلى حياة كما لو في صورتها الأولى
يُمكن أن تُستعادَ-فقط-بالتخلّي عنها من وقتٍ لآخر
وإلى انطفاءَةٍ تروّضُ اللهفةَ الحمقاء
وأيّام تفيضُ عن الحاجةِ
و”أجساد
لم ننسَ أنّها ضيّقة المصائِر*”

*سرگون

||||

أمتنُّ للتعبِ إذ ينالُ حتّى الرغباتِ الملحّة في الهرب
أتوقّف وأنتظر مفاجآتِ العالم السّارة والملعونة
بما يكفي لأن ألتقي بما فاتني من الأشياء أستريحُ
وبما يكفي لأستوعبَ المصادفات الكونيّة والألمَ
والرؤى والعيون في شقوقِ جدرانِ الغرفة
أنتظرُ فحسب،
فالمحطّاتُ كثيرةٌ،
لكن الصوتَ البعيد
ما يزال يُطربني

صخب

ما يمنعني عن تصوّرِ أن يكونَ هذا الصخبُ المستديم
‏وصوت المساميرِ التي ينحتها جيراني في قلب الجدرانِ
‏معزوفةً منسيّة ‏أو لحنا ذائبا في القِدَم
أو حتى مقطعا فالتا من قضيّة العم أحمد
‏هو خوفي من أن تخترقَ المسامير والدريل الضَجر عظامي الناتئةَ
ويصبح هذا الجدار نَعْشي الطائر
‏ويفسدُ حينها شكلَ الغرفة
ما يجعلني أكفّ عن انتظارِ نعيم اللحظة الخَدِرة الساكنة
هو إيماني التام بإنها إذا ما جاءت حقا
فلن يكونَ بوسعي تحمّلها
أو تصديقها حتى

نرسيسٌ عنيد ونوارسُ بيضاء

أُغالب نرسيساً عنيداً في داخلي يضمُّ إلى صدرِهِ ديواناً لا أميّزُ الاسمَ ولا العنوان على غلافهِ ولا أتعرّفُ الأغنيةَ التي راح يدندنها. أغالبهُ كُلّما كتبتُ شيئاً تحتَ تأثيرِ موسيقى أو هذيانِ حمّى أو نسمةِ فجرٍ قريب، كُلّما استعرتُ رؤيةَ طرفٍ ثالثٍ ورابعٍ وإلى ما لا نهاية، أو أشعلتُ شمعةً في مُخيّلتي وأمامها بخشوعٍ كتبت. كلّما فتحتُ عيوني على أثرِ غائبٍ، أو صدّقتُ ببلاهةٍ نشوةَ أنّ هذه الفكرةَ جاءت لي وحدي من أبعد مكانٍ في العالم حتى تحطَّ بينَ يديّ كفراشة، أو خلتُ أنّ الابتداءَ بهكذا كلمة خطأٌ سافِرٌ وأنّ الانتهاءَ إليها خطيئة لا تُنسى، أو انتظرتُ الفكرةَ العبقريةَ الـ تتمنّعُ على التدوين. أُغالبُ نرسيساً عنيداً في داخلي كُلّما انتهيتُ من كتابةِ نصٍّ تتغيّرُ نظرتي إليهِ بعد ثانيتين من شعوري بأنّي الوصيُّ على هذه اللحظة الثمينة. أغالبُه حينَ يسبقني في نشرِ هذه القطعة الفريدة للعالم. ويهزمني في تحقيقِ أُمنيتي الكسلى في أن أدوِّنَ قطعةً واحدة طويلة تبدأ من طفولتي وتنتهي في آخرِ الأيّام. أقلّب أوراقها بينَ يديَّ للحظاتٍ، ثمّ أُلقيها من نافذتي المُطِلّة على البحر. تصيرُ نوارِسَ بيضاءَ تحلّقُ بعيداً بعيداً.

أنين اعتيادي

كل الكوابيس
والشفاهِ التي أحبُّ
والخيالاتِ الصبيانية
والأرضيات المتّسخةِ وهي تستقبلني بحنانٍ،
والموتى، والأحياء على وشك الموت
لم يتمكّنوا من شدّ انتباهي، استيقظتُ
بسبب أنينٍ اعتياديٍّ لآلات تحفر في الخارج
حيثُ السرير يهتزّ، ومن تحته الغرفة، والبيتُ
وما على الرفوفِ يسقطُ، وما نخبئهُ عميقاً
في الذاكرة حتى ننساه
بضميرٍ مرتاحٍ،
ربما

خطيئة

أجدُني
بعيداً عن سريري
مطروداً من أحلام لا أتذكّر منها تفصيلة واحدة
ولم تترُكْ على لساني حكمة أعاندُ بها
مصيري
الذي يسحبني نحوَ ملاذٍ يبتعدُ ويتلاشى أمامَ عينيّ
ووراءهُ بإصرارٍ غريبٍ أزحفُ
كأني أكفّرُ
عن خطاياي

ابنُ الغرفة

أعرف أشياء قليلة وتعرفني أشياء أقلّ،
بكلّ جحيمها الهلاميِّ وهو يتسعُ لصراخِ الرغبات داخلي تعرفني الغرفة
بكلّ اسم هذيتُ بهِ في منامي
حينَ لم يغلق أحد صنبور الذكريات أو الأحلام
تتذكّرني الغرفةُ،
لأني ابنها الوحيدُ؛ الذي حتى وإن غادرتها
لا أغلق البابَ حتى النهايةِ
كأنما أسمحُ لخيطٍ من النداءاتِ والصلوات
أن يمتدّ ليعيدني إليها
سالماً من التوهانِ في ارتعاشةِ الحنين
وحمّى الغياب

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ