اقتفاءُ شاعرٍ ولحظةُ الغياب

مُعطَّلاً عن حياةٍ عشتُها وسأعيشُها كيفما كان، خفيفاً مضيتُ عن حياةٍ أحياهَا بأقلّ مجهود. خفيفاً وطافياً كأنما اصطادتني موسيقى غريبة وستأخذُني إلى مكانٍ ما. وكأنَّ حنيناً عميقاً أذابني وأنقذني من هذه الورطة. هل هذا ما يشعُرُ بهِ من اقتفى حياةَ شاعرٍ أحبَّهُ، ومشى في ظلالِها؟ هل هناكَ يدانِ طويلتانِ كفاية لتتحسَّسا وجهاً هامَ فيه؟ ورغبةٌ مجنونة لعبورِ منافيهِ الأثيرة ومُدُنِهِ التي لا تُحصى؟ ومخيّلةٌ أخرى للتطفُّلِ على آلامِهِ وآماله وعذاباتِه؟ وأصدقاء كثُر كانوا دوماً في الصورِ على بُعدِ قصيدةٍ أو هاجِس. أمشي في مكاني، وأحفرُ بيدي وتنهيدتي في ذاكرةٍ لم تأذن لي، وأبتسمُ طويلاً حينَ أكون في اللحظةِ الطائشة في القصيدة إلى جانبِ سيّدها؛ في ظلالِ جدار، أو في الطريقِ إلى المطبخ، أو نفقِ مترو*. وفي لحظةٍ أنتبهُ وأعودُ خالياً إلى حياتي، تلكَ التي لن تُذكَرَ-بالخطأ-في حديثٍ جانبيّ، وآملُ أن يسامحني العالمُ على لحظةِ غيابي القصيرة.

*أماكنُ ولحظات من قصائد لسرگون بولص.

عُرضةً للمحبة

الجميع يحبّني بعد أول خطأ
كأنهم ينتبهونَ إلى مقدرتي على تجربةِ الأخطاءِ مثلهم
الأعداءُ يحبّونني أيضاً
لأني أذكّرهم بأنفسهم
وبما ينتظرونه من الآخرين
أمّا الأصدقاءُ فأنا اخترتهم خصّيصاً لعدم استطاعتهم التامةِ على المحبّة
وإنما لمقدرتهم الحذرة
على الادّعاءِ والتظاهر

فَجْر

تركتُ الأغنيةَ تغفو في أذنيّ ونمتْ
دونَ انتباه للعالم الذي غمرتُهُ بهذا الصمت الفسيح
ولا لغوايةِ الأسئلة تسيلُ تحت الوسائد
الفجرُ الشفيف ما تسمحُ بهِ النوافذ والستائر والأرواح
أما الصباحاتُ الساحرة فطافحةٌ بها عزلةٌ ترفضُ المشاركة،
انتبهتُ
ولفرطِ ما نَبَشتُ قبرَ اللحظةِ ودفَنتُني في شرودها
تركَتني الأغنيةُ أغفو في أذنيها
و…..

Movies

كتبتُ في أوّل السطر-أنا-ثم استدركتُ أنه ما من أبشع من تدوينة تبدأ بأنا. لكن ها أنذا من جديد، أكرّر الكلمةَ بوحشية مُفزلَكَة ومزعجة. والمهم أني سأحاول التخفيف من الجُرعة هذه المرة. أنا مع من يقول أن المشاهدات والقراءات تكونُ تجربةً مختلفةً وأقرب للنفس ورضاها إذا ما وقعت عليها بنفسك. يعني، أن الأفلام والكتب وغيرها نتيجةَ بحثٍ وتقصٍّ تكاد تكون نوعاً من الاستشفاء الذاتي. أيش؟ ما علينا، لعلّ الفكرة وصلت. من ثلاث سنوات تقريباً أُغرِمت بحبكة فيلمٍ تابعته وخاتمته الساحرة ثم وجدتني أكتبُ عنه نصّاً قصيراً، ومنذ ذلك الوقت وأنا أدوِّنُ عن الأفلام-وأتحذلق في تغيير سيناريوهاتها أحياناً-ما أسمّيه شذرات/لمحات عن مفهومٍ ما، فكرة، حوار، لقطة سينمائية من الفيلم، أنشر أغلبها. وأظنّ هذه محاولة لمغازلة الذاكرة، وتغذيتها بالتفاصيل، وشحنها بالاسترسال حتى تتعطّف وتبذل جهداً أكبر إذا صرتُ بحاجتها في أي وقت. ولكنّي سأتواضع هذه المرة بإذن العليّ القدير وأترك لكم مجموعة أفلام دون ثرثرةٍ عنها وحولها. سأعرضُ سبعة أفلام-شاهدتها مؤخراً-تتنوّع تصنيفاتها وقصصها، ليس من بابِ التوصية بالطبع، لأني أحبّ الموصّينَ ولا أحبّ أن أكون منهم.(ولا سينمائياً، ولا سيناريوهيّاً، ولا بطّيخاً) لكن من بابِ مشاركة بعض المفضّلات ونبشِ ذاكرة الأفلام واستدعاء اللحظاتِ الشاهقة؛ مُتسمّراً أمام شاشة وفي العيونِ دمعةٌ، أو ابتسامة تضيقُ عنها الغرفة. سأحاول الاختصار بكتابةِ سطرين أو ثلاثة عن كل فيلم، محاولةُ لملمةٍ وشحذُ أطرافٍ أحياناً، وستنتهي التدوينة بصورة جماعية للأفلام كعائلةٍ تتبرأ منّي.

1.wonder boys (2000)
أسبوعٌ حافل بالمصائب ينتظر جريدي، الكاتب الذي لم ينشُر شيئاً منذ سبع سنوات، يعيشُ على ذكرى المجد ويكتُب كأن العالم سينتهي غداً. يجدُ نفسهُ عالقاً مع شابٍ عبقريٍّ موهوب وغريب أطوار. أيّامٌ هستيرية على الأبواب، ونحنُ ننتظر.
كوميديا/دراما

2.Sleepers (1996)
أربعةُ صبية دفعت الحياةُ وأهوالها عجلةَ أيّامهم وحيواتهم. بسبب خطأٍ طائشٍ لا يُغتفر يُرسلونَ إلى إصلاحيةٍ أفسدَ من فيها وشوّه كل براءة بهم. عُقد الطفولة وعتمتها تكبر وتتبعكَ مثل ظلالك. بعد عشر سنوات يلتقي الأطفالُ الذينَ تعطّلت حياتهم في مكانٍ بعيد وقديم. وتبدأ قصةٌ لم تنتهِ.
جريمة/دراما

3.catch me if you can (2002)
يروي سيرةَ فرانك أباغنيل المُراهق المُزيِّف والمتلاعِب. ليوناردو الذي لعبَ الدور، بدا كأنهُ يرتجِلُ الاحتيال. من طبيبٍ إلى طيّارٍ ومُحامٍ. المراهقُ الذي وجدَ أن الانتقالَ في السماء أسهل من الركض على العشب كانَ أسبقَ دوماً بخطوة.
سيرة ذاتية/جريمة/دراما

4.Rear Window (1954)
المصوّر العجوز بكسرٍ في ساقهِ يجد نفسه مضطرّاً للجلوس أمام النافذة ومراقبة نوافذ الجيران. تلك القصص الفائضة في التفاصيلِ المربّعة المقصوصة من حيواتِ الآخرين. وفي لحظةٍ ومن هذا المكان النائي يستنتجُ ويرى ما لا يُرَى.
غموض/إثارة

25th hour (2002).5
في يومِهِ الأخير حُرّاً طليقاً قبل أن ينتقلَ إلى بلدة سيُحتجز فيها سجيناً لسبعةِ أعوام. اليوم الذي لهُ جناحا فراشة وأثرُها(وأفضّل ألّا أحكي عن أفلام نورتن لأني سأطبّل، وربما أفتَحُ مناحةً)والصورةُ الأولى تكفي.
دراما

6.The Usual Suspects (1995)
الأشخاصُ الذينَ تصفّهم في طابورٍ وتستجوبهم لأن ذلكَ هو الأمر الطبيعي لفعله. المشتبهون العاديّون. خمسةُ رجالٍ يردّونَ على اتّهام الشرطة الباطل بعمليةٍ مُحكمة. لكن خلال ذاك يتورّطونَ مع مجرمٍ خطير. وهنا تبدأ الحكاية.
غموض/إثارة/جريمة

7.the hunt (2012)
رأساً على عقب. الحياةُ التي تهزّها إشاعةٌ وتقلب أحلامها إلى كابوس طويلٍ ومستمرّ. لوكاس، معلّمٌ وحيدٌ، ومحبوب. تتّهمه طفلةُ صديقه القريب-في الحضانة حيثُ يعمل-بالتحرّش. وبسبب كذبةٍ يتعقّد عالم لوكاس ويُصارع وحشاً مُتسلّطاً اسمه الناس. حياة، تختفي، بنفخة.
دراما

هذا وشكراً لحسن استضافتكم. ومشاهدة ممتعة، إذا حدثَ. نراكُم في تدوينة أخرى. يفتَح الله.

وحشيةُ الإشاعةِ والكذباتُ الصغيرة

حكايةٌ عن أحدِ رجالاتِ الضيعةِ صالح، المعلّمُ البسيطُ كانَ مُختاراً لإلقاءِ خُطبةٍ في حضورِ شيوخ القريةِ وأهلها، وأثناءَ ما كان يخطبُ سقطَ شرواله الفضفاض إلى كعبيهِ فضجّت الضيعةُ بالضحكِ والصراخ. شروالُ صالح الذي صارَ حديث الناسِ ولُبّ حواراتهم أرغمَهُ على الارتحالِ والغياب. وبعد عشرينَ سنةٍ عندما هزّهُ الشوق وأمالتْهُ الصبابةُ، عادَ يُرشِدهُ النسيم والحنينُ والناس إلى ضيعتِهِ ومسقط رأسه(كَفْر الصفصاف)ولمّا وصلَ، وجدَ أن الضيعةَ ومقهاها ومقبرتها سُمّيت بضيعةِ(اللي فِلِتْ شرواله)
تذكّرتُ هذه القصة لحظةَ توقّفت فيها الصورةُ وعادتْ الموسيقى في فيلم”The hunt”ورغمَ أن هذا الأخير لم يفعل شيئاً، ولكن ما يُشاع وحده مقبرةٌ جماعية نلتقي فيها جميعاً. يروي الفيلم قصّة لوكاس، معلّمٌ محبوب بينَ الجميع وفي مدرسةِ الأطفالِ حيثُ يعمل، كلّما حضرَ تخاطفتهُ الأيدي والعناقاتُ والقُبلُ البريئة. يضيعُ كلّ هذا وتنقلبُ حياته عندما تكذبُ طفلةٌ كذبةً صغيرة بحقّه ويصيرُ في عيونِ الآخرين أقلّ من حشرة. جرجرَهُ هذا الزَعم، وتلاعبت بهِ الحياةُ كما اشتهت. وفي المشهدِ الأخيرِ بعد أن حصحصَ الحقُّ وانتهى كل شيء. كان واقفاً في الغابةِ ورصاصةٌ طائشةٌ مرّت بجانبِ رأسِهِ واستقرّت في الشجرة. إنها الإشاعةُ نفسها، لها خبرةُ صيّادٍ وضحكةُ شيطان. كانت تهزأ منهُ وتُغذّي ساديتها الوحشية.

كوكبٌ بعيد ومناحةٌ جماعية

إذا أردتَ أن تُلقي نكتةً في قلبِ غرفةِ انتظارٍ متوتّرة، إذا أردتَ أن تُسعفَ صديقاً حزيناً بنكتةٍ لا تُقاوَم، إذا كنتَ تحاول إنقاذَ لحظةٍ شعرتَ فيها أنكَ ساذجٌ وخارج المكانِ، إذا تورّطتَ بطفلةٍ تبكي بين يديكَ قُل إنكَ:”وصلتَ للتوّ من كوكبِk-pax” لكن، لو للحظةٍ واحدة، تخيّلَ أننا في إغماضةِ العينِ وحمّى الألمِ ومرارةِ التجربةِ نصيرُ إلى تلكَ البلادِ البعيدة، اعتبرْها مدينتنا الفاضلةِ، تخيّلها مخرجَنا من المأزِقِ الأبديّ! على ذاكَ الكوكب الذي اخترعتْهُ عقولنا هرَبَاً من الاصطداماتِ المبكّرة، ومن تجارِبِ الطفولةِ، وعفونةِ الخيبة، ومآسي المُخيَّلة المُعذَّبة؛ وفراراً من الظنونِ وسوءِ الفهمِ والتقدير، ونَزْعةِ الغضب وغيابِ الذينَ نُحبّ، وانكسارِنا الأثيرِ على الأسرّةِ والأرصفة. تلكَ الصورةُ المعزولة عن الأخريات، ذلكَ المكانُ الآسرُ بصفائِهِ وبركاته، بالمنفيين فيه والغائبينَ عنه. لو استطعنا عنَ طريقِ اختلاقنا الانسحابَ، ووجدنا هناكَ في بصيصِ النورِ كوكباً مُعلّقاً، حياةً أخفّ من هذه، أكثر مرونَةً وألفة، وتبعنا مصائرنا إليها، وتحلّقنا حولَ”زهرةِ اليورك، وشممنا عبيرَها خلالَ النسيمِ العليل*”ثمَّ بعدَ كل هذا، تخيّلَ أنكَ انتصبْت بيننا وقلتَ:”إنكَ ذاهبٌ إلى كوكبِ الأرض.”هل ستتوقّعُ شيئاً أقلَّ من أن تختنقَ الأنفاسُ ويتحوّلَ الجوُّ إلى مناحةٍ جماعية؟

للهواء

كتبتُ للهواء
ففي النهايةِ تظلّ النصوصُ التي كتبتها في الحلمِ والسهوِ
على بلاطٍ باردٍ وتحتَ رغبة ساخنة
مفتوحةً للاحتمالات على حدّ سواء
غير مدفوعة بفضول الخواتيمِ ولا سطوة نقطة المصير
مُعدّةً للنسيان وقابلة للقراءات العابرة
كتبتُ لاستنزافِ هواء حياةٍ كاملةٍ من السكون
أو لقطعِ مسافاتها بأقلّ مجهود وبلا انتباه
وللسخريةِ ممّا أوحته لي نسمةٌ أو عرّفتني عليهِ عاصفة
وللهواءِ
هواء وَحدةٍ نُغطّيها بالعناوينِ
وتدثّرنا بتفاصيلها
الباهتة

الاعتذارات

كلّ ما أحتاجه لأقول أني تَعِبٌ أن يُلفظَ اسمي في مكانٍ ما من العالمِ
برويّةٍ وحميميةٍ وكأنه لن ينتهي
ليسَ قبل أن أعرفَ الحكمةَ المفقودة في حكايا أمي حين لا تعثرُ على خيطِ البدايةِ وتتوه في التفاصيل
ليس قبل أن تخرجي يدكِ من شعرك
وتحاولي لمسَ”حياتي التي فشلتُ دائماً في لمسها”*
ولا قبلَ أن أكسبَ الرهانَ وأعرفُ من يُنادي وراءَ الباب
وبالطبع
ليس قبل أن أغفو وأنا أفكِّرُ
بالاعتذاراتِ
التي لستُ أعنيها حقاً

*الاقتباسةُ لإيمان مرسال

“الوقتُ هوَ عدوّي”

على هامشِ غلافِ الفيلم(1917)ولكن بشكلٍ فاضِحٍ لا يُمكن تجاوزهُ، كُتبَ”الوقتُ هو العدوّ”حينَ قرأتُها تفتّحتْ في البالِ ألفُ معركةٍ وعُلِّقتُ ضحيةً ورضيتُ بالخنوعِ وفتحتُ عيني على هذه العبارةِ الصغيرةِ وقد استدعتْ شبيهاتها وذكرياتِها الشاعريّة فتذكّرتُ سرگونيّةً”هُنا حيثُ أتدرّبُ على الإيماءِ السالبِ منذُ الظهيرةِ، وأتعلّمُ كيفَ أقتلُ وقتي كأنّهُ عدوّي”وتفطَّنتُ لأخريات، وشعرتُ أني فوَّتُ واحدةً بينهنَّ ورحتُ أشاهدُ الفيلم. وفيما الجُنديّ المجهولُ حاملاً طوقَ النجاةِ، يعدو عكس اتجاهِ الوقتِ، يُدافِعُ ويُزاحِم ويُغالِب دموعه، يتنقّلُ بين الثكناتِ وتغوصُ يدهُ في الأجسادِ المفتوحةِ وأحشائِها، يلتقي بطفلةٍ تتعرّفُ على أناملِهِ وسطَ هذا الجحيم، يعدو وتتبعهُ الكاميرا مثل ظلالِهِ، يقفِزُ كغزالةٍ في النهرِ، ويخرُجُ من بينِ هذه الجُثثِ كناجٍ أخير، ثمَّ يتبعُ ذاكَ النداء السحريّ العذب في الغابةِ ويميلُ برأسِهِ على جذعٍ شجرَةٍ ليستريح. خلالَ كلّ هذا كانت أُغنيةٌ تعتملُ في ذهني، أغنيةٌ تذوبُ في روحي مثل سرٍّ صافٍ، تلكَ الأغنية اليتيمةُ لكريستوفر فوجلمارك بعنوان(الحُبّ كانَ عُذري-Love Was My Alib)والتي تبدأ هكذا:
“Time’ll be the enemy
When you’re locked in a world of pain*”

كريستيان بيل سيّدُ اللحظةِ

2:12:28

بعدَ مرورِ ساعتين-تقريباً-في فيلمِهِ الأخير لم تكُنْ ثمّةَ صورةٌ ولا موسيقى، لا مشهدٌ حاضر ولا ماضٍ يتكشَّفُ في المرايا. كان بيل وحدَهُ خلفَ المقود والمجْد، وكان هطولٌ خفيٌّ للرغباتِ وهي تتنازعُ وتئنُ تحتَ حاجةِ التخلّي. بدا كأنه على وشكِ أن يحلِّقَ على ظهرِ تنهيدة، ويدهُ الثابتةُ المنعطفَ الوحيدَ الذي لم يختبِرهُ بعد، وكانت شفتاهُ الممطوطتانِ تبحثانِ عن أغنيةٍ ضائعة، وابتسامةٌ صفراء لمعتْ إثرَ التسليم. كريستيان الخفّاشُ الليليّ ببحّةِ صوتِهِ الأخّاذة وجناحيهِ المبسوطينِ على العتمات(فارسُ الظلام-The Dark Knight)والمخبولُ صاحبُ المنظرِ البهيّ والطلعةِ الوضّاءة، ابنُ التهيؤاتِ المنفِّرة والمجنونةِ وصديق الظُلُمات المثاليّ(مختلٌّ أمريكي-American sychco)والعبقريُّ الوفيُّ لخُدعتِهِ الخالدة، رجلُ الأسرارِ والتضحياتِ وخفّةِ اليد الناقصةِ التي لا تُرَى(العَظَمَة-The Prestig)والنحيلُ المؤرق العالِقُ في يَقَظةٍ معذِّبةٍ وأبديّة(الميكانيكي-The machinist)كان جالساً على عرشِهِ وكانَ سيّدَ اللحظةِ وكانت طوعَ يديهِ لكنّهُ رماها بعيداً، وانتظر.

براد بيت حمّالُ الأسيّة

يبدو وهوَ يكسِرُ إطارات الصورةِ ويلجُ داخلها بفكّهِ العريض وسيجارتهِ المتدلّية دوماً على عنقهِ مثل تميمةٍ غيرَ مهتمٍ، كأنه نذرَ على نفسهِ ألا تلتقطهُ عينُ العدسة. الوسيمُ بشقاوتِهِ المعهودةِ والحزينُ وهو يكملُ دورةَ الخطايا السبع. البطلُ الثوريّ في أعماقِ كلّ منا والضميرُ الحيّ الذي لا يكفّ عن النداء. والكائنُ الذي وحدَهَا الرغبةُ من تستدعيهِ وتستضيفهُ المُخيِّلَة(نادي القِتال-Fight club)إلى المحاميّ وقد شوِّهت طفولتهُ وصارَ مستعدّاً للتضحيةِ بكل شيءٍ من أجل أن ينامَ ليلةً في العتمةِ بلا خوف(النائمون-Sleepers)مروراً بالغجريّ العبثي أحد الخيوطِ الأربعةِ لحكاية الماسةِ المسروقة(خطف-snatch)والمحقّقِ الذي بنشيجهِ المؤثرِ ضاعفَ معنى الرفضِ والسخط(سبعة-se7en)ثمَّ انتقالاً إلى ابتكارِ المآلاتِ الجديدة في شخصيةِ جزّازِ فرواتِ الرؤوس(أوغادٌ مجهولون-inglourious basterds)براد بيت بكلّ هذه الشخوصِ السابحةِ في تعريفٍ آخر، الغرائبيةِ والمُظلمةِ الصعبةِ على التشريح يُرَى الآن بعيونٍ مفتوحةٍ على اتساعها لأنهُ الجُنديّ المجهول، واليدُ الثانويّة، صفوةُ الاحتمالات، الدوبليرُ وحمّالُ الأسيّة، لمسةُ الريشةِ الأخيرةِ.. والتي بدونها تصبحُ اللوحةُ خاليةً من المعنى والروح.

خَدْش

بالصُدفةِ تنبّهتُ
إلى الغضبِ والكراهيةِ اللتانِ تملآنني
وتعميان بصيرتي
مثل خدشٍ حصلتُ عليه في الحلمِ
حينَ استيقظتُ
وأمام المرآةِ، رأيتُ خيطاً أحمرَ ينتهي عند مؤخرةِ عُنقي
ولست أدري
أين يبدأ

مايكل دوغلاس والسقوطُ الحُرّ

لم أُغمِض عينيّ قطّ إلا ورأيته يَهوي من أعلى سطحِ مبنى، بيأسهِ التّام وذوبانهِ الدائم في حياةِ الرتابةِ، مُعلّقاً في الهواءِ تحفُّه ذكرياتهُ ورؤى الطفولةِ أثناءَ سقوطهِ الحرّ. ابنُ الميلاد، الكَهْل الرزين بشاربهِ وذقنه المحلوقين بعناية، وبشعرٍ مُصفّفٍ لا ينكشه سوى الافتقارُ إلى المنطقِ، وغريبيّ الأطوار. مايكل بيدهِ المُقيّدةِ أبداً إلى حقيبةِ عمل، وبمسحةِ تَرَفٍ لا يُمكن تفويتها، وجدّيةٍ تُحيّر مُنسّقي الهدايا وتُحرّضُ على الارتجال. الداهيةُ الذي بكلّ خبثٍ خطّطَ لسلبِ الروح(جريمةٌ مثالية-a perfect murder)والشُجاع حينَ ردمَ خاطفَ ابنتهِ جيسي(لا تتفوّه بكلمة-don’t say a word)والأعرجُ وهو يرى صفحاتِ كتابهِ الأثير نوارسَ تُحلّق في الفضاءِ وفوق البحر(أولاد مذهلون-wonder boys)مايكل دوغلاس والذي يبدو لي كمن يرسمُ خطّةً حتى لأتفهِ التفاصيل والنتوءات ولا يمشي في أزقّةٍ لا يعرفها ما يزالُ يهوي منذ ثلاثةٍ وعشرين سنة(اللعبة-the game)في الخيالات، وما تزال الخُدعة الوحيدة التي انطلتْ عليه في حياتهِ كُلّها تنطلي علينا جميعاً مرّةً كُل عام. عيدُ ميلادٍ مجيد.

يَقَظَةٌ

بعد الانتهاء من كنسِ أخطاءِ الماضي
ودَعْك العيونِ التي أوهَنها التحديقُ في أكوابِ القهوة الفارغة والملآنة
وحسابِ الأجساد التي خلَعتْ هذا الجسد وتركته
والتصالح مع كلّ ما/من أردنا قتلهُ فينا
بعد كل لحظات الديجافو والتهيؤاتِ والبكاء على طللِ حماقةٍ ارتكبناها
من أجلِ الخلود في حضنٍ تفهّمَ بؤسنا
حتى بعد أن نعرفَ من نكون حقاً
تصرّ أرواحنا دائماً على الاحتفاظِ_في مكان ما_
بانتباهةٍ دائمة ويقظةٍ معذَّبة
تشبهُ عام كريستيان بيل في
‏the machinist

هَوَى

لولا هذا السرير الذي يتكسّرُ تحتَ جسدي كل ظهيرةٍ لقلتُ أنَّ الضجرَ نجح أخيراً
في إيهامي بالخفّةِ
لولا أني مثقلٌ بصحوٍ دائمٍ
وعيون مُفرغةٍ من اللهفةِ والرغبة كما يبدو لتبدّدتُ في هواءِ الغرفة
استفاضةَ موسيقى
وريش لعنةٍ غامضة
تشبهُ الغياب

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ