نَظْرةٌ أخيرةٌ على الأشياء

فتى شقيٌّ يولدُ كلّ عامٍ، كل يومٍ وكلّ لحظة. فتى بروحٍ ميّالةٍ للشغب. تتجنّبه الحياةُ ويتجنّبها، تراوغهُ ويراوغها، وتبسطُ له على مَهَلٍ وجعاً خفيّاً لا يُرى ولا ينضب. تجهّزه ليتذوّقَ أقسى مراراتها وتحضّرهُ شيئاً فشيئاً حتى يكونَ شاهداً على كلِّ مآسيهِ وذنوبه.(جيمي)وقبلَ أن تختفي ابنتهُ من حياتهِ تماماً، قبل أن تكونَ”علامةً أُخرى، جاءَ القدرُ ليجمعها”تنظرُ نظرةً دافئة-وتَشي بوداعٍ خَجِلٍ-نحو أبيها. أبوها(جيمي)الذي عرفَ أو أحسَّ لا باليقينِ وإنما بالحدس أنها نظرةُ الأشياءِ الأخيرة. تعرّفَ إلى ذاك النداءِ، وأرّقتهُ تلكَ النظرة التي ستغيبُ أبداً. نظرةٌ يعرفها الأبناءُ المخلصون تماماً كما يعرفها الآباء. سِرٌّ كونيّ منزوٍ وعنيد، يتملّصُ عن التسمية، ويهربُ من التثبّت. تكفي تلكَ المعرفةُ المعقّدة والعصيّة على الشرح. يكفي ذلكَ الإحساسُ بأن ليس ثمّة ما هو نهائيٌّ ومُحرّر لهذه العلاقة، لا المصائر التي نرِثُها ولا العاداتُ التي نستدلُّ إليها في الغضبِ والتوتّر، ولا التفطُّن للأسئلةِ المتروكةِ بعناية. بل هناكَ خيطٌ خفيّ موصول بالطرفين، عهدٌ لا ينتقض، ونظرةٌ أخيرةٌ على الأشياء كلها.

ليلي سيمونز

هناكَ دائماً
مسافةٌ قصيرة
بين اثنينِ قرّرا
للتوّ أن يذهبا
في اتجاهينِ مختلفين
لكنهما بقيا إلى الأبدِ
متجمّدين هناك
شيءٌ يذكّركَ تلقائياً
بالفرجةِ الصغيرةِ
بين أسنانِ ليلي سيمونز الأمامية

بلْكونةُ الطفولة

يذهبُ الناسُ بعيداً في أحلامهم
أما عنّي
فيكفيني أن أعثرَ على الأشياءِ التي سقطتْ بغتةً من يدي ولم يخطُر لي أن أفتّشَ عنها
يكفي أن أتبادلَ
نظرةً حنونة مع غريبٍ
أو تتيبّسَ أطرافي من الوقوفِ على بلْكونةِ الطفولةِ
أو أن أقفَ وحيداً
في الزحام
متأملاً أن يتعرّف عليّ أحدٌ
أو تحطَّ يدٌ على كتفي

خَدَرٌ

نهضتُ عن أرصفة وعتبات
عن مأوى في غفلةِ الحلم ونعيمٍ يغفو على كرسيِّ مقهى تخفتُ مع الوقتِ إضاءتهُ والعيون
عن سرير يُلقي بي على ضفاف الاحتمالاتِ المجنونةِ كل ليلة
نهضت إثرَ الانتباهة والنجاةِ من الحُمّى
وعن الشُرَف التي تتركني وحيدا
أنقُلُ الضجرَ بعينيّ من كل الأسقفِ
وأنثرهُ في هذا الفضاء الهُلامي
نهضت وتبعتُ حنينا مجهولا
ونداء عذبا
ودخلتُ مدينتي فجأةً
مدينتي الفاضلة
الخَدَر

خَجَلٌ

خجِلٌ من عيشِ هذه الحياةِ المهذّبة
أكثر من اللازم
من إمكانيةِ التنبؤِ بما ستتركه من أثرٍ في غيابها
من إثارتها الساكنةِ وعيونها المفتوحةِ على الغياب
من حذَرِها وأبوابها المُغلقةِ
ركودها المُكلِف وتدفّقاتها الساخرة
منها وهي تشيخُ ارتباكاً وتتروّى خيالاً نزقاً
من الذينَ لمسوها بحنانٍ
ورحلوا عنها بتعب
خجلٌ حتى من رغبتي في إفسادها؛
والتي تبدو دوماً
كمحاولاتٍ جازمة لإصلاحِ
شيءٍ ما فيها

مشي الفلاسفةِ

من مكاني على طرف السرير
أقرأ عن فلاسفة ومفكّرين ساعدهم المشي على تأملِ أفكارهم
أحفظُ أسماء سأنساها مع مرورِ الساعات
أتهجّى مصطلحاتٍ تتفكّكُ مع الوقت
أغيّر جلستي للحظات
ثم أنهض لا كفيلسوف ولا مفكّر
أنهضُ لأغسلَ عن وجهي غبارَ الضجر
وأعودُ لأستريحَ من هذه الرحلةِ المتعبة
ثم أنتبهُ إلى أني توقفتُ لوهلةٍ في المسافةِ بين المغسلةِ والسرير
وأشكّ أني قد أضعتُ شيئاً عندها
ربما
حكمةٌ صغيرة بالكادِ تكفي لشخصٍ يؤمن بأنه ما من شيءٍ في انتظاره
إذا قرّر المشي
وحيداً
كالأشباح

مقهى

عندما أكبرُ
يقول الطفلُ في داخلي
لا أريد شيئا سوى كلمتين أستأنسُ بهما في حضرةِ الغياب والقدرة على اكتشافِ الهشاشة
في الأحلامِ والأشياء
عندما أتضاءلُ
يقول الخِرِفُ في داخلي
خذوا كل شيء
واتركوا لي النغماتِ
التي ابتكرتها بأصابعَ ثلاث
ونظرةٍ طافيةٍ في الهواء
وما زالت
منسيّة هناك
على
طاولة مقهى

اللحظةُ التي تسبقُ البكاءَ

هُناكَ في اللحظاتِ الضئيلةِ الخفيفة سُرعانَ ما تتلاشى. هناكَ في التفاصيلِ والتقاطُعات، في الصمتِ الخالي إلا من شعورٍ ساذجٍ وغريب أنَّ ثمّةَ ما يُحاك، ثمّةَ ما تُعَدّ له ويُعدّ لك. هناكَ فقط تُيتّمكَ الدمعةُ وتفضحكَ الحقيقة. تحذرُ من كل هذه الحيواتِ التي اندفعتْ باتجاهك. هناكَ وأنت ترى بعينيكَ ولادة شخصٍ حاضر وتفجُّرَ حياةٍ مطلية بالاختفاءِ والهرب. عندما تتعرّفُ الكائنَ الجديد يرتمي بين يدين مُتعبة ونظرةٍ عطوف تكونُ قد التقيتَ(ويل)الفتى النزقُ المتعجرف والعبقريّ ينسلخُ من كل ادّعاءاتهِ ويستسلمُ وينهمر. الفتى الذي داومَ على فعلِ أشياء بسيطةٍ وصغيرة ولم يسعَ لشيءٍ آخرَ مهما تدفّقت باتجاهه الفُرص والعروض. الفتى الهارب من حقلِ الشوفان بنظرةٍ مُزدريةٍ للعالم. والذي شحذَ أطرافَ حياتهِ حتى لا يفكّر أحدٌ بالاقترابِ منها. يدعونا جميعاً إلى مناحةٍ من نوعٍ خاص. ويعتذر. آسفٌ، أنا آسفٌ جداً.

ثلاثونَ ثانية وحكمةُ دي نيرو

ثلاثونَ ثانية قد تكفي للاغتسالِ من ذكرى خطيئة أو للتجرّدِ من ثيابِ وهم. ثلاثون ثانيةً قد تكفي لتركِ بصمةٍ في هذا العالم وفي الوقتِ نفسهِ للاختفاءِ ومحوِ كل أثر. وقتٌ طويلٌ للاستفاضةِ وحصّةٌ فاتنة من التكثيف. ثلاثونَ ثانية هي العُمر الجديد، المحطّة المُخلّصة والرحلةُ المثالية لمُنتهى الاحتمالات. هي المنعطفُ الحقيقيّ والثورة على كل خيالٍ وماضٍ. تكفي للاستغناءِ الذي لا يُعدّ إثماً وللبقاءِ الذي يشبه سلسلةً لا تنتهي من الأحلام. نصفُ دقيقة غفوتُ فيها على لحنٍ شجيّ واستوعبتُ لوحةً وهدهدتني كلماتٌ لَمَعت في الذاكرة. وأيُّ شيءٍ مُريحٍ كأن أعرفَ كم تستغرقُ رحلتي منّي إليّ! ومن أولى الخيالاتِ إلى غايةِ اللمس. ومن طفولةِ الفكرةِ إلى سهولةِ التخلّي عنها. ثلاثونَ ثانية، لا أقلّ ولا أكثر. توقيتي الجديد غيرُ قابلٍ للضبط والإعادة. كلُّ فرحٍ زاهٍ تلزمهُ ثانية، وكل حزنٍ سافرٍ تقديرهُ على الأرجح ثانيتان. والهربُ يعني عرقلةَ الوقت وإيقافه هناك. لو فكّرتَ قليلاً فثلاثونَ ثانية-بقليلٍ من الانضباطِ والتقديرِ الجيّد-تكفي لتُغادرَ كل من أحبَّكَ وأحببتَ. إلى الأبد.

الجمالُ الأمريكيّ والقلبُ الواهِن

الرَّاوي الميّتُ گيفين سبيسي يحكي عن تلكَ اللحظةِ الأخيرةِ قبل الموت مُباشرة. لحظةٌ تمرّ فيها حياتُكَ كاملة أمام عينيك. تلك اللحظةُ التي لا تنتهي وإنما تتكرّرُ كما يدّعي كمحيطٍ من الوقت. وفرةٌ منَ العذاب، وقليلٌ من المباهجِ الصغيرة تلكَ التي رآها في لحظتهِ المُسافرةِ في الزمن. الأشياءُ والتفاصيل العبثيّة والتي لا تطرُقَ البال إلا خلالَ هذه الرحلةِ المؤقتة والمديدة. رأى نفسه مُستلقياً تحتَ السماء مُلاحقاً بعينيهِ النجومَ خلالَ الطفولةِ ثمّ تبعت تلكَ اللحظة الضئيلة لحظةٌ حالمةٌ لابنتهِ وصديقها مُستلقيينِ بوداعة. ثمّ مشهدٌ لأوراقِ الشجرةِ الصفراء الممتدّة على الشارع وبعدها دموعُ مينا سوفاري المراهقةُ الطائشة أمامَ مرآةِ عاديّتها. تدومُ اللحظةُ كحياةٍ موازية. يدا جدّتهِ وجلدها الذي يبدو كالأوراق، أوّلُ مرّةٍ يرى فيها سيّارةَ قريبه. زوجتهُ المُزيّفة تحتَ المطر، وقاتله تحتَ الظلام. ووراءَ الباب، جيني، وجيني، وجيني. گيفين الرجلُ السؤومُ الساخط بابتسامتهِ المُهذّبة الساذجة والخبيثة يموتُ في كل لحظةٍ منذ الأزلِ ويتذكّر أن عليهِ أن يستريحَ، ويكفَّ عن الغضب، لأن لا فائدةَ من الغضب أمام كل هذا الجمالِ الكثير على القلب. كل شيءٍ دُفعة واحدة، ولا يُحتمل. القلبُ سينفجرُ حتماً والموسيقى تؤهبكَ منذُ البدايةِ لأن تتخلّى عن كل هذا وتمضي.

نصوصٌ باستخدامِ عناوين كُتُب

|

على كتفِ “لاعب الشطرنج” يحطُ “النورس جوناثان ليفنجستون” ملهماً إياه حركةَ “التحوّل” القادمة، بينما “أركضُ طاوياً العالم تحت إبطي” إذ ألمحُ “البؤساء” يشكلون حلقة كـ “مستعمرات صغيرة من الناجين” محدقين في “ليل ينبتُ تحت الأظافر” البالية للاعبي الشطرنج، أكملُ ركضي كـ “كائن لا تحتملُ خفته” على سطح السفينةِ بين “أشباح الليل والنهار” متذكراً ما سمعته مرة عن “فن التخلّي” باتجاهِ العدم أحملقُ فهناك دائماً “أكثر من طريقةٍ لائقة للغرق”

||

في الشارعِ المقابل ينحتُ مايكل أنجلو من “الحجر الحيّ” جسداً لعازفِ “الكمنجة السوداء” تحتَ النسائم الصيفية، بينما أفكر في أن “اخرجَ في موعدٍ مع فتاة تحبّ الكتابة” لكنني أتذكرُ “مهنة العيش” الخاصة بي. أتوقفُ عن الإصغاء لـ “أفواهِ الزمن” وأستعدُ للخروج في “نزهةٍ بحزام ناسف” بينَ الحشد الهائل أرفعُ الكاميرا عالياً ملتقطاً “سيلفي أخيرة مع عالمٍ يحتضر”

|||

يتركُ “توقيعه على الأشياء كلها” الطفلُ الذي يُلقي “كلمات رديئة” على “مادونا صاحبة معطف الفرو” والتي مرت مسرعةً كشبح، بينما “الوريقات تطير من الأشجار كالعصافير” قبل أن نقضي وقتاً طويلاً أسفلَ “عجلةٍ مشتعلة تمر فوقنا” بعدها استيقظنا في “العام الثلاثون” ربما سيضطرّ حينها لـ”اختراع العزلة” الخاصة به، عندها يمكنني أن أكونَ “الغريب” كارمو والطفلُ “القرصانَ الأسود” الجديد، يخبئ وجهه بين كفيه مترنماً بـ”أنشودة المقهى الحزين”

||||

في “معرضِ الجثث” وجدت “ستونر” ملفوفاً بملاءة “السنة المفقودة” من لوحة سالفاتييرا، وكان هادئاً جداً كأنه لم يمت. ومن حينٍ لآخر كنت أصطدم بـ”بارتلبي النسَّاخ” الذي سمحَ لي هذه المرة بتبادل الأدوار معه. “انقطاعات الموت” كانت واضحة على وجوهِ المتفرّجين، وكأنهم “في مستوطنة العقاب” ولا يبدو أنَّ هذا “النفق” سينتهي أو يحملنا إلى أي مكان آخر. فجأة لمحتُ هولدن كولفيلد وهو يعدو مثل “ذئب البراري” هارباً من كل هذا الزيف، مفكّراً في “عشيقات الماضي البعيد” وبأطفال حالمينَ يغنون أغنية لـ”الحارس في حقل الشوفان”

إدوارد نورتن الكائِنُ البرزخيّ

آرون الصبيُّ منشد التراتيل الدينية القاتلُ في بدايةِ الأمر والبريء وسط الحكاية والمجنون الغامض قريباً من النهاية هكذا تقاطعتْ حياتي مع حياة إدوارد نورتن لأول مرّة في فيلمِ”الفزعِ البدائيprimal fear”وهكذا أيضاً عرفتُ أني سأصدّقُ هذا الصبيّ وأستأمنهُ على عقلي كلما شاء. هذه البراءةُ المحضة بلا أدنى مجهود والعتمة المحبوسة خلف هاته العينين. نورتن كما أسميتُهُ الكائنَ البرزخيّ. رجلُ الحيرة والتباين. في كل أدواره التي شاهدتُها فيما بعد كان يعتاشُ فيها على التفصيلة الصغيرة. هذه الازدواجيّة في الشخصية، الخيط الرفيع بين الحُلُم واليَقظة كما في فيلمه الشهير”نادي القتالfight clup”أو بينَ العينين الفاسقة والصارخة الحزينة وهي ترشحُ دمعاً وأسفاً في فيلمه”التاريخ الأمريكيamerican history x”وإن لم يكُن هذا جليّاً في الأخير إلا أنه دائماً ما يكونُ مُتأرجحاً في جسده ودواخله، فيما هو عليه وما سيكونه. تنقّلٌ أزليّ بين حالين. حال الأول مُطمئناً في جسدهِ وحال الغريب الذي سيكون ضيفه بقيّة العمر. وحتى في فيلمه”الهدف the score”كنت أنتظرُ خدعته القادمة، التغيّرَ الذي سيقلب الطاولة ويُحيى مجدَ روي القديم. يُخيّل لي أن نورتن سيستيقظُ صباحَ ذات يوم ويقفُ في المطبخ مذهولاً لأنه لم يعد يتذكّر كيف كان يحبّ قهوته؛ بالحليب؟ أو سوداءَ كالكدمات التي تتركها النوادي السرّية على الجسد والذاكرة.

سرگون بولص وخطوةٌ أخرى

“خطوة واحدة، والبيتُ ينهار”

تقول هذا، وتتوقف، ليس لأن البيتَ معرّضٌ للانهيار بل لأنك سمعت سابقاً هذه العبارة. تصرَخ بأعلى صوتك، معتقداً بأنكَ فكرت بها أولاً، ثم سمعتها أو قرأتها في مكان ما. تتذكر واقفاً في مكانك. ثم تتأكد مما يدور في ذهنك دائماً، أن حياتكَ لحظة ديجافو عملاقة. وأنك توقفتَ الآن، وستتوقف بعد قليل، والبيت سينهار، ليس بعد خطوة واحدة، ولكن بعد كل خطوة. وأنهُ لا شكّ أنك في إحدى حيواتك السابقة قد التقيت بسركون بولص في مدينة أسطوريّة اسمها أين، وكنتَ طفلاً حينها، مسحَ على رأسك ثمّ أخبرك كيف تكون شاعراً في البيت وفي الطرقات والمهجر والأحلام، وكيف يمكنك أن تكون شاعراً بمجرد استيقاظك قبل فتاة تنام إلى جانبك وتأمل جسدها. ثم مضى، ومضيتَ إلى الباب، وخرجت إلى العالم. إلى زاوية ما من العالم، وصمتّ، واكتفيت بالتأملِ والتحنانِ والتذكر.

علاجٌ شاعريٌّ

أُجرّبُ العودةَ علاجاً شاعريّاً

أطمئنُ بها على ما بقيَ من المكانِ أو ذكرياتي عن المكان

على ما تركته هنا ونسيته

ما تجاوزته وَنَسيني

أعود بيدين خرساء وروحٍ لهِفة

ولكن بقدمين تجهلُ الإيقاعَ القديم

وتفتقدُ طريقتها السهلة في الانتقالِ من غياب لغياب

ومن أثرِ خطوةٍ لعثرة

أغادرُ، وذرّة غبارٍ

نقلتُها دونَ قصدٍ من زاويةٍ لأخرى

لن يلحظها الهطولُ الغُباريّ

لن تغيّرَ شيئا في الحكايةِ

لن تُقلقَ الذكرى ولا تُفسد المكانَ

لكنها ستتركُه كما يليقُ به أبداً

في حالةِ

فوضى

مستديمة

مونولوج الاحتمالاتِ البعيدة

في الطريقِ إلى بلدةٍ سيُحتجزُ فيها سجيناً لسبعة أعوام مونتي الذي عاشَ يومهُ الأخير حُرّاً ومقيّداً داخلَ أفكارهِ بين أصدقائهِ وشفاه محبوبتهِ ويأسِ أبيه الحزين المُذنب في نظرِ نفسه، هذا الأخيرُ وهو يصطحبُ ابنهُ الوحيد إلى ملاذه الجديد ومنفاه الأول يطرحُ فكرةً مُريحةً ومُخلّصة ويسترسلُ:”قُل لي انعطِف يساراً وسأفعل، أعطني إشارةً فقط. أُرسلك لمكانٍ تنتقلُ إليه، اِبحث عن بلدةٍ جميلة، في الطريق سنتوقّف في شيكاغو للعب الأكواب، لقد أخبرتني دوماً أنك تريدُ رؤية حقل ريجلي. إذا كان هذا ما تريده فسأفعله. …. أتعرفُ كيف يعثرون على الناس؟ يعثرون عليهم عندما يرجعونَ إلى البيت. أُناس يفرّون ولكنهم عادة ما يعودون. لكن أنتَ ستذهب، ولن تعود أبداً. اِذهب إلى أي مكانٍ مجهول. اسلُك ذلكَ الطريق مهما بعُد. … كل رجلٍ وامرأة وطفلٍ حيّ، يجبُ أن يروا الصحراءَ قبل أن يموتوا. لا شيء سوى رمل وصخورٍ وصبّار وسماء زرقاء. لا روح على مرأى البصر. لا صفارات إنذار لا سيارات ولا منبّهات سيارات لا يوجد مجنون يلعن أو يتبوّل في الشارع تجدُ الصمتَ هناك، تجدُ السلام. لذا نستمر بالقيادة، حتى نجد بلدةً لطيفة. هذه البلدات خارجَ الصحراء، أناسٌ أرادوا الفرار من مكانٍ ما، الصحراء هي مكان الحياة الجديدة. لا تزُرني أبداً، أؤمن أننا سنجتمع مجدداً لكن ليس في هذا العمر. سوف تجد لنفسك عملاً وتعمل بجد. ستفتقد أصدقاءكَ، وكلبك، لكنك قويّ. ستبني حياة جديدة وتنسى حياتك القديمة. لن تكتب شيئاً، لن ترسل ولن تعود. وربما بعد سنتين ترسلُ إلى حبيبتك وتجيء. ستبني عائلة، وستكبر هذه العائلة ويوماً ما ستجمعها وتخبرهم القصةَ كاملة. من أينَ جئت، ومن أنت، وقد يكونوا حقاً محظوظين بما قُدَّر لهم. هذه الحياةُ كانت قريبةً جداً من حدوثها” ورُبما كانَ هذا الحديثُ الطويل المسترسل قريباً جداً من حدوثه، رُبما كان هذا المونولوج هو الوداع الأخير. مونولوج احتمالات الحياةِ التي كان يمكنُ لها أن تسيرَ في اتجاهٍ مُغاير. قد يكون هذا ما احتاجهُ مونتي فعلاً، ولمَ لا يكون الصمتُ الدافئ بعينين غارقةٍ في حيواتٍ بعيدة جداً هو ما احتاجه لينجو وينسى أنه عاش.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ