مفاتيح

في يدي سلسلةُ مفاتيح بيوت سكنتها وفي بالي خيال أبوابها إذ تنأى بعد إصراري الغريب. كلما أدرتُ مفتاحا في القفل رأيتُني غريقا يجرفه السيل القادم من وراء هذا الباب أو شهيدَ عاصفة ما اقتلعتني من جذوري أو لعلّي نجوتُ بسبب احتمال ضئيل وصرت الظل الخفيف لكلّ هذه الحكايا المرصوفة أو اليدَ الخفيّة وهي تضبط المشهد دون أن تُلاحَظ. ربما رأيتُ العائلة سعيدة متحلّقة حول مائدة أو فضيحة يتشاركون الطُرف ويتوهّمون البشائر يؤخرون الانتباهةَ ما استطاعوا وتغمرهم اللحظة بحنانها أو ربما جذبتني قدماي إلى زاوية الشَدْو حيث تغنّي أمي في صالتها ترانيمها البدويّة غائبةً عن الأبصار والآذان ولعلّها مثلي شاردة في مخيّلتها وبيوت الطين وحياة الترحال تكرّر بيتين منذ العصر الأوّل وبالله تستعين على الإبرة والخيط. أو ربما استنزفتُ أنفاسي وما توقّفت عن تأويل رؤاي ورحت أتأمل الصور على الحيطان وأخمّن الرائحةَ في الهواء وأستحضر الضجيج الناعمَ وأتسمّر وسط غرفتي مثل قطعة أثاث منسيّة قبل أن يهزّني جاري_وهو يصعد الدرج_بصوته الجهوريّ “سلام يا جار.” وفجأةً؛ أمامي الباب ينتفض والمفاتيحُ المدلّاة من أعناقها في السلسلة تعزفُ سيمفونيةَ الوعيد، وأنا واقفٌ… أنتظر.

حَجَر

ليت الفتى لم يُرهِف السمع لأوّل لغة منقوشة على جدار وأول حجرٍ يمسّ صفحةَ الماء. ليت الفتى لم يحدق طويلا في انعكاسه على سطح البحيرة ويستعذب الغرق، ليته لم يستدلّ بالنجوم ويقصّ الأثر ولم يقرأ الطالع ولم يقف على طلل ولم يختبر السُرى ليلا ويبلغ المثلَ الخالد عند الصباح. ليته لم يرِقّ لنظرة معذَّبة ولم يجتذب خصرا ولم يألف وجها ولم يتلقّف إشارة وليته إذ طوى البلاد طواها ولم يعد ولم يحلم بالعودة.ليت الفتى حين مالَ على شجرة لم تستنهضه رغبة ولم ينبّه حنين. ليته لم يعِد أحدا وصدّق حكمةَ الخَدَر وغاب. ليته حين وقف على شفا الأشياء رأى المعنى الخفيّ وتسمّر مكانه. ليت الفتى لم تحرّكه التغاريد ولم يستفزّه الخلود ولم يبصر في الليالي نارا أو في المفازة سرابا ولم يتبع الظنّ أو يسحله الأمل. ليت الفتى لم يقُل:”متذكّرٍ في مرقبي وش جرالي-وصفقت بالكفّين ياسٍ على ياس” ليته لم يدوّن رؤاه والتفاصيل والسيَر ولم يدندن لحنا مألوفا أو يحتفظ بسرّ ولم يستجب لغواية الخطايا ووساوس الفراغ. ليته لم يبالغ في المحبّة ولم يُفرِط في حقده ولم يفتح عينيه حين سمعَ النداءات المتعطّشة وليته ظلّ واقفا على العتبات وما عوّل على أحد ولم يخبئ أحدا للأيّام وما انتظر أكثر من قطرة مطر. ليت الفتى لم يتنبأ مصيره ولم يقلّب الحكمةَ بين يديه حتى جفّت ولم يصدّق البشائر ولم تبحث يداه في غرقها عن يدين. ليت الفتى حجرٌ … لم يذب في معنى أو يستميت لأجل فكرة أو هاجس. ليته حجرٌ فحسب.

تَطْواف

أسافر مع غيمة تائهة في الصباح. أُسلِم أمري مرة أخرى للتساهيل. أُنصِت لإيقاع الأصابع على المقود. أنتظِر هذا الأمل الأخضر. أتبعُ ذراعي في رحلة قصيرة إلى عوالمها الغرائبية. أدندنُ لحنا لا يُفضي إلى كلمة. أطرد هاجسا وأوقظ آخرَ. أُسمّي الغُرباءَ وأحرمهم الحقّ. أخون النظرةَ الناعسةَ في المرآة، أشردُ بعيداً، وأحلمُ جالسا في مكاني. أعُدُّ الخطايا الدفينة في صدري أو الأشجار والأعمدةَ على جانبيّ الطريق أو النَمَش على وجه إيفانجلين ليلي. أغيب في ارتعاشة أبديّة سببها موسيقى مألوفة بعثها الراديو للتوّ. أحسدُ هذا الطائر يتقلّب في الزُرقة المنبسطة كيفما شاء. أعبرُ المفازةَ بمجازٍ والبحر بالغرق. أستذكِرُ أسماءً وأنسى الوجوه. أستلذّ بهذا الاقتباس الشاعريّ حيث موجةٌ إذاعية تدلف إلى مركبتي من أخرى عابرة وتستريحُ على ساحلي. أُقطّع عروضيا:”وللنسيمِ اعتلالٌ في أصائِلِهِ-كأنّهُ رقَّ لي فاعتلّ إشفاقا” وأحسبني اِستعجلتُ البيتَ ولم أخدش المعنى. أبتكرُ طرقا مختصرة وأراوغ الشوارع وأرفض عروضها المجّانية للانسياق وراء المجهول. أتفقّد قصصا توقّفت عن روايتها. أفطَنُ إلى معنى شطر. أتابعُ بعينيّ حياتي حتى تختفي تماما. أطوْفُ، أو كما يقول الشاعر:”أطوّف ما أطوّف ثم آوي، إلى بيتٍ..” أستجلي طريقه مُسرنما أو مشمولا بنعمة الرجوع.

نورتن وكرو وبيل وبيت ودوغلاس وماثيو وليوناردو

في ذكرى المدوّنة السنوية الأولى أعيدُ نشرَ هذه القطع الصغيرة(مجموعةً)وفيها سبعُ قراءات مختلفة لسبعة ممثّلين وأدوارهم.

إدوارد نورتن الكائنُ البرزخيّ.
آرون الصبيُّ منشد التراتيل الدينية القاتلُ في بدايةِ الأمر والبريء وسط الحكاية والمجنون الغامض قريباً من النهاية هكذا تقاطعتْ حياتي مع حياة إدوارد نورتن لأول مرّة في فيلمِ”الفزعِ البدائيprimal fear”وهكذا أيضاً عرفتُ أني سأصدّقُ هذا الصبيّ وأستأمنهُ على عقلي كلما شاء. هذه البراءةُ المحضة بلا أدنى مجهود والعتمة المحبوسة خلف هاته العينين. نورتن كما أسميتُهُ الكائنَ البرزخيّ. رجلُ الحيرة والتباين. في كل أدواره التي شاهدتُها فيما بعد كان يعتاشُ فيها على التفصيلة الصغيرة. هذه الازدواجيّة في الشخصية، الخيط الرفيع بين الحُلُم واليَقظة كما في فيلمه الشهير”نادي القتالfight clup”أو بينَ العينين الفاسقة والصارخة الحزينة وهي ترشحُ دمعاً وأسفاً في فيلمه”التاريخ الأمريكيamerican history x”وإن لم يكُن هذا جليّاً في الأخير إلا أنه دائماً ما يكونُ مُتأرجحاً في جسده ودواخله، فيما هو عليه وما سيكونه. تنقّلٌ أزليّ بين حالين. حال الأول مُطمئناً في جسدهِ وحال الغريب الذي سيكون ضيفه بقيّة العمر. وحتى في فيلمه”الهدف the score”كنت أنتظرُ خدعته القادمة، التغيّرَ الذي سيقلب الطاولة ويُحيى مجدَ روي القديم. يُخيّل لي أن نورتن سيستيقظُ صباحَ ذات يوم ويقفُ في المطبخ مذهولاً لأنه لم يعد يتذكّر كيف كان يحبّ قهوته؛ بالحليب؟ أو سوداءَ كالكدمات التي تتركها النوادي السرّية على الجسد والذاكرة.

راسِل كرو والمشي في الظلال.
إذا استدارَ ومضى بعيداً بقامتهِ المحنيّةِ ومشيتهِ المُتثاقلة بدا لي كأن إحدى قدميهِ أطول من الأخرى. بدا كأنه مُتعبٌ من عبءِ الحيوات التي مشى في ظلالها. الرجلُ الغاضِب والعفويّ، الأسطوري النبيلُ والساذج، الحنون والعبقريّ في آن. من غضبٍ جمّ بسبب ذكرى من الطفولةِ(la confidential-إل آي سرّي للغاية)إلى مُضطربٍ في مواجهةِ شركةٍ عملاقة(المُطّلع-the insider)وصولاً إلى عقلِ عبقريٍّ تجاهلَ الأشباح بعد أن عانقها(عقلٌ جميل-a beautiful mind)ثم إلى أبٍ على حصانٍ يعدو نحو وداخل العاصفةِ(عرّاف المياه-the water diviner)يجرّ خلفهُ أطناناً من الهلاوسِ والجماجم والذكرياتِ والنظريات، ثمّ يعودُ آخر النهارِ ساكناً إلى وجهٍ يُشبه وجهَ فيرونيكا ليك. يُذكرُ أنه شوهِد قبل أشهرٍ يرتدي قميصاً أزرقَ باهتَ اللون، في يدهِ سيجارةٌ وبطنهُ تتدلّى أمامه على فخذيه، وليست هذه الصورةُ/اللحظة الفوضويّة إلا لسعةً أولى مُخفّفة من دورهِ القادم. لا أتخيّلُه إلا جالساً-في المشهدِ الافتتاحي-على صوفةٍ حمراءَ بالكادِ تتسع لجسده، وجهه مُضاءٌ بنورِ الشاشة أمامه وهناكَ ابتسامةٌ وعلى جبينهِ-بلازِمتهِ الأبديّة-يُحرِّك أصابعه… كأنه يتذكّرُ شيئاً ما.

ماثيو ماكونهي وأبو العلاء.
كُلّما-بلكنتهِ الفاتنةِ-أنهى جُملةً وأسرفَ حتى يصيرَ حرفُهَا الأخيرُ عدماً، أو فغرَ فمه مُندهشاً أو مُغوياً، مُتخيّلاً أو مهلوساً، وكلما وضعَ يده على شفتيهِ كأنهُ يُعيد اكتشافها واستغرقَ في تأمّلهِ وفلسفته، وكلما غرقَ في نوبةِ بكاءٍ حادة، وتفجّرَ في روحهِ أنينٌ مكتوم؛ تبدّتْ لي في سحنتهِ حكمةُ أبي العلاءِ الخالدة”هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد”. منذُ خطبتهِ المؤثرة في قاعةِ المحكمة بعد أن كادَ يخسر كل شيءٍ(وقتٌ للقتل-a Time to kill)وصولاً إلى قطعِ(مُحقّقِ فذّ-true detective)الثمانية ومروراً بالرجلِ ذي الجسد النحيل الشفّاف، الرجل الذي شعرَ أنه يُقاتِل من أجل حياةٍ ليس لديهِ الوقت ليعيشها(نادي دالاس للمشترين-dallas buyers club)يحكي ماكونهي-وفي قبضتهِ تمثال الأوسكار-عن شخص جاءه(على الأرجحِ أنهُ مُتخيَّل)وسأله وهو في الخامسة عشر من عمرهِ عن بطلهِ فأجابه: هو أنا، بعد عشرِ سنوات. وبعد عشر سنوات جاءهُ الشخص نفسه: هل أنت البطل الآن؟ والإجابةُ كانت: ولا حتّى قريباً من ذاك. متى تذكّرتُ هذا الخِطاب خطرَ إلى ذهني سؤال مارتِن هارت لـ رَسْت كول: إذا ما أهمّيةُ النهوض عن السريرِ كل صباح؟
“أقولُ لنفسي بأني سأشهدُ حدثَاً ما، ولكن الجواب الواضح والواقعيّ أنها ..برمجتي!”

مايكل دوغلاس والسقوطُ الحرّ.
لم أُغمِض عينيّ قطّ إلا ورأيته يَهوي من أعلى سطحِ مبنى، بيأسهِ التّام وذوبانهِ الدائم في حياةِ الرتابةِ، مُعلّقاً في الهواءِ تحفُّه ذكرياتهُ ورؤى الطفولةِ أثناءَ سقوطهِ الحرّ. ابنُ الميلاد، الكَهْل الرزين بشاربهِ وذقنه المحلوقين بعناية، وبشعرٍ مُصفّفٍ لا ينكشه سوى الافتقارُ إلى المنطقِ، وغريبيّ الأطوار. مايكل بيدهِ المُقيّدةِ أبداً إلى حقيبةِ عمل، وبمسحةِ تَرَفٍ لا يُمكن تفويتها، وجدّيةٍ تُحيّر مُنسّقي الهدايا وتُحرّضُ على الارتجال. الداهيةُ الذي بكلّ خبثٍ خطّطَ لسلبِ الروح(جريمةٌ مثالية-a perfect murder)والشُجاع حينَ ردمَ خاطفَ ابنتهِ جيسي(لا تتفوّه بكلمة-don’t say a word)والأعرجُ وهو يرى صفحاتِ كتابهِ الأثير نوارسَ تُحلّق في الفضاءِ وفوق البحر(أولاد مذهلون-wonder boys)مايكل دوغلاس والذي يبدو لي كمن يرسمُ خطّةً حتى لأتفهِ التفاصيل والنتوءات ولا يمشي في أزقّةٍ لا يعرفها ما يزالُ يهوي منذ ثلاثةٍ وعشرين سنة(اللعبة-the game)في الخيالات، وما تزال الخُدعة الوحيدة التي انطلتْ عليه في حياتهِ كُلّها تنطلي علينا جميعاً مرّةً كُل عام. عيدُ ميلادٍ مجيد.

براد بيت الدوبلير وحمّالُ الأسيّة.
يبدو وهوَ يكسِرُ إطارات الصورةِ ويلجُ داخلها بفكّهِ العريض وسيجارتهِ المتدلّية دوماً على عنقهِ مثل تميمةٍ غيرَ مهتمٍ، كأنه نذرَ على نفسهِ ألا تلتقطهُ عينُ العدسة. الوسيمُ بشقاوتِهِ المعهودةِ والحزينُ وهو يكملُ دورةَ الخطايا السبع. البطلُ الثوريّ في أعماقِ كلّ منا والضميرُ الحيّ الذي لا يكفّ عن النداء. والكائنُ الذي وحدَهَا الرغبةُ من تستدعيهِ وتستضيفهُ المُخيِّلَة(نادي القِتال-Fight club)إلى المحاميّ وقد شوِّهت طفولتهُ وصارَ مستعدّاً للتضحيةِ بكل شيءٍ من أجل أن ينامَ ليلةً في العتمةِ بلا خوف(النائمون-Sleepers)مروراً بالغجريّ العبثي أحد الخيوطِ الأربعةِ لحكاية الماسةِ المسروقة(خطف-snatch)والمحقّقِ الذي بنشيجهِ المؤثرِ ضاعفَ معنى الرفضِ والسخط(سبعة-se7en)ثمَّ انتقالاً إلى ابتكارِ المآلاتِ الجديدة في شخصيةِ جزّازِ فرواتِ الرؤوس(أوغادٌ مجهولون-inglourious basterds)براد بيت بكلّ هذه الشخوصِ السابحةِ في تعريفٍ آخر، الغرائبيةِ والمُظلمةِ الصعبةِ على التشريح يُرَى الآن بعيونٍ مفتوحةٍ على اتساعها لأنهُ الجُنديّ المجهول، واليدُ الثانويّة، صفوةُ الاحتمالات، الدوبليرُ وحمّالُ الأسيّة، لمسةُ الريشةِ الأخيرةِ.. والتي بدونها تصبحُ اللوحةُ خاليةً من المعنى والروح.

كريستيان بيل سيّدُ اللحظة.
2:12:28

بعدَ مرورِ ساعتين-تقريباً-في فيلمِهِ الأخير لم تكُنْ ثمّةَ صورةٌ ولا موسيقى، لا مشهدٌ حاضر ولا ماضٍ يتكشَّفُ في المرايا. كان بيل وحدَهُ خلفَ المقود والمجْد، وكان هطولٌ خفيٌّ للرغباتِ وهي تتنازعُ وتئنُ تحتَ حاجةِ التخلّي. بدا كأنه على وشكِ أن يحلِّقَ على ظهرِ تنهيدة، ويدهُ الثابتةُ المنعطفَ الوحيدَ الذي لم يختبِرهُ بعد، وكانت شفتاهُ الممطوطتانِ تبحثانِ عن أغنيةٍ ضائعة، وابتسامةٌ صفراء لمعتْ إثرَ التسليم. كريستيان الخفّاشُ الليليّ ببحّةِ صوتِهِ الأخّاذة وجناحيهِ المبسوطينِ على العتمات(فارسُ الظلام-The Dark Knight)والمخبولُ صاحبُ المنظرِ البهيّ والطلعةِ الوضّاءة، ابنُ التهيؤاتِ المنفِّرة والمجنونةِ وصديق الظُلُمات المثاليّ(مختلٌّ أمريكي-American sychco)والعبقريُّ الوفيُّ لخُدعتِهِ الخالدة، رجلُ الأسرارِ والتضحياتِ وخفّةِ اليد الناقصةِ التي لا تُرَى(العَظَمَة-The Prestig)والنحيلُ المؤرق العالِقُ في يَقَظةٍ معذِّبةٍ وأبديّة(الميكانيكي-The machinist)كان جالساً على عرشِهِ وكانَ سيّدَ اللحظةِ وكانت طوعَ يديهِ لكنّهُ رماها بعيداً، وانتظر.

دي كابريو والصرخةُ المستديمة.
سئمَ الفتى من الحيلة على صفحة الأرض فطار بها إلى السماء(امسكني لو استطعت-catch me if you can) ليو الغضوب الواقف على شفا الأشياء يؤجل انهماره ما استطاع؛ معلّقا في حكاية عتيقة ترويها الألسن وتجدّدها الذكرى كل عام موسيقى وقُبَلاً مطوّلة، أو مسترسلا في لهجة عذبة أو مُرخيا ابتسامته الصفراء خدعةً تُستحدَث كل حين من العَدَم، وحنقا تنفجر بين يديه الساخطة براكينُ الدم، ومنتشيا تارةً بثرائه وهلوساته الغرائبية وسخريته الباردة على السرير(ذئب وول ستريت-The Wolf of Wall Street)جوّابُ الآفاق وصاحب الصرخة المسلسلة الجريحة تمتدّ مثل عتاب أبيض شقّ عماءَ الليل. تخالُ لو أنك تتبّعتها دخلتَ في مداها واستقرأتَ أسرارها أو صرت محظوظا وانتهيت إلى أعمق نقاط انبعاثها. لو سمعتها كفاية أيقظتْ الغُيّابَ فيك واستفاضت لحنا وحَدَتْ التائهين إلى بلادهم البعيدة. ربما كانت صرخةَ الفتى الأشقر الوسيم ابن روديسيا الغائب ووريث هذه البقعة المنسيّة في ظهر العالم(الماسُ الدمويّ-Blood Diamond)أو صرخةَ الصيّاد بين القوائم(العائد-The Revenant)أو لعلّها صرخة الحالم في حلمِهِ(استِهلال-Inception)مهما استدامتْ لن تبلغ المدنَ ولن تقتل الألم.

النهاياتُ المفتوحة للأفلام

لتبقى النهايةُ مفتوحة أو معلّقة في غيب الظنون والرجاوات قد يعود القاتلُ إلى مسرح جريمته وفي عينيه الآثمتين تلمع الأضواءُ والنوايا حتى تصير حدقتاه قطعتين من ليل يتّسع وتحته تعوي الذئاب. ربما وقفَ الرجل هكذا أمام طريقين ينبسطان أمامه كالخطايا ولم تُلمِح الحكايةُ إلى شيء ولم يحرّرك حدسك من الحيرة. قد يظلّ المخطوف مخطوفا وقد تطفو الجثّة فوق سطح الماء وينقطع المشهد أو قد يسترسل الراوي فيعيدك سبعة مشاهد إلى الوراء ويؤخرك مثلهنّ تحليلا واستيعابا. ربما أوقفَ_الغائبُ الحبيس عشرين عاما_ترنيمته الجريحةَ لأنه سمع صوتَ خطى وراء الباب وحضرتْ في البال قصة فريدريك براون عن الشخص الأخير في العالم. لعلّ المخرجَ صدّق فكرة أوحيتْ له عندما كان طفلا شغوفا واقتطع مشهدا ضروريا في الفيلم ليختم به فأثار الأسئلة المطمئنةَ إلى أجوبتها السهلة. ربما عاد الفتى المنفيّ بعد حروبه الأزلية فلم يجد الأهلَ ولا البيت ولا زهرة كان يسقيها في صباه. ربما زلَّ لسان المحتال أخيرا فانهالت حيله مثل قطع الدومينو. ربما انتشى الكاتبُ فألقاك وسط غرفة البريء فيها خبيث والكلّ نَدَامى الكُل وغذّا وساوسك. ربما وربما والاحتمالات بلا نهاية. لكنَّ الأجمل عندي أن يُرفَع جفن الممثلة النائمة على سريرها مثل ستارة وتستيقظ على صوت تغريد ورائحة خُزامى بعدَ تأكّدك من موتها إثرَ رصاصةٍ مجهولةٍ في الحلم. وها نحنُ ذا نؤوبُ من احتمالات ما لم يكن حتّى.

دي كابريو والصرخةُ المستديمة

سئمَ الفتى من الحيلة على صفحة الأرض فطار بها إلى السماء(امسكني لو استطعت-catch me if you can) ليو الغضوب الواقف على شفا الأشياء يؤجل انهماره ما استطاع؛ معلّقا في حكاية عتيقة ترويها الألسن وتجدّدها الذكرى كل عام موسيقى وقُبَلاً مطوّلة، أو مسترسلا في لهجة عذبة أو مُرخيا ابتسامته الصفراء خدعةً تُستحدَث كل حين من العَدَم، وحنقا تنفجر بين يديه الساخطة براكينُ الدم، ومنتشيا تارةً بثرائه وهلوساته الغرائبية وسخريته الباردة على السرير(ذئب وول ستريت-The Wolf of Wall Street) جوّابُ الآفاق وصاحب الصرخة المسلسلة الجريحة تمتدّ مثل عتاب أبيض شقّ عماءَ الليل. تخالُ لو أنك تتبّعتها دخلتَ في مداها واستقرأتَ أسرارها أو صرت محظوظا وانتهيت إلى أعمق نقاط انبعاثها. لو سمعتها كفاية أيقظتْ الغُيّابَ فيك واستفاضت لحنا وحَدَتْ التائهين إلى بلادهم البعيدة. ربما كانت صرخةَ الفتى الأشقر الوسيم ابن روديسيا الغائب ووريث هذه البقعة المنسيّة في ظهر العالم(الماسُ الدمويّ-Blood Diamond)أو صرخةَ الصيّاد بين القوائم (العائد-The Revenant)أو لعلّها صرخة الحالم في حلمِهِ(استِهلال-Inception)مهما استدامتْ لن تبلغ المدنَ ولن تقتل الألم.

الخلود ورجلٌ من هذهِ الأرض

من قبل أن يغرقَ العالم في الاستعارات. من قبل اللحظة التي تكرّر نفسها موصولة بآلاف اللحظات قبلها وبعدها. والمستقبل الذي سيجيء بعدَ ومضة والماضي الدؤوب على اصطياد ضحاياه. من قبل أن يقف الشاعر على الأطلال ويرثي نفسه_مقيمٌ ما أقامَ عسيبُ*_قبل وَتَرين جُمعا وصار الشَدو لغةً تحفظها الأصابع. من قبل أن يُعلّقوا العنقاءَ في لوحة أو بيت شعرٍ وينتظروا احتراقها. وقبل أنعمِ رفّة جناحٍ لفراشة خدّرت الهواء ونبّهت إعصارا في بلاد لا تبلغها الطائرات ولا الأحلام. قبل استئناسِ الأوّل برؤية طائرٍ وتشاؤمه من صراخ آخر. قبل انتصاب الشجرة المعمّرة لا تزال تسمو وتستجيب لغواية النسيم. ومن قبل أن يُنيخوا العيسَ ليُحمّلوها رُحّلا وسُراة، ويضربوا حجرا بحجر ليشعلوا نارا أو حكاية. من قبل أن يولدَ الحكماء والفلاسفة والأباطرة، وتُبنى السدود وتلفظ الأرضُ مُدنَها الأسطورية. وقبل أن يتفرّسوا في الوجوه ويُسمّوا النجومَ ويقصّوا الأثر ويقرأوا الطالع ويتبعوا الأنهار. وقبل أن ينقشوا على صخر ويخلطوا بين المرايا والبحيرات. من وراء الملاحم والمجاعات والعصور الذائبة والهزّات والجبال والسهول والظنون؛ جئتَ، من هناك، مسربلا بخطيئتكَ البريئة حاملا في عينيك هذه الطعنةَ النافذة والحكمةَ الخام:”ليسَ ثمّة ما هو أكثرُ إثارةً للضجرِ من الخلود*” وعِشتَ، طويلا.

إد نورتن، الثعلب

|
بين عينيّ مثل نارِ احتمالات لا تنطفئ_تُذكيها الارتجالات العبقريّة والعوالم السرّية في الأعماق_الفتى بصوته الرخيم ونظرته الخجولة ولزماتِه وعاداته الطائشة يحوم حول عذاباته مثل فراشة ويبدأ الخدعةَ لأنه يعرف جيدا كيف ينهيها. الخبيث بلا دوافع، والبريء براءةَ الذئب. يقترب كثيرا بابتساماته الحادة من الخطوط الحمراء كما يعاودُ السفّاحون أماكن جرائمهم، وينتقم لنفسه بالانتقال الغرائبيّ بين الشخوصِ وضمائرها وقصصها. متأهبٌ للاصطياد، ومرتجف تارة أخرى كيدٍ أُفلتت تحت ظلام الليل. مُستعيرا الحكمةَ الخفيّة وراء (رُبما) أو مستريحا لعلّه في بِركة تناقضاته وزِحام النِعم والوجوه. الهزيلُ أحيانا يُجري على صورته ولسانه:”أنا الرجلُ الضّرب الذي تعرفونه-خشاشٌ كرأسِ الحيّة المتوقِّدِ” والغريب عادة أمام المرايا والأبواب التي غُيّرت أقفالها. يثبّت قدميه على الحافة ويعلّقني هناك مُجيلا بصري في عالمٍ ينهار وحكاية ببطء تختفي عن العيون وتزنّ في البال. يطوف بي كما تطوف بي رأسيَ الليالي متعقّبةً نغمة ضائعة، ويتأنّى في حديثه كأنه ينخلُ الكلمات ويُخبئ في ثناياها ضحكةَ العفاريت. إدوارد نورتن، الاسم الوهمي لصديق تخيُّلي غابَ الآن عن ناظري، وذكّرني كيف كان دوما ولا يزال:”يروغُ منّي كما يروغُ الثعلبُ”

||
العيون الماكرة بشَقّها العمودي في الأحداق؛ كأنها مضيق، بحيرةٌ في اللامكان أو كوّة، باب سرّي تباعد بين مصراعيه يدان. تخدع، وتتروّى، تترقّب وتهزّ وترَ الخوف. وتستلذّ ببطئها الأزليّ، في حركتها واختلاسها. تنتهي إلى عمقها كل الأعاصير والأسراب ويستقرّ في حدودها كل غائب ومنفيّ. العيون الساقطة على ظلالي وهواجسي مثل مُديَة نافذة، جرح يتّسع في العدم بتأنٍ مفرط. تنتظر فحسب، وتعدّ نفسها للوثبة الأخيرة. معلّقة بين الشك واليقين في المرايا، ومُطلّة من أبعد الرؤى، ولائذة بكلّ عتمة. تختال وتتبصّر في عمائها، وتمد حبل غوايتها. على صفحتها سكون يشي بقادم العواصف وفي سوادها نداء من غور بئر. العيون التي تراوغ قبل الأقدام، وتستشرف الخطى القادمة، تستفزّ وتصفّق، وتبتسم، بخبث من وراء القضبان الحديدية في مشهدٍ ختاميّ.

|||
آرون الصبيُّ منشد التراتيل الدينية القاتلُ في بدايةِ الأمر والبريء وسط الحكاية والمجنون الغامض قريباً من النهاية هكذا تقاطعتْ حياتي مع حياة إدوارد نورتن لأول مرّة في فيلمِ”الفزعِ البدائيprimal fear” وهكذا أيضاً عرفتُ أني سأصدّقُ هذا الصبيّ وأستأمنهُ على عقلي كلما شاء. هذه البراءةُ المحضة بلا أدنى مجهود والعتمة المحبوسة خلف هاته العينين. نورتن كما أسميتُهُ الكائنَ البرزخيّ. رجلُ الحيرة والتباين. في كل أدواره التي شاهدتُها فيما بعد كان يعتاشُ فيها على التفصيلة الصغيرة. هذه الازدواجيّة في الشخصية، الخيط الرفيع بين الحُلُم واليَقظة كما في فيلمه الشهير”نادي القتالfight clup”أو بينَ العينين الفاسقة والصارخة الحزينة وهي ترشحُ دمعاً وأسفاً في فيلمه”التاريخ الأمريكيamerican history x”وإن لم يكُن هذا جليّاً في الأخير إلا أنه دائماً ما يكونُ مُتأرجحاً في جسده ودواخله، فيما هو عليه وما سيكونه. تنقّلٌ أزليّ بين حالين. حال الأول مُطمئناً في جسدهِ وحال الغريب الذي سيكون ضيفه بقيّة العمر. وحتى في فيلمه”الهدف the score”كنت أنتظرُ خدعته القادمة، التغيّرَ الذي سيقلب الطاولة ويُحيى مجدَ روي القديم. يُخيّل لي أن نورتن سيستيقظُ صباحَ ذات يوم ويقفُ في المطبخ مذهولاً لأنه لم يعد يتذكّر كيف كان يحبّ قهوته؛ بالحليب؟ أو سوداءَ كالكدمات التي تتركها النوادي السرّية على الجسد والذاكرة.

ضربةُ الفرشاة العشوائية

السرّ في ضربة الفرشاة العشوائية. في لمسةِ النرجسيّ الصغير تختبئ مثل عيون العفاريت في الزوايا. في طيش لحظةٍ ينسى فيها المزيِّفُ نفسه أو يفقد السيطرةَ عليها ويترك أثرا طفيفا وراءه. في كُوَى الحيطان والصوت الخجول خلفها. في العين المُتلصّصة تتوق إلى المستحيل، في الأزهار المنتثرة مجمّدةً في الهواء والبال. السرُّ عرشكَ في غرفة الخلود، والغياب اللذيذ تحتَ النظرات الشاخصة منذ الأزل. في جسدكَ المُسجّى على الأرض وفي مطرِ أبي الطيّب:”أظمتني الدُنيا فلمّا جئتُها-مُستسقيا مَطَرت عليَّ مصائبا” السرُّ في الحيلة التي انطلتْ على سيّد الحيَل، وفي سيزيف المذهول واقفا وسط الجدران العارية وصخرةٌ يحملها بين يديه.

مُجرمونَ وضحايا

مجرمو النظرة الأولى في المرآة، وضحايا أختها. المُغيّبون عن اللحظة والهاربون من خطاياهم وأسمائهم. الحياديّون بصفحة بيضاء تلمع في البال، والبريئون من حاضرٍ ساخر بكلّ ما فيه. ينتظرون أيّ حَجَرٍ يُقذف في بحيرة الطفولة، أيّ شجرةٍ تتفرّع أغصانها في وجه السماء، أيّ اسمٍ يُنادون به من بعيد، عينين حنونة على البابِ تُحدِّق وتبتسم. الواقفون على البرزخ بلا ذكريات ولا رؤى ولا هلاوس، مؤرجحة أقدامهم وموعودونَ بوهمٍ ساخط. يتوسّلون الذاكرةَ فتمدّهم بصورة مشوّشة وتدفن أخرى كأنّ في يدها الطِوَل المُرخى. يتشوّفون في وجوههم غربةَ النسيان ويختلقون الماضي بحدائقه وروائحه وعناقاته وأمواجه ويذوبون في عالمٍ رماديّ من الجهل. المجرمون، لأنهم نزعوا الغلالةَ عن الوحوش في الداخل، وأطلقوا أيديهم الباطشة. والضحايا لأنهم نسوا كيف ضاعت حيواتهم، ولأنّهم في العيونِ الغريبةِ أودعوا أسرارهم.

لعبةُ الصباح (7)

|
كل شيء ثابتٌ أمام عينيّ المغمضة. الصورة المُخبأة أسفل السجّادة. النهرُ في لوحة على الجدار. الخصلةُ العابثة في المُخيّلة. الضوء المرتجف يتأرجح بين حالين وتصطاده نظرتي المحلّقة فيختار جانبا ويسكنُ. صفحات الديوان المتتابعة مثل موجٍ غامر ترفعها قَنَا المتنبّي عاليا وتتطاير في الفضاء. الأغنية الصادحة تتروّى وتطول آهاتها النادمة. الندامى والعفاريت أبناء الزوايا والحكايا السرّية. الوصايا الشجيّة والمنافي والأوطان ولحظةٌ كدتُ أنساها في صباح بعيد. غبار خامد على الرفوف؛ شاهدٌ على الصبيّ الذي أستأمنه على نفسيَ ليلا. المرآة على صفحتها نرجسيٌ خالد. الخزائن الغائبة في وساوسها العقيمة ومستقبلها الراكد. حتى القصة التي على وشك أن تُقال. حتى فراشي المعلّق في الهواء بعد أن نفضته أمّي. حتى أمّي، الواقفة في منتصف الغرفة تائهة في التفاصيل ومشغولة في تأجيل المجهول. كل شيء ثابتٌ، هناكَ أمام عينيّ المغمضة، ولي أن أُبقي الأشياء على حالها وأغيب، أو أفتحهما، وأجرّب_للمرّة المليون_حظّي.

||
وردة على الأرض. نداءٌ مهمل ظلّ يطاردني حتى يئِس وتلاشى. أثرُ خطى تصعب على التخمين. مفتاحٌ وصورة. أغصان وطرقٌ تتفتّح تحتَ أقدامي. رسالة ناقصة. مفازة وينابيع، خطوتان إلى الجحيم وأخرى مثلها إلى الفردوس. أنهار على مدّ النظر، وبساتين تميد بخصرها. قصور بذكرياتها وأيّام طينها. قُرى تنأى بعزلتها. أبواب في الخيال أدخلها أسيرا وناجيا أخرج. أمشي على نغمةٍ في سلم، أهبطُ إلى مقام جريح. حتى السماء تستلقي على بحيرةٍ راكدة في منتصف الشارع. برأسٍ مُطرقة ويدين مقيّدتين وراء ظهري أمشي، مشيَ الفلاسفة وتأمّل المُقدّرين. على الدرب نفسها حيث استرسلت بالأمس ذاهبا وعدتُ هاربا أنقشُ في جلد الأرض رسالة مخفيّة وأترك للنسيم البارد أن يحمل عنّي ثقلي ويدفعني بعيدا. أخالف الجهةَ التي سلكتها قبلا وأعود كي أستكمل المتاهة بخيطٍ في يدي. أحمل هذه المدينة وجدرانها على مستوى عينيّ وأثبّت في حدقتيهما عتمتها وأشباحها وأشجارها. لعبةُ هذا الصباح أن أكونَ بعيدا عن الأرض مسافة وثبة وعن السماء بقدرِ ألف نظرة عميقة؛ طائرا حائرا بين الجهات وذاهبا إليها كلّها.

|||

على ضوء الصباح والأغنيةُ لا تحتمل أكثر من أن تكون ضربة خفيّة تحت العظام. الأغنية جناحُ العالم المبلّل؛ ينفضه في الأعالي فتصيبنا عنايته مثل مطرِ الصيف وردتگ تُمُر ضيف، يدا الخلود تسحبانني من أيّ لحظة وتدفنني فيها، تعويذة الروح؛ إشارةٌ سرّية للتحليق أو الانطفاء فحسب. صباحا والأغنية في فمِ طائر يذرع فضاءَ الله، أو على ظهرِ مسافر وراء هذا الفجر، أو داخل عينيّ غريب. أتذكّر الحالمين والأشقياء، المنسيين والمتورّطين في متاهة المجهول، الباقية وجوههم على صفحة الماء، والماشينَ خلف الغياب مثل ظلّه، ومن قالوا كلمتهم الأخيرةَ وضاعوا، أتذكّر الوصيّة المعرّية:”فاسأل الفرقدين عمّن أحسّا-من قبيلٍ وآنسَا من بلادِ” والعابرين تحتهما، أتذكّر النورسَ المنفيّ جوناثان والبُشرى المضيئة في عينيه، وكلّ من هُم وراءَ هذه العاصفة في البال، ووراء هذه النافذة في الحلم، وأنسى، الكائنَ الأوّل الذي تركَ أغنيته على عتبة باب العالم، وهرب.

لعبةُ الصبَاح(6)

|
في نواة هذه الحيطان المطلية بالخدوش أسرارٌ مُخبأة، رسائلُ ووصايا للأحياء الذين سيجيئون بعدي ويصدّقون ظنونيَ الرخوة. انتصابها المسترسل يشدّني إلى أعلى ووراء لمعانها الباهرِ عيونٌ محبوسة في حسرتها، وفي ارتجافها الرتيب صرخة لا يصلني غير صداها. وراءها أنهارٌ نزلت فيها وبحيرات جلستُ على ضفافها وأيدٍ كثيرة تضرب في فراغ. ومثل من يقف خلفَ المرآة، خلفها يقف، ولا تلتقي نظراتنا إلّا في لحظة غفلة أو هُدنة. تحفظني داخل صندوقها الأثري وتطلق عليّ أشباحها ليلا. سجينُ دوارها الدائم وحائر بسبب أبوابها المطموسة. أتوسّطها مثل نقطة على صفحة من بياض، وأشقّها عابرا تارةً أخرى مثل سهم ناقم، ثمّ أتركها وحدها مع فضائحي وفوضاي. الحيطان التي تنبسطُ على جهاتها الأربع في الشرود وتُريني ما تخفيه من بلاد وأسرار ومعجزات، وفي لحظة الصحو تكاد تثبُ على صدري. في قلب هذه الحيطان قُرَى صغيرة ستفنى، بعد أن تهبط عليها من السماء كرةٌ إسفنجية كنت أمرّن بها ذراعي منذ الصباح برميها نحو الحائط؛ ستختفي في العدم، وتنسى هذه المرّة أن تعودَ إلى يدي.

||
منذُ الفجرِ وأنا أدور في فَلَك نفسي. أعيشُ حياتي وأحفر في إثرها. أنا قصّاصُ الأثر، أدور حول نفسي مذ عرفتها. لا يُغيّرني طارئ ولا تغويني رغبةٌ في اجتهاد. أتبع خطاي نفسها وأمشيها كما كانت بالأمس. ما خرجتُ إلّا بسبب هذه الزرقة المستحيلة، جاءت من كل مكان، وقفتْ على زجاج شُبّاكي وحيّتني واستأذنتني للدخول، فحيّيتها بأحسن منها أو خُيّل لي. غادرتُ غرفتي وأغلقت على يدي الباب، وكنت أُحسّ وأنا أغلق البابَ على يدي أني سأفعل. تركتُ المدينةَ ورائي ومشيت نحو بشارةٍ تومض في السماء. داخلاً هذه المتاهة التي تتكشّفُ لي بعد كلّ مرحلة من مراحِلها، فأعرف سرّها مرتين. أدور حول نفسي في رقصةٍ درويشيّة لا تنتهي وفي رأسي تدور البلاد والأوهام والرؤى وعميقا في العينين تدور عينا إيستيلا وورن كأنها مركّبةٌ أحداقها فوقَ زئبقِ*. مسافرٌ في رحلة لولبية من الفجر وحتى وقت ذبول الأقدام والخدرِ اللذيذ في الأطراف والشرارة الخفيّة تبرق بين العظام. أدور مع أنصاف الحكايا والأغنيات مثلما يستمرّ(الطوطم)بالدوران على الطاولة في الفيلم، لأنّي لا زلتُ في سريري أحلُم وأتخبّط وأهوي، ويبدو أني-كالعادة-أضعتُ المخرج.

|||
خيالي هو ما يُبقي الغرفةَ على حالها. طافية فوق بحر من الهلاوس والرؤى. محمولةً على جناح فراشة وحائرة بين الجهات. خيالي هو ما يُسمّي الأشياء الساقطة من علوٍ في الغرفة نيازكَ ويرى المساحات الفارغة ينابيعَ وضفافا. ويعوّل على ما وراء الباب؛ موسيقيٌّ قديم يبحث عن نغمة أو شاعر ظلّ يصرّ بحثا عن خاتمة حكاية متمنّعة. صباحا على السريرِ رأسي مكان قدميّ هذا النهار. السقفُ لفان غوخ والمرايا لدالي. وما الذي يبقى لي حينَ أصفرُّ كدوّار شمسٍ ولا أرى في المرآةِ سوى عينين تدوران كمجرّتين ولسانٍ يتهدّلُ كعصفورِ ساعة من شدّة الإعياء. صباحا على السرير لي وجه شارِد مع السرب وذراعان كطائرين مقيّدين إلى جسدي وساقاي عكّازتان للأيام المريبة. لي أذنان تتخاطفهما نداءاتُ غرباء وموسيقى مروّضة، وجسدٌ لا يقلقه الهدوء المُبشّر بالطوفان. لستُ أمدّ ذراعي إلّا جسرا تعبر فوقها المركبات والناس إلى الجهة الأخرى، ولا أحرّك أصابعي إلّا لتبقى النغمةُ حيّة، ولا أُنادي بصوتي لأنّه الحقيقة الواحدة التي ستنبّهني من هذا العالم الحالم، لو بكلمة، أو صرخة.

*أدرنَ عيونا حائراتٍ كأنها-مركّبةٌ أحداقها فوقَ زئبقِ _المتنبّي.
*الطوطم. من فيلم inception. هو أقرب للعملة النقدية، يُديرها الشخص فإذا استمرّت بالدوران علَم أنه يحلم، وإذا توقّفت بعد قليلٍ علم أنه ليس كذلك.

شيطانُ أبدِ الدهر

الرأسُ غائبة في هذيانها. متعبةٌ تنوس في الاحتمالات أو تهيم في رجائها المُخلِّص. متدلّية على صدري مثل خطيئة. يدان خفيّة تبسطان الدربَ أمامي وأخرى تؤخرني دوما عن وثبة خارجَ الدائرة الأزلية. طريدُ التيه واللحظة الميؤوس منها. لي من السكون هذه الطريق المُهدهِدة تحت أقدامي ولي من النسيان أن أكونَ غيري؛ طفلا عنيدا، أو أبا تُعجِزه الحيلة، وخفيفا كأنّي أفتقدُ المكان. وعليّ، عليّ أن أرتاح لأؤجلَ الشقاء أو أغفل عنه. خدرٌ والجهات كلّها مثل صوت بعيد يدعوني. الرأس غائبة في سهوها والأغنية تهمسُ في أذني ولست أتذكر كيف ستنتهي، أعرفها الأغنية جناحُ العالم تُلقي بي بعيدا وتنساني هناك؛ أنا الأحجيةُ المهملة على جانبيّ الطريق، أشيرُ بيدي إلى سرابٍ، أو ذراعٍ ممدودة في حلم.

لعبةُ الصباح (5)

|
غرفتي عاصمةٌ ثانويّة للبيت. مخزنٌ لما يفيض من الأشياء والذكريات. في خزائنها الضخمة بقايا متكدّسة من تجارب العائلة البسيطة ومواهبها المنسيّة ودفاتر طفولتها وزجاجات فارغة لعطورٍ قد توصلكَ لذكرى غائرة لو تتبّعتَ رائحتها بأنفكَ وظنّك وسرحت في العماء. وفي حقائبها الملقاة على ظهرِ الخزائن كالهوادج قطعُ ملابس أثرية من عصورٍ سالفة يظهر أن التخلّي عنها مستحيل وهو يؤجَل كل عام. وفي زواياها المرتبكة آلاتٌ لم يحِن بعدُ موسم استخدامها. تبدو مثل مدينة عتيقة تجاهلها التاريخ. إذا مددتُ يدي عشوائيا في أيٍ من خزائنها، لستُ أدري بمَ تعود، قد أُخرِج منها أرنبا أو فيلا أو ربما تظلّ عالقة هناك في فمِ وحشٍ أو تحت مخلب طائرٍ قرأت عنه قبلا ورأيت عينيه تلمعان في عتمة الغرفة غير مرّة. إذا مررتُ بجانبها سمعت ذلك الإنذار الرتيب يحذّر من منطقة محظورة. وحين أسكن إليها بعد يوم طويل أستطيع أن أرى على حيطانها لوحات فيلم”أفضل عرض”وأسمع فيها نغمة عذبة. خطرَ لي هذا الصباح خاطرٌ فعرّيتُها من سجاجيدها وأسرّتها وصرتُ أنتظر الشمس ترتفع ويغطّي ضوؤها الغرفةَ فتظهر لي حينها الإشارات السرّية على بلاطها وتُعرّفني على الأسرار التي ليس لها سواي. أحرّك قطعتي الآن، وأترقّب صامتا حركتها التالية.

||
لعبةُ الصباح. أكون في غُرفتي وفي رأسيَ الغرفةُ التي لستُ فيها. على نوافذها الضبابُ وبابها مفتوح على ممرّ يطول. حيطانها ملأى بوجوه أحبّها وأخرى ضيّعتُ فيها أيّامي*، أتأمل بعضها وأغرق مثل نرسيس، وأكدّس للأخرى سيَراً ذاتية في المكتبة الشامخة وأحلفُ أنه سيجيء وقتُ قراءتها. أغلفة مطبوعة لأفلام، قُصاصات صغيرة لشطرٍ أو وصية، صور لشعراء جاءوا من منافيهم ومن آخر الدنيا ليتجمّدوا في هذه اللحظة الأبدية، إيستيلا وورن وشَفَتها العليا التائقةُ مثل أبي الطيب إلى شيءٍ جلَّ أن يُسمَى، معذَّبون مدانون في دائرتهم الفارغة وعيونهم مثبّتةٌ على العبد الفقير. فراشةٌ أو ظلّ فراشة على الجدار. السرير غيمة والغرفة برجٌ عاجيّ. وأنا لا أملّ من الركض في متاهتها. موسيقاها ذاك البردُ الناعم يسري في الأطراف وسكونها الدفء الخفيّ حين يغشاني. أضواؤها كسلى وكرسيٌّ في إحدى زواياها يطلّ على العالم من نقطة مجهولة. والرائحةُ فيها عطرٌ يذوب في الحكايا وينتشر فجأة في الجوّ وأنت تمشي في أمان الله. أسمع فيها صوت فدوى تُغنّي النونية:”فانحلَّ ما كان معقوداً بأنفسنا”وأجيبها:”وانبتّ ما كانَ موصولاً بأيدينا”وإذ بقدميّ تهبطان على السجادة الرمادية العتيقة وعيوني تتفتّح على الحائط الأبيض ونقطةٌ أخرى عابثة تثير انتباهي توّاً.

|||
في كلّ عام أشدّ رحالي إلى أقصى نقطة في الأرض. أركب سيّارتي الهذّاءة وأنطلق بلا يدٍ تودّع ولا عينين تأملان الإياب. أغيب في قلب المدينة ومتاهتها متّجها إلى بيت ينأى كلما دنوت. لكنِ الطريقُ لا تخدعني ولست أجاهد في تتبّعها، إنما أطويها كيفما جاءت، ويدلّني إلى الوجهة ذلكَ العهد القديم. أمرّر ذراعي في الهواء البارد وأشقّ الزحام بالأغنيات. أشرد في الزرقة الحالمة وتنبّهني شتيمةٌ أو زمامير لاعنة. أمضي وكأني قطعتُ نصف المسافة وكأني قطعتها قبل عشرين دقيقة وهكذا، لكني لستُ ضائعا على الأرجح ولا مستعجلا على الوصول. ربما خيّبتني الخيالات، لعلّي بعد مشوارٍ طويل رفعت رأسي عن المقود ولم أجد البيتَ أمامي، أو طرقتُ أبواب بيوت الحارة فلم أعرف أحدا ولم يعرفني أحد. أتجاهل هلاوسي، وأنتظرُ متى سيلفظني هذا الصباح أمام بيتي القديم ويتركني هناكَ كما الآن، مستنداً على مؤخرة سيّارتي كشجرةٍ وشجرةُ البيت الأسطوريّة نفسها تميلُ على جدارِهِ، ونحنُ ننظر نحوَ بعضنا بلهفة غريبة، وأكاد أسمعها تقول: عرفتك.

*إن كان منزلتي في الحُبِّ عندكمُ-ما قد رأيتُ فقد ضيّعتُ أيامي. ابن الفارض

*الصورة لنايف.
‏@naif_h7

شيرلوك هولمز

رأسكَ مستودع التنبّؤات، خزانةُ الحدس. في نظرتكَ الخاطفة سِيَرُ حيوات الناس وتفاصيلهم الفضائحيّة. وفي انتباهتكَ الغريبة أثرُ برقٍ لَمَع. ترابٌ على أكمام القميص، بقايا جلدٍ تحتَ الأظافر الناعمة إثر ليلة ساخنة، اضطرابٌ في أنفاسِ الرجل الجالس قبالتك على الطاولة، نبضٌ خفيّ في صدغ الأنثى الماثلة أمام لوحةٍ على حائط. شيرلوك هولمز ابنُ الملاحظة البار. سيّد الإيهام وحلّالُ العُقد والسامري الصالح الذي فكّ شفرات وألغاز الطفولة. يبحثُ عن جريمةٍ بحثَه عن ملاذ وعن سرٍّ مستقرّ في الأعماق، ويحسد الناسَ على عقولهم المتواضعة ويثرثر كأنه لن ينتهي أبدا، على الأقلّ؛ ليسَ قبل أن يخمِّن نغمةً رنّت فجأة في خاطرك أو يفتح عينيه الحذِقة على ليلتكَ الماضية. الأنانيّ وعديم الإحساس والذي نسيَ في فورة كبريائهِ أنّه شخصيةٌ مُبتدعة، ابتكرها السير دويل في إحدى الليالي، ثمّ غادرَ تاركا وراءه الرجلَ صاحب المعطف الثقيل يجوب الشوارعَ ليلا، ثمّ حينَ يتعب ويملّ الرتابة، يعود إلى ساحة بيكاردي ويصعد مثل ملاكٍ إلى تمثاله الخالد.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ