سَهْو

وكنت شاردا وأيقنتُ أنّي رأيت هذه اللحظةَ نفسها قبل سنين وأملت حقا أن يكون السهو هو خيط حياتي الناظم. إذا نظرتُ فثمَّ ما لا تملّه العين من أنهارٍ وشلالاتٍ تنسكبُ ونارٍ في بعيدِ العتمةِ تصعدُ وتسمو متلهّفةً إلى ما لا يُرى، تدعو وتكرِم. وإذا أطلتُ النظرَ فهناكَ قريبا من الفمِ شامة برزخيّةُ الإيحاء بين الماء والنار. وإذا ما أردتُ أن أنسحبَ من المشهد وأغضّ بصري فلا شيءَ لأتحسّر عليه ولا خيالا في الأعالي يُغوي عينيَ الكسْلَى الملولة.

الكتابة عن الهاجس

أكتبُ عن أوّلِ عاصفة في البالِ وأوّل حُلمٍ أهملَ محوَ بقاياه، أكتب عن فتاة بذراعٍ هذّبتها الرِقّةُ وراحةِ كفٍّ تشغل دور الأصيص؛ رأيتُها مرّة في الخيالاتِ مستحيلةِ البلوغ ونسيتها هناك. أكتب عن خلافٍ ودّي مع الضجر، عن نُكتةٍ لا يزالُ صداها يرنُّ في صالةِ البيت. عن فكرةٍ كان الأجدر بي أن أتجاهلها، وأخرى كان المفترض لها أن تتجاهلني. أكتب عن المطر، تحت المطر، مع المطر. عن النوايا التي لم تبلغها المخالبُ ولم تروّعها الكوابيس. عن يدين تفتح نافذة الروح، عن فراشات التباشير وقصاصات الأدراج. عن جلمات تنباگ من فوگ الشفايف*، عن الزاوية الأشدّ ظلمة في الغرفة، عن الطفولة الساخرة وكل ما يهيّجها ويُطفئها، عن الخَدَر شيطانِ التفاصيل الصغيرة. عن بابٍ وحدي أعرف ما خلفَه، عن مآلٍ مُتخيّل وموسيقى تُديرها يدٌ خفيّة. أكتب عن الأرصفة التي عدت منها، والتي تركت فيها أشباهي. عن نشوة الإحساس بالرضا المفاجئ ونقمة متابعة الغروب نهاية كلّ نهار. عن تفاصيل هامشيّة في الأفلام والأحلام. أكتب عن رأس مُطرقة، وعرَجَ في قدمٍ يُمنى، ونهاية قابلة للإضافات والاحتمالات. عن صمت مُستنزِفٍ خلف مقود سيّارة على طريق لا تُرى نهايته. عن العالم الذي رأيته أوّل مرة، وعن رؤايَ عنه بعد ذلك. عن السأم الخافت في الشرايين. عن حيرة غربة ولدتْ معي وسأموت قبلها. عن الانتظار والاحتضار والفرق الطفيف بينهما. عن شعراء شكّوا في العالم، “كأن العالمَ كان هكذا منذُ بدءِ الخليقةِ”*، أكتب عن أشياء أحبّها جدّاً حتى مع الوقت أحبّها أقل. عن المزاج المثاليّ والعاداتِ السيئة، عن طفح النهاراتِ على الأجساد. عن الجمال الذي لا يُمسّ. عن تبديد الوقت في المقهى، عن تبديد الوقت في كتابةِ أشياء لا يُمكن بروزتها. عن الغرف السرّية والمدن الفاضلة. عن الأغنيات هدايا المنعطفات الخجولة. عن الحياة المتورّطة بالتبرير، عن الماضي الشفيف بين ما يستحيل حدوثه وما حدث كومضة خاطفة تحرّضني على الشكّ في صحّتي العقلية. أكتب عن حاجتي للتكرار ويأسي من التكرار. أكتب عنّي حين لا أودّ أن أقول شيئاً، وعن ظلالي حين أرغب في الحديث. عن الجوع للحياة والخجلِ من اقترافها. أكتب عن روحي الكسولة حين لا تستغرب شيئاً. عن العُربَة في صوت المغنّي. عن البلادةِ التي تستيقظُ معي. عن التشظّي الدؤوب لذكرى الآباء. أكتب عن الحيلة الوحيدة التي تبقيني معي. أكتب عن أشياء يطاردها خيالي كلعنة. عن المرونة في النسيان، والأسى في شرح فكرة مرونة النسيان. أكتب عن ندم متجّذرٍ وثابت. وعن فضولي الذي أختفي معه حين يُمَسّ. وعن ثقة النّاس فيما يعرفون. أكتب عن افتقادي لكلّ ما يجعلني مشغولاً عني بحقّ. عن الطيف الحالم الذي يتبدّى في الخيال وتحتجزه الدموع. أكتبُ عن لحظاتٍ باردة وبعيدة لا تطرقُ الهاجسَ إلا خدِراً تحت ماء فاترٍ وعينين تأملان خلال إغماضتهما أن تُفتَحَا على لا شيء.

*يا حريمة-حسين نعمة.
*اقتباسة لسرگون بولص.

تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقِ

فتحتُ عينيَ فإذا النهارُ قد انسكبَ في الغرفةِ حتّى خفتُ أن أختفي في هذه الحفنةِ من الضياء أو أشِفّ فيخال الرائي أني اصطُفيتُ لأجل غايةٍ ما وليس مثلي لمثل ذلك. وفتحتُ فمي فإذا بي أقولُ:”تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقِ-مجرَّ عوالينا ومَجْرى السوابقِ ” فاستنتجتُ أنّ ما اختفى من حلمي كان ليلا غائرا في القِدم وأن آخرَ ما لاحَ من ضوء كانَ وجهَ حسناءٍ تُزيّن عنقها قِلادةٌ من حَصَا. نهضتُ وها هيَ رأسي صخرة تشدّني إلى مكاني فعرفتُ أنّ ليلتي البارحةَ لم تكن هي التي أذكرها وأن صداعيَ الآن مُبرّر وحاجتي إلى كوبِ قهوة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. أطرافي خاملة كأنها تبرأت منّي، وليسَ لي رغبة أو حاجة في هذا النهارِ الماضي. أظلّ_وليسَ بيدي_على حالي إلى أن تصفو سماء خيالي أو حتّى تهدأ الأضواء المريضة في مقدمةِ رأسي. أبعثُ نظرتيَ المُقيَّدة إلّا من فضولٍ بريء وحيرةِ عاجز فأرى ما لا يراهُ من لم يجرّب وأستردّ صورا كنت أظنّ أني قرأتُ عنها في مكان أو حفظتها ونسيتُ، وأصبغُ المكانَ بوهمي الشفيفِ وخيالِ المِلاحِ إذ يطُفْنَ ويسقينَ وأصرّ في هذياني حتى أغفو وعلى لساني شيءٌ من لذة، متوسّدا يدي وكأني أجدُ في مرفقها المُتربِ ريحَ عنبر.

نَدَى

يا هذيانات الحمّى والخيال. يا لحظة مكتنزة بالوجد وشفة محلّقة مثل طائر غِرّيد. يا أمنيةً تموت قُرب يديَ الكسلى. يا صورتي إذ تتلاشى من السقف. يا خدرا معقولا في أعلى حالات الصحو. يا نداء الذين تذكّرتهم فجأة، الذين تذكّروني. يا رجاءَ الواقفين على الحوافّ؛ اعلُ يا موّال. يا بِركة من حكايا. يا مجاز فراشة تختفي وتظهر. يا أزرق الاحتمالات. يا وهجَ الشموسِ الجانحاتِ غواربا أو يا زائرتي الحييّة تنتشي في الظلام. يا أبعد البيوت في القرية. يا أوّل الوصايا تومضُ في خاطري وتقيّد قدمي الطائشة. يا حجرا صِرتُهُ فسلوتُ، يا حجرا صارني فانفجر. يا عنقودَ الكلامِ المحرّم. يا ضبابا في مدخلِ الحلمِ ونظرة سارِحة تغلي. هو ذاكَ الندى؛ ندى الفكرةِ أو الوردةِ ما يسمحُ به الهاجس بعد كل هذا الاستجداءِ والتمنّع. هي حبّات العرقِ تنضح على الجبين وأسفل الظهر تسيل فترحمُ الجسدَ المحموم وتطردُ الرعشةَ الخفيّة من الأصابعِ فأنتبهُ من غفلتي أو
أكاد.

الأزرق

لا أقول للأزرق الزاحفِ من وراء الهواجس والبنايات المنتصبة في الأفق غيرَ تمهّلْ، كل شيءٍ سيغرقُ في بهائكَ الدكتاتوري. أحدّقُ فتسقطُ صوري القديمة وخيالاتي الأقدم. أرفعُ يدي عاليا وأغمسها في تدرّجاتِهِ المستحيلةِ فلا أستعيدُ منها غير صورتها أو خيالها الواهم. أتأملُ الأزرقَ فيُخيّل لي هطولا خفيّا وأحلاما مُسَالةً في الأعالي. أُصرّ عليه فيكون غديرا من فوقي وأنا على جالِهِ كأنّي جالِسٌ على ثيابِ العذارى إذْ يبترِدن وبزعمي أني الشاعر لن أتحرّك عن مكاني حتّى لو انفلقَ الصبحُ أو نضبَ الماء. أزرق ينزِف شريانه ويصفو. يسيل فيصبغ العيون بأسرارِهِ وأحجارِه الكريمة. يتدفّق فتستريح عليه نظرتي الحائرة. أستأنسُ بهواجسي المرصوفةِ وحواسيّ الخدِرةِ وأهيم في سماواتي لأن ليس لي لحظتها إلّا أن أتبعَ هذا النغمَ المجهول وأصدّق بغباء حكايةَ اصطفائي. أجدني سارحا في نقطة بعيدة كأني اضطررت العالمَ إلى أقاصيه وفشلت في فهمه. أمشي ولا نهر إلا عبرته ولا خاطرا حالما إلا جرفته بيأسي. وحدي قُبيل الفجرِ مُتعب من المشي وأحاذر في خطوي، كلّ الجهات حولي غارقةٌ في الزرقة وذراعي الطافيةُ مِشعلُ نار.

نُعَاس

أستيقظُ على ميَلَان طفيفٍ طارئ في الحائط. كأنّ يدا خفيّة حرّكت مكعّب الهلاوس فانتبهتُ بسبب ما راكمتْهُ أحلامي الغرائبيّة من صورٍ مُغبشة ووجوهِ أصحابٍ ما طرقوا البال منذ كذا وكذا. أهمُّ ولا أنهض، أؤجل هِمّةً اختلقتها. أُسيّر الوقتَ بالنظر، بمتابعة خيالِ شلّال على الجدار وشقراءَ في نهر، بكلمة ناعسة، بمطلع قصيدة، بتفصيلة سقطتْ من الحلمِ أجترّها كأنها وصيّةٌ أو إشارة غامضة. أتبعُ نفسي، هوى نفسي وأطوف العالمَ بنظرة مطوّلة من عيني المُجهَدة الشاردة. بذراعٍ في نصف وعيها أصفع ذبابة وأصل إلى كأس ماء فيجهدني هذا القدر القليل من المحاولة وأتخفّفُ بالتخلّي. بدا لي أنّي قطعت مسافة مستحيلة بين الأمس والآن وأنّ الأشياء وإن كانت كما هي فباب واحد أفتحه ليؤكدَ لي الأمر أو ينفيه لكني أتسمّر في مكاني وأرمشُ ناعسا أو راجيا أن تسقطَ السماء أو يفاجئني سطل ماء في وجهي أو تتحرك أوراق الشجرة المركونةِ في زاوية الغرفة على الأقل، ولا شيء. أرقبُ ما لا يحدث، تغشّني هذه اللحظة بجناحيها الخافقَين في الهواء. أستوعب كل صوت مسافر نحوي وحده بذهني البطيءِ ساعتها وأهذي. بوجهٍ نصفه مدفون في الوسادة وشِقٍ تحدّق عينُهُ في الوجود الجامدِ وفي حائط يعود إلى مكانه شيئا فشيئا أبقى على حالي إلى ما شاء الله لي أن أبقى وأوشكُ أن أنام.

المطالِعُ

أُحبّ من المطالعِ ما لا يُستعاد إلّا بعد تمنّع. مثل وجه في الحلمِ أو مَثَلٍ شعبيّ روته لي أمّي في واحدة من عصاريها البعيدة وكأنّها تلخّص لي سيرة الوجود. فلا هذه الوقفة الطويلة أمام أصفريّ الشمس والحنين تستفزّ هذا الاستهلال ولا هذا الهواء الرطبُ على لساني يُلهمني الكلمة المفتاحيّة ولكن ربما من رنّة خفيّة وراء هذا السكون أو ربما من رضا ابن زيدون عنّي إذْ لا أنطق اسمه إلّا مقرونا باسمِ ولّادة وأرعى في أوقاتي الميّتة رسالته الهزليّة فجأة أقولُ:”إنّي ذكرتُكِ، بالزهراءِ مُشتاقا-والأفقُ طَلْقٌ ومرأى الأرضِ قد راقا” ولا حتّى بديهتي التي أتغنّى بها تسعفني عندما أتجمّد في حارتي القديمة في المسافة بين بيتي والمسجد وأتذكّر أنّ لي خليلين سأطلب منهما أن يعقلا قلوصيهما ويبكيا لكنّ المدخل يغيب في ضباب البال فلا أنا الذي بكى ولا نزعتُ عينيّ عن شجرة تميل حنانا على جدار البيت. أتنبّه مع هذا الأزرق الزاحف وأترحّم على كُثيّر وأصعدُ في هواي. لكن وبالرغم من كل هذا كلما_وأنا في سيّارتي_عدتُ من الدربِ نفسها تركتُ أذني تصغي إلى أنينها المؤلم وغنّيتُ هذا البيت الغافي تحت لساني مثل لازمة على الطويل:”أمن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِرُ-غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهجّرُ”

نُعاس

لم نعرف ثمالة أشدّ من النعاس إذ تنوس الرأسُ في محيطها وتسقط مرارا على الصدر دون كأس ولا نديم ولا نداء روحانيّ. كل نظرة تسقطُ في مداها المُدوِّخ، كل ذراع تتبع أسلَمَ احتمالاتها الخجْلى، للموسيقى يد تخنق الهواء وتبطئ العابر السهل. من غفا فاته الممكن المستحيل، من ظلّ متربصا لم يرَ من الأزرقِ إلّا الشفيف ولم يصطد في إهماله الاضـطراري غير فكرة معرّضة للضياع. ثمّ ما يدعوكَ لترى عندما ينحسر البصر ثمّ ما يستجدي خطاك عندما تثّاقل ويبدو التعب. لكل شيء صدى صرخة غامضة تعود عندما يهدأ العالم، وتحلُم أن تقودكَ.

أزرق

أترصّد الصباح بنظرتي المعلقة في سماواته البعيدة وبخار الشاذلية المتصاعد مثل أنفاس محموم. بعد أن نامت العائلة كلها وغفا البيتُ تحت هدهدة الخطوات التي تصعدُ الدرجَ استيقظت الغرفُ العلّية مثل الأفكار السيئة. سهارَى أنا والشقراء كلٌ منّا يؤخر نعاسَ صاحبه. أترقّب. أنتظر، أفركُ فانوس الهواجس. أكمن لفكرة. بالنظرة وحدها أفتح كوّة في الظلام.بالقليل من اليأس أصدّق هذه النبوءة. أختار جهة دون أن أذهب. يقِظٌ من غير حكمة، أفكاري تومض في رأسي مثل مصابيح الرهبان عند امرئ القيس. أغضّ الطرف، بشيء من الإهمال يمكن أن أستدرج الضوء أقول لنفسي. كل شيء غافٍ كأن يدين عملاقتين أرجحتا العالم في أعاليه الغامضة. هدير متصل لآلات جريحة. أرقب البنايات النائية، أنتظر إشارة. الأغاني مهدورة، العمر منذور لشيء أسمى. أساير فضول عيني. أعبر غابة من التخيُّلات. أعيش حياتين في لحظة غافلة. أُذكي نار الخيال. أطفو في حلم قديم. لست بغريب على الانتظار ولا بمنفيّ على أطراف الليل لكنّي أترصّد الصباح بنظرتي المعلّقة في سماواته البعيدة. أهزّ فنجاني وأملؤه. انتصفت الرحلة وها هو أزرقُ الليل الأخير ذاك الأزرق الذي يتفصّدُ عرَقه في المدى ويتخفّف حتى يستحيل صباحا أزرقَ خفيف اللون والظلال.

محمّد طير شلوَى

محمّد طير شلوى۱

محمّد الموجود في الصورة غير الذي أعرفه لأن محمّد لا يحب أبدا أن يظهر في الصور. الولد المشغول بالتحضير للحدث لا الكلام عنه. ضابط الإيقاع الخفي أو الجندي المجهول لولا أن لجندي دلالات ورؤى لا يتبناها محمد ولا يتحدث عنها. آخر المتواجدين في الاستراحة مثل العازف الجديد وأول من ينزل العفش. يبقى ليتفقّد بقايا العجالى لأنهم غالبا ما ينسون هاتفا أو منشفة على الدرابزين أو فردة جوارب تُفقد أختها المعنى وتنبش السؤال الوجودي أين تختفي الأشياء. يجمعها في كيس صفراء لا تُفارق يده وأكاد أحلف على حسب معرفتي بمحمد أن لها قيمة عنده ووراءها موقف لو حكاه لي لسقطت على الأرض من الضحك لولا أني نسّاي. وإذا ما خلت يده من الكيس فلأنه يحمل صينية العشاء أو أكياسا زرقاء من البقالة البعيدة بسببها فاته أكثر من ثلثي الفيلم ولكن الأهم عند محمّد أنه لم ينس مشروبات الشباب الموصى عليها. محمد أكثرنا وسامة وأمتعنا حديثا وأظرفنا نكتة وما من شيء يمنعنا من الاعتراف سوى شيء من نرجسية وضحكة محمّد المتقطّعة ردّا على الأحاديث الجادة وكأنه يعزل نفسه عنها ولا تعنيه في شيء. محمد الظاهر في زاوية الصورة بنصف ابتسامة وعين حنونة وغير مهتمة بيده مهفّة ويخشى أن تخمد النار تحت أسياخ الكباب.

۲

على درب السفر ولأننا نعتقد بشيء لا يمكن التصريح به أن محمّد لا يجري عليه تعب أبي العلاء:”تعب كلها الحياة وما أعجبُ/إلا من راغب في ازدياد” نرمي إليه مفاتيح السيارة عند نقطة التجمّع ونزوّده بجرعات الإسبرسو على محطات الطريق. ولأنه يمكن أن يقود بنا إلى القريّات دون أن يتوقف لينفض الغبار عن مفاصله نعتمد نحن الخمسة مناوبات النوم وعلى مضض نتفق أن من ينود في غير وقته لا يحق له الاعتراض على ردة الفعل. محمّد الوحيد الذي لا ينطبق عليه المثل:”تعرف صاحبك في السفر” لا تسمعه يشكو من أي شيء في كل حال ولا يمر طبعه باضطرابات مخبوءة ولولا خوفي أن ينتفض أبو الطيب في قبره لسلخت بيت وحالات الزمان عليك شتى من كل أحد واصطفيته به. أحيانا تتشعب أحاديثنا فلا أذكر كيف بدأت لكني أعرف أني كنت آخذ بيده إلى جحيم سوداوي وكان يستدير بنا إلى فراديس متخيلة نستعيذ بها من حالنا المعلقة ونتوقف أخيرا في المنتصف فلا غايتي بلغت ولا خضرة بساتينه ظللته وأظن وقوفنا ذاك يشبه لازمته:تساهيل يا حبيبي. حدث مرة وأن غبنا جماعة في هوّة نوم ثم فتحت عيوني وبدأت أنبّه الجثث الباقية من حولي ووقتها رأينا فيما يرى المسافر محمّد الخجول يعافر اثنين على جال الطريق وكان أصيل يغني تعبك راحة وإشارة التوقف جانبا تنبض.

۳

أحبّ الكتابة عن محمّد لسببين أحدهما أنّ لي ملَكَة تسمية عيب جديد في كل مرة ألتقي بها مع شخص أعرفه ولأنّ ظروفا قهرية تمنعني من رؤية محمّد أبدا، أحسب أنّ هذا يضمن له البقاء في منطقة برزخيّة مقدّسة بين الكراهية والإعجاب. وأمّا الآخر فمحمّد هو الكائن الوحيد الذي أعرفه ولا يستجيب لتلك الإلماحة الخفيّة:”كنت في سيرتك البارح”ولا يتفاعل معها ولا ينوشه بسببها فضول. ولذلك فإنه ومهما تركت من أمارات فلن يرى انعكاسه ولن يتخيل أنه هو. أدخل مجلسا ضاجّا بالناس وأتبع خيط دخان فلا يذكرني برحيل العمر ولا يوقفني على مسرح عبدالحليم وحكاية الفنجان ولكن أمام محمّد شاردا في إحدى الزوايا زقارة في فمه وعيناه مصوّبتان نحو جهة كأنه شاعر محاورة يفكّر بردّه الملجم. على الأرجح أن ليس لمحمّد خطة ولا هدفا في الحياة ولا غاية سامية يبرّر بها وجوده أو يوهم نفسه بما ليس له. وعلى الأرجح أنّه يدري أن لا معنى أسعى إليه في حياتي ولا غاية مهما ادّعيت؛ ولعلّ هذه نقطة التقاء لم أنتبه لها قبلا. كما تقاطعت طرقنا عند نهاية الشارع سألته:محمّد متى نشوفك؟ يتبسّم ويقول: عقب باكر. غفر الله لي يا ابن أبي ربيعة، انظُر كيف خرّبتُ عليك ذِكرى هند وغنج ضحكتها.

٤

لمحمّد ملامح عادية بمعنى أنك رأيتها في مئات الوجوه لكنها معا تخلق هذه النتيجة المريحة للعين. وله عادة واحدة وهي أنه دائم الإنصات. أحيانا أشك أنه يعمل بهذه الآلية وحدها، آلية التخزين، دون النشر. وإذا ما سألنا عن رأيه أجاب:”ما عندي شيء أقوله” رحم الله امرأ لم يذق حلاوة ما لم يقله وما توهّم أن ما في الجعبة أحلى وأرق. كم تفرّس فيه الأصحاب ولم يكتشفوا شيئا، كم حلّلوه وفهموا حياته لكنه أفسدها عليهم الليلة التي تليها. لا نعرف عنه ما يحب وما يكره، أزعم أنه اختار الحياد منذ زمن بعيد لم يعد يتذكره. له انفعالات طفيفة، أسمّيها حذرة وأعرف أنه يضطر إليها بحكم أنه يتنفّس. مرّة وقعت عليه متلبّسا في حالة غريبة لا تشبهه، محمّد يصرخ ويهدد ويشتم على الهاتف. لكنّه ما إن رآني حتى عاد إلى درجة عالية من طبيعته وشممتُ من جهته رائحةَ العشب النديّ تلك الرائحة الرمادية التي لا تحرك فيك شيئا. ومع ذلك لم أستطع منع نفسي من تذكّر تلك السيناريوهات الكثيرة عن الجواسيس والعملاء المتخفّين. لكن من له مصلحة فينا؟ بالأصحّ من له مصلحة في محمّد! هذا الذي لا يكاد ينطق بكلمة، ولا يستدرج أحدا إلى ليشاهد معه الروسونيري في إحدى لياليه الحمراء وهو يرى خيال نيستا يتزحلق في ثلث ملعبه الأوّل.

افتتاحيات الأفلام

وربما بدأ الفيلم بمشهده الختامي وها هي العدسةُ الحيّة تتفرّسُ في حَدَقة اللحظة الميّتة وتثّاقل في ارتفاعها فالمكان وقتها قطعة مفقودة من العالم وذا الغريب تفصيلة ساقطة من القصة والشاشة المسودّة فجأة خيلٌ دُهْم بعثها المخرج ليتسلّى. أو ربما أجالت الكاميرا_بحيرةٍ وقلق_طرفها في أنحاء غرفة ثمّ أوقفَتْك على بِركة من دم أو ائتمنتك على سر لا ينبغي لأحد من قبلك. أو لعلّك رأيت ما يرى الرائي في منامه جسدا عائما في الهواء مستغرقا في هبوطه الحرّ. ربما أسرف الراوي فأدخلك الحكاية من أضيق أبوابها أو سكت فوجدت نفسك على طاولة لثمانية شخوص وحولها تدور القصص العشوائية وتتجلّى النوايا. لعلّه جمّدك أمام منظر ساحر أو أفقدك أنفاسك وراء هارب لا تدري ممَّ، أو إلى أين؟ ربما فتح لك كوّة في باب على سرير عاشقَين أو استدرجك إلى حياة غرائبية أو فتّش في الماضي القديم أو راح يحمل عينه الثالثة على كتفه ويقتفي أثـر العابرين ويستنطق حيواتهم الهامشية أو لعلّه بدأ بلحظة التقاطع بين حيوات ثلاث أو تابع شلّالا في هطوله السخيّ أو ساقا في رقصتها المتأنّية أو أشرف على مدينة وأصغى لنبضها الخفيّ. أو ربما نبذَ كل هذه الاحتمالات وافتتح الفيلم بوجهٍ مألوف؛ وجه يشبه تلك الوجوه التي تراها في حلمك قبل أن يرنّ المنبه أو تحطّ اليد_متمهّلة_على كتفك.

اليدُ

خدِرَت اليدُ فلا انثلمت الكأسُ ولا تأرجحت الرأس على الصدر مثل تميمة ولا هبطَ الكتاب ولا تهدّم حائط ولا خرّت شجرة_شُدّت خفية إلى وتد الذراع_من عليائها ولا ارتعشَ طائر في يد الطفل ولا تحت كفّي من فرط الغواية ولا ارتختْ قبضة الخلود ولا فلتت النغمة ولا طارت الفراشةُ ولا غابت اليد في مسارها العبثيّ ولا نفضَت عنها خيالها ولا أحسّت بالوخز ولا الثقل ولا تعطّلت اللحظةُ ولا انهال الضياء من بين أصابعي ولا صمتَ نايُ الراعي ولم تخنه أنامله ولا تهاوت كواكب ليل ابن بُرد ولا انقضى الحلم وما تغيّر شيء وراء جفوني المسدلة غير أن الضفّة راحت تنأى بعد كل موجة في هذا المدى الأزرق.

إيناريتو وأبو الخطّاب

استيقظ أليخاندرو إيناريتو ليلته تلك على صوت بعير يهدر ومن نافذته العالية رأى الصحراء كما لم يرها من قبل ولا بعد. لم يسَل كيف انتهى به المطاف هنا ولم يلُم أحلامه ولا عفاريته ولعلّه قدّر أنّ خللا حدث أثناء نومه ونسف به وببيته من عاصمته البعيدة إلى مشارف هذه الصحراء ثمّ أسلم حواسه لوهمه هذا ونضح وجهه بالماء وبحث في أغراضه عن كاميرا حملها على كتفه وراح يقتفي أثر الزائر الغريب ظلّ بعينيه الغارقتين في لذة الخَدَر وعين عدسته المضبّبة يتبع الفتى في مفازاته ورحلته الموحشة وفي رجوى مناله البعيد حتى وقف المرتحل على جانب يطل على خيام بدأت مصابيحُها تنعسُ ويخمد صخبُ سُمّارِها. رفع إيناريتو وجهه ووجه حيوانه الأليف إلى السماء لأوّل مرة فرأى ليل الأسلاف وحيّا نجومها الخافتة وأعاد عينيه إلى مكانها فإذا بصاحبه قد أناخ بعيره ومشى قاصدا خيمة يعرفها حَذِرا يتلفّتُ ثم اختفى.انتظر أليخاندرو ليلته تلك مثل رفيق قديم كأنه قطع عهدا خفيا على نفسه حتى انفلقَ الصبحُ ونادى منادٍ للرحيل ثمّ خرج الفتى بين ثلاث شخوصٍ يطُفنَ حوله ويسترنه عن العيون. ركبَ بعيره وانطلق وتعقّبتهُ الكاميرا بإصرار مثل ظلاله. لم ينتبه لها ولم يلتفت، لكنّ الفتَى في طريقه الطويلة راح يسلّي نفسهُ ويؤنسها وينشدُ بصوتٍ مسموع:”أمِن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِرُ-غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهجّرُ”

كوينتن تارانتينو

مثلما تقف عارضة أو ممثلة شهيرة في إعلان لعطر أو في مشهد تخيّلي واهِم فترفع يدها عاليا وتبسط كفّها لتوقف العابر والرحلة والطائر والأهزوجة الدراويشَ وتأملاتهم ثم
تطوف بينهم كالزائر في المنام أو الجوّال الغريب في المرايا يعطّل كوينتن اللحظة ليمسخها أو يزخرفها يقلّبها بين يديه مثل مكعّب روبيك يستقرئ احتمالاته ويقيّم آثارها يحصي عيوب اللحظة ويضاعف حظوظها ثمّ يبعثها في عالمٍ موازٍ حيّة مرِنة لتُعاش وقابلة لأن تنقض مستقبلها المجهول بعد كل حركة. لعلّه رأى العالم في حلمه مقلوبا على رأسه أو لعل طارئا جمّده قبل المنعطف فظنّ أنه أمسك اللحظة من ذيلها وأعجبه إحساسه أو ربما جلس على عرشه وانتشى وظنّ الزمن لعبته فقطّع أجزاءه وأعاد وصلها أوّلها في الآخر وآخرها في الأول. كيفما بدأ تظلّ تترقب تلك القطعة المفقودة؛أحجيته الطفولية،تلك السخرية الفاجرة من التاريخ وحقائقه والصرخة الدموية في الغابة أو فجأة كيف انتهى كل شيء تزامنا مع اللحظة التي انطلق منها؛ كأن تعلَق في دورانك الأبدي داخل حارة نسيتْ معالمك ونسيت أزقّتها ثمّ إذا رضيَ بها واطمأن لحيَلِه الهزلية وركدتْ شياطينه فعل كما يفعل الرسام حين يتوّج تحفته الخالدة بضربة عبثيّة من فرشاتِهِ النحيلة…فيجيء أحمرُهُ قانيا ساخنا مثل الذي يتبقّى على حائطٍ أُزيْحَت عنه للتوّ جثّة.

مَبْسم هيا

هذه ثلاثة آماد قطعها المغنّي في تحليقه الأخير وجوابه العالي. هذه ثلاثة هواجسَ أخّرت العائد أو حاصرته وثلاث رؤى نبّهته إذ يمشي في نومه. هذه ثالث مرة يلمع فيها الاسم في رأسي دون وجه أو ندبة. هذه ثلاثُ بلادٍ سكنتها وشكّلتني على خرائطها بزواياي الحادّة. هذه ثلاث أمانٍ لم يُفرَك لأجلها مصباح ولم تشرئب إليها أعناق الحالمين. هذه لحظة كسرتْ النمط وسقطتْ في دوارها الأبديّ، وها هيَ ذي، ها هيَ..هذه ثلاث أصابع ظلّت غائبة في إيقاعها على الطاولة بعد أن غادر الجميع المقهى. هذه ثلاث نجوم ما فتئت تدعوني حتى تركتُ المدينةَ ورائي ماشيا وثلاث قصص تقاطعت وكنتُ نقطةَ مركزها. وثلاث كنت أداريهنّ مثل مخاوفي:”فأمّا غرامي واصطباري وسلوتي-فلم يبقَ لي منهُنَّ غيرُ أسامي*” هذه ثلاثيات الشَجْو والموت والفرح كتابة وبصريّة وسمعيّة وأخرى سجّلتها في دفاتري مثل اعتراضات خَجْلى. هذه ثلاث عادات انتبهتُ أنّي ورثتها في لحظاتي الميّتة. هذه ثلاث نوافذَ أحيَت الغرفة وسخرت من العالم. هذه ثلاث خطوات تفصلني عن دخول المتاهة. هذه ثلاث وصايا كانت تُهمَس في أذني قد اختفت وبقيَ طنينها. هذه ثلاث أغانٍ كي تطول الطريقُ ويفتح المدى للصبيّ يديه وهذه ثلاث ليالٍ مرّت، تنقصهنّ ليلةٌ بعد، ليلة يشعلُ ظلامها بَرقٌ.. برقٌ كأنه، مَبْسم هيا.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ