LOST

تشعر أحياناً بكلّ نزواتهم. بتعثُّرِهم الناعم في هواء الغرفة. بلمعانهم الحاد في المرايا المعتمة وأزيزهم الرتيب داخلَ صندوق موسيقاك المتخيَّل. ويفصلك عنهم جدارٌ هشّ؛ عبارة عن لحافٍ سميك، تتكوّرُ داخله مثل جنينٍ تُشكِّله أصابعُ وحوشٍ غير قادرة على الوصول إليكَ حتى اللحظة. أقدامكَ التي بانتظامٍ تدور حولَ نفسها؛ مولّدة شحناتٍ كهربائية، تُضيء ظلامكَ الخاص لأجزاء من الثانية. وتكاد ترى كأنما في حلمٍ، لقطةً عشوائية من الطفولة؛ تنانيرَ قصيرةٍ تدور في ضياءٍ تام، أو وجه كاثرين هيغل وهي تضحك ملءَ فمها ووجهها ووجوهنا، وكل المتواجدين في الحانة حينها. وتجلس إلى جانبِ جيمس مارسدن على طاولة البار، وتقول له: ليستْ هذه الكلمات وتلتفت نحوكَ ثم تقول: ليستْ هذه العتمة. وعندها فقط تسمعُ صوتَ الباب وهو يُفتح ببطءٍ وبلا نهاية. وأنتَ تدسُّ أطرافَ اللحافِ تحت جسدك، وتنتظر حتى سماع أوّل كلمة، أي كلمة أو أيّ ضوء، لكنَّ صريرَ الباب يتوقّف فجأةً وُيغلق. فلا تعرف هل ذهبَ أحدٌ منهم، أم أنّهم قرّروا إعادة لمّ شملٍ على شرف انتفاضاتكَ الساكنة. تحبسُ أنفاسكَ لثوانٍ؛ كأنك تغوص في أعماقِ طفولتكَ عبر نفقٍ؛ تعود عبرَ الخوف عليها، إلى الخوف منها. وخلال ذاك، تجرؤ يدكَ على الوصولِ إلى هاتفكَ المغلق، تتلمّسُ درباً مألوفاً فتتبعه، راجياً ألا تتعثرَ أصابعكَ في غرضٍ ما قد نسيته في غير مكانه، ثم يسطع ضوءٌ ولشدّة ما اعتدتَ العتمةَ التي لا تدري لكم استمرّت، ليس بإمكانك سوى أن تغمضَ عينيك أكثر وقد يحدث عندئذ؛ أن تتداعى داخل سباتٍ مفاجئ، وتحلمَ بالطفلِ الذي كنته والطفلَ الذي صرته، وحتماً لا تستطيع الرجوعَ إلى أي عتمةٍ ولا الخروج منها، وأكثر ما تتذكره أنك كنت نائماً-طوالَ هذا الوقت-في مركبةٍ فضائية داخلَ كوابيسك..
يديَ التي على كتفك
يدكَ التي على كتفي
كانت هي الطفولةُ التي ستلمسكَ
ستلمسني
في أي وقت.

||
Lost
‏”C 35″
رقمُ مقعدي في الطائرةِ
قبل أن تكنسني المضيفةُ بابتسامتها
لمقعدٍ مختلفٍ شاغر. مقعدٌ بجانب النافذة
إلى شمالي يجلس رجلٌ وطفلٌ على الطرف
أسندتُ رأسي للطاولةِ المعلّقة بظهرِ المقعد الأماميّ حيث يمكنني خلال غفوتي الإصغاء
لدعواتِ روز، هامسا بعدها: “Amen, amen”
قبل أن يقاطع صلواتي الطفلُ المجاور؛
وهو يطلب قطعةَ شوكولاه إضافية
من المضيفة التي جاءت تدفع طاولةَ طعامها
مثل أقدارٍ فظيعة توزّعها على المسافرين.
ألمح بوون مارقاً في الممرّ، وتطرقُ شانون رأسي
بشفتيها. أحسبُ الوقت قبل مفاجأة نوبتها التالية
هل ستكون بحاجة لتنفّسٍ اصطناعي؟!
أشعرُ بهواء جزيرةٍ نائية في جوفي
وغثيانٍ حاد من فرط التفكير.
أنهضُ متجاوزا الشخصَ الأول، ثمّ
الطفل متجها إلى دورة المياه
يُعيقني جون بابتسامةٍ صفراء وبإيمانٍ تام
يحرّك أطرافَ أصابع قدمه ساخراً.
صوتٌ يتسرّب عبر مكبّرات الصوت في الطائرة
‏”Hot lips”
لا بدّ أن سويَر يُغازل المضيفة.
أشردُ للحظات
وتدفعني من الخلف كلماتٌ من لغةٍ لا أفهمها
هااا. صن لم تخبر جين بعد.
أصلُ أخيرا، مندفعاً كخنزيرٍ بريّ
باتجاه الباب..
لكنّ تشارلي يطلبُ بضع ثوانٍ
أنتظرُ طويلا، قبل أن يفتحَ البابَ
منتشٍ بجناحين وهمية:
‏”Hi man”
أخرجُ بعد لحظاتٍ بسبب الجلبة في الخارج
مطبّاتٌ هوائية، وفي غمضةِ عين
الجثثُ تدفعها الأمواجُ للشاطئ
والبعض يستسلم فقط..
جثةٌ عملاقة في البحر
أراقب بذهول
جاك يشقّ بقدميهِ البحرَ،
سعيد ومايكل
يذهبون خلفه باتجاهِ الجثّة.
لحظات ويخرجون حاملين هيرلي
لبرّ الأمان. علامةُ X على الصدر
يضغطُ جاك بقوة، مجدداً، مرةً أخرى
تقفزُ أنفاس هيرلي على هيئة أرقام
4.8.15.16.23.42
يطلب الطفلُ مجددا، قطعةَ شوكولاه
أستيقظُ. وأمدّ يدي للمقعد الأمامي،
لأكملَ صلواتي المتقطّعة وتباركها روز،
آملاَ أن تُفلتني الطائرةُ في مكانٍ ما
أبعدَ من رحلاتي المُشتهاة..
بقعةً صغيرةً إضافية
في وجهِ كايت
‏Freckles

لعبةُ الصباح

|
دون حاجةٍ للاتفاق، لعبتُ مع حمامة الصباح لعبة لا معنى لها. قلتُ في نفسي؛ كلما رفرَفتْ حولَ شُبّاكي أنشدتُّ بيتا من الشعرِ أحفظه، بيتا لا يشبه الذي يأتي بعده ولا الذي سبقه، ولا يرتبطُ به في حالةٍ وموضوع، ولا يشتركانِ في لذّةٍ أو اسم. ولأني لا أحفظُ الكثير، وأضربُ أحياناً شطراً بشطر، وأخِلُّ في الوزن، وأفسد القافيةَ والنغمة، وأخلط بين قيسٍ وقيس وصدرٍ وعجز، وأجرّد بيتا صوفيّا من قُدسيته، شعرتُ بالخجل عندما انتهت أبياتي. ورحتُ في تطوافِها الأخير أُنشِدُ بيتَ رجاءٍ عذبٍ حفظته قبل أسبوع وما مرّ يومٌ دون أن أردّده وأغنّيه، وأملتُ في رجائِهِ الخلاص، واستسلمت. ثمّ طارت حمامةُ زوسكيند بعيداً، ولم تعُد، فنسيتُها وأعدتُ الأبيات إلى ذاكرتي ودفنتُها هناك. لكنّي وبعد دقائق قليلة سمعتُ وراءَ الجدارِ مباشرةً جناحين يصطفقانِ في الهواء. فتأكدتُ من خسارتي، وذبُلت، لكنَّ الراوي في رأسي مدَّ لي طرفَ هذا الخيط، سلّمني هذا الاستهلال الغائِر في الروحِ قبل الذاكرة. وبدأتُ أهذُّ القصيدةَ العينية دون انقطاع:”لا تعذليه فإنّ العذلَ…” وما إن وصلتُ:”كأنما هوَ في حلٍّ ومُرتحلٍ..”حتى رأيتُ الحمامةَ تحلِّقُ بعيداً، وتذرعُ فضاءَ الله.

||
أحاولُ تذكّر مشهدٍ افتتاحيّ لأحد الأفلامِ التي أحبّها. أي مشهد، أيّ فيلم، أيّ حوار. ولا شيء يجيء. ولا صورة، ولا كلمة. لكنَّ عينين_فجأة_تستيقظانِ فزعةً بسبب مشهدٍ غرائبيّ ومُريب(ربما لا عينين، ولا نباهة، ولا بطّيخ ولكن لأني شاهدتُ الفيلمَ هذا قبل يومين)يبدأ الفيلم، بأُذنٍ مقطوعةٍ ومرميةٍ في حقل. لكن وقبل أن أسترسلَ في التذكّر وأذهب بعيداً، وأرى كيف يذهبُ بها إلى الشرطة. أدسُّ رأسيَ تحتَ المخدّة، وأُصغي بأذني السليمة إلى شتائمِ الكوكب، وأسمع صوتَ المحيط الهادِر وكأني أُلصِق بأذني صَدفةً، وأسمع صوتَ أبي وأسلافي، والنغمةَ الفاتنة للكون، والطنين/الأزيز الأبديّ للبيوتِ التي أسكُنها، وأسمع تهاليلَ الفرحِ بمجيئي وأجدها شبيهةً بصوت النعيّ كما قال أبو العلاء، وأسمع هواجسَ الموسيقيينَ دفعة واحدة وأسرارَ الحياة، وأسمع الغزلَ الرخيص في أذنِ الطفلة الخبيثة، والفضائح والكلمات التي لم أتعلّم بعدُ كيف أنطقها، وصرير الأبوابِ كلها، وكأني غرقتُ في ألفِ حُلمٍ وحلم. أقول لنفسي، ربما كانت هذه الحكمةُ من بُعد البدايات واستعصائها واستحالة تكرارها. ربما كانت البداياتُ أقسى حتى، من يدري! أحاول أن أستعيدَ مشهداً آخر، أشردُ، طويلا، ولا شيء.

|||
قضيتُ صباحي في تتبّعِ سنةٍ من السنوات واستجلاءِ أسرارها. هذه العادة التي التصقتْ بي لا أذكر متى ولماذا! لكنّها تعاود الظهور وكأنها موهبةٌ خفيّة ونادرة. أجدُني أضع تاريخَ سنةٍ عشوائيّ في محرك بحث قوقل، وأبحر إلى تلك الضفّةِ المجهولة. أدخل ويكيبيديا كأيّ باحثٍ عن معلومة، لكنّي أراوغ تلكَ الصفحة، وأظلّ مثل ضيفٍ ثقيل جاثماً على صدرها. أرى الحروب وثوراتٍ أُطفئت، ونزاعات واتّفاقات، انهيارات ومصائب، ودخان يعلو حتى يحجبَ الرؤية. وأرى من ماتوا في تلك السنة. ومن ولِدوا تلكَ السنة أيضاً، أنظُرُ إلى وجوههم، وأخمّن بلادهم، وأحاول أن أجدَ نزعةً أو صفةً أو حياةً مُشتركة بين اثنين منهم. أتعمّد أن أزورَ بلاداً زاروها، وأتتبّعهم مثل ظلال، علّ أحدهم يلتقي بآخر خفية، فأقع بفطنتي ودهائي على القصةِ التي قيّدتْ اثنين من أصحابي معاً. أقرأ أسماءهم جميعاً، وحينَ أمرُّ على اسمٍ مألوف، أدخل صفحته، وإذا بهِ هوَ، هو من أعرف، بلا شك. أشعرُ حينها أني أوّلُ من بشَّرَ أهله بوصولِه. عندما أملّ، أو يصيبني التعب. أتوقّفُ عن التجسّس. وأعود إلى حياتي، وورائي أُغلقُ بوّابةَ الزمن.

Amal

“عندك أمل يضوي نجومي في السما؟ عندك أمل يروي، يروي بساتين الظما!”

أمل. اسمٌ مكتوب على كل جدرانِ المدينة وحيطان الحارة، حتى تلك التي لم أدخلها عنوةً ولا حظّاً. له نغمةٌ رشيقة، ورنّة خفيّة ما دامَ اسماً مُجرّداً من معناه وظلّ يجري في نداءٍ بعيد أو رجاءٍ حالم. فاتحةُ المنقوشات على الحور العتيق. أمل، الصبيّةُ الأولى التي وُلِدَ على لسانها وفي صوتها كما يقولُ صاحبي الآشوري* الغناءُ الشرقيّ وبدأتْ تُغنّي وتُغذّي الذاكرة بصوتها العذبِ المُدلِّل. لكل اسمٍ مكان تتذكره فيه، ولا أتذكّرُ أمل، إلّا واقفاً على حافة العالم ونسيمٌ ينفح وجهي، ولا شيءَ يدفعني من الخلف سوى حياتي التي بالغتُ في كرهها. الفجر. هذا هو وقتُ استدعاء أمل وصوتها وأغنيتها الطافية في كل هواء. عندما الصمتُ والهدوء يبدآن بتقشيرِ الماضي حتى يصلا النواة. وتظهر كل الأشياء التي حرصتُ على إتلافها بسذاجة. صوتُ أمل. هو مركز كل هذه الذكريات. وعندما أفقده، سأفقد كل ذكرى أخرى. لكن أحياناً، أشكّ في وجوده، كما أشكّ في وجود غيره من الذكريات.

“وعندك أمل عندك؟ محتاج أمل عندك؟”

أمل. الكلمة الشقيّة اللعوب. ليسَ في تطلُّعها ولا إلحاحها الغريب، ولا في ابتسامتها المخطوطة منذ الأزل على وجهها. ولكن في تأرجحها السلس بين المعاني. كلّما سبق حرفٌ أو تأخر، تبدّى لها وجهٌ آخر. أمل، كائنٌ أسطوري، على الأرجح. وصوتها، ربما صوتٌ من أصوات الطبيعة، يفسّرُه عقلي بطريقته. أو صوتُ هدهدة تنبعث من كل مكان. وتختفي في لحظتها. وربما شخصيةٌ هاربة من حكايا الأمّهات. لها صوتٌ، ولا تراها العينُ إلا بعد أن تسهرَ آلاف الليالي. وقد تكونُ صديقاً مُتخيّلاً مُصطفى، ومرسوماً باهتمامٍ بالغ. أو لعلّها دندنةٌ ساحرة من شوارعِ البلدان التي عبرتُها قديماً، تشرّبتها الذاكرةُ في إحدى أيّام الطفولة، وظلّت تعاودني مثل وهمٍ لطيف.

“المسا اللي ملاه الشوق. ما اسمه مسا. يمكن اسمه عمري اللي ضاع فيك. ولّا اسمه ألف ضحكة تحتريك”

مقطعُ فيديو بشاشةٍ سوداء وصوتٍ نورانيّ. يستمرّ لثلاثين ثانيةٍ وأكثر قليلاً ربما. ليتهُ طالَ بعض الشيء فخلّصني من ورطة الرقمِ ثلاثة. وجنون ثلاثيّة الموت، أو ثلاثية أغوتا كريستوف. وحتّى ثلاثية ابن الفارض وفدوى والجبالي. أو ليته قصُرَ؛ فكان أقلّ من أن يكونَ ذكرى منفردة، وضاعَ في الزحام.

ومرّاتٍ أخرى. ليستْ أمل إلّا فتاة لا أعرفها أبداً. منذُ سنوات تبدو بعيدةً الآن، كانت تُغنّي. على صفحةٍ في مكان ما. وكنتُ أنقلُ لها مقطعاً من أغنية تدندنها، من هاتفٍ لآخر بحذرِ من وجدَ المغارةَ وأُلهِمَ كلمةَ سرّها. وفجأةً اختفى المقطع من هاتفي، واختفى من الصفحة كلّها. وبقيتُ أنا والصفحة الفارغة إلّا من اسمٍ ثُلاثيّ نتسامرُ طوال الوقت كناجيين وحيدين بعد طوفان الفجأة. أُحدّث الصفحةَ، ومراراً أفعل، وأتخيّل انبثاقة المقطع القصير. وأكبسُ على زرF5، ويدي الأخرى على ذقني، آملاً أن يُصابَ الموقع بخللٍ أو بشرودٍ قصير فيعيد المقطعَ مرّة أخيرة. أو تظهر رسالةُ اعتذارٍ على الأقلّ.

“ولّا اسمه قلب عاشق دايم يسمّي عليك”

وأحياناً في الحُلم. أدخلُ على صفحةِ مُنشئ الموقع نفسه، وأراسله مثل صديقٍ قديم. “كيف حالك؟ أتمنى أن نلتقي قريباً، وأنت في صحة جيّدة. اِرسل لي لو سمحت النسخة الاحتياطية كاملة بما فيها..” مع أني لستُ أدري إن كانت هي المطلوبة. وأُرفِق عنوان بريدي الإلكتروني الخاص. ثم أودّعه بحرارة.


*كيفَ ولدَ الغناءُ الشرقيّ. سركون بولص.

بعيدا

بعد كل قطيعةٍ وهجر
وبعد المشي في غاباتِ المُخيّلةِ والموسيقى، والشرودِ في ظلالٍ تتغير أشكالها بفعل الضوء والأسى
أعود إلى غرفةٍ مغلقة تستقبلُني
على بابها كأسُ برتقال أو وجبةٌ دافئة
وأحيانا قطعةُ ملابسَ ضائعة
وشرشفُ سريرٍ مُعطّر وألمع دوما من صباحاتي التالية
وربما نداء صارخٌ يجيءُ من صالة البيتِ إليّ كأنه هلوسةٌ تختفي في لحظتها
وراءَ البابِ متجمّداً أقفُ
وأنتظر الطرقةَ الأولى
كي أفتحه

موسيقى

|
سهلٌ على الموسيقى الطمأنةَ، سهلٌ عليها إعادة تشكيلكَ وفهمك. لكنها تفعلُ مثلما كل شيءٍ آخر في هذا العالم يفعل؛ تحفرُ عميقا في داخلك وتترككَ في مواجهتكَ، تخوض مراحلَ نشوئكَ في حِجرها. حتى الموسيقى لا تساعدُ أحياناً. تعيدكَ! نعم، لكن، إلى ما قبل ميلاد الكائنِ الجديدِ الذي صِرتَهُ.

||
موسيقى، تصلُحُ أن تكونَ حيلة الآخرِ التي تنطلي عليَّ بسهولة، صمته الذي يعذّبني لاختلاقِ حكايةٍ من العدم،
موسيقاه تدوزنها رعشةُ أطرافي، لهفته التي تموتُ بلا ردّة فعلٍ واضحة. تصلحُ لأن أكونَ أنا في أيِّ مكانٍ من العالم؛
تظهرُ لي يدان، تسحبني، وتعيدُني إلى غرفةِ الخلود.

|||
هذه موسيقى الأقدام. هذه الموسيقى الأولى التي عَبَرتْ الحدودَ بمعنييها؛ لها شكلُ الانحناء الآخذِ في التمرّد،
ولها صوت قلّة الحيلة، لها همومي وهشاشةُ عظامي، ورغبتي في الانتماءِ أو الرجوع، لها السفرُ الدائم، ولها حينَ تهدأ لونُ الصباحات. وقد تكفي هذه الثواني القليلة قبل إعادةِ تشغيلها، لأرتاحَ؛ قد يكفي حقاً، صباحٌ واحد،
لأحيا، بين غُربةٍ وأخرى.

||||
أحياناً قليلة، فقط، أودّ لو أستمعُ إلى موسيقى كما أستمع إلى هواجسيَ الخاصة؛ بلا فضولٍ قاتلٍ وبلا حاجةٍ للإمساكِ بطرفِ خيطِ الحكاية/مجرّد تدفّقٍ سرمديٍّ، وشخوصٍ في مرآةِ الروح. أحيانا، لا أصدّقُ أني اسـتيقظتُ فجأةً وأنا عابرُ حياةٍ كاملةٍ من التوهّمِ والكوابيس/وليسَ في نيّتي؛ سوى الجلوسِ في الزوايةِ والاستماعِ إلى إيقاعِ خطواتها، والامتنانِ حتّى، لموسيقى لم أطلب تشغيلها.

|
جيّدةٌ في التوهّمِ هذه الموسيقى. لا تأتي من مكان/ لا تحاول الذهاب. إنها تتسعُ، وتنتشي، وتخطفُ الأنفاسَ؛ حتّى يحاولَ كل شيءٍ حولي وفيَّ تقمّصها، أو التماهي معها. حتى تظنّها الروحُ تعويذَتها الخاصة للخروج؛
إشارةً سرّية للتحليقِ أو الانطفاء. هكذا، فحسب.

||
منشغلٌ باختراعِ المكانِ الذي ستحطُّ بهِ هذه الموسيقى.
بملاحقةِ حبكتها وفكِّ شفراتها، بالبقاء معها على الإيقاعِ ذاتهِ، والنشوةِ ذاتها، بتحمّلها؛ دون اضطرارٍ لاستبدالها بحياةٍ أخرى/ بالكادِ أميّزُ صوتها/ لو ارتطمَ بها أحد.

|||
وعد. هذه آخرُ مرّةٍ أحكي فيها عن موسيقى، آخر مرة أتركُ فيها موسيقى تتحدّث عنّي. وعد، هذه أول مرة أنتحي
لتأخذَ الموسيقى مجراها. مطمئنٌ لعدمِ اضطراري للمواجهة/ ممتنٌ للاكتفاءِ بتوفيرِ الأنفاسِ المتقطّعة ولحفظِ هذا النصيب من التوَهانِ لقادم الأيّام. لروحٍ تحفظُ طريقَ العودةِ أحياناً؛ آمين.

||||
تفيضُ مثل كل الأشياءِ المفقودةِ؛
لحظاتُ الاطمئنانِ الغائبة
كل مرّة تُحقّق نبوءتَها هذه الموسيقى
وتمنحني الرغبةَ الخالصةَ في الانعتاق
هذا الشجنُ الساحرُ لا يخدعني
هذا الطفلُ الذي عادَ
ليسَ أنا
لستُ
هو.

نغَم

بدءاً بالتجاوزات الطفيفةِ لطنينِ آلاتٍ دائمٍ وراءَ الجدران مباشرة
وقطرات الماء في هبوطِها الأبديّ المتثاقل، وهواجس تُلقي بظلالها على كل شيء حولي
وصولاً إليَّ
ماشيا أو واقفا أو جالسا كحكيمٍ في صورة
بين يديّ كتابُ الطفلةِ الخبيثة وتحتَ تأثير موسيقى كنوعٍ من الإلهاءِ أقرأ
مشغولاً بمُتَعي الصغيرة لوقتٍ طويل..
عندما أغمضُ عينيَّ وأستريح
أبدو كمن لم يفعل شيئا طوال هذا النهار
أبدو كمن تبعَ النغمَ والشيطنةَ
وتاهَ،
وحيداً في جزيرة

Adeb

“عتابا لا تعاتبني وني حي
لبّسوني ثياب الموت وني حي
صديق الما نفعني وني حي
شسوي فيه حين ردّات التراب؟*”

الآه التي فلتتْ منّي دونَ انتباهٍ، تفاعلا مع صوت أديب الدايخ في موّال بيضاء؛ والذي لمس السقفَ الآن بصوته، تسلّلتْ عبر فرجةِ أسفل الباب، وتدحرجت درجةً درجة ونبّهت أمي، التي كانت تمسك بالملعقة كمايسترو، توازنُ بين طبخاتها، وتدوزن النار أسفلها، وتبتسم لجماهيرها، وهم يطمئنونَ على الأغنية قيد الإنشاء. فتجمّدتْ، كأنما أضاعت نغمةً، ومرارا حاولت-بلا فائدة-الصعودَ إلى غرفتي الضيّقة كقبر، ولو أنها جاءت حقا لوجدتني أهربُ من النافذة عبرَ “شلّالِ شعرها”..

اثنا عشرةَ دقيقة وثوانٍ تعقُبها من الليل المُحَاك بعناية الاسترسال، ليلٌ آخر تجنّبنه من خِفنَ في الشّعَرِ الضّلالا*، قانون تعزف عليه يدان من ندى، وهمهماتٌ سابحة في عالمٍ من شجن، وسَكتةٌ ثَملةٌ يعاودها أديب، ويستلذّ بها عند الهاء، ويستغرقُ فيها لحظةً كأنها العمر، حرفُ الهاءِ المرسومِ كفراشةٍ لها جناحان يُضيئانِ ليالي السهرِ الخاصة البعيدة في بيوت حلب، أو كوردةٍ بينَ يدي سيّدة في لوحةٍ من عصور سالفة.

الكائن الذائب وسط حلقتين من الدُخان والآهات الهائمة في ليلة من ليالي1990*. يُغنّي، ويتمايل مع الناي، في بقعة ما مُحاطة بجدران بلا سقف. يُغنّي ويتراقص الناس في دوائر من نشوة، يتمايلون بخفّة، ويغيبونَ في عوالمَ لا تُرى. جماعات منفصلة متحلّقين حول بعضهم، أفراد يُغطّون وجوههم بكفوفهم، آخرون شاردونَ في ذكرى لا يُمكن اصطيادها، وآخر منشغلٌ بحكايةٍ يرويها؛ ولا يغفلُ عن عُربَة هنا أو آهةٍ هناكَ، فيقطع الروايةَ ويلتفت ممتنّاً وحاسداً، وأطفال كثُر، منهم من يستمتع، وآخر ينام بوداعةٍ في حضنِ أخيه، فيبدو لي أن الناسَ كلّهم، حتى من لا تظنّه كذلكَ يستمع. الشيوخ والرجال والأطفال، وحتى النيام، مثلي، يظنّونَ كلّ هذا حُلُماً، وسيختفي للأبد متى ما استفاقوا.

خُضرة، أشجارٌ على الجانبين، عابرونَ ومشّاؤون، أناسٌ مشغولة بسيرِها الدائمِ القلِق، وسماءٌ تلوذ بغيومِها، وهوَ؛ يتوسّطُ رجلين لستُ أعرفهما للأسف، بسُحنتهِ الجادّة ونصف ابتسامةٍ تتوارى، ويدين مثبّتة واحدة فوق الأخرى، كأنما يستحضِرُ موّالاً صوفيّاً وعلى وشك أن ينوسَ برأسه. لا تفتقدُ الصورةُ إلّا أن تنحسرَ الظلال الثلاثية، ويهبطَ ليلٌ طويل، كُرسيّاً ليجلسَ الشيخ، والعباءةَ البيضاء المُذهَّبة التي رافقتهُ في موّالاتٍ كثيرة وسبعاويات وعتابا، ثمّ يصدحُ بصوتِهِ الأخّاذ ونبرتهِ الجريحةِ، ليتجمّدَ الناسُ في مكانهم، وتهطلَ عيونٌ كثيرة من الشُرَف والأسطحِ التي تحيطُ هذه اللحظة الخالدة، وتغيبُ الأذن الطَروبة في جنانِها.

كلّ آهةٍ فاتنة، و”أوف”تحفر في العظام، و”يُبِي-يوب-يابَا”مُدوِّخةٌ وتميدُ لها رأسي طَرَباً وحناناً إلى شيء غامض وغريب. كل مَيَلانٍ عذب في الموّال يُصلِح الوجهةَ، ويبحِر في المدى. لكن عندما يُقرّر أديب-فجأة-أن ينعطفَ بـ”عتابا”أشعرُ أن العالمَ انتهى. وأنا وحدي، أنتظر، ما التالي؟

“عتابا ما تسلّيني بعدهِم
ولا الدنيا تحلى لعيني بعدهِم
والله حرام الثغر يضحك بعدهِم
طول ما انهم عنّي غياب*”

أديب الدايخ-بيضاءُ، لا كدرٌ يشوبُ صفاءها

*وضفَّرن الغدائرَ لا لحُسنٍ-ولكنْ خِفنَ في الشعرِ الضّلالا[المُتنبّي].

*لأديب الدايخ سهرة مُسجّلة على يوتيوب من ليالي1990.

*عتابا: نوع من الشعر التراثي الغنائي.

ويندي بْيرد والحنينُ الأبديّ

ختاميةُ الحلقة الأولى، افتتاحيةُ الموسم الثالث. أو كـما يقولُ سرگون:”نهايةُ العام. عام النهايات” تقفُ ويندي بيرد(لورا ليني)المرأةُ المصفرّةُ كزهرةِ دوّار الشمس؛ وجهاً وشَعراً، عينينِ تختفيان في الضحكة وابتسامةً مُدارِية وغامضة. تقفُ أمامَ بيتها القديم، بعدَ ارتحالٍ إجباريّ ولعنةٍ لا تُخبئ في طيّاتها خلاصاً أو خيالَ فراشٍ وثير. فترى البيتَ على حالهِ وأُمّاً غيرها غادرتْ للتوّ، وطفلين، ليسا طفليها، وفي خاطِرها ونظرتها الطويلةِ سُنّةُ الحنين لأبي تمّام:”…وحنينهُ أبداً لأوّل منزلِ” حتّى بعد سنةٍ وأكثرَ من الغياب؛ ما يزالُ مفتاحها الاحتياطيّ يحتفظ بمكانه. تدخلُ غرفةً لم تعُد لها، وتُعِدّ سريرها كما لو لليلةٍ أولى في الفردوس. تجلسُ متأملةً لبعض الوقت على طرفه، ثم تعيده فوضويّاً كما كان. تضعُ من طلاءِ أظافرها الأحمر في علبةِ الحليب. تقلِبُ صورةَ العائلة على الحائط. وتُلقي المفتاحَ على الرفّ. تغادرُ وتترك البابَ موارباً. تُثير الفزعَ ثمّ تتوارى خلفَ ابتسامتها المُخادعة. كأنها تغيظُ العالمَ، وتذيقه بعضَ ما أذاقها. وكأنها تُطلِقُ صرختها المكتومة منذ أولى أيّام الهرب بسياستها وطريقتها الخاصّة. لا خوفَ على ويندي. فغداً ستستيقظُ بنشاطها المعهود. تُعدّ فطائرها المُحلّاة وتراوغ زوجها مارتي. أمّا أنا فسأظلُّ ساهراً وراءَ نوافذ منازليَ الألف التي اضطررتُ لمغادرتها دون عودة أو حتى أملِ زيارة.

سقوط

ليالٍ طويلة طويتُها بانتظارِ الصباحِ كغائبٍ قد لا يعود
وليالٍ افتقدتُ فيها كلمةً
كانت في يومٍ لازِمتي الخالدة
وأخرى ابتكرتُ فيها خطايا لم تخطُر على بال
وأحيانا دونَ نيّة
أغفلُ عمّا كنتُ أنتظر وأرتجي
برأسٍ مائلة ومُعبّأة بالموسيقى
وعينين تنتظران لحظةَ استسلامي
ويدٍ ذاهلةٍ وتنأى
تنبّهني من غفلتي
بارتمائها المُفاجئ على
طرفِ السرير

مِعطف غوغل

وأنا أقرأ روايةَ الحرافيش هذه الأيام وأعتذر لنفسي على تقصيرها وتأخرها الدائم عن العثور على نقطة بدايةٍ داخل هذه السنوات الضبابية. لكنّي وخلال لحظات أغفرُ لها بحنانِ أمٍّ، حينَ أتذكّر دوّامةَ الفوضى والعبث تحوم حولي. مدوّناً في رأسي بضع كلماتٍ لم أفهمها خارجَ السياق ولا داخله. وحتى بعد أن صرّفتها وقلّبتها في ثلاث لهجاتٍ وفتّشتُ عنها في حكمِ أمّي وأمثالها وأشعارها القديمةِ حين يوقظها موقفٌ أو مصيبةٌ، رأيتُ فيما أرى، أن الكلمةَ التالية ينتظرُها استجوابٌ طويل. وها هي ذي الكلمة سُرعانَ ما ستأتي، بعد صفحات قليلة. أنقلها إلى محرّك بحث قوقل، وبعدَ جهدٍ مُضنٍ، وبحث استغرقَ ثلاثين ثانية، أجدُ المعنى عارياً أمامي؛ كأني فتحتُ كوّةً في جدار. وأرى الكلمةَ تتوسّطُ عبارة قصيرة وأراها في كامل أشكالها ورسوماتها فأتعرّف إليها، وأترحّم على عاشور الناجي، إذ أسمعهُ يرددها وهو يمشي في قلبِ الحارةِ المعتمة، والأرضُ من تحت أقدامه تهتزّ. ثمّ أعودُ إلى الرواية، ولكن قبلَ ذاك تسقطُ في يدي كلمةٌ أخرى لم أرها من قبلُ ولا حتى سمعتها. أبحث عنها بدل كلمتي الأولى، فإذا هي اسمٌ لطائر! لا شكّ أني-بفضولي القذر-أخرجته من السرب، لكن بلا ندم وبفضولٍ أنانيّ مرّة أخرى، أضع الكلمة في محرّك بحث الصور، وأتأمل طائري. بريشه الأسود الكثيف، وساقيه المغروسةِ في الأرض كأعمدة معبد، ووجهه المزهوّ بألوانه الساحرة. وأسامح نفسي حينَ تخيّلتهُ محلّقاً في سرب؛ بعد أن رأيتُ جسده الهابط على الأرضِ كما لو أنه جثّة. الطائر الذي صُعقتُ بعدَ لحظاتٍ بخبرٍ يقول أنّه المتهم الأول والوحيد في جريمةِ قتل مالكه في ولاية فلوريدا، وبسلاحٍ موصولٍ إلى جسده”مخلب”. قلتُ في نفسي بعد أن انشغلتُ بهذه القضية الغريبة، لعلَّ الملحمةَ تنتظر. ورحت أبحثُ عن أخطر الطيور، علّي أتعلّم اليوم شيئاً جديداً عن العالم بعد ألف يومٍ ويوم من الجهل. فتعطّفَ عليّ قوقل واستخرجَ على صفحته الرئيسية قائمةً مُشذّبة لستة طيور. فرأيتُ صاحبي يتصدّر القائمة، إلّا أنه الآن قد صارَ له اسمٌ جديد، اسمٌ آخر. اسمٌ يبدو مناسباً أكثر، ويرسم له في الخيال صورةً أشرَس. نقلتُ هذا الاسم إلى خانة البحث أملاً في الوقوع على جانبٍ من حياة هذا الكائن. فصارت تحتَ يدي هذه السيرةُ المُهيبة، للطائرِ الأكثر خُبثاً في العالم. يدّعي ناشرُ السيرة أنّ هذا الكائن الخجول حينَ رصدتهُ الكاميرات، عندما يصطاد، فهو يخرجُ من لا مكان، هادئاً وساكناً، ينقضُّ على ضحيته ثمّ يختفي، هكذا، فجأة. بدا لي وجهُ”كايزر سوزيه”ظاهراً وواضحاً في ثنايا هذا الاستراتيجية العبقرية. ضربةٌ واحدة، ثمّ لا شيء. بعد ذلك من باب الإنصاف قرأتُ سيَر الخمسة طيور المتبقّية حتى لا تفهمَ معاذ الله أني أستهينُ بها وأركّز على الرأس الأكبر. وفيما أتصفّح سيرةَ الطائر الذي هزم أستراليا وجيشها. يُشير الناشرُ إلى الحادثة باعتبارها واحدة من الفقاعات الاستثمارية ويُعيد قراءة التاريخ للحادثة منذ بداياتها. المهم أنه يُلمّح إلى حادثة أخرى شبيهة. فقاعة “التوليب”هكذا دعاها. حادثةُ جنون التوليب في القرن السابع عشر. أقرأ المنشور وأتذكر أني سمعتُ عن شيء كهذا من قبل، أتذكّر، وأقرأ، والعكس صحيح. ثم أتذكّر مشاهدتي لفيلمٍ يحكي عن الحادثة نفسها. ولا يحضرني اسمه، أفتحُ صفحة جديدة على قوقل، وأكتب “tulip” فيقترحُ عليّ اسمَ الفيلم وممثّليه وعلاقاتهم الشخصية وتواريخ ميلادهم وأعمالهم الاستثنائية ويعرض لي صوراً خاصة ومسرّبة من جديد فضائحم، ثمّ أستدركُ نفسي. آخذُ نَفَساً، وأغلقُ تبويبات المتصفح اللا نهائية، أطلقُ طيوري في المدى، وتنفجرُ رائحةٌ في الهواء لا أميّزها، أخمّن أنها توليب، أسمعُ صوتَ بكر سليمان شمس الدين عاشور الناجي اليائس، وأدوّن في هاتفي ملاحظة قصيرة، شهادةَ امتنانٍ أبديّ، هكذا:
كلنا خرجنا من معطفِ Google.

*”كلنا خرجنا من معطف غوغول”: عبارة شهيرة تُنسب لدوستويفسكي عن قصة المعطف للأديب الروسي: نيقولاي غوغول.

شُرف النعاس

أن أتلاشى
لا يعني أن أنتهي
فأنا أبدأ دوما بالطريقةِ ذاتها، بالتلصصِ على الأحبّةِ والاستيقاظِ في خيالاتهم السيئة حينَ ينتبهونَ أني لم أعُد هنا
أو هناك
وحينَ يطمئنونَ على أماكني المهجورةِ وقد صارت حقّاً.
أن أتلاشى ربما يعني أن أقفَ، لبرهةٍ،
وأنا دائمُ الوقوفِ
على الأطلالِ
وشُرفِ النعاسِ
والشفاهِ التي لا تعرفُ
إن كان عليها أن تفكّرَ بما ستقول

لحظةٌ وعصفورانِ في سماء

أثمنُ ما لديّ هي هذه اللحظةُ في يدي. لكنّها ليست لحظتي وحدي. هي لحظةُ الحياةِ بقصصها الغرائبيّة، بشجَنِها وآلامها وهمومها وتعبها وقرفها وعُقدِها وجانبها المُعتم من كل شيء. بما لا يُستعَادُ منها بعد أن تمضي، وبها قبلَ أن تمضي حينَ تكونُ مفتوحةً على كلّ احتمال، وخفيفةً مثلَ معاطفِ النسيان. هي ذكرى طارئة تعبرُ في خاطرَين بعيدين. ورائحةٌ فاتنة تهبّ فجأةً على مكانين. هي الغريبُ في رؤيا، تلتقي بهِ بعد حياتين أو ثلاث. لحظةٌ موصولة بآلافِ اللحظات قبلها وبعدها، موسيقى تنقصها قفلة، ويدٌ تنقصها أخرى. لحظةٌ تترك أثَرَها. “لحظةٌ هي الأبديّةُ، كُلّها مكلفة*”لحظةٌ أشتركُ فيها مع العالم؛ حينَ يزرعني في قصةٍ لا أعرفُ أطرافها ولا نهايتها، وحين يضعني في مأزقٍ بلا أملِ خَلاص، وحين ينسى أن اللحظةَ لا تزالُ في يدي، لكنّي أتصوّرها في كل مرةٍ نقطةً لا مرئية في سماءٍ واسعةٍ وزرقاءَ كحُلم؛ يتقاطعُ عليها وفيها عصفورانِ عابرانِ يواصلُ كلٌّ منهما رحلتَهُ وعزفهُ المنفرد.

*اقتباس من مراجعة لفيلمٍ ما.

HATEmonologue

في ساعات مونتي الأخيرةِ حُرّاً، يصلُ شوارعَ بأخرى مع كلبه، يتهادى مدفوعاً بالارتباك والقلق، يؤجِلُ أساه المُنتظر بين ذراعيِّ حبيبتهِ وطيشِ الأصدقاءِ وهم يودّعونه ويودِعونه أسرارهم الغريبة تارة ولكماتهم الموجعة تارة أخرى. مونتي في ليلته النهائية، ليلته الأفضل في حياته، أمامهُ ساعاتٍ قليلة قبل أن يُرسَلَ إلى منفاه البعيد ليقضي سبعَ سنواتٍ في سجنهِ بعد إدانتهِ بتهمة تجارة المخدرات، ينظُرُ إلى حياتهِ وكأنها حلمٌ ضبابيّ أو محطّةٌ لا تُفتَقد، مُحاطاً بأسئلتِهِ وعذاباته، على طاولةٍ يجلسُ فيها مع أبيهِ ويتناولُ وجبةً أخيرة في العالمِ الحُرّ. ثمّ يتجه إلى دورة المياه فتلمحُ عينه عبارةً منقوشةً على المرآة، شتيمةً ساخطة وساخرة، يقفُ بجلالتِهِ وادّعائه منتظراً طوال النهار ما يدفعه إلى الانهمار بكلّ سخطه وغضبه المتّقد. عبارةُ”Fu*k you”بخطٍ صغيرٍ في الزواية، على هامش المرآة، كانت بمثابةِ قشّةٍ قصمت ظهر البعير. مونتي يردّ على هذه الشتيمة بالشتيمةِ نفسها، على لا أحد، على انعكاسه في المرآةِ رُبما. ثم يسترسلُ انعكاسُ مونتي على الزجاج ويبثّ كراهيته المُخبأة، يبدأها بالمدينةِ وكلّ ما ومن فيها، يشتمُ المشرّد إذ يسأل، وماسحي زجاج السيّارات الأوسخ من أن يُنظّفوا شيئاً؛ برائحة عرقهم النتنة، يشتم الهنودَ والباكستانيين، والكوريين؛ البائعين في مشاتل الورد، يشتم الروس يتسكّعون في المقاهي ويشربون الشاي في كؤوسٍ صغيرة، يشتم السماسرة المحتالين، والبورتريكيين بأعدادهم الكثيرة في سيّارة صغيرةِ الحجم رافعين أعلام بلادهم، والإيطاليين بشعورِهم الدهنية المقرفة، السود الذين لا يمرّرونَ الكرة أبداً، والشرطة والكهنة المتحرشين بالأطفال، وينتهي بأصدقائهِ وحبيبته الخائنة، وأبيه بحزنهِ اللانهائي. يشتم الجميع على حدّ سواء، الغنيّ والفقير، البعيد والقريب، والسُعداء والحزانى. ثمّ يتوقف، ويردّ عليه مونتي. بالشتيمةِ الأبديّة نفسها.”كانت الفرصة بين يديك وضيّعتها”خطابُ مونتي المليء بالكراهية، العنصريّ المقزِّز، أو الحقد الدفين والذي ينتهي به نفسه، كان طريقته في إلقاءِ اللوم على كل الأشياءِ من حوله عداه، كان يفتحُ بوّابةَ الجحيم على كل شيء وينظُرُ من بعيدٍ بحُرقة ومرارة. لاحقاً، مونتي الذي سيميلُ برأسهِ على نافذة السيّارة في آخر مشهدٍ من الفيلم، سينظر إليه طفلٌ في مركبة أخرى وسيكتب اسمه على الزجاج، يبتسم مونتي، ويدوّن اسمه أيضاً ويلوّح. وفي لحظةٍ مثل هذه، يُدرك أنه سيفتقد كل شيء، خاصةً الأشياء التي كان يكرهها.

نسيم

أدخلُ غرفتي
وأتنفّسُ رائحةَ سكونها وعتمتها
كأني أشمّ راحةَ يدِ الخلود
كأني لم أغادرها قبل دقائق صافقاً البابَ ورائي
وماضياً إلى حتفي
كأني ما زلتُ هنا مُذ تُركتُ واقفاً
بعد انتهاءِ مواسمِ الأغنياتِ
والوداعات
يهزّني نسيمٌ عابرٌ لأتذكّر
ويتجاوزني
لأنام

ضوءٌ شفيف

تاريخٌ قديم ولِدتُ فيه
لا يتذكّره أحدٌ في البيتِ، ولا الشموعِ؛ ولا تنهّداتٌ تُطفئها
أسماء كثيرة لا زالوا يندهوني بها
وأسماء أخرى أحفظها كما يحفظُ وديعُ سعادة عابريه
جسدي يقِظٌ وكابوسٌ يهزّه بيديه
لا أنام إلا من التعبِ أو التفكير في جدوى التعب.
لستُ أحداً بعينه وليس في جيبي سوى
مفاتيح صدئةٍ وما يبقيني على قيد الحياةِ والرغبةِ لأسبوعٍ آخر
لا أسألُ عن أحد، ولا أفتح باباً غير هذا الباب،
باب غرفةٍ ينقصُ هواءها أغنيةٌ
وجسدٌ نحيل تحتَ دشِّ الاستحمامِ
يغنّي ولا يفتح عينيهِ
إلّا لأنَّ الأحلامَ تغادرُ نفسها ويظلّ منها
ضوءٌ شفيف عالقٌ بينَ الأصابع

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ