وحشيةُ الإشاعةِ والكذباتُ الصغيرة

حكايةٌ عن أحدِ رجالاتِ الضيعةِ صالح، المعلّمُ البسيطُ كانَ مُختاراً لإلقاءِ خُطبةٍ في حضورِ شيوخ القريةِ وأهلها، وأثناءَ ما كان يخطبُ سقطَ شرواله الفضفاض إلى كعبيهِ فضجّت الضيعةُ بالضحكِ والصراخ. شروالُ صالح الذي صارَ حديث الناسِ ولُبّ حواراتهم أرغمَهُ على الارتحالِ والغياب. وبعد عشرينَ سنةٍ عندما هزّهُ الشوق وأمالتْهُ الصبابةُ، عادَ يُرشِدهُ النسيم والحنينُ والناس إلى ضيعتِهِ ومسقط رأسه(كَفْر الصفصاف)ولمّا وصلَ، وجدَ أن الضيعةَ ومقهاها ومقبرتها سُمّيت بضيعةِ(اللي فِلِتْ شرواله)
تذكّرتُ هذه القصة لحظةَ توقّفت فيها الصورةُ وعادتْ الموسيقى في فيلم”The hunt”ورغمَ أن هذا الأخير لم يفعل شيئاً، ولكن ما يُشاع وحده مقبرةٌ جماعية نلتقي فيها جميعاً. يروي الفيلم قصّة لوكاس، معلّمٌ محبوب بينَ الجميع وفي مدرسةِ الأطفالِ حيثُ يعمل، كلّما حضرَ تخاطفتهُ الأيدي والعناقاتُ والقُبلُ البريئة. يضيعُ كلّ هذا وتنقلبُ حياته عندما تكذبُ طفلةٌ كذبةً صغيرة بحقّه ويصيرُ في عيونِ الآخرين أقلّ من حشرة. جرجرَهُ هذا الزَعم، وتلاعبت بهِ الحياةُ كما اشتهت. وفي المشهدِ الأخيرِ بعد أن حصحصَ الحقُّ وانتهى كل شيء. كان واقفاً في الغابةِ ورصاصةٌ طائشةٌ مرّت بجانبِ رأسِهِ واستقرّت في الشجرة. إنها الإشاعةُ نفسها، لها خبرةُ صيّادٍ وضحكةُ شيطان. كانت تهزأ منهُ وتُغذّي ساديتها الوحشية.

كوكبٌ بعيد ومناحةٌ جماعية

إذا أردتَ أن تُلقي نكتةً في قلبِ غرفةِ انتظارٍ متوتّرة، إذا أردتَ أن تُسعفَ صديقاً حزيناً بنكتةٍ لا تُقاوَم، إذا كنتَ تحاول إنقاذَ لحظةٍ شعرتَ فيها أنكَ ساذجٌ وخارج المكانِ، إذا تورّطتَ بطفلةٍ تبكي بين يديكَ قُل إنكَ:”وصلتَ للتوّ من كوكبِk-pax” لكن، لو للحظةٍ واحدة، تخيّلَ أننا في إغماضةِ العينِ وحمّى الألمِ ومرارةِ التجربةِ نصيرُ إلى تلكَ البلادِ البعيدة، اعتبرْها مدينتنا الفاضلةِ، تخيّلها مخرجَنا من المأزِقِ الأبديّ! على ذاكَ الكوكب الذي اخترعتْهُ عقولنا هرَبَاً من الاصطداماتِ المبكّرة، ومن تجارِبِ الطفولةِ، وعفونةِ الخيبة، ومآسي المُخيَّلة المُعذَّبة؛ وفراراً من الظنونِ وسوءِ الفهمِ والتقدير، ونَزْعةِ الغضب وغيابِ الذينَ نُحبّ، وانكسارِنا الأثيرِ على الأسرّةِ والأرصفة. تلكَ الصورةُ المعزولة عن الأخريات، ذلكَ المكانُ الآسرُ بصفائِهِ وبركاته، بالمنفيين فيه والغائبينَ عنه. لو استطعنا عنَ طريقِ اختلاقنا الانسحابَ، ووجدنا هناكَ في بصيصِ النورِ كوكباً مُعلّقاً، حياةً أخفّ من هذه، أكثر مرونَةً وألفة، وتبعنا مصائرنا إليها، وتحلّقنا حولَ”زهرةِ اليورك، وشممنا عبيرَها خلالَ النسيمِ العليل*”ثمَّ بعدَ كل هذا، تخيّلَ أنكَ انتصبْت بيننا وقلتَ:”إنكَ ذاهبٌ إلى كوكبِ الأرض.”هل ستتوقّعُ شيئاً أقلَّ من أن تختنقَ الأنفاسُ ويتحوّلَ الجوُّ إلى مناحةٍ جماعية؟

للهواء

كتبتُ للهواء
ففي النهايةِ تظلّ النصوصُ التي كتبتها في الحلمِ والسهوِ
على بلاطٍ باردٍ وتحتَ رغبة ساخنة
مفتوحةً للاحتمالات على حدّ سواء
غير مدفوعة بفضول الخواتيمِ ولا سطوة نقطة المصير
مُعدّةً للنسيان وقابلة للقراءات العابرة
كتبتُ لاستنزافِ هواء حياةٍ كاملةٍ من السكون
أو لقطعِ مسافاتها بأقلّ مجهود وبلا انتباه
وللسخريةِ ممّا أوحته لي نسمةٌ أو عرّفتني عليهِ عاصفة
وللهواءِ
هواء وَحدةٍ نُغطّيها بالعناوينِ
وتدثّرنا بتفاصيلها
الباهتة

الاعتذارات

كلّ ما أحتاجه لأقول أني تَعِبٌ أن يُلفظَ اسمي في مكانٍ ما من العالمِ
برويّةٍ وحميميةٍ وكأنه لن ينتهي
ليسَ قبل أن أعرفَ الحكمةَ المفقودة في حكايا أمي حين لا تعثرُ على خيطِ البدايةِ وتتوه في التفاصيل
ليس قبل أن تخرجي يدكِ من شعرك
وتحاولي لمسَ”حياتي التي فشلتُ دائماً في لمسها”*
ولا قبلَ أن أكسبَ الرهانَ وأعرفُ من يُنادي وراءَ الباب
وبالطبع
ليس قبل أن أغفو وأنا أفكِّرُ
بالاعتذاراتِ
التي لستُ أعنيها حقاً

*الاقتباسةُ لإيمان مرسال

“الوقتُ هوَ عدوّي”

على هامشِ غلافِ الفيلم(1917)ولكن بشكلٍ فاضِحٍ لا يُمكن تجاوزهُ، كُتبَ”الوقتُ هو العدوّ”حينَ قرأتُها تفتّحتْ في البالِ ألفُ معركةٍ وعُلِّقتُ ضحيةً ورضيتُ بالخنوعِ وفتحتُ عيني على هذه العبارةِ الصغيرةِ وقد استدعتْ شبيهاتها وذكرياتِها الشاعريّة فتذكّرتُ سرگونيّةً”هُنا حيثُ أتدرّبُ على الإيماءِ السالبِ منذُ الظهيرةِ، وأتعلّمُ كيفَ أقتلُ وقتي كأنّهُ عدوّي”وتفطَّنتُ لأخريات، وشعرتُ أني فوَّتُ واحدةً بينهنَّ ورحتُ أشاهدُ الفيلم. وفيما الجُنديّ المجهولُ حاملاً طوقَ النجاةِ، يعدو عكس اتجاهِ الوقتِ، يُدافِعُ ويُزاحِم ويُغالِب دموعه، يتنقّلُ بين الثكناتِ وتغوصُ يدهُ في الأجسادِ المفتوحةِ وأحشائِها، يلتقي بطفلةٍ تتعرّفُ على أناملِهِ وسطَ هذا الجحيم، يعدو وتتبعهُ الكاميرا مثل ظلالِهِ، يقفِزُ كغزالةٍ في النهرِ، ويخرُجُ من بينِ هذه الجُثثِ كناجٍ أخير، ثمَّ يتبعُ ذاكَ النداء السحريّ العذب في الغابةِ ويميلُ برأسِهِ على جذعٍ شجرَةٍ ليستريح. خلالَ كلّ هذا كانت أُغنيةٌ تعتملُ في ذهني، أغنيةٌ تذوبُ في روحي مثل سرٍّ صافٍ، تلكَ الأغنية اليتيمةُ لكريستوفر فوجلمارك بعنوان(الحُبّ كانَ عُذري-Love Was My Alib)والتي تبدأ هكذا:
“Time’ll be the enemy
When you’re locked in a world of pain*”

كريستيان بيل سيّدُ اللحظةِ

2:12:28

بعدَ مرورِ ساعتين-تقريباً-في فيلمِهِ الأخير لم تكُنْ ثمّةَ صورةٌ ولا موسيقى، لا مشهدٌ حاضر ولا ماضٍ يتكشَّفُ في المرايا. كان بيل وحدَهُ خلفَ المقود والمجْد، وكان هطولٌ خفيٌّ للرغباتِ وهي تتنازعُ وتئنُ تحتَ حاجةِ التخلّي. بدا كأنه على وشكِ أن يحلِّقَ على ظهرِ تنهيدة، ويدهُ الثابتةُ المنعطفَ الوحيدَ الذي لم يختبِرهُ بعد، وكانت شفتاهُ الممطوطتانِ تبحثانِ عن أغنيةٍ ضائعة، وابتسامةٌ صفراء لمعتْ إثرَ التسليم. كريستيان الخفّاشُ الليليّ ببحّةِ صوتِهِ الأخّاذة وجناحيهِ المبسوطينِ على العتمات(فارسُ الظلام-The Dark Knight)والمخبولُ صاحبُ المنظرِ البهيّ والطلعةِ الوضّاءة، ابنُ التهيؤاتِ المنفِّرة والمجنونةِ وصديق الظُلُمات المثاليّ(مختلٌّ أمريكي-American sychco)والعبقريُّ الوفيُّ لخُدعتِهِ الخالدة، رجلُ الأسرارِ والتضحياتِ وخفّةِ اليد الناقصةِ التي لا تُرَى(العَظَمَة-The Prestig)والنحيلُ المؤرق العالِقُ في يَقَظةٍ معذِّبةٍ وأبديّة(الميكانيكي-The machinist)كان جالساً على عرشِهِ وكانَ سيّدَ اللحظةِ وكانت طوعَ يديهِ لكنّهُ رماها بعيداً، وانتظر.

براد بيت حمّالُ الأسيّة

يبدو وهوَ يكسِرُ إطارات الصورةِ ويلجُ داخلها بفكّهِ العريض وسيجارتهِ المتدلّية دوماً على عنقهِ مثل تميمةٍ غيرَ مهتمٍ، كأنه نذرَ على نفسهِ ألا تلتقطهُ عينُ العدسة. الوسيمُ بشقاوتِهِ المعهودةِ والحزينُ وهو يكملُ دورةَ الخطايا السبع. البطلُ الثوريّ في أعماقِ كلّ منا والضميرُ الحيّ الذي لا يكفّ عن النداء. والكائنُ الذي وحدَهَا الرغبةُ من تستدعيهِ وتستضيفهُ المُخيِّلَة(نادي القِتال-Fight club)إلى المحاميّ وقد شوِّهت طفولتهُ وصارَ مستعدّاً للتضحيةِ بكل شيءٍ من أجل أن ينامَ ليلةً في العتمةِ بلا خوف(النائمون-Sleepers)مروراً بالغجريّ العبثي أحد الخيوطِ الأربعةِ لحكاية الماسةِ المسروقة(خطف-snatch)والمحقّقِ الذي بنشيجهِ المؤثرِ ضاعفَ معنى الرفضِ والسخط(سبعة-se7en)ثمَّ انتقالاً إلى ابتكارِ المآلاتِ الجديدة في شخصيةِ جزّازِ فرواتِ الرؤوس(أوغادٌ مجهولون-inglourious basterds)براد بيت بكلّ هذه الشخوصِ السابحةِ في تعريفٍ آخر، الغرائبيةِ والمُظلمةِ الصعبةِ على التشريح يُرَى الآن بعيونٍ مفتوحةٍ على اتساعها لأنهُ الجُنديّ المجهول، واليدُ الثانويّة، صفوةُ الاحتمالات، الدوبليرُ وحمّالُ الأسيّة، لمسةُ الريشةِ الأخيرةِ.. والتي بدونها تصبحُ اللوحةُ خاليةً من المعنى والروح.

خَدْش

بالصُدفةِ تنبّهتُ
إلى الغضبِ والكراهيةِ اللتانِ تملآنني
وتعميان بصيرتي
مثل خدشٍ حصلتُ عليه في الحلمِ
حينَ استيقظتُ
وأمام المرآةِ، رأيتُ خيطاً أحمرَ ينتهي عند مؤخرةِ عُنقي
ولست أدري
أين يبدأ

مايكل دوغلاس والسقوطُ الحُرّ

لم أُغمِض عينيّ قطّ إلا ورأيته يَهوي من أعلى سطحِ مبنى، بيأسهِ التّام وذوبانهِ الدائم في حياةِ الرتابةِ، مُعلّقاً في الهواءِ تحفُّه ذكرياتهُ ورؤى الطفولةِ أثناءَ سقوطهِ الحرّ. ابنُ الميلاد، الكَهْل الرزين بشاربهِ وذقنه المحلوقين بعناية، وبشعرٍ مُصفّفٍ لا ينكشه سوى الافتقارُ إلى المنطقِ، وغريبيّ الأطوار. مايكل بيدهِ المُقيّدةِ أبداً إلى حقيبةِ عمل، وبمسحةِ تَرَفٍ لا يُمكن تفويتها، وجدّيةٍ تُحيّر مُنسّقي الهدايا وتُحرّضُ على الارتجال. الداهيةُ الذي بكلّ خبثٍ خطّطَ لسلبِ الروح(جريمةٌ مثالية-a perfect murder)والشُجاع حينَ ردمَ خاطفَ ابنتهِ جيسي(لا تتفوّه بكلمة-don’t say a word)والأعرجُ وهو يرى صفحاتِ كتابهِ الأثير نوارسَ تُحلّق في الفضاءِ وفوق البحر(أولاد مذهلون-wonder boys)مايكل دوغلاس والذي يبدو لي كمن يرسمُ خطّةً حتى لأتفهِ التفاصيل والنتوءات ولا يمشي في أزقّةٍ لا يعرفها ما يزالُ يهوي منذ ثلاثةٍ وعشرين سنة(اللعبة-the game)في الخيالات، وما تزال الخُدعة الوحيدة التي انطلتْ عليه في حياتهِ كُلّها تنطلي علينا جميعاً مرّةً كُل عام. عيدُ ميلادٍ مجيد.

يَقَظَةٌ

بعد الانتهاء من كنسِ أخطاءِ الماضي
ودَعْك العيونِ التي أوهَنها التحديقُ في أكوابِ القهوة الفارغة والملآنة
وحسابِ الأجساد التي خلَعتْ هذا الجسد وتركته
والتصالح مع كلّ ما/من أردنا قتلهُ فينا
بعد كل لحظات الديجافو والتهيؤاتِ والبكاء على طللِ حماقةٍ ارتكبناها
من أجلِ الخلود في حضنٍ تفهّمَ بؤسنا
حتى بعد أن نعرفَ من نكون حقاً
تصرّ أرواحنا دائماً على الاحتفاظِ_في مكان ما_
بانتباهةٍ دائمة ويقظةٍ معذَّبة
تشبهُ عام كريستيان بيل في
‏the machinist

هَوَى

لولا هذا السرير الذي يتكسّرُ تحتَ جسدي كل ظهيرةٍ لقلتُ أنَّ الضجرَ نجح أخيراً
في إيهامي بالخفّةِ
لولا أني مثقلٌ بصحوٍ دائمٍ
وعيون مُفرغةٍ من اللهفةِ والرغبة كما يبدو لتبدّدتُ في هواءِ الغرفة
استفاضةَ موسيقى
وريش لعنةٍ غامضة
تشبهُ الغياب

ماثيو ماكونهي وأبو العلاء

كُلّما-بلكنتهِ الفاتنةِ-أنهى جُملةً وأسرفَ حتى يصيرَ حرفُهَا الأخيرُ عدماً، أو فغرَ فمه مُندهشاً أو مُغوياً، مُتخيّلاً أو مهلوساً، وكلما وضعَ يده على شفتيهِ كأنهُ يُعيد اكتشافها واستغرقَ في تأمّلهِ وفلسفته، وكلما غرقَ في نوبةِ بكاءٍ حادة، وتفجّرَ في روحهِ أنينٌ مكتوم؛ تبدّتْ لي في سحنتهِ حكمةُ أبي العلاءِ الخالدة”هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد”. منذُ خطبتهِ المؤثرة في قاعةِ المحكمة بعد أن كادَ يخسر كل شيءٍ(وقتٌ للقتل-a Time to kill)وصولاً إلى قطعِ(مُحقّقِ فذّ-true detective)الثمانية ومروراً بالرجلِ ذي الجسد النحيل الشفّاف، الرجل الذي شعرَ أنه يُقاتِل من أجل حياةٍ ليس لديهِ الوقت ليعيشها(نادي دالاس للمشترين-dallas buyers club)يحكي ماكونهي-وفي قبضتهِ تمثال الأوسكار-عن شخص جاءه(على الأرجحِ أنهُ مُتخيَّل)وسأله وهو في الخامسة عشر من عمرهِ عن بطلهِ فأجابه: هو أنا، بعد عشرِ سنوات. وبعد عشر سنوات جاءهُ الشخص نفسه: هل أنت البطلُ الآن؟ والإجابةُ كانت: ولا حتّى قريباً من ذاك. متى تذكّرتُ هذا الخِطاب خطرَ إلى ذهني سؤال مارتِن هارت لـ رَسْت كول: إذاً ما أهمّيةُ النهوض عن السريرِ كل صباح؟
“أقولُ لنفسي بأني سأشهدُ حدثَاً ما، ولكن الجواب الواضح والواقعيّ أنها ..برمجتي!”

شَبَهٌ

كنتُ مختبئاً عندما وزّعَ والدي صفاته وخصاله ونزعاته وملامحه على أبنائهِ بالتساوي
عندما أعطى شِقّ حدسٍ لأحدهم
وإرثاً من قلقٍ لآخر، عندما منح قسَمَاتهِ ابناً ووهبَ الآخرَ راديكاليته الاجتماعية الفارغة، وعندما بعينيهِ العذبةِ الحنقة نظرَ واستطالَ في مرايا البيت
لكنني وبالرغمِ من محاولاتي المستميتةِ لإفسادِ كل محاولة شَبَه ولقطعِ كل طريقٍ يُعنى بنفس النهاية إلا أنني عالقاً في منتصفِ علاقةٍ أو شارعٍ أو وهم لا أتصوّرني إلا جسداً داخل جسدهِ المُتعب
نُسخةً ينتظرها المزيدُ من العذابِ
وسوء فهمِ النوايا

عابِر

بعد كل هذه الخُطى الغائرةِ في جسدِ الطرقات
والمشي الموهوم بنيّة الراغبِ في الوصولِ تُسيّرني رغبة شرسةٌ في جهلِ ما كان وما سيكون
أجدُني جالسا على مصطَبة في اللا مكان
والوقتُ ليلٌ خانق
تحلُم النسمةُ فيهِ بذكرى عبور
والمدينةُ كلها تنام على صدى شخير بعيد
وهدوء مُبالغ فيه
هدوء زائفٌ ومُقلق
كأني مشيتُ إلى حتفي
كأن العاصفةَ القادمةَ
استدعتني أنا وحدي
ولبّيتُها

الكتابة عن الهواجس

أكتبُ عن أوّلِ عاصفة في البالِ وأوّل حُلمٍ أهملَ محوَ بقاياه، أكتب عن فتاة بذراعٍ هذّبتها الرِقّةُ وراحةِ كفٍّ تشغلُ دورَ الأصيص، رأيتُها مرّةً في الخيالاتِ مُستحيلةَ البلوغ ونسيتها هناك. أكتبُ عن خلافٍ ودّي مع الضجر، عن نُكتةٍ لا يزالُ صداها يرنُّ في صالةِ البيت. عن فكرةٍ كان الأجدرُ بي أن أتجاهلها، وأخرى كان المفترضُ بها أن تتجاهلني. أكتب عن المطر تحتَ المطر مع المطر. عن النوايا التي لم تبلغها المخالبُ ولم تروّعها الكوابيس. عن يدينِ تفتحُ نافذةَ الروح، عن فراشاتِ التباشير وقُصاصاتِ الأدراج. عن جلمات تنباگ من فوگ الشفايف*، عن الزاويةِ الأشدّ ظُلمةً في الغُرفة، عن الطفولةِ الساخرة وكلُّ ما يهيّجها ويُطفئها، عن الخَدَرِ شيطان التفاصيل الصغيرة. عن بابٍ وحدي أعرفُ ما خلفَه، عن مآلٍ مُتخيّل وموسيقى تُديرها يدٌّ خفيّة. أكتبُ عن الأرصفةِ التي عُدتُ منها، والتي تركتُ فيها أشباهي. عن نشوةِ الإحساسِ بالرِضا المُفاجئ ونقمةِ مُتابعةِ الغروب نهاية كلّ نهار. عن تفاصيلَ هامشيّة في الأفلام والأحلام. أكتبُ عن رأسٍ مُطرقة، وعرَجَ في قدمٍ يُمنى، ونهايةٍ قابلة للإضافات والاحتمالات. عن صمتٍ مُستنزِفٍ خلفَ مقود سيّارة على طريقٍ لا تُرى نهايته. عن العالمِ الذي رأيتهُ أوّل مرة، وعن رؤايَ عنهُ بعد ذلك. عن السأمِ الخافتِ في الشرايين. عن حيرةِ غُربةٍ ولدتْ معي وسأموتُ قبلها. عن الانتظار والاحتضار والفرقِ الطفيف بينهما. عن شُعراءَ شكّوا في العالمِ، كأن العالمَ كان هكذا منذُ بدءِ الخليقةِ**، أكتبُ عن أشياءَ أحبّها جدّاً حتى مع الوقتِ أحبّها أقل. عن المزاجِ المثالي والعاداتِ السيئة، عن طفحِ النهاراتِ على الأجساد. عن الجمالِ الذي لا يُلمس. عن تبديد الوقتِ في المقهى، عن تبديدِ الوقتِ في كتابةِ أشياء لا يُمكن بروزتها. عن الغُرَف السرّية والمُدن الفاضلة. عن الأغنياتِ هدايا المُنعطفاتِ الخجولة. عن الحياةِ المتورّطةِ بالتبرير، عن الماضي الشفيف بينَ ما يستحيلُ حدوثه وما حدث كومضةٍ خاطفة تحرّضني على الشكّ في صحّتي العقلية. أكتبُ عن حاجتي للتكرارِ ويأسي من التكرار. أكتبُ عنّي حين لا أودّ أن أقول شيئاً، وعن ظلالي حين أرغبُ في الحديث. عن الجوعِ للحياةِ والخجلِ من اقترافها. أكتب عن روحي الكسولة حين لا تستغربُ شيئاً. عن العُربَةِ في صوتِ المغنّي. عن البلادةِ التي تستيقظُ معي. عن التشظّي الدؤوب لذكرى الآباء. أكتب عن الحيلةِ الوحيدةِ التي تبقيني معي. أكتب عن أشياءَ يُطاردها خيالي كلعنة. عن المرونةِ في النسيان، والأسى في شرحِ فكرة مرونةِ النسيان. أكتبُ عن ندمٍ متجّذرٍ وثابت. وعن فضولي الذي أختفي معه حينَ يُمَسّ. وعن ثقةِ النّاسِ فيما يعرفون. أكتب عن افتقادي لكلّ ما يجعلُني مشغولاً بحقّ. عن الطيفِ الحالمِ الذي يتبدّى في الخيالِ وتحتجزهُ الدموع. أكتبُ عن لحظاتٍ باردة وبعيدة لا تطرقُ الهاجسَ إلا خدِراً تحتَ ماءٍ فاترٍ وعينين تأملُ خلالَ إغماضتها أن تُفتَحَ على لا شيء.

*يا حريمة-حسين نعمة.

**اقتباسة لسرگون بولص.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ