لعبةُ الصباح (4)

|
والصباحُ غافٍ وراء الشبابيك. والصباح حلمٌ أدخله مع الناس وأغادره وحدي. وضوء الصباح يُعبّئ النقاط الفارغة في الزجاج وينفذ عبرها كعيونٍ شاخصة بعد أن كان الليل يسدّها من فوق عتمة الغرفة الخدرة. أتذكّر ليلة البارحة، وكيف استيقظتُ بسبب السكون الغريب خفيفا وديعا، ريشةٌ تتنزّه في الهواء، حتى وإن شدّتني قدماي المتثاقلة إلى مصيري وأنا أفتحُ بابا بعد باب في البيت الخالي. لا صوتٌ ولا نفس. أنادي بهدوء مُمتنّا لهذه اللحظات الصامتة التي لا تُعاش مرتين. وأحاول كمخمورٍ استعادةَ ما حصل قبل النوم، أيّ حدثٍ وأي توصية على جرّة الغاز المفتوحة أو ضوء الممرّ الخارجي أو حياةٍ تورّطتُ بها بين يدي. إلى أن يصلني هذا النداء الأليف؛ يرنّ هاتفي على بعد ثلاث غرفٍ وخمسة أبوابٍ مُشرّعة، وصوتٌ يقول بأننا في الخارج وسنتأخر في العودة. لا آكل ولا أشربُ شيئا ولا أمشي خطوة أخرى. أستلقي على سريري منفايَ الأوسع، ساقاي ممدوتان إلى ما لا نهاية وإحداهما فوق الأخرى، الليل وراءَ النافذة، يعبرُ بُلدانا لا أعرفُ أسماءها، والأهلُ بخير وعمّا قريب، عمّا قريب سيجيئون. وأنا آملُ أن يتوقّف الوقت هنا، وأن تظلّ الساعة كما هي، العاشرة والـنصف، والأهل سيجيئون، والعالمُ غارقٌ في سكونه ولا يدري.

||
ليتني أترك ورائي هذه الأمنيات المستحيلة والكُتيّبات خفيفةِ الوزن على الطاولة قُرب السرير والأحلامَ التي تعلّمتُ أخيرا كيف أحتال عليها وأدخل من بابها الخلفي فلا تتهيّؤ لي مجاملةً ولا أرتطمُ بسخريتها الفجّة والعيونَ التي ستظلّ غريبة عنّي وعليّ. ليتني أضعُ هذا الصباح خلفي وأتبع نصيحةَ ابن منير:”أفلا فليتَ بهنّ ناصيةَ الفلا!”حادياً همومي ووساوسي وعلَلي الخفيّة، ذاهبا إلى أبعد ما يكون. ليتني أغذّ السيرَ فلا أقترب من المجهول ولا أبتعد عن مكاني خطوة. أتعلّم كيف أعلّق نظرتي على نقطة لا يراها غيري وكيف أصغي بخشوع إلى النداء الحقيقيّ. مدفوعا برغبةٍ ضليعة تتودّد إليّ كل صباح أخرج من هذا الباب إلى أبواب كثيرة ومن هذه الكلمات إلى صمتٍ خالص ومن الفضول تجاه الأشياء والأسماء إلى فضول لرؤية آخر الدرب التي راحت تتقلّبُ تحت قدميّ. ليتني أجدُ الشجرةَ النائية اليتيمة حيث نمتُ تحتها مرّة في حُلم، ولمّا انتبهتُ حرّكت أصابع قدمي فلم أشعر بشيء، وقرصتُ بيدي يدي ولا شيء، ولم أكن أنا أنا، ولم أعرف أين ذهبتُ.

|||
منذ أوّل نبوءةٍ وأنا أطارد الصباحَ بكاميرا هاتفي المغبّشة من رأس شارع إلى زاوية ومن تلّةٍ إلى حُمرةٍ مُسالة بعناية وراء البنايتين المتلاصقتين كتوأم سياميّ؛ هناكَ أقف وألتقط اللحظةَ التي ستكون بعد سنتين أو ثلاث صورة مشوّهة لذكرى جديرة بالاحتفاء. بالغبارِ في قدميّ الخدرَتين من المشي. أُطارده بفيلم وقصة، بقصيدة أوشِكُ أن أحفظها وأهذّها على مسامع النَدَامى في الغرفة الخالية وهم ينوسون برؤوسهم. بمتعةٍ ناقصة، وطرفة بسببها ظللتُ أتدحرج طوال النهار، وهذيان واردٍ أبدا. أطارده بذراعيّ اللتين مذ بدأ وهنّ يدرن كمروحتين في الفراغ. بلساني الناقم يفتتحُ حفلةَ الشتائم اليومية، وبصمتي السخيّ يسومني بعد كل كلمة أنواع العذاب. منذ الصباح وأنا أطاردُ صاحبي الذي يجلسُ أمامي ضيفا على كرسيّ في مقهى، محاولا أن أشرحَ له؛ لمَ قد يعني أي شيءٍ لأيّ أحد! أمسحُ من على وجهه الدهشة الباهتة ومن ورائِهِ أرى الليل ببطء متعمّد وساخرٍ-على الزُجاج-يُرخي سدوله ويصيح.

لعبةُ الصباح (3)

|

ظلّت مكتبةُ والدي تكبر معي في طفولتي ومراهقتي حتى ظننتها أمَّ النوادر. لم تُبقِ كتابا ومجلدا إلّا وأفسحتْ له المكان. ربما تخملُ مع الوقت وتُنسَى وقد تموتُ، لكن، ليس إلّا لكي تنبعث من رمادها كأنها العنقاء. كلما جالست أحد أقاربي وأرادَ أن يكسر الحواجزَ ويطوي المسافات ويزيلَ الغشاوةَ عن عينيّ حدّثني عنها بنبرة العارِف، فأُسلِم نفسي مجاملةً لمتوهّم المعرفة وأصغي بابتسامةٍ متلهّفة وذهنٍ شارد. يروي لي سيرة هذا الرجل الغريب عنّي ويقصّ عليّ أخباره ويصعقني بحكاية المكتبة البعيدة وهي تتكئ وتميل مع مرور السنوات على جدار بيتي الأوّل والأقدم حتى يكاد ينقضّ. المكتبةُ التي دأبنا على حمل كُتبها وكُتيّباتها في صناديقَ كلّما صَغُرت كانت أعصى على الحمل وانجذبت إلى الأرض كصخرة. كنا ننقلها من بيتٍ إلى بيت ونفرزها ونرتّبها الأثقلَ فالأخفّ حجما ثمّ نعيدها إلى أرففها أو أقفاصها؛ بعدما تموضعتْ، وأخذت مكانها. كتبٌ بحثت في صباحاتٍ متفرّقة؛ تلك الصباحات التي كان فيها المزاجُ طافيا بل عصفوريّا كما أحبّ أن أسمّيه. واقفٌ على البرزخ بين الصفاء والجنون وليس في بالي سوى بيت للسديري(المستريح اللي من العقل خالي-ما هو بلجّات الهواجيس غطّاس)عن موضوع أو صنف يروق بين هذه الكتب وهوامشها وحواشيها وشروحاتها، واللفظة التي تُحيلني على أخرى؛ فأتكاسل عن قراءتها. حتّى صباح قريب تراءى لي فيه ديوانٌ بغلافٍ مستعار من زُرقة الفجرِ الدافئة. كتاب صار ينام تحت رأسي من حينها. أقرأ منه مقطعا، وأحيانا أتتبّعُ فيه قصيدة إلى مصبّها، وبيتا لا يزالُ ينأى في خيال الرواة والأهل والأقارب.

||
يُخيّل لي أن جدران الغرفة تزحف نحو بعضها بدأبٍ خفيّ لا تُلاحظه عيوني المثبّتة عليها منذ البارحة ولا تستشرفه جزيرةُ روحي المحاصرة من الجهات كلّها. أذكّر نفسي بأنني لستُ الضحيةَ في الفيلم، وأنني قد أُطحن بين مترادفتين أو حالين أو انتمائين يُحييهما سؤال الطفولة البعيد:”لكن، من تحبّ منهم أكثر؟”لكن بالتأكيد، ليسَ بسبب الجدران. وأطمئنُ نفسي، بأنّ الجدران مثل شمس المغيب، لن تغيب تماما إلّا أن أشيح بنظري عنها، وكذلك هي لن تتخطّفني إلا في لحظة سهو، وفي ذلك عزاء. وبعد هذا، مع كلّ شهرٍ يجيء أتعذّر بترتيب الملاذ، وأقرّب قطع الأثاث حتّى منتصفه، السريرُ في نقطةٍ عمياء عن مكيّف الهواء استجابة للعظام، الخزانةُ تناهض الاتكالية وتنتصب شامخة وحدها، الطاولة الصغيرة بأطرافها الحادة وحمولتها الخفيفة تتبعُ النعشَ البدائي وذراعي المُحلّقة. حتى تتوسط الغرفة وأنجو بنفسي. أستلقي، وفوق عيني أرى ترِكَةَ أصحاب المنزل الأوائل حديدةٌ على شكل رمح يتدلّى من السقف. بدءا من الشهرِ القادم، سأُعيد الأثاث بالتدريج، لعلّ إحدى هذه الكوابيس تضلّ طريقها أو أضيع طريقي إليها.

|||
سارحا صباحا في نقطة زرقاءَ مستحيلة أهذي بأصدقاء محمد عبدالباري أتمتم مرةً مقطعا من القصيدة:”تكلّموا قبلَ تاريخِ الشفاه، معي..”وتارة أتركها تسيلُ في داخلي، إذ فجأةً يتسرّب صوت مألوفٌ عبر الأثير، هو ذا صديقي وهي ذي صاده التي تشبه الصريرَ وعينُه التي لا تزال تتسعُ في الغياب. لشدّة نحوله هذا الطفل؛ لم أظن أنه سيخطر على بالي. أمام إشارة حمراء حيث تذوب الاختلافات والفروق ويشترك العالمُ بمن فيه معي في لحظة شرود مكثّفة، ولا يُمكن أن يسحلني شيءٌ من فردوسي غير هذا الصوت. أتخيّله مثلي طاويا ليلته الماضية وساهيا في لحظة بعيدة حيثُ كنّا طفلين نحيلين في زوايا القاعة يتسابقان على تلاوة اليوم. وأنا هنا-على بعد مئات الكيلومترات-في مركبتي التي تنتفضُ من الحُمّى وتشكو مفاصلها أستمع إلى تلاوته المتأنّية وأحرفه العميقة، وأكادُ أحلف أنه سيضربُ بيده شاشة المُسجّلة بعد أن يسمع صوتا خارجا منها يُنادي:”يااا عبدالرحمن”

*الصورة لنايف
@naif_h7

ثلاثُ لوحاتٍ إعلانية خارج إيبينغ، ميزوري

على الطريق الطويلة جريحان مسافران إلى آيداهو في رحلة وَجِلة متردّدة ولأنّ الأغنيةَ كعادتها ملاذُ الخائفين والطريقَ تهدهد وتحكم في الختام والشرودَ يضاعف الجهات، ينتهي الفيلم. بعد المأساة الرهيبة، وبعد الفكرة الطارئة والظبي الهارِب من فردوسِهِ يرعى في الخمائل*، وبعـدَ:”وتحسبُ سلمى لا نزالُ كعهدنا-بوادي الخُزامى أو على رسِّ أوعالِ” وبعد الحكمة الساخرة على لسان وودي هارلسون وانتظارِهِ الطويل ووصاياه العشر وحركته الوحيدة والأخيرة. وبعد الهطولِ السخيّ والأجساد المتهدّمة على الأرض الضيّقة والدمعة تومضُ في ظلام الشاشة السوداء أتوهّمها نجمة قصيّة تستنجدُ. وبعد اليأس واجترار الأمل وذهابِ الغريبِ الذي جاء غريبا ووحيدا ينتهي الفيلم على الطريقِ نفسها التي انطلقَ منها. خارجَ إيبينغ، ميزوري، وثلاثُ لوحاتٍ إعلانية منسيّة، على طريق لا يمرّها سوى المختلّ والتائه. والموسيقى تعدُ بأماكن لم نَرَها من قبل.

*يا ظبية البانِ ترعى في خمائلِهِ-ليهنك اليوم أن القلبَ مرعاكِ. الشريف الرضيّ.
*البيت المذكور لامرئ القيس.
*”Pretty songs and pretty places
Places that I’ve never seen”

لعبةُ الصباح (2)

|

على السقف لي صورةٌ تتحرك معي إذا حركتُ يدا أو ملتُ مع الصَبَا والأغنيات. دون أيّ مجهودٍ يُستأنَف هذا التناغم العجيب بين مرايانا. تستفزني بالتحديق وأعذّبها بنظرةٍ باردة. تقضي وقتها في التبرّم والتأفف وأترفّع عنها بتجاهلها. بيننا بلدان وجبال ومرايا وسماء ورؤية ضبابيّة ناعسة تمنعنا من التواصل أحيانا. إذا أكلتُ شيئا شاركتني وإذا قرأتُ قلّبت معي الأوراق، ولو صرختُ متأثرا بعُربَةٍ أو بيت ظلّت تعيد الصرخةَ عليّ حتى أنتبه لها امتنانا. وإذا خلعتُ قطعة من ملابسي فعلتْ مثلي وإن تماديتُ تمادت حتى يخجل أحدنا من الآخر ويكفّ. صورة بريئة عندما تستلقي على سريرها العلويّ ونتبادلُ النظرةَ نفسها مثل خيالين في بال. وشرسةٌ عندما أطفِئ النورَ وأتركها معلّقة المصير هناك مثل قطّة شرودنجر. أخرج من الغرفة وأقول لنفسي بأني إذا عدت فلن أجدها في انتظاري. ومن أنا؟ لكنها هناك، وأنا العائد إليها”وما بين عيوني إلّا هي”. أحدّثها فلا أجد منها إلا التطمين والبُشرى، وتحدّثني فلا أسمع منها إلا ما يدور في نفسي. توأم سرّي كنّا في دنيا العجائب. فتحتُ عيوني هذا الصباح على لوحةِ السقف الأثيرة فلم أجدها مكانها، فظننتُ أنها اختفت دونَ أن تودّعني. قلبتُ الوسادة، نمـتُ وعلى لساني:”حتّى لعمري كِدتُ عنّي أختفي*”

||
بعد القلق من المآلات المتاحة والمصائر الاضطرارية وبعد أن تجفّ الأنهار وتهوي الجبال وتذوي الأزهار وتمّحي آثار الواقفين على الأطلال من غرفتي السحيقة أكثر من مغارة وبعد أن تستقرّ القصيدة وتجد التقسيمة قفلتها وتنتصبَ في البال صورة لعوبٌ وبعد أن تعثر الغرفةُ على لحظتها الساكنة أغفو، ودونَ حيلةٍ، أتنبّه إلى أني قد ورثتُ عادةً أخرى من لازمات والدي؛ حين يترك ذراعَهُ اليمنى معلّقة في الهواء وينام، أغفو هذه المرّة واعيا بذراعي، تاركا لها حقّ الاختيار؛ إمّا أن تظلّ واقفة كشراع سفينةٍ تؤرجحه الرياح، أو أن تخرّ كشجرةٍ مرّة بعد مرة، أو لعلّها تميلُ كغصنٍ فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. أغادرها ماثلة كزاويةٍ قائمة ولا أتدخّل في شؤونها، قد تكون مالَت برأسها قليلاً إلى الوراء وأصابعي الخمسة كأنهنّ وريقات وردة مُهداة إلى مجهول، أو بقيتْ متيقّظة وحذرة، ناهضةً كعمودِ معبدٍ أو إنارة وفوقها كفّي الصغيرة مثل عصفور، طامعةً وتائقة إلى شيء لا يُرى. ذراعي النحيلة الممتدّة كفتيل، تنفذُ عبر الفضاء ولا يوقفها شيء، وعروقها المتشابكة تشي بأسرارِها ولا أُصغي. أتركها هكذا، وأعود إليها بعد النوم وبعد أطوارِ الحلمِ الكثيرة وألقاها على حالها. كأني لم أنم، وكأني لم أرها قبل لحظاتٍ تنهارُ وترتطم بحافة السرير وإثر ذاك ينتهي العالم.

|||
من الضجرِ أو من أمورٍ أخرى أقلّ تعقيدا أغنّي مثلما تغنّي السيدة في لوحة صغيرة الحجم على الجدار أمامي. أغني ولا خلاف بيننا إذ تظنّني واحدا من عشّاقها اللا نهائيين فرِحا بهذا التقاطع التاريخيّ، وأحسبها فردا من أفراد الجوقة التي تحمل عنّي أخطائي وتمحو ورائي آثار النغمات الناشزة. أغنّي، ولا أعلو بصوتي حتى لا أوقظ الجيران ولا أنزل فأنبّه الشياطين الغافية في الزوايا. مثل خبيرٍ وعارف بالمقامات أشدو وأتنقّل من طبقة لأخرى وأحـطّ كما ينبغي وأسترسِل كيفما كان، أعتني بقفلاتي حسبما أرى وأسنّ قوانيني الجديدة وأختم كما أشاء. الجدران حولي تنبض بموسيقى خفيّة وأنا وحدي في الصباح غِرّيدٌ لا شبيه له. أنهضُ استجابةً لإحساس مُختمِرٍ لأُكمل ارتجالي الحياتيّ، أستحضِر موّالا وأمشي في أرجاء الغرفة لا خوفَ عليّ، أغنّي وأُفاجأ بمساحاتٍ جديدة في صوتي، مساحات أضيق من فسحة عصفورٍ في قفص، أخرّ هامدا على أرضية الغرفة الباردة، وحيداً دونَ أن يراني أحد، وحيداً إلّا من نظرة دافئةٍ للسيدة الغائبة في غنائها، تستقرّ في عيني مثل وداع، وأموت، وحيدا.

*”أخفيتُ حبّكم فأخفاني أسى-حتى لعمري كدتُ عني أختفي” -ابن الفارض.

نصوص الصباح

متمنّيا نهايةً تليقُ بما لا يعدّها الآخرون حياة من التضحيات
انتظرتُ طويلا حتى انتبهتُ أنها هي ذي نهاية جاءت بقدميها
بما فيها من سمرٍ وشَجْو
أمام مرآة الصباح وتحت رحمة نوافذ الصيف المشرّعة واقفاً
بأقلّ مجهود في الثبات
بآخر كلمةٍ تحتفظُ بها الشفاه
قلتُ:
أستسلم..
وتنهّدتُ

خجلى تجيءُ الصباحاتُ التي لا تنتظرها
ولها القليل من الحظ وألفة الضوءِ الشفيف
والكثير من رَبكة الماضي القريب
خجلى ولها الإيقاعُ الرتيب ذاته والدوارُ الأبديّ
لكنها تظلّ الصباحاتُ شرارةَ المفاجأة
أغنيةٌ اُختيرت بكسل
أو كلمة قيلت صدفةً
أو نظرةٌ حطّتْ فجأةً في عينيك
قادرةٌ على إطلاق كرنفالات الفرح
في روحكَ
الطفلة

منهكٌ ممّا تقترحه الصباحاتُ الجديدة
والأوقات المفرغة من كل شغفٍ وانشغال
منهك من الحاجة
لاستنزاف العاداتِ والبقعة المفضّلة من الغرفة
ومن قُدرتي المفاجئة
على توديع الأشياء مرارا
ومن الوقتِ الذي يطفو بين شهوة نُعاسٍ والتخلّص منها
منهك حتى من المللِ
الذي نادرا ما يوصلني مبكّرا إلى
الليالي الطازجة

أحيانا أغمرُ الصباحَ بكلّ هذا المجيء
بكل ما بي من كهولةٍ ونَعَس
أصلُ طفولةَ الفجر
أصلُ الشاهدَ الأول على الحاجزِ الشفيف
بين حكايتين
بين ما يذهبُ سدى وما يأتي بلا انتظار
هكذا واقفا على باب الأيّام
شيءٌ ما
شخص ما
لمسَ كتفي وأخبرني
إمّا أن أدخلَ الصباح
أو أبحث عن صاحبي
الليل

من صُبحٍ إلى صبح
تتسلّقُ البالَ هواجسُ شتّى
وتضيع في العتب لحظاتٌ خُيِّرتْ فاختارتني
حدائقُ غنّاءَ تبهتُ
وتتأرجحُ في الروح رغبة لا تغيب ولا تحضر أبداً
وكل هذا يموت
كل هذا يتلاشى ويختفي أخيراً
ويظلّ بالبابِ سؤالٌ عنيد
إلى أي ذكرى أصير
في خيالِ العابرينَ في حياتي
بعد حمّى الشجنِ ورحابةِ البسمة
إذا كانَ ثمّة خطأ في اختياري
أو علّة في روحي
وأيُّ خطأ لا يُغتفر
وأيُّ علةٍ
لا يُرجى تفاديها

الصباحُ سيّدُ الإيقاع المجهول
والاحتمالُ الأوّل لكل ما هو نهائي
حين بإمكان أغنيةٍ صَقْلي وباستطاعة قصيدةٍ نفضَ غباري
حين أسير طوعا لرغبة الطفل وامتثالا لصدى الكلمات
حين القليل من الوضوحِ يكفي
والقليل من ذكرى الوضوح يكفي
ويكفي أن أُسلِم روحي في صباحٍ خاملٍ
لأي تعبٍ طارئ
وأيّ هاجسٍ
يمر

*تصوير نايف
@naif_h7

محمّد خيري شيخ الاستغراق

موال سبعاوي:
ياللي جنيت الورد عالخدين طاب الشام-من شمّ
يا كوكب الصُبح بالدنيا مثال وشام-أغلب الظن من شمّ وأشم من العلوّ والارتفاع
يا سعد من له على صفح الوجاين شام-من شامة
لبات ظمآن وأروى من عذب منهلك-من منهل. مورد الماء.
مسكين من شاهدك أصبح بالهوى منهلك-من هلَكَ
ناشدتك الله يا بدر الدجى من هلك-من الأهل
مثلك ما شفت بالشهباء وبرّ الشام-بلاد الشام

حكايةٌ قصيرة قد تُروى على لساني أو لسان محمود ميلاجي راوي الطُرفة الأصلي أو على لسان الدهرِ نفسه شاطحةً بين قصائد المُتنبّي”وما الدهرُ إلّا من رواةِ قصائدي-إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهر مُنشدا”عن الرجل البعيد في تسجيلٍ نادر عندما شذّ أبو هيثم عن القاعدة واستعجلَ في المُناجاة والتفاريد فصاح الرجلُ بلهجته الحلبية”محمّد.. محمّد.. وين رايح، ع بيروت؟”

قبلَ أن تولدَ النهايات الغامضة، وتتوسّلك الأصوات أن تترفّق، وقبل أن تُغنّى ابعتلي جواب لأوّل مرة، وتكون الحكاياتُ عنكَ قليلة ونادرة وأن تمر خفيفا وآسراً، وترتجل توهانكَ الفريد، وتخجل في حضرة أوّل فتاة ترقص على المسرح أو في الخيال، وقبل أن أسمّيكَ شيخ الاستغراق* وقبل أن تشتعل في صوتكَ آلاف الحسرات ولوعات التوجّد، وقبل يكون صوتكَ في أي لحظةٍ يداً تظهر من العدم؛ تسحبني وتُعيدني إلى غرفة الخلود، وإشارةً سرّية للتخلّي والانعتاق، وقبل أن تروّض الكلمات وتعرف كيف تؤرجحها، وتطوّعها كي تطيلَ لحظة الانتشاء وتستغرق في التكرارات، كنتَ وسرگون تائهين في ليل الذُبياني، وكنتُ جالسا في أقدم خانات حلب*، أقرأ لأحدكما قصيدةً وأسمع الآخر يموّل ويستعذب الليالي. وحدي هناكَ، مسافرٌ يريد أن يستريح.

تُغنّي منفردا وتحلّق وحيدا. لكَ من الآخر، المحظوظون الذين وجدوكَ صُدفة فصرتَ صاحبهم واكتشفوا في صوتكَ غابات الاغتراب، والأقل حظّاً دُلّوا عليكَ وذابوا في زخارفك والليالي المسترسلة، ولك ابتسامةٌ خجلى ونجمةٌ مضيئة في السماء أراها كلما رفعتُ يديَّ لله ودعوتُ.*

يبدو غريبا لي أنّ غرفةً تركتُ على حيطانها ما يشبه التواقيع والوصايا وحلمت فيها بأيام وحياة لا يمكن أن تكون لي واستنزفت فيها أفكارا بتكرارها ونظراتٍ بتقصّيها وتأملت فيها كل شاردة وواردة وغبتُ في ظلامها شيطانا واستيقظت في صباحاتها ملاكا ينزّ جسده عطرا وزهدا وفضّلتها على المنافي والأوطان المُتخيَّلة وبرّرت لها ضيقها وقلقها وكنت ابنها البار وأغلقتُ خلفَ بابها ملايين الأبواب وحفظتها بعيدة ومصونة وتصوّرتها مدينتي الفاضلة مع بعض التجاوزات وكنت في مراياها هزيلا ومحنيّ الظهر ومحتالا على الابتسامة وكنت على بلاطها جسدا غائبا يذوي ومصيرا مجهولا وعلى وجودها مارّا سريعا كالأمل* وفي خيالها سجينَ محبّة ورهينَ محبس وتمايلتُ مع إيقاعاتها المجهولة وتلذّذتُ بتفاصيلها المدفونة وزواياها اللا نهائية وصدّقتُ كل خرافة روتها لي واستجابت لكلّ كذبة غرائبيّة ألقيتها على مسمعها وفي قلبها واسترقتُ فيها السمع وأصغيت لرنينها الخفيّ إلّا عني واعتكفت فيها أياما حتى نسيتُ أن لي موطئ قدم خارجها وغنّيتُ فيها وسامحتني على نشازي وغنّت فيّ حتى امتلتْ رأسي بترانيمها وشدوها وكتبتُ عنها ولها وفيها كل الشذرات والمراثي والبكائيات وصعدتُ إليها صومعةً تنأى ونزلتُ منها هاربا من أشباحي وقلِقا على عقلي وهواجسي وسرتُ عبرها في وديانٍ وقصص وقصائد وانغمستُ في أنهار ونَجَاوى وعيون وانهمرتُ مع الدموع والدِيَمِ ووطّدت علاقتي بعتمتها ووشوشتْ لي بعض أسرارها وفُضحت تحتَ ضيائها عندما انسكبَ فجأة ضوءُ الصباح وطرتُ ماشيا في أرضِها مع سربٍ بعيد ورجعتْ إليها مثل تائب يرجو المغفرة وتخفّفت من عبـئي وهمّي بأن شتمتها وتخففّتْ من عبئها بأن ضاقت حتى تجمّدتُ واقفا في مكاني، غرفةٌ كهذه، مع كلّ ما مررتُ بها فيها ومعها ومع كل ذكرياتي ورؤاي وهواجسي عنها، يبدو لي غريباً أن أعجز عن العودة إليها، إلّا مغمضَ العينين، أو مُصغياً لأغنية بعينها وقتَ سَحَرٍ في مزاجٍ خاص واللحظةُ على اتّساعها تتكرّر، كأنها ثابتة في الزمن، كأن الحياةَ كلّها لحظةٌ أنساها، فتعود لتشاكسني مرّة أخرى. ديجاڤو.

الدرب طويلة أمامي. أحياناً أتناساها، فأصغي إلى الأنين الخافت في عظامي الناتئة وشراييني المتفرّعة مثل أغصان تتكسّر تحت خطاي. وأحياناً أخرى، أتحايلُ عليها، وأكرُّ شريطا صوتيا عالقا في رأسي، فأصير كمن يمشي في نومه أستدلّ بشجوِ الأمانات* ساعةً، وساعة أتقلّب بين جنبيّ القوافي. أمشي وورائي ظلٌّ ثقيل يتعقّبني، كأنه ظلّ طائرٍ خرافيّ في السماء، خطيئة لا تتوب عنّي، أو ندم ثابت يسبقُ الالتفاتة، أمشي وأتجاوز أوطانا وعيونا ونظرات، تلويحاتٍ ووداعات، وأطوي آمالاً كثيرة وأوهام، أصلُ نهايةَ العالم، وأفتحُ عينيّ عليَّ، واقفاً أمامَ البيت، ولم أبتعد إلّا في خيالي.

*معلومٌ أن اللقب يُذكِّر، وعلى صيغة(تقريبا)لقب السهروردي”شيخ الإشراق” واستغرق من تجاوز وبالغ.
*”وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ” الذبياني. ولسركون نصٌ بعنوان “كواكب الذبياني”. أمّا خانات حلب فهي أبنية مخصّصة لإقامة المسافرين والقوافل التجارية منذ عصور الإسلام الأولى. منقول.
*”يا داعيا لله مرفوع اليدِ”من موّال قل للمليحة.
*مر هذا اليوم كالأمل. أغنية للموجي ونجاة وكلمات مصطفى البدوي.
*أفترض أنها جمع أمان. اللازمة الحاضرة في الموّالات.

العالم

كلما فتحتُ محطّة تلفزيونية
أو إذاعةَ راديو
أو قناة موسيقى يشرح فيها فنانٌ تأريخَ الكمان
سمعتُ من يقول
العالم الذي تريده
العالم الذي بحثتَ عنه طويلا
الآن كلّه بين يديك
وبصدًى يُغازل يديَّ التي تتعرّقُ فجأةً
لأنها بكلّ جَشَعها ورغباتها ونزواتها
لم تحلم أبدا
بأكثر من أن تتوسّلَ وجها باكيا
أن يكفَّ عن الانهمار
أو تحيطَ بكسَلها أصيصَ زهورٍ
تنقله
من زاوية لأخرى

تلافيفُ الليالي ومحمّد خيري

موّال سبعاوي*:
لي قلب مهموم أعياه الغرام وصبا-صبا من حنّ واشتاق
من جور بدر الذي عني تنحّى وصبا-من مالَ وذهب
بالله يا عيون بدموع التأسف صَبَا-من صبَّ/أراق/سكب
علّك تطفي لهيباً بالحشى لاكِن-من كنّ واستقر أو سكن واستتر
حيث التقادير روحي بالهوى لاكن-لكُنَّ/إليكن
يابا قبل العشق كنت حاكم عالهوى لكن-من الحرف لكن
حبّك حكمني وشيّبني بعزّ الصبا-الطفولة والصغر.

|
مُتنقّلا بين خطايايَ الستّ، إذا ما استثنيتُ الكسلَ؛ خطيئتي المُفضّلة، فلأني مُقيمٌ هناك أبداً. أبحث وراء الطارئ الجديد؛ الرقم سبعة، بغموضه المُحيّر وأسراره الدفينة؛ كأنّ له وجه أنتوني هوبكنز الصارم وابتسامته الشيطانية القريبة. أذهب بعيداً مع سباعيات العجائب وأسراب الطيور المسافرة والحكماء وأرواح القطط وتلال روما والعصافير والحيوانات والفنون السحرية، ومفاتيح الموسيقى، ومرّةً أجنحُ إلى المُعلّقات وستائر عمرو بن هند، وتارةً أُقلّب في عينيَّ مُدنَ الذهب السبع، ولا تخلو مُتعتي المُشتَّتَة من اعتراضاتٍ منفّرة؛ سبعةُ مشاهير ماتوا على المسرح أو أثناء التصوير! وفي لحظة تخطر على بالي دندنةٌ آسرة للمدّاح والظبي اليماني..”يا قمر سبع وثماني-زارني ظبيٍ يماني”أو وصيةٌ ناعمة تجيء من آخرِ الدنيا:”بسبعِ وسائد محشوّة بالسحاب الخفيفِ انتظرها*”وأحياناً أصلُ إلى الكوابيس السبعة الأكثر شيوعاً، وأخرى، أعدُّني حسبَ الترتيب من الأكبر إلى الأصغر في العائلة والعكس؛ ولا أزالُ أبعد عن الرقم7، فأظنني في كابوسٍ مُصغّر. أقرأ عن الطوابق السبعة والسراديب السبعة ورحلة الألوان. وأخيراً، أجدُني بعينينِ ناعستين أتتبّعُ رحلات السندباد السبع ولياليه، وفي أذنيَّ يصدحُ بالصدفةِ صوتُ محمد خيري بموّالٍ سبعاويّ الأشطر، يُقلّب فيه لفظتين/كلمتين ترزحُ تحتهما عشرات المعاني والدلالات، كما يُقلّب السندبادُ بين كفّيه وفي رأسه ذكرى الليالي.

||
كأنها تلافيفُ ليالٍ. أو ليلٌ يبتلع ليلا يبتلع آخرَ وهكذا إلى ما لا نهاية. ترانيمُ أزليّة لاستحضار الحالة والغياب في الشجن. ليل منمنمةٌ آهاته المعتّقة على ضفاف الصوت الدافئ. دعوة مجّانية للغرق. ليل أبيضُ أحياناً وشفّاف من تصوّرات ورؤى سُعاد:”لم أنسَ وقفتها وطيب حديثها-قربَ الغديرِ على شفيرِ الوادي*” أو من العيون المغمضة على ارتعاشتها وصورتها الفاتنة البعيدة، تتذكّر أو تحلم، ترى أو تتخلّى. أو من عناقيد اللذّة، معلّقة في فضاء اللحظة هنا وهناك. أطربُ لهذه المُناجاة القصيرة المكثّفة؛ لا تبهتُ بالتكرار ولا تصدأ. يموّلُ أبو هيثم ليلا بعد ليل حتى تمتلي الرأسُ، أو يتجلّى الصباح.

|||
أتخيّلُ رأسي واحدة من مئات وآلاف الرؤوس تدور كعقارب ساعة الأبديّة. تميل وتنوسُ مثل الأغصان في المواويل. تهذي وتتخبّط في لياليها الأعذب والأقسى. تتروّى وتتأمل في تحليقها وتستعذب تأجيلَ لحظةٍ تفتحُ فيها عينيها الخدرة. تتيه في ابتسامة الابن الفوضويّ المدلل في الصورة وتُحيطه كسِّرٍ ثمين بين كل هذه الأيدي. أتخيّلها تغفو في ظلال الصوت العذب؛ يصعدُ مثل جبلٍ من النجوى والآهات ويهبط مثل صرخات الفجرِ الخفيّة تجيءُ مع آخر قافية، تسحبني من سَفَري بعد غيابٍ طال، وتفتح عينيّ على أولى نداءات الصباح، زُرقةٌ كأنها أشهى المصائر.


محمد خيري-كثير دلالك
https://soundcloud.com/nawaf-ali-2/sdhshiw5f7bp

*الموال السبعاوي نوع أو طريقة للموال حيث يتكوّن من سبعة أشطر تنتهي الثلاثة الأولى منهنّ بقافية واحدة تتعدّد معانيها وتختلف في كل شطر. كذلك الشطر الرابع إلى السادس بقافية أخرى بنفس الطريقة، ثمّ تعود القافية الأولى في الشطر السابع. وللموّال أسماء أخرى.
*انتظرها-محمود درويش.
*من قصيدة سلبت سُعاد من العيون رُقادي.

مسافة

قبل آلافِ الصباحات
أمامَ نافذةٍ مشرّعة ويدين تهيؤ نفسها للذبول
شعرتُ بي في زمنٍ آخر
وعلى بُعد جدارٍ ونافذةٍ مُقابلة
أراقبُ ذلكَ الصبيَّ الذي يتعفّنُ ببطء
ويرمي كلّ ما رغبَ واشتهى في سلالِ لاحقا وليسَ الآن
بعد آلافِ الصباحات
كهلاً يمضي بيدين ذابلة إلى بوّابةِ الغياب أمام النافذةِ
شعرتُ به
صبيٌّ يُحيطني بعينيه
ويعرف أني أنتظرُ فرصةً واحدة
لأقولَ
ما أشتهي
أن أقول

الفكرةُ مستوحاة من
True detactive

موسيقى مرثية حلم

كألف ألف قوسِ كمنجةٍ تحزّ وريدي. كأنها أشباحُ الماضي والخطايا التي تضمّني إلى ذكرياتها وراءَ ظهري. كأنها نعيُ الطبيعة المُتجدّد والصوتُ الذي ينادي من قرونٍ في قلبِ بئر والوجهُ الضبابيّ في حلم. أو حربي الأخيرة تقوم في مُخيّلتي وتوقظ جنودها وفخاخها. تقطّعاتها المُتكرِّرة تتصيّدني مثل نبضاتٍ طارئة. ودويّها المُربك يضمن لي نهايةَ العالم بعد لحظات. موسيقى ترافقني في ممراتٍ بلا نهاية وتبتكر مخاوفي وتنفضُ عن جلدي كل قشعريرةٍ غابرة. موسيقى تهوي طائراً جريحاً وتنقطع كآخرِ الأنفاس. سمعتها قبل أن أسمعها وتفرّستُها في الكوابيس وصباحات اليأس. وبقيتُ أسعى لها حتّى أذاقتني مرارتها. مُرعبة؟ مهيبة؟ ملحمية؟ شيطانية؟ موجةٌ منسيّة سيحينُ وقتها؟ ماذا أقول عن موسيقى، إذا كانت أقسى من صرخةٍ مكتومة تُطلقها تحتَ الماء؟*وماذا أفعل، إذا ظلّت ترنُّ في رأسي وأذنيّ بعد أن تكوّرتُ مثل جنينٍ ونمتُ في أمانِ الله!

LOST

تشعر أحياناً بكلّ نزواتهم. بتعثُّرِهم الناعم في هواء الغرفة. بلمعانهم الحاد في المرايا المعتمة وأزيزهم الرتيب داخلَ صندوق موسيقاك المتخيَّل. ويفصلك عنهم جدارٌ هشّ؛ عبارة عن لحافٍ سميك، تتكوّرُ داخله مثل جنينٍ تُشكِّله أصابعُ وحوشٍ غير قادرة على الوصول إليكَ حتى اللحظة. أقدامكَ التي بانتظامٍ تدور حولَ نفسها؛ مولّدة شحناتٍ كهربائية، تُضيء ظلامكَ الخاص لأجزاء من الثانية. وتكاد ترى كأنما في حلمٍ، لقطةً عشوائية من الطفولة؛ تنانيرَ قصيرةٍ تدور في ضياءٍ تام، أو وجه كاثرين هيغل وهي تضحك ملءَ فمها ووجهها ووجوهنا، وكل المتواجدين في الحانة حينها. وتجلس إلى جانبِ جيمس مارسدن على طاولة البار، وتقول له: ليستْ هذه الكلمات وتلتفت نحوكَ ثم تقول: ليستْ هذه العتمة. وعندها فقط تسمعُ صوتَ الباب وهو يُفتح ببطءٍ وبلا نهاية. وأنتَ تدسُّ أطرافَ اللحافِ تحت جسدك، وتنتظر حتى سماع أوّل كلمة، أي كلمة أو أيّ ضوء، لكنَّ صريرَ الباب يتوقّف فجأةً وُيغلق. فلا تعرف هل ذهبَ أحدٌ منهم، أم أنّهم قرّروا إعادة لمّ شملٍ على شرف انتفاضاتكَ الساكنة. تحبسُ أنفاسكَ لثوانٍ؛ كأنك تغوص في أعماقِ طفولتكَ عبر نفقٍ؛ تعود عبرَ الخوف عليها، إلى الخوف منها. وخلال ذاك، تجرؤ يدكَ على الوصولِ إلى هاتفكَ المغلق، تتلمّسُ درباً مألوفاً فتتبعه، راجياً ألا تتعثرَ أصابعكَ في غرضٍ ما قد نسيته في غير مكانه، ثم يسطع ضوءٌ ولشدّة ما اعتدتَ العتمةَ التي لا تدري لكم استمرّت، ليس بإمكانك سوى أن تغمضَ عينيك أكثر وقد يحدث عندئذ؛ أن تتداعى داخل سباتٍ مفاجئ، وتحلمَ بالطفلِ الذي كنته والطفلَ الذي صرته، وحتماً لا تستطيع الرجوعَ إلى أي عتمةٍ ولا الخروج منها، وأكثر ما تتذكره أنك كنت نائماً-طوالَ هذا الوقت-في مركبةٍ فضائية داخلَ كوابيسك..
يديَ التي على كتفك
يدكَ التي على كتفي
كانت هي الطفولةُ التي ستلمسكَ
ستلمسني
في أي وقت.

||
Lost
‏”C 35″
رقمُ مقعدي في الطائرةِ
قبل أن تكنسني المضيفةُ بابتسامتها
لمقعدٍ مختلفٍ شاغر. مقعدٌ بجانب النافذة
إلى شمالي يجلس رجلٌ وطفلٌ على الطرف
أسندتُ رأسي للطاولةِ المعلّقة بظهرِ المقعد الأماميّ حيث يمكنني خلال غفوتي الإصغاء
لدعواتِ روز، هامسا بعدها: “Amen, amen”
قبل أن يقاطع صلواتي الطفلُ المجاور؛
وهو يطلب قطعةَ شوكولاه إضافية
من المضيفة التي جاءت تدفع طاولةَ طعامها
مثل أقدارٍ فظيعة توزّعها على المسافرين.
ألمح بوون مارقاً في الممرّ، وتطرقُ شانون رأسي
بشفتيها. أحسبُ الوقت قبل مفاجأة نوبتها التالية
هل ستكون بحاجة لتنفّسٍ اصطناعي؟!
أشعرُ بهواء جزيرةٍ نائية في جوفي
وغثيانٍ حاد من فرط التفكير.
أنهضُ متجاوزا الشخصَ الأول، ثمّ
الطفل متجها إلى دورة المياه
يُعيقني جون بابتسامةٍ صفراء وبإيمانٍ تام
يحرّك أطرافَ أصابع قدمه ساخراً.
صوتٌ يتسرّب عبر مكبّرات الصوت في الطائرة
‏”Hot lips”
لا بدّ أن سويَر يُغازل المضيفة.
أشردُ للحظات
وتدفعني من الخلف كلماتٌ من لغةٍ لا أفهمها
هااا. صن لم تخبر جين بعد.
أصلُ أخيرا، مندفعاً كخنزيرٍ بريّ
باتجاه الباب..
لكنّ تشارلي يطلبُ بضع ثوانٍ
أنتظرُ طويلا، قبل أن يفتحَ البابَ
منتشٍ بجناحين وهمية:
‏”Hi man”
أخرجُ بعد لحظاتٍ بسبب الجلبة في الخارج
مطبّاتٌ هوائية، وفي غمضةِ عين
الجثثُ تدفعها الأمواجُ للشاطئ
والبعض يستسلم فقط..
جثةٌ عملاقة في البحر
أراقب بذهول
جاك يشقّ بقدميهِ البحرَ،
سعيد ومايكل
يذهبون خلفه باتجاهِ الجثّة.
لحظات ويخرجون حاملين هيرلي
لبرّ الأمان. علامةُ X على الصدر
يضغطُ جاك بقوة، مجدداً، مرةً أخرى
تقفزُ أنفاس هيرلي على هيئة أرقام
4.8.15.16.23.42
يطلب الطفلُ مجددا، قطعةَ شوكولاه
أستيقظُ. وأمدّ يدي للمقعد الأمامي،
لأكملَ صلواتي المتقطّعة وتباركها روز،
آملاَ أن تُفلتني الطائرةُ في مكانٍ ما
أبعدَ من رحلاتي المُشتهاة..
بقعةً صغيرةً إضافية
في وجهِ كايت
‏Freckles

لعبةُ الصباح

|
دون حاجةٍ للاتفاق، لعبتُ مع حمامة الصباح لعبة لا معنى لها. قلتُ في نفسي؛ كلما رفرَفتْ حولَ شُبّاكي أنشدتُّ بيتا من الشعرِ أحفظه، بيتا لا يشبه الذي يأتي بعده ولا الذي سبقه، ولا يرتبطُ به في حالةٍ وموضوع، ولا يشتركانِ في لذّةٍ أو اسم. ولأني لا أحفظُ الكثير، وأضربُ أحياناً شطراً بشطر، وأخِلُّ في الوزن، وأفسد القافيةَ والنغمة، وأخلط بين قيسٍ وقيس وصدرٍ وعجز، وأجرّد بيتا صوفيّا من قُدسيته، شعرتُ بالخجل عندما انتهت أبياتي. ورحتُ في تطوافِها الأخير أُنشِدُ بيتَ رجاءٍ عذبٍ حفظته قبل أسبوع وما مرّ يومٌ دون أن أردّده وأغنّيه، وأملتُ في رجائِهِ الخلاص، واستسلمت. ثمّ طارت حمامةُ زوسكيند بعيداً، ولم تعُد، فنسيتُها وأعدتُ الأبيات إلى ذاكرتي ودفنتُها هناك. لكنّي وبعد دقائق قليلة سمعتُ وراءَ الجدارِ مباشرةً جناحين يصطفقانِ في الهواء. فتأكدتُ من خسارتي، وذبُلت، لكنَّ الراوي في رأسي مدَّ لي طرفَ هذا الخيط، سلّمني هذا الاستهلال الغائِر في الروحِ قبل الذاكرة. وبدأتُ أهذُّ القصيدةَ العينية دون انقطاع:”لا تعذليه فإنّ العذلَ…” وما إن وصلتُ:”كأنما هوَ في حلٍّ ومُرتحلٍ..”حتى رأيتُ الحمامةَ تحلِّقُ بعيداً، وتذرعُ فضاءَ الله.

||
أحاولُ تذكّر مشهدٍ افتتاحيّ لأحد الأفلامِ التي أحبّها. أي مشهد، أيّ فيلم، أيّ حوار. ولا شيء يجيء. ولا صورة، ولا كلمة. لكنَّ عينين_فجأة_تستيقظانِ فزعةً بسبب مشهدٍ غرائبيّ ومُريب(ربما لا عينين، ولا نباهة، ولا بطّيخ ولكن لأني شاهدتُ الفيلمَ هذا قبل يومين)يبدأ الفيلم، بأُذنٍ مقطوعةٍ ومرميةٍ في حقل. لكن وقبل أن أسترسلَ في التذكّر وأذهب بعيداً، وأرى كيف يذهبُ بها إلى الشرطة. أدسُّ رأسيَ تحتَ المخدّة، وأُصغي بأذني السليمة إلى شتائمِ الكوكب، وأسمع صوتَ المحيط الهادِر وكأني أُلصِق بأذني صَدفةً، وأسمع صوتَ أبي وأسلافي، والنغمةَ الفاتنة للكون، والطنين/الأزيز الأبديّ للبيوتِ التي أسكُنها، وأسمع تهاليلَ الفرحِ بمجيئي وأجدها شبيهةً بصوت النعيّ كما قال أبو العلاء، وأسمع هواجسَ الموسيقيينَ دفعة واحدة وأسرارَ الحياة، وأسمع الغزلَ الرخيص في أذنِ الطفلة الخبيثة، والفضائح والكلمات التي لم أتعلّم بعدُ كيف أنطقها، وصرير الأبوابِ كلها، وكأني غرقتُ في ألفِ حُلمٍ وحلم. أقول لنفسي، ربما كانت هذه الحكمةُ من بُعد البدايات واستعصائها واستحالة تكرارها. ربما كانت البداياتُ أقسى حتى، من يدري! أحاول أن أستعيدَ مشهداً آخر، أشردُ، طويلا، ولا شيء.

|||
قضيتُ صباحي في تتبّعِ سنةٍ من السنوات واستجلاءِ أسرارها. هذه العادة التي التصقتْ بي لا أذكر متى ولماذا! لكنّها تعاود الظهور وكأنها موهبةٌ خفيّة ونادرة. أجدُني أضع تاريخَ سنةٍ عشوائيّ في محرك بحث قوقل، وأبحر إلى تلك الضفّةِ المجهولة. أدخل ويكيبيديا كأيّ باحثٍ عن معلومة، لكنّي أراوغ تلكَ الصفحة، وأظلّ مثل ضيفٍ ثقيل جاثماً على صدرها. أرى الحروب وثوراتٍ أُطفئت، ونزاعات واتّفاقات، انهيارات ومصائب، ودخان يعلو حتى يحجبَ الرؤية. وأرى من ماتوا في تلك السنة. ومن ولِدوا تلكَ السنة أيضاً، أنظُرُ إلى وجوههم، وأخمّن بلادهم، وأحاول أن أجدَ نزعةً أو صفةً أو حياةً مُشتركة بين اثنين منهم. أتعمّد أن أزورَ بلاداً زاروها، وأتتبّعهم مثل ظلال، علّ أحدهم يلتقي بآخر خفية، فأقع بفطنتي ودهائي على القصةِ التي قيّدتْ اثنين من أصحابي معاً. أقرأ أسماءهم جميعاً، وحينَ أمرُّ على اسمٍ مألوف، أدخل صفحته، وإذا بهِ هوَ، هو من أعرف، بلا شك. أشعرُ حينها أني أوّلُ من بشَّرَ أهله بوصولِه. عندما أملّ، أو يصيبني التعب. أتوقّفُ عن التجسّس. وأعود إلى حياتي، وورائي أُغلقُ بوّابةَ الزمن.

Amal

“عندك أمل يضوي نجومي في السما؟ عندك أمل يروي، يروي بساتين الظما!”

أمل. اسمٌ مكتوب على كل جدرانِ المدينة وحيطان الحارة، حتى تلك التي لم أدخلها عنوةً ولا حظّاً. له نغمةٌ رشيقة، ورنّة خفيّة ما دامَ اسماً مُجرّداً من معناه وظلّ يجري في نداءٍ بعيد أو رجاءٍ حالم. فاتحةُ المنقوشات على الحور العتيق. أمل، الصبيّةُ الأولى التي وُلِدَ على لسانها وفي صوتها كما يقولُ صاحبي الآشوري* الغناءُ الشرقيّ وبدأتْ تُغنّي وتُغذّي الذاكرة بصوتها العذبِ المُدلِّل. لكل اسمٍ مكان تتذكره فيه، ولا أتذكّرُ أمل، إلّا واقفاً على حافة العالم ونسيمٌ ينفح وجهي، ولا شيءَ يدفعني من الخلف سوى حياتي التي بالغتُ في كرهها. الفجر. هذا هو وقتُ استدعاء أمل وصوتها وأغنيتها الطافية في كل هواء. عندما الصمتُ والهدوء يبدآن بتقشيرِ الماضي حتى يصلا النواة. وتظهر كل الأشياء التي حرصتُ على إتلافها بسذاجة. صوتُ أمل. هو مركز كل هذه الذكريات. وعندما أفقده، سأفقد كل ذكرى أخرى. لكن أحياناً، أشكّ في وجوده، كما أشكّ في وجود غيره من الذكريات.

“وعندك أمل عندك؟ محتاج أمل عندك؟”

أمل. الكلمة الشقيّة اللعوب. ليسَ في تطلُّعها ولا إلحاحها الغريب، ولا في ابتسامتها المخطوطة منذ الأزل على وجهها. ولكن في تأرجحها السلس بين المعاني. كلّما سبق حرفٌ أو تأخر، تبدّى لها وجهٌ آخر. أمل، كائنٌ أسطوري، على الأرجح. وصوتها، ربما صوتٌ من أصوات الطبيعة، يفسّرُه عقلي بطريقته. أو صوتُ هدهدة تنبعث من كل مكان. وتختفي في لحظتها. وربما شخصيةٌ هاربة من حكايا الأمّهات. لها صوتٌ، ولا تراها العينُ إلا بعد أن تسهرَ آلاف الليالي. وقد تكونُ صديقاً مُتخيّلاً مُصطفى، ومرسوماً باهتمامٍ بالغ. أو لعلّها دندنةٌ ساحرة من شوارعِ البلدان التي عبرتُها قديماً، تشرّبتها الذاكرةُ في إحدى أيّام الطفولة، وظلّت تعاودني مثل وهمٍ لطيف.

“المسا اللي ملاه الشوق. ما اسمه مسا. يمكن اسمه عمري اللي ضاع فيك. ولّا اسمه ألف ضحكة تحتريك”

مقطعُ فيديو بشاشةٍ سوداء وصوتٍ نورانيّ. يستمرّ لثلاثين ثانيةٍ وأكثر قليلاً ربما. ليتهُ طالَ بعض الشيء فخلّصني من ورطة الرقمِ ثلاثة. وجنون ثلاثيّة الموت، أو ثلاثية أغوتا كريستوف. وحتّى ثلاثية ابن الفارض وفدوى والجبالي. أو ليته قصُرَ؛ فكان أقلّ من أن يكونَ ذكرى منفردة، وضاعَ في الزحام.

ومرّاتٍ أخرى. ليستْ أمل إلّا فتاة لا أعرفها أبداً. منذُ سنوات تبدو بعيدةً الآن، كانت تُغنّي. على صفحةٍ في مكان ما. وكنتُ أنقلُ لها مقطعاً من أغنية تدندنها، من هاتفٍ لآخر بحذرِ من وجدَ المغارةَ وأُلهِمَ كلمةَ سرّها. وفجأةً اختفى المقطع من هاتفي، واختفى من الصفحة كلّها. وبقيتُ أنا والصفحة الفارغة إلّا من اسمٍ ثُلاثيّ نتسامرُ طوال الوقت كناجيين وحيدين بعد طوفان الفجأة. أُحدّث الصفحةَ، ومراراً أفعل، وأتخيّل انبثاقة المقطع القصير. وأكبسُ على زرF5، ويدي الأخرى على ذقني، آملاً أن يُصابَ الموقع بخللٍ أو بشرودٍ قصير فيعيد المقطعَ مرّة أخيرة. أو تظهر رسالةُ اعتذارٍ على الأقلّ.

“ولّا اسمه قلب عاشق دايم يسمّي عليك”

وأحياناً في الحُلم. أدخلُ على صفحةِ مُنشئ الموقع نفسه، وأراسله مثل صديقٍ قديم. “كيف حالك؟ أتمنى أن نلتقي قريباً، وأنت في صحة جيّدة. اِرسل لي لو سمحت النسخة الاحتياطية كاملة بما فيها..” مع أني لستُ أدري إن كانت هي المطلوبة. وأُرفِق عنوان بريدي الإلكتروني الخاص. ثم أودّعه بحرارة.


*كيفَ ولدَ الغناءُ الشرقيّ. سركون بولص.

بعيدا

بعد كل قطيعةٍ وهجر
وبعد المشي في غاباتِ المُخيّلةِ والموسيقى، والشرودِ في ظلالٍ تتغير أشكالها بفعل الضوء والأسى
أعود إلى غرفةٍ مغلقة تستقبلُني
على بابها كأسُ برتقال أو وجبةٌ دافئة
وأحيانا قطعةُ ملابسَ ضائعة
وشرشفُ سريرٍ مُعطّر وألمع دوما من صباحاتي التالية
وربما نداء صارخٌ يجيءُ من صالة البيتِ إليّ كأنه هلوسةٌ تختفي في لحظتها
وراءَ البابِ متجمّداً أقفُ
وأنتظر الطرقةَ الأولى
كي أفتحه

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ