
محمّد طير شلوى۱
محمّد الموجود في الصورة غير الذي أعرفه لأن محمّد لا يحب أبدا أن يظهر في الصور. الولد المشغول بالتحضير للحدث لا الكلام عنه. ضابط الإيقاع الخفي أو الجندي المجهول لولا أن لجندي دلالات ورؤى لا يتبناها محمد ولا يتحدث عنها. آخر المتواجدين في الاستراحة مثل العازف الجديد وأول من ينزل العفش. يبقى ليتفقّد بقايا العجالى لأنهم غالبا ما ينسون هاتفا أو منشفة على الدرابزين أو فردة جوارب تُفقد أختها المعنى وتنبش السؤال الوجودي أين تختفي الأشياء. يجمعها في كيس صفراء لا تُفارق يده وأكاد أحلف على حسب معرفتي بمحمد أن لها قيمة عنده ووراءها موقف لو حكاه لي لسقطت على الأرض من الضحك لولا أني نسّاي. وإذا ما خلت يده من الكيس فلأنه يحمل صينية العشاء أو أكياسا زرقاء من البقالة البعيدة بسببها فاته أكثر من ثلثي الفيلم ولكن الأهم عند محمّد أنه لم ينس مشروبات الشباب الموصى عليها. محمد أكثرنا وسامة وأمتعنا حديثا وأظرفنا نكتة وما من شيء يمنعنا من الاعتراف سوى شيء من نرجسية وضحكة محمّد المتقطّعة ردّا على الأحاديث الجادة وكأنه يعزل نفسه عنها ولا تعنيه في شيء. محمد الظاهر في زاوية الصورة بنصف ابتسامة وعين حنونة وغير مهتمة بيده مهفّة ويخشى أن تخمد النار تحت أسياخ الكباب.
۲
على درب السفر ولأننا نعتقد بشيء لا يمكن التصريح به أن محمّد لا يجري عليه تعب أبي العلاء:”تعب كلها الحياة وما أعجبُ/إلا من راغب في ازدياد” نرمي إليه مفاتيح السيارة عند نقطة التجمّع ونزوّده بجرعات الإسبرسو على محطات الطريق. ولأنه يمكن أن يقود بنا إلى القريّات دون أن يتوقف لينفض الغبار عن مفاصله نعتمد نحن الخمسة مناوبات النوم وعلى مضض نتفق أن من ينود في غير وقته لا يحق له الاعتراض على ردة الفعل. محمّد الوحيد الذي لا ينطبق عليه المثل:”تعرف صاحبك في السفر” لا تسمعه يشكو من أي شيء في كل حال ولا يمر طبعه باضطرابات مخبوءة ولولا خوفي أن ينتفض أبو الطيب في قبره لسلخت بيت وحالات الزمان عليك شتى من كل أحد واصطفيته به. أحيانا تتشعب أحاديثنا فلا أذكر كيف بدأت لكني أعرف أني كنت آخذ بيده إلى جحيم سوداوي وكان يستدير بنا إلى فراديس متخيلة نستعيذ بها من حالنا المعلقة ونتوقف أخيرا في المنتصف فلا غايتي بلغت ولا خضرة بساتينه ظللته وأظن وقوفنا ذاك يشبه لازمته:تساهيل يا حبيبي. حدث مرة وأن غبنا جماعة في هوّة نوم ثم فتحت عيوني وبدأت أنبّه الجثث الباقية من حولي ووقتها رأينا فيما يرى المسافر محمّد الخجول يعافر اثنين على جال الطريق وكان أصيل يغني تعبك راحة وإشارة التوقف جانبا تنبض.
۳
أحبّ الكتابة عن محمّد لسببين أحدهما أنّ لي ملَكَة تسمية عيب جديد في كل مرة ألتقي بها مع شخص أعرفه ولأنّ ظروفا قهرية تمنعني من رؤية محمّد أبدا، أحسب أنّ هذا يضمن له البقاء في منطقة برزخيّة مقدّسة بين الكراهية والإعجاب. وأمّا الآخر فمحمّد هو الكائن الوحيد الذي أعرفه ولا يستجيب لتلك الإلماحة الخفيّة:”كنت في سيرتك البارح”ولا يتفاعل معها ولا ينوشه بسببها فضول. ولذلك فإنه ومهما تركت من أمارات فلن يرى انعكاسه ولن يتخيل أنه هو. أدخل مجلسا ضاجّا بالناس وأتبع خيط دخان فلا يذكرني برحيل العمر ولا يوقفني على مسرح عبدالحليم وحكاية الفنجان ولكن أمام محمّد شاردا في إحدى الزوايا زقارة في فمه وعيناه مصوّبتان نحو جهة كأنه شاعر محاورة يفكّر بردّه الملجم. على الأرجح أن ليس لمحمّد خطة ولا هدفا في الحياة ولا غاية سامية يبرّر بها وجوده أو يوهم نفسه بما ليس له. وعلى الأرجح أنّه يدري أن لا معنى أسعى إليه في حياتي ولا غاية مهما ادّعيت؛ ولعلّ هذه نقطة التقاء لم أنتبه لها قبلا. كما تقاطعت طرقنا عند نهاية الشارع سألته:محمّد متى نشوفك؟ يتبسّم ويقول: عقب باكر. غفر الله لي يا ابن أبي ربيعة، انظُر كيف خرّبتُ عليك ذِكرى هند وغنج ضحكتها.
٤
لمحمّد ملامح عادية بمعنى أنك رأيتها في مئات الوجوه لكنها معا تخلق هذه النتيجة المريحة للعين. وله عادة واحدة وهي أنه دائم الإنصات. أحيانا أشك أنه يعمل بهذه الآلية وحدها، آلية التخزين، دون النشر. وإذا ما سألنا عن رأيه أجاب:”ما عندي شيء أقوله” رحم الله امرأ لم يذق حلاوة ما لم يقله وما توهّم أن ما في الجعبة أحلى وأرق. كم تفرّس فيه الأصحاب ولم يكتشفوا شيئا، كم حلّلوه وفهموا حياته لكنه أفسدها عليهم الليلة التي تليها. لا نعرف عنه ما يحب وما يكره، أزعم أنه اختار الحياد منذ زمن بعيد لم يعد يتذكره. له انفعالات طفيفة، أسمّيها حذرة وأعرف أنه يضطر إليها بحكم أنه يتنفّس. مرّة وقعت عليه متلبّسا في حالة غريبة لا تشبهه، محمّد يصرخ ويهدد ويشتم على الهاتف. لكنّه ما إن رآني حتى عاد إلى درجة عالية من طبيعته وشممتُ من جهته رائحةَ العشب النديّ تلك الرائحة الرمادية التي لا تحرك فيك شيئا. ومع ذلك لم أستطع منع نفسي من تذكّر تلك السيناريوهات الكثيرة عن الجواسيس والعملاء المتخفّين. لكن من له مصلحة فينا؟ بالأصحّ من له مصلحة في محمّد! هذا الذي لا يكاد ينطق بكلمة، ولا يستدرج أحدا إلى ليشاهد معه الروسونيري في إحدى لياليه الحمراء وهو يرى خيال نيستا يتزحلق في ثلث ملعبه الأوّل.