الأصفر يذكّرني بالشمس وأصفر على أصفر ليت محسن يشوفه وباليأس ورأس ڤيرونيكا المائل أمام النافذة كأنه جزء منها ويذكّرني بالأصيل واعتلال النسيم ووقفة ابن زيدون المطوّلة يُقلّب كفّيه ويستذكر ويرثي عهدا مضى وحال، وبالفُرادى في مقاهي الليل الطويل سكنوا المسافةَ وزهدوا في محطات الوصول وبشائر اللقيا ودموع المحبّين بعدها، وبابتسامات المرضى الهذّائين يغرفون من أقصى القلب حنانا لم يعرفوا أنه موجود، وبأعمدة الإنارة في الحارة القديمة؛ بضوئها الأصفر الكسول يُغيّب من الزوايا والممرات والخطى أكثر مما يبين لكنّه على الأقل يطيل في عمر هذا المدى المفتوح ويزيد السكون وضوحا ودفئا، ويذكرني الأصفر بباقي الصور العتيقة المحشورة في الحقائب والأكياس والجيوب، بقصصها الهائلة مجمّدة في زمانها البعيد وسالف أيامها المستحيلة، ويذكرني بطوق الذهب نسجتْهُ في أول النهار خيوطُ الشمس للعشّاق اللاهثين وراء ما لا يُنال والقنطرة تنأى وتبعُدُ، وبالتراب والعجاج والرياح المحمّلة تملأ سماء المخيلة وعن قريبٍ كالسهم يشقّها ممدوحُ أبي الطيب ومن ورائه قومٌ كأنّ أكفهم عرفنَ الرُدينيات قبل المعاصمِ، وبنار القِرى ما انطفتْ أبدا، ولا يذكرني فحسب.. بل يحشد لي الأصفر ملايين النهايات المفتوحة المنقوصة والمؤرجحة بين الشك واليقين، بين هوان المحتمل وسطوة الممكن اللاذعة، ويوقفني على أشفاء الذاكرة؛ أكادُ مع كل خطوةٍ واستذكار أسقطُ في هوّةِ كذبةٍ صنعتها وصدّقتها وانخدعتُ بأصالتها مع الأيام.
من زمانات كثيرة وأنا أعيش هذه الحالة قبل أن أقرأها في بيت شعر:”أوزع جسمي في جسومٍ كثيرة-وأحسو قراح الماء والماء باردُ” وقبل أن أعهد لها اسما أو أقتطع لها وجها مُتعبا من المشهد وقبل حتى أن أتتبع جريانها وتدفقها في عينية ابن زُريق:”كأنما هو في حلٍّ ومُرتحلٍ-موكّلٌ بفضاء اللهِ يذرعُهُ” ولم أعرفني قط في حالة من الاسترخاء والهدوء -كأنّ كل هذه الدنيا لي وليس لي منها في الآن نفسه شيء؛ وسيّان هما، في هذه اللحظة- إلّا عندما أقف ولا يد تمنعني ولا قيد يشدّني أمام إشارة تحمرّ ويزداد ولعُها كأنما تتنفّس، كأنّ عينا ما في هذا الفراغ الهائل تهزأ بي وتهددني وتنذرني، والإشاراتُ عندي فواصلٌ في كتاب المدينة غير أن نَفَسي قصيرٌ فأطيل الوقوف عندها؛ شاردا أو عائدا من حلم ذكرى قديمة أو ذكرى حلم قديم، ولا تجرّني من غفلتي غير الشتائم التي تنبّه أسلاف أسلافي من غيابهم الطويل، كأن الإشارةَ اختطافٌ لطيف، لحظة انقطاع قسرية عن عاجل الحياة وآجلها وأخبارها، فما هو عاجل يؤجل، وما هو ضروري ينتظر، وما قد يفوت فات كثير قبله ولا ضير، أو لعلّها كانت زمنا بين زمانين، مكانا بين مكانين، برزخا وهميا بين حقيقتين اثنتين، كم أثارت هذه النقطة الحمراء التافهة من براكين في صدري، وكم ذكرتني بملايين الأشياء التي لا يمكن استعادتها إلا بهذا التوافق الغريب مع المخيلة، وما استرجعته من لحظات اختبأتْ خلف غطائها الشفيف وانعكاسها الحازم، هناك فقط، وعندها في وقتها غير المعلن وتحت الاحتمالات الرياضية لتوقيت وموعد انطلاقي، ألتقط أنفاسي وأستريح من الركض المكرور في دوائر الحياة التي لا تفضي إلى مكان وأسخر من نفسي وحياتي لدقائق أتمنّاها أحيانا أن تطول، لكني أحيانا أخرى، فجأةً ومن غير أن أعرف السبب أجدني قد تهيأتُ للانطلاق، وبحماسةٍ لا معنى لها ولا مبرر؛ هكذا أنثرُ روحي وأنفاسي في هذا الهواء الخانق، أسافر بلا وجهة، وأذرعُ فضاءَ الله
كلما استدلّ تاهَ وكلما احتار حيّرته الخيارات أكثر وما أعطته الأيام والأقدار إلّا الدروب التي تضيق والمصائر التي تنأى وتوغل في الحرمان والقسوة، روحه مشدودة للارتحال والاغتراب، وليس في قلبه إلا ما يتداعى ببطء في الحل والترحال، كان احتمالَ بُشرى لكنّه اليوم يُفاجَئُ بزخّات المصائب المتكررة ويقف طويلا كي يستجلي تآويلها ويفهم حكمتها الممتنعةَ وسرّ غزارتها الغريب، ما أطلعَ الناسَ إلا على فأل التساهيل والآمال المختزلة في أبشر وهلا بك وعندي وسمّ وجاك، وما ادّخر لنفسه غير الحوقلة بها يتقوّى ويعبر ويصبر وبها تطيب أنفاس الثلث الأخير من الليل، كم طوى في صدره عن الآخرين من نُذُرٍ تهدّ الجبال وكم محا بالعناية والإضمار ما يمحونه بالإسرار والمكاشفة، من يا ترى نصّبهُ للشدائد والعظام وأضاءَ اسمَهُ وحدَهُ في ذاكرة المحتارين والمتورّطين والحزانى والناخين؟ من دفع نحوه كل أولئك المثقلين بأسئلتهم وشكاويهم ومصائبهم؟ وهل دروا رغم ما يروون عنه أنه لا يعطي إلا ما في قلبه ويده وروحه كلها؟! هو الغريب منذ كان، ضاعت حياتُهُ في المواعيد والمؤجل، وما اشتكى ولا عتب واكتفى بالقليل القليل، ربما علِمَ منذ البدء أن روحه الوثّابة وخطوته الجريئة خطيئتاه اللتان لن يغفرهما له أحد فألحّ ورضيَ بما سيجيء مرتقبا ومدركا فداحة ما ينتظره، وربما ودّ لو يداري هذا الخطر الساكن فيه ويسايره حتى النهاية ويقنع بالهامش؟! ومَنْ قال أن النفوسَ العلويّةَ تستشير وتختبرُ أصحابها قبل أن تجرّبهم وتكون لهم؟! ترويض جسارة الروح؟ هيهات هيهات! لا يزال هو النائي الممعن في تطوافه نحو لا مكان، ولا تزال تعتمل في روحه اضطرابات الحنين وأسئلة المجهول، وكأنّي به إذا أغفى واستسلم للطبيعي الدنيويّ سَمِعَ نغمةً كانتْ تصخبُ في خاطره يوما ما تحت الهجير، ورأى في البعيد أُناسا يغيبون في لمع السراب
حدث مرات لا أحصيها أن تحسفت على قصور ذاكرتي المجحف في استحضار بيت أو شطر ناسب الحالة والموقف والوقت وأكاد ألمح شيئا من كلماته تطل برأسها وتختفي تتمنع أو كأنها تذكّر بقيمتها ولا تتعطّف إلا بعدما تنتهي الحاجة إليها وبعد أن تنزلق اللحظة في نهر الوقت ويمر الموقف وتظل الحسرة بوخزها الرشيق وحقدها المبرر في صدري إلى أن تحلّ محلها لحظة أخرى تشبهها. حدث مرات أخرى كثيرة أنْ وجدتُ بين يدي أو على لساني أو في ومضةٍ مريبةٍ في مجاهل البال شطرا يضيء ولا يُبين ما حوله، يلمع ولا يقترح مقطعا نغميا يفضي إلى ما بعده، هكذا فجأة أجدني أمام:”لقد ضلّ من تحوي هواهُ خريدةٌ…” أو مثلا مع:”نضجتم في الصميمِ من الدواهي..” فها قد قبلتُ القاعدةَ، ولكني لم أتذكر من الذين أنضجتهم الكُرب والمصائب؟ وحسبي أني اجتهدتُ فلم أوفّق، وحاولتُ فما استطعت. لكن مع هذا كله، تظلّ لحظات صغيرة، وضيئة كوجوه الأحبة البعيدين، فاتنة كأبعد ما يكون من ذكرى الطفولة، وشهيّة كأعذب ما يُجتَنَى، لحظات تفتح فيها يدٌ ما في المخيلة صنبورَ الشعر والكلام، فيتدفّق ويجري على اللسان، والبيتُ الشعريّ دوما عندي في أحلى تجلياته بمثابة قفزةٍ إلى قبرٍ أو ملاذٍ أو -معنويا- إلى لحظة إدراك جوهرية تنهار عندها كل المعاني المتراكمة وتعقيدات الوعي واللاوعي، لحظةٍ تشبه زفرةً علويّةً تأبى محاولات الإخفاء والتغافل والتجاهل، مقتطعة من الزمن وصاعدةً بمرارةٍ نحو أفقٍ غريب. “وأُخفِّضُ الزفرات وهي صواعدٌ-وأكفكف العبرات وهي جوارِ” وكفى ببيتٍ من الشِعر -يطرأ فجأةً- حكمةً وخلاصةً ورواءَ.
يحكون عن شاعر بينما كان يتمشّى في شوارع قرطبة عائدا إلى منزله يخرج من جيبه مفتاح بيته في دمشق ويتحسسه ثم يعيده إلى مكانه أم أن هذه اللحظة المقتطفة من حديقة الزمن بكل شاعريتها ومعانيها كانت من قصيدة لنزار؟ لستُ متأكدا ويبدو أني لست في مزاج جيد لأتأكد، يحكون عن الشخص الذي يذهب إلى مقهى ويختار زاوية ما معينة ويظل يحدق بالباب دون أن ينتظر أحدا ثم يغادر بعد ساعتين، يحكون ويحكون عن أولئك الذين تُتوِّجوا بخصوصية اللحظات الهائلة وذاقوا سكّرها وحلاوتها بعيدا عن الركض المضني والدوران اللانهائي في حلقات الزمن المفرغة، أما أنا لو كنتُ كاتبا فيلما لكتبتُ عن خليل آخر الذين عادوا من الهوّة التي لا تُرجّى منها عودة أحد وخليل يليقُ به -في بالي- أن يكون في المشهد الشخصَ الذي ينبثق من تلك الفرجة الضيئلة جدا قُبيل أن تنغلق الجدران على بعضها، أو أن يكون آخر الواصلين في صالة انتظار المطار بعد أن انتهت العناقاتُ على الأبواب ولقيَ كل حبيب حبيبه، خليل هو سيّد اللحظات الاستثنائية بل ربما هو نتيجةُ أحلى وأعذب تجلّياتها، على الأقل بالنسبة لي إنْ لم يكن لآخرين غيري، لم يغادر خليل القرية قط، وظلّ بعيدا عن المقاهي قدر ما استطاع وأظنه لم يسمع بها، لكنّ خليلا كان حاضرا في حكايانا وقصص كبارها وصغارها وأحسب أننا بقليل من الجهد والاهتمام نستطيع استخراج روزنامة باسمه ونصل بين أيامها وبين أحداث الأعوام التي خلت، فأبي يذكر يوم ميلاده لأن صاحبنا يومها فقد إصبعين من يده اليسرى بسبب آلة ثقيلة سقطت يقول هو، من لا مكان؛ ويكرر ذلك كلما روى القصة، والقريةُ تعرفه لأنه بنى مسجدها القريب إلى كل البيوت بطريقةٍ ما تُعيد تعريف المسافة أو تقترح لها معان ودلالات أخرى، ربما لا يمكن إدراكها، وأنا أذكره لأنّه كان أول من فتحت عليه عيني اليمنى تلك التي كنت على وشك أن أفقدها بسبب شجارٍ بسيطٍ وحجرٍ مسافرٍ شقّ الهواء وأصابني قريبا منها، قاد بي وقتها ساعتين أو ثلاث إلى المستشفى ولم أحتسب ذاك خروجا من القرية لاعتباري أنّي لم أشهده، وإنما كنت في برزخٍ ما، ميّت من خوف فقد العين، وغائب عن الوعي لظنّي أنّي فقدتها، لكنه استدركني، ورأيته للمرة الثانية واقفا بجانب أبي عند رأسي في المستشفى، ويزعمون في القرية من زمانات لا حصر لها أنّ خليلا رأى فيما يرى النائم ذات ليلة أنه سيموتُ في سنِّ السابعة والسبعين، وكنتُ سأصدّق نبوءته، لولا أني أنظر إليه في صالة المطار قد تجاوز الثمانين بقليل، يمشي باتجاهي وقد تفرّق الناس، ومن خلفه حقيبة حمراء داكنة يجرها، قد ذكّرتني على نحو غريب برائحة الدم الحار المتدفّق على عيني ووجهي في واحدة من صباحات الطفولة، قبّلته على رأسه وبين عينيه وتحمّدتُ له بالسلامة، وأخذت من يده الحقيبة، وعندما فتّشتُ عميقا في طريق العودة الطويلة عن حكاية يصلح أن أبدأ بها كلامي ووجدتها، التفتُّ إليه، فإذا به قد أسند رأسه على نافذة السيارة وغفا من التعب
كأن أحدا مجازيا تلقّف هذه الحكايةَ التي تحوم حولها الشكوك والظنون إلى آخر العمر وإلى أن تسدل ستائر الحياة، وتظلّ هي هيَ النائيةَ عن كل محاولات الضبط والتيقّن، كأن أحدا ما استدركها قبل أن تضيع في زحام الحكايا في خلفية الذاكرة وأشجاني بها في ليلي الطويل. فجأةً خطرت على بالي صورة سعد، بعد منتصف الليل واقفا على الباب ومضرجا بدمٍ لا لون له، دم أحمرَ باهت وناشف يغطي وجهه ويديه وثيابه، يذكرني الآن بأحمر كيشلوفسكي في حياة فيرونيكا المزدوجة، حدّقت فيه لثوانٍ قبل أن أردّ السلام، قلتُ: سلامات وش جاك؟ قال: أخبرك بعدين، عادي أغسل عندكم؟ وبهذه الكلمات الخمس اغتسل ولبس شيئا جديدا ومضى مع الريح، ألححتُ بلا فائدة، وابتسم معتذرا وعند آخر الشارع لوّح ليتأكد أنّي قد رضيتُ عنه ربما وتفهّمتُ حرصه على سرّه، لا علاقة بيني وبين سعد أكثر من إيماءات وإشارات متبادلة بالسلام أمام المسجد، وأحيانا عندما تتقاطع طرقنا عائدين من المدرسة كلٌ إلى بيته نتفيأ ظلال الأشجار ونبحث في كل مرة عن درب أقصر وأكثر اختصارا، لكن لا يخفى على من عرف سعد ولو لدقائق حتى لو كان بليدا أنه ولدٌ غريب، وغريبٌ هذه، ليستْ صفة بقدر ما هي دعوةٌ للتفكّر والتأمل والتفسير ربما، فهو غريب، نعم، إلا أننا لا ندري كيف ذلك، ولا نملك ما يثبت صحّة افتراضنا أعني نحن أبناء الحارة، لكن لسعد بعد أن انقضت سنوات الدراسة الأولى دورةٌ ليلية نعرف متى تبدأ ولا ندري متى تنتهي، له كلمات يلقيها في وسط الحوار ولا ندري يقصد بها من، له أشياء أخرى تبعث فينا الفضول، كنّا قد تجاوزناها ولم نفكر بها بعد اختفاء سعد المفاجئ. بعد كلماته الخمس تلك وبعد وجهه المودّع واللطيف كما لم يكن من قبل، اختفى سعد لمدة يومين متتالين، على فراشي تلك الليلة أذكرُ أني جزمتُ على الذهاب إليه غدا، وأن أتعرّف عليه كما يليقُ باثنين دفعتهما الفرص والطرق والمفاجآت أن يكونا صديقين، يحكي أحدهما للآخر ربما أسراره المدمية التي يعود بها آخر اليوم، كنتُ فضوليا ولا أزال. في الصباح وجدتُ أمام باب البيت كيسا فيه قطعتين من الملابس، كأنهما لي، وبين القطعتين ورقة صغيرة مكتوبٌ فيها “شكرا وآسف” كان سعد وأهله قد غادروا الحارة التي كانوا يسكنونها منذ الأزل، قبل أن تكون، وقبل أن تُسمّى. عشتُ سنين في حارتي بعد اختفائه، ودفنتُ ذكراه الغريبة وراكمت قصصا أخرى وذكريات بدلتها بأخرى وهكذا دواليك، وكان قد انطفأ فينا ذلك الإلحاح العجيب، وهوسنا الفضولي زال، وطوينا صفحته تماما، قبل أن يستيقظ في ذهني بقدرة قادر بعد غياب طويل، ويشهق شهقةَ الأحياء تحت الركام، عجبتُ للحظةٍ كيف لي أن أتذكره، وعجبت للحظات كيف لي أن أنسى صورته المريعةَ تلك. سيتراءى لي وجهه وأذكره كثيرا منذ هذه اللحظة، وسأغبطه دوما لأن مصير هذا الوجه والذكرى التلاشي، كالمصير الذي اختاره لنفسه، وسأشكره من كل قلبي على حوارنا القصير جدا، وأدعو أن تكون ومضته المفاجئة في بالي مجرّد خطأ في سير الذكريات؛ لا مصيبة أخرى يطرقُ من أجلها بابا، كليلته تلك، والله المستعان.
هذه مقاطع كتبتها على فترات متقطّعة عن الأفلام، وليس لها قالبٌ معين، ربما تحدثت فيها مرةً عن شخصية أعجبتني أو أعادتني في الذاكرة إلى شيء ما، أو ربما تحدثت فيها عن موسيقى في الفيلم، مشهدٍ، مفهومٍ، فكرة، أمنية، وهاجس. أو لعلّي أحياناً تطفّلتُ ورويتُ القصةَ على طريقتي، وأخذتها إلى نيّة شاعرية، أو طرقتُ بها أبواب معانٍ لم يفكّر بها الكاتبُ ولا المخرجُ ولا أحد. المهم أنني جمعتها هنا، وهي في 25 مقطع لـ 25 فيلم؛ لا يشتركون في شيء أو ينطوون تحت تصنيف معين، لكنّ عشوائيتهم هذه تخلق هذا التنوّع البديع، الذي ألهمني في كل مرة أن أعود للكتابة لأنتج شيئاً خلّاقاً، أو رديئاً، ومن له الحقُّ في الحكم أصلاً؟ وهذا كلُّ ما عندي في المقدمة، وهي كمقدماتِ أغلبِ الكُتب والدواوين والأعمال الشعرية، لا قيمةَ لها ولا تقولُ في الحقيقةِ شيئاً إلّا ما ندر، والله المستعان.
١ the usual suspects “گايزر سوزيه” كايزر سوزيه هو ذا وحشُ الطفولة. مروّضُ خيالاتي الشيطانية. دمُ أحلامي البيضاء. الهواء الخانق في كل كابوس. الاسمُ الوحيد الذي لا يعود مع الصدى. والاسمُ الذي لا يُنصَحُ بتكرارهِ ثلاثاً أمامَ أي مرآةٍ معلّقة. وهي ذي حكمتهُ الأخفّ من فراشةٍ، والأقلّ من ذكرى. يمدّ يده في كل مكانٍ ولا تصلُهُ يد. وتضربُ صاعقتهُ المكانَ ويتلاشى في الهواءِ بنفخة واحدة. كم مرة رسمَتْ أحلامي وجههُ وما رأيتُ سوى ظلّه، وكم مرةٍ لحقتُ به وتُهت. وحيداً وبعيداً في الشكّ والزيف. وقريباً من ذلكَ الحدسِ الذي يطرقُ البال كل لحظة. كل مرةٍ سئمتُ فيها حيرتهُ وحيرتي فيه فضّلتُ التخلّي عن الإيمانِ بوجوده. لكنّ جزءاً مني يريده أن يكونَ موجوداً، رغبة موقوتة وفضولية. لا لشيء، أو ربما لأنه كايزر سوزيه ذاته وحش الطفولةِ ولأن الخُطى المعوجّة تستقيم مع الوقت وتتكشّفُ أسرارها.
٢ 25th hour “مونولوج الاحتمالات البعيدة” في الطريقِ إلى بلدةٍ سيُحتجزُ فيها سجيناً لسبعة أعوام مونتي الذي عاشَ يومهُ الأخير حُرّاً ومقيّداً داخلَ أفكارهِ بين أصدقائهِ وشفاه محبوبتهِ ويأسِ أبيه الحزين المُذنب في نظرِ نفسه، هذا الأخيرُ وهو يصطحبُ ابنهُ الوحيد إلى ملاذه الجديد ومنفاه الأول يطرحُ فكرةً مُريحةً ومُخلّصة ويسترسلُ:”قُل لي انعطِف يساراً وسأفعل، أعطني إشارةً فقط. أُرسلك لمكانٍ تنتقلُ إليه، اِبحث عن بلدةٍ جميلة، في الطريق سنتوقّف في شيكاغو للعب الأكواب، لقد أخبرتني دوماً أنك تريدُ رؤية حقل ريجلي. إذا كان هذا ما تريده فسأفعله. …. أتعرفُ كيف يعثرون على الناس؟ يعثرون عليهم عندما يرجعونَ إلى البيت. أُناس يفرّون ولكنهم عادة ما يعودون. لكن أنتَ ستذهب، ولن تعود أبداً. اِذهب إلى أي مكانٍ مجهول. اسلُك ذلكَ الطريق مهما بعُد. … كل رجلٍ وامرأة وطفلٍ حيّ، يجبُ أن يروا الصحراءَ قبل أن يموتوا. لا شيء سوى رمل وصخورٍ وصبّار وسماء زرقاء. لا روح على مرأى البصر. لا صفارات إنذار لا سيارات ولا منبّهات سيارات لا يوجد مجنون يلعن أو يتبوّل في الشارع تجدُ الصمتَ هناك، تجدُ السلام. يُمكن أن تجد الله. لذا نستمر بالقيادة، حتى نجد بلدةً لطيفة. هذه البلدات خارجَ الصحراء، أناسٌ أرادوا الفرار من مكانٍ ما، الصحراء هي مكان الحياة الجديدة. لا تزُرني أبداً، أؤمن أننا سنجتمع مجدداً لكن ليس في هذا العمر. سوف تجد لنفسك عملاً وتعمل بجد. ستفتقد أصدقاءكَ، وكلبك، لكنك قويّ. ستبني حياة جديدة وتنسى حياتك القديمة. لن تكتب شيئاً، لن ترسل ولن تعود. وربما بعد سنتين ترسلُ إلى حبيبتك وتجيء. ستبني عائلة، وستكبر هذه العائلة ويوماً ما ستجمعها وتخبرهم القصةَ كاملة. من أينَ جئت، ومن أنت، وقد يكونوا حقاً محظوظين بما قُدَّر لهم. هذه الحياةُ كانت قريبةً جداً من حدوثها” ورُبما كانَ هذا الحديثُ الطويل المسترسل قريباً جداً من حدوثه، رُبما كان هذا المونولوج هو الوداع الأخير. مونولوج احتمالات الحياةِ التي كان يمكنُ لها أن تسيرَ في اتجاهٍ مُغاير. قد يكون هذا ما احتاجهُ مونتي فعلاً، ولمَ لا يكون الصمتُ الدافئ بعينين غارقةٍ في حيواتٍ بعيدة جداً هو ما احتاجه لينجو وينسى أنه عاش.
٣ american beauty “الجمالُ الأمريكيّ والقلبُ الواهن” الرَّاوي الميّتُ گيفين سبيسي يحكي عن تلكَ اللحظةِ الأخيرةِ قبل الموت مُباشرة. لحظةٌ تمرّ فيها حياتُكَ كاملة أمام عينيك. تلك اللحظةُ التي لا تنتهي وإنما تتكرّرُ كما يدّعي كمحيطٍ من الوقت. وفرةٌ منَ العذاب، وقليلٌ من المباهجِ الصغيرة تلكَ التي رآها في لحظتهِ المُسافرةِ في الزمن. الأشياءُ والتفاصيل العبثيّة والتي لا تطرُقَ البال إلا خلالَ هذه الرحلةِ المؤقتة والمديدة. رأى نفسه مُستلقياً تحتَ السماء مُلاحقاً بعينيهِ النجومَ خلالَ الطفولةِ ثمّ تبعت تلكَ اللحظة الضئيلة لحظةٌ حالمةٌ لابنتهِ وصديقها مُستلقيينِ بوداعة. ثمّ مشهدٌ لأوراقِ الشجرةِ الصفراء الممتدّة على الشارع وبعدها دموعُ مينا سوفاري المراهقةُ الطائشة أمامَ مرآةِ عاديّتها. تدومُ اللحظةُ كحياةٍ موازية. يدا جدّتهِ وجلدها الذي يبدو كالأوراق، أوّلُ مرّةٍ يرى فيها سيّارةَ قريبه. زوجتهُ المُزيّفة تحتَ المطر، وقاتله تحتَ الظلام. ووراءَ الباب، جيني، وجيني، وجيني. گيفين الرجلُ السؤومُ الساخط بابتسامتهِ المُهذّبة الساذجة والخبيثة يموتُ في كل لحظةٍ منذ الأزلِ ويتذكّر أن عليهِ أن يستريحَ، ويكفَّ عن الغضب، لأن لا فائدةَ من الغضب أمام كل هذا الجمالِ الكثير على القلب. كل شيءٍ دُفعة واحدة، ولا يُحتمل. القلبُ سينفجرُ حتماً والموسيقى تؤهبكَ منذُ البدايةِ لأن تتخلّى عن كل هذا وتمضي.
٤ heat “ثلاثونَ ثانية وحكمةُ دي نيرو” ثلاثونَ ثانية قد تكفي للاغتسالِ من ذكرى خطيئة أو للتجرّدِ من ثيابِ وهم. ثلاثون ثانيةً قد تكفي لتركِ بصمةٍ في هذا العالم وفي الوقتِ نفسهِ للاختفاءِ ومحوِ كل أثر. وقتٌ طويلٌ للاستفاضةِ وحصّةٌ فاتنة من التكثيف. ثلاثونَ ثانية هي العُمر الجديد، المحطّة المُخلّصة والرحلةُ المثالية لمُنتهى الاحتمالات. هي المنعطفُ الحقيقيّ والثورة على كل خيالٍ وماضٍ. تكفي للاستغناءِ الذي لا يُعدّ إثماً وللبقاءِ الذي يشبه سلسلةً لا تنتهي من الأحلام. نصفُ دقيقة غفوتُ فيها على لحنٍ شجيّ واستوعبتُ لوحةً وهدهدتني كلماتٌ لَمَعت في الذاكرة. وأيُّ شيءٍ مُريحٍ كأن أعرفَ كم تستغرقُ رحلتي منّي إليّ! ومن أولى الخيالاتِ إلى غايةِ اللمس. ومن طفولةِ الفكرةِ إلى سهولةِ التخلّي عنها. ثلاثونَ ثانية، لا أقلّ ولا أكثر. توقيتي الجديد غيرُ قابلٍ للضبط والإعادة. كلُّ فرحٍ زاهٍ تلزمهُ ثانية، وكل حزنٍ سافرٍ تقديرهُ على الأرجح ثانيتان. والهربُ يعني عرقلةَ الوقت وإيقافه هناك. لو فكّرتَ قليلاً فثلاثونَ ثانية-بقليلٍ من الانضباطِ والتقديرِ الجيّد-تكفي لتُغادرَ كل من أحبَّكَ وأحببتَ. إلى الأبد.
٥ good will hunting “اللحظةُ التي تسبقُ البكاءَ” هُناكَ في اللحظاتِ الضئيلةِ الخفيفة سُرعانَ ما تتلاشى. هناكَ في التفاصيلِ والتقاطُعات، في الصمتِ الخالي إلا من شعورٍ ساذجٍ وغريب أنَّ ثمّةَ ما يُحاك، ثمّةَ ما تُعَدّ له ويُعدّ لك. هناكَ فقط تُيتّمكَ الدمعةُ وتفضحكَ الحقيقة. تحذرُ من كل هذه الحيواتِ التي اندفعتْ باتجاهك. هناكَ وأنت ترى بعينيكَ ولادة شخصٍ حاضر وتفجُّرَ حياةٍ مطلية بالاختفاءِ والهرب. عندما تتعرّفُ الكائنَ الجديد يرتمي بين يدين مُتعبة ونظرةٍ عطوف تكونُ قد التقيتَ(ويل)الفتى النزقُ المتعجرف والعبقريّ ينسلخُ من كل ادّعاءاتهِ ويستسلمُ وينهمر. الفتى الذي داومَ على فعلِ أشياء بسيطةٍ وصغيرة ولم يسعَ لشيءٍ آخرَ مهما تدفّقت باتجاهه الفُرص والعروض. الفتى الهارب من حقلِ الشوفان بنظرةٍ مُزدريةٍ للعالم. والذي شحذَ أطرافَ حياتهِ حتى لا يفكّر أحدٌ بالاقترابِ منها. يدعونا جميعاً إلى مناحةٍ من نوعٍ خاص. ويعتذر. آسفٌ، أنا آسفٌ جداً.
٦ maystic river “نظرةٌ أخيرةٌ على الأشياءِ كُلِّها” فتى شقيٌّ يولدُ كلّ عامٍ، كل يومٍ وكلّ لحظة. فتى بروحٍ ميّالةٍ للشغب. تتجنّبه الحياةُ ويتجنّبها، تراوغهُ ويراوغها، وتبسطُ له على مَهَلٍ وجعاً خفيّاً لا يُرى ولا ينضب. تجهّزه ليتذوّقَ أقسى مراراتها وتحضّرهُ شيئاً فشيئاً حتى يكونَ شاهداً على كلِّ مآسيهِ وذنوبه.(جيمي)وقبلَ أن تختفي ابنتهُ من حياتهِ تماماً، قبل أن تكونَ”علامةً أُخرى، جاءَ القدرُ ليجمعها”تنظرُ نظرةً دافئة-وتَشي بوداعٍ خَجِلٍ-نحو أبيها. أبوها(جيمي)الذي عرفَ أو أحسَّ لا باليقينِ وإنما بالحدس أنها نظرةُ الأشياءِ الأخيرة. تعرّفَ إلى ذاك النداءِ، وأرّقتهُ تلكَ النظرة التي ستغيبُ أبداً. نظرةٌ يعرفها الأبناءُ المخلصون تماماً كما يعرفها الآباء. سِرٌّ كونيّ منزوٍ وعنيد، يتملّصُ عن التسمية، ويهربُ من التثبّت. تكفي تلكَ المعرفةُ المعقّدة والعصيّة على الشرح. يكفي ذلكَ الإحساسُ بأن ليس ثمّة ما هو نهائيٌّ ومُحرّر لهذه العلاقة، لا المصائر التي نرِثُها ولا العاداتُ التي نستدلُّ إليها في الغضبِ والتوتّر، ولا التفطُّن للأسئلةِ المتروكةِ بعناية. بل هناكَ خيطٌ خفيّ موصول بالطرفين، عهدٌ لا ينتقض، ونظرةٌ أخيرةٌ على الأشياء كلها.
٧ 12 angry men “اثنا عشرَ شعورًا ومصيرٌ واحد” ثُنائيّةُ الأملِ واليأس. الغضبُ من جهة والامتنانُ من جهةٍ أخرى. حيلةُ الفَرَح وفجاجةُ الأسف. الندم الذي يحرثك والخيبة التي تعتَصِرُك. الفضول الذي يستنزِفكَ والذعر الذي ينصِبُ فخاخه. الخجلُ مُشذِّب الروحِ والضجرُ سالخها السادي. كُل هذه العيون تنظر نحوكَ، تتبعك وتحرسك، تتلاعبُ بك وتستفزّك. تحثّك، وتدافع عنك، تعرّيكَ وتفضحك، تختلقُ لكَ الأعذار وتهدهد ضميرك. يشفيها أن تحكمَ عليك، يقضُّ مضجعها أن تتركك وشأنك. مشاعِركُ هي الحَرَس، ذنوبك وخطاياك. وأحياناً، محاسِنُكَ وأسباب وبراءتك. وأنتَ تطفو، وتحلُم بصوتٍ يُناديكَ ويوصيكَ”جِد ما تُحبّ ودعه يقتلكَ*” لا تنسَ أن تجدَ اثني عشرَ شعوراً وتدعَ مصيركَ بين أيديهن. *”الاقتباسة لـ بوكوفسكي”
٨ cool hand luke “ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي” إذا أعادوا لكَ حياتكَ ولم تُحسن استخدامها ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفراديّ. إذا سلبوا منكَ حياتكَ ولم تتصرّف ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي. إذا تأخرتَ عن موعدٍ أو قُبلة ستقضي ليلةً في سجن انفرادي. إذا استيقظتَ قبلَ انتهاءِ الحُلمِ أو بعد انسحابِ سكونِ المدينة ستقضي ليلةً في سجنٍ انفرادي. إذا هممتَ ولم تقُل، إذا قُلتَ وانفرطتَ حكايا وندم وانتهكتَ قداسةَ الصمتِ تقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي. إذا نظرتَ نحو عينين باتساعِ الألفة ولم تحمِل إليهما النعشَ والكفنا ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي. إذا تبعتَ الغيابَ ووقفتَ مكانك، إذا تطفّلتَ على زاويةِ مقهى أو بئرِ طفولةٍ، إذا تجمّدتَ أمام فجرٍ أو تهيأتَ لاستقبالِ قصيدةٍ فستقضي ليلةً طويلةً في سجنٍ انفرادي. إذا كنتَ تعرف أن كل هذا سيمضي، إذا عرفتَ أن كل هذا مضى ستقضي ليلةً في سجن انفرادي. إذا فقدتَ ابتسامتك، أو قبضتَ أخيراً على معنى أو خصر، أو تخلّصتَ من وهمِ الحكمة وحمّى السؤال ستقضي ليلةً في سجنٍ انفرادي. إذا سألتَ الله أنهُ مهما فعلت، مهما فعلتَ ألّا يُعميكَ-على الأقلّ-لدقيقتينِ إضافيّتين ولم ترَ، فستقضي الليلةَ…. *“لقد حملتُ إليها النعشَ والكفنا”عمر أبو ريشة.
٩ inception “الازدراعُ وثلاثيةُ الأحلام” ما الحياةُ التي تنتهي بأقلّ قدرٍ من الندمِ والخسائر والخطايا، ما الحياة التي تكون أقصرَ دوماً عن الانتباهةِ وأطول من الوهم، ما الحياةُ التي نخرجُ منها غير مُحمّلينَ بالوصايا ولا موسّمينَ بالوعودِ الزائفة، ما الحياة الأقربُ منها إلى مُزحةٍ من ضجر، ما الحياةُ الوحيدةُ التي تجيء على مقاسنا، ما الحياة الأقلّ دائماً من كل خللٍ وتعب والأكثر من انتصارٍ ووصول، ما الحياة التي لا نضطرّ إلى تخبئتها ومُداراتها عن الآخرين، ما الحياة التي نختارُ فيها أحبّاءنا، ما الحياة الـ تكونُ فيها آمالُنا أقرب من فراغٍ بين سبّابتين، ما الحياةُ التي نختارُها ولا تسحلُنا خلفها، ما الحياة التي نستحقّها بعد أصدقِ اعتذارٍ ونستعيدها بعد ارتطامنا بالماضي، ما الحياة الـ نتخفّفُ بها من آثامِ غيرنا وكوارثه، ما الحياةُ التي نقفُ فيها على شُرفاتِ طفولةٍ وننظرُ باطمئنانٍ للسعادة وهي تعرّشُ فوقَ البيت، ما الحياة الأعذبُ من نداءٍ خفيّ، والأحلى من عناقٍ على بابِ المطبخ أو في غمرةِ شَجَرٍ أبيضٍ كثيف إلا حُلماً يتداعى داخلَ حلمٍ ينهارُ داخل حلمٍ يغيبُ في حلمٍ آخر.
١٠ The Double Life of Véronique “حياةٌ مزدوجةٌ وخدرٌ في الألوان” رأسٌ تميلُ كأنما أثقلتها الموسيقى أو نداءٌ مجهول. وظلالٌ تنحسِر عن جسدٍ يتجلَّى وسط خدرِ حلقةٍ ثُلاثية من الألوان. أحمرُ يتسرّبُ إلى المشهدِ كنُقطةِ دمٍ مُسالةٍ في مُكعّبِ ثلج، أو كأثرِ خجلٍ بعد قُبلةٍ مُفاجئة. وأخضر باردٌ يُعبئ التفاصيلَ والعتمة. وأصفر فاقعٌ يأتلقُ في الوجوهِ التي تئنُ وتلكَ التي تغنّي تحتَ المطر. حياتانِ اشتركتا في الكثير ورأتا العالمَ مقلوباً على رأسهِ وأحبّتا وتوارتا وركضتا وأصغتا وأحسّتا بالوحدةِ بعد الأُلفة، وبلمسةٍ خفيّة ناعمةٍ للطفولة، التقتا صُدفةً عابرة، وافترقتا. لكنّ كلّاً منهما شَعَرتْ بثقلِ الأخرى عليها، أو بثقلها على الأخرى فوضعتْ يدها على قلبها أو دسّت أصابعها بينَ الشفاهِ المتشققة.
١١ 1917 “الوقتُ هو عدوّي” على هامشِ غلافِ الفيلم(1917)ولكن بشكلٍ فاضِحٍ لا يُمكن تجاوزهُ، كُتبَ”الوقتُ هو العدوّ”حينَ قرأتُها تفتّحتْ في البالِ ألفُ معركةٍ وعُلِّقتُ ضحيةً ورضيتُ بالخنوعِ وفتحتُ عيني على هذه العبارةِ الصغيرةِ وقد استدعتْ شبيهاتها وذكرياتِها الشاعريّة فتذكّرتُ سرگونيّةً”هُنا حيثُ أتدرّبُ على الإيماءِ السالبِ منذُ الظهيرةِ، وأتعلّمُ كيفَ أقتلُ وقتي كأنّهُ عدوّي”وتفطَّنتُ لأخريات، وشعرتُ أني فوَّتُ واحدةً بينهنَّ ورحتُ أشاهدُ الفيلم. وفيما الجُنديّ المجهولُ حاملاً طوقَ النجاةِ، يعدو عكس اتجاهِ الوقتِ، يُدافِعُ ويُزاحِم ويُغالِب دموعه، يتنقّلُ بين الثكناتِ وتغوصُ يدهُ في الأجسادِ المفتوحةِ وأحشائِها، يلتقي بطفلةٍ تتعرّفُ على أناملِهِ وسطَ هذا الجحيم، يعدو وتتبعهُ الكاميرا مثل ظلالِهِ، يقفِزُ كغزالةٍ في النهرِ، ويخرُجُ من بينِ هذه الجُثثِ كناجٍ أخير، ثمَّ يتبعُ ذاكَ النداء السحريّ العذب في الغابةِ ويميلُ برأسِهِ على جذعٍ شجرَةٍ ليستريح. خلالَ كلّ هذا كانت أُغنيةٌ تعتملُ في ذهني، أغنيةٌ تذوبُ في روحي مثل سرٍّ صافٍ، تلكَ الأغنية اليتيمةُ لكريستوفر فوجلمارك بعنوان(الحُبّ كانَ عُذري-Love Was My Alib)والتي تبدأ هكذا:“Time’ll be the enemyWhen you’re locked in a world of pain*”
١٢ K–PAX “كوكبٌ بعيد ومناحةٌ جماعية” إذا أردتَ أن تُلقي نكتةً في قلبِ غرفةِ انتظارٍ متوتّرة، إذا أردتَ أن تُسعفَ صديقاً حزيناً بنكتةٍ لا تُقاوَم، إذا كنتَ تحاول إنقاذَ لحظةٍ شعرتَ فيها أنكَ ساذجٌ وخارج المكانِ، إذا تورّطتَ بطفلةٍ تبكي بين يديكَ قُل إنكَ:”وصلتَ للتوّ من كوكبِk-pax” لكن، لو للحظةٍ واحدة، تخيّلَ أننا في إغماضةِ العينِ وحمّى الألمِ ومرارةِ التجربةِ نصيرُ إلى تلكَ البلادِ البعيدة، اعتبرْها مدينتنا الفاضلةِ، تخيّلها مخرجَنا من المأزِقِ الأبديّ! على ذاكَ الكوكب الذي اخترعتْهُ عقولنا هرَبَاً من الاصطداماتِ المبكّرة، ومن تجارِبِ الطفولةِ، وعفونةِ الخيبة، ومآسي المُخيَّلة المُعذَّبة؛ وفراراً من الظنونِ وسوءِ الفهمِ والتقدير، ونَزْعةِ الغضب وغيابِ الذينَ نُحبّ، وانكسارِنا الأثيرِ على الأسرّةِ والأرصفة. تلكَ الصورةُ المعزولة عن الأخريات، ذلكَ المكانُ الآسرُ بصفائِهِ وبركاته، بالمنفيين فيه والغائبينَ عنه. لو استطعنا عنَ طريقِ اختلاقنا الانسحابَ، ووجدنا هناكَ في بصيصِ النورِ كوكباً مُعلّقاً، حياةً أخفّ من هذه، أكثر مرونَةً وألفة، وتبعنا مصائرنا إليها، وتحلّقنا حولَ”زهرةِ اليورك، وشممنا عبيرَها خلالَ النسيمِ العليل*”ثمَّ بعدَ كل هذا، تخيّلَ أنكَ انتصبْت بيننا وقلتَ:”إنكَ ذاهبٌ إلى كوكبِ الأرض.”هل ستتوقّعُ شيئاً أقلَّ من أن تختنقَ الأنفاسُ ويتحوّلَ الجوُّ إلى مناحةٍ جماعية؟
١٣ the hunt “وحشيةُ الإشاعات والكذبات الصغيرة” حكايةٌ عن أحدِ رجالاتِ الضيعةِ صالح، المعلّمُ البسيطُ كانَ مُختاراً لإلقاءِ خُطبةٍ في حضورِ شيوخ القريةِ وأهلها، وأثناءَ ما كان يخطبُ سقطَ شرواله الفضفاض إلى كعبيهِ فضجّت الضيعةُ بالضحكِ والصراخ. شروالُ صالح الذي صارَ حديث الناسِ ولُبّ حواراتهم أرغمَهُ على الارتحالِ والغياب. وبعد عشرينَ سنةٍ عندما هزّهُ الشوق وأمالتْهُ الصبابةُ، عادَ يُرشِدهُ النسيم والحنينُ والناس إلى ضيعتِهِ ومسقط رأسه (كَفْر الصفصاف) ولمّا وصلَ، وجدَ أن الضيعةَ ومقهاها ومقبرتها سُمّيت بضيعةِ (اللي فِلِتْ شرواله) تذكّرتُ هذه القصة لحظةَ توقّفت فيها الصورةُ وعادتْ الموسيقى في فيلم”The hunt”ورغمَ أن هذا الأخير لم يفعل شيئاً، ولكن ما يُشاع وحده مقبرةٌ جماعية نلتقي فيها جميعاً. يروي الفيلم قصّة لوكاس، معلّمٌ محبوب بينَ الجميع وفي مدرسةِ الأطفالِ حيثُ يعمل، كلّما حضرَ تخاطفتهُ الأيدي والعناقاتُ والقُبلُ البريئة. يضيعُ كلّ هذا وتنقلبُ حياته عندما تكذبُ طفلةٌ كذبةً صغيرة بحقّه ويصيرُ في عيونِ الآخرين أقلّ من حشرة. جرجرَهُ هذا الزَعم، وتلاعبت بهِ الحياةُ كما اشتهت. وفي المشهدِ الأخيرِ بعد أن حصحصَ الحقُّ وانتهى كل شيء. كان واقفاً في الغابةِ ورصاصةٌ طائشةٌ مرّت بجانبِ رأسِهِ واستقرّت في الشجرة. إنها الإشاعةُ نفسها، لها خبرةُ صيّادٍ وضحكةُ شيطان. كانت تهزأ منهُ وتُغذّي ساديتها الوحشية.
١٤ night train to lisbon “اقتفاءُ شاعرٍ ولحظةُ الغياب” مُعطَّلاً عن حياةٍ عشتُها وسأعيشُها كيفما كان، خفيفاً مضيتُ عن حياةٍ أحياهَا بأقلّ مجهود. خفيفاً وطافياً كأنما اصطادتني موسيقى غريبة وستأخذُني إلى مكانٍ ما. وكأنَّ حنيناً عميقاً أذابني وأنقذني من هذه الورطة. هل هذا ما يشعُرُ بهِ من اقتفى حياةَ شاعرٍ أحبَّهُ، ومشى في ظلالِها؟ هل هناكَ يدانِ طويلتانِ كفاية لتتحسَّسا وجهاً هامَ فيه؟ ورغبةٌ مجنونة لعبورِ منافيهِ الأثيرة ومُدُنِهِ التي لا تُحصى؟ ومخيّلةٌ أخرى للتطفُّلِ على آلامِهِ وآماله وعذاباتِه؟ وأصدقاء كثُر كانوا دوماً في الصورِ على بُعدِ قصيدةٍ أو هاجِس. أمشي في مكاني، وأحفرُ بيدي وتنهيدتي في ذاكرةٍ لم تأذن لي، وأبتسمُ طويلاً حينَ أكون في اللحظةِ الطائشة في القصيدة إلى جانبِ سيّدها؛ في ظلالِ جدار، أو في الطريقِ إلى المطبخ، أو نفقِ مترو*. وفي لحظةٍ أنتبهُ وأعودُ خالياً إلى حياتي، تلكَ التي لن تُذكَرَ-بالخطأ-في حديثٍ جانبيّ، وآملُ أن يسامحني العالمُ على لحظةِ غيابي القصيرة. *”أماكنُ ولحظات من قصائد لسرگون بولص”
١٥ the sting “الاحتيالُ الطويلُ وقطعُ البازِل” كلُّ قطعةٍ نقديةٍ تختفي خلفَ أذنِ طفلة تَهْوي لحظتها إلى قاعِ بنكِ العُملاتِ الاحتياطيّ للعالم. كلّ حَمَامةٍ تدخُلُ نفقَ قبّعة تنتهي في سربِ طيورٍ لا يُرَى مرّتين. كلّ يدٍ تتوارى في جيبِ صاحبها تتركُ أثراً في جنّةِ الغياب. كلّ ورقة تسبحُ في الهواءِ تصوّبُ نظرَها إلى صاحباتها في الخيالِ يتحلّقنَ حولَ بعضهنّ، ويتخفّفنَ بالدوران. كلّ سكينٍ تخطفُ أنفاسَ الهواء وتنطلق نحوَ جسدٍ شبه عارٍ ومُثبّتٍ على جدارٍ يلفّ بجنون، تنغرسُ في كُرسيٍّ سيصيرُ عرشاً وسيجلسُ عليه أكبرُ المُحتالين وسيّدهم. كلّ فَمٍ ينفخُ النارَ، يُحيي ذكرى أوّل ديناصورٍ طويلِ عُنُق، احتالَ ومدّ عنقه طويلاً ورأى التاريخَ كلّه وانسحب. كلّ فاتنةٍ تحاولُ أن تفكَ سلسلةَ العُقد والأقفالِ حول يديها وقدميها بينما تغرقُ في خزّانِ ماءٍ شفّاف، تصيرُ عاشقةً تستحمُّ تحتَ شلّالٍ في مكانٍ مجهول في العالم البعيد. كلُّ احتيالٍ تافهٍ هو قطعةُ(بازل)وحيدة، تراها من كلّ مكان وزاويةٍ فلا ترى شيئاً، ولكن حينَ الخُدعة طويلةُ الأمد تكتملُ وتتكشّف على الطاولةِ، تصيرُ كابوساً لا يُطاق. كلّ خدعةٍ مُجرّدُ بداية، والبداياتُ مثل الخطايا، يستدعينَ بعضهنّ.
١٦ rear window “هيتشكوك ونافذتي المفتوحةُ على العالم” من نافذتي المفتوحةِ على العالمِ أرى أسرارَهُ العميقةَ وهواجسَهُ التي تحطُّ بجلالةٍ لا مثيلَ لها على كتفي. أرى بعينيَّ وأتقصَّى بفضولي وأتلصّصُ كما لو من خلالِ كوّةٍ خفيٍّة ومهجورةٍ في الجدار. أرى من يضيعُ في حواراتِهِ الطويلةِ بينه وبين نفسِهِ. أرى من يستلقي معكوساً على سريرِهِ ويبدأ في السباحةِ ضدّ التيّار. أرى من ترقصُ على ساقٍ واحدةٍ وتدورُ، تدورُ كأنها تحفِرُ أرضيةَ الغرفةِ وأرى ينبوعاً يتفجَّرُ وموسيقى تلمَعُ في الهواء. أرى من تسقي نبتةً كأنها تُعيدُ للعالمِ معناه. أرى من يعزِفُ-وحيداً-مقطوعةً أسمعُ قليلَ ما يصلني منها وأتنبّؤ صداها الذي سيظلُّ يحيا معي. أرى وجهَ من يستعيدُ ذكرى خاطئة، ويدَ من يكتُبُ كأنها آخر وصاياه. أرى غريبينِ في فضاءِ المكان وبينهما شظايا. أرى قُبلاً تُطبَع على المرايا والصور، أرى كيفَ بدأت الأشياءُ وكيفَ انتهت. أرى العناقاتِ على البابِ، واللعنات والشتائم خلفه. أرى من يطردُ القلقَ بكتاب، ومن يطردُ كارثةً بنفخةٍ واحدة. أرى العالمَ مفضوحاً وأرى حيواتِ من فيه مصفوفةً أمامي. أرى ما تغيَّرَ وما جدَّ، كأنّي سأبتزّ العالمَ في أقصى حالات وحدتِهِ وعُريه. وأغلقُ النافذةَ، فأعودُ إلى قدميَّ المُعطّلتين وسرّ حياتيَ المجهول، ونبوءاتي وظنوني التي ستصيرُ حطباً تأكلهُ في داخليَ النار.
١٧ wonder boys “نرسيسٌ عنيد ونوارس بيضاء” أُغالب نرسيساً عنيداً في داخلي يضمُّ إلى صدرِهِ ديواناً لا أميّزُ الاسمَ ولا العنوان على غلافهِ ولا أتعرّفُ الأغنيةَ التي راح يدندنها. أغالبهُ كُلّما كتبتُ شيئاً تحتَ تأثيرِ موسيقى أو هذيانِ حمّى أو نسمةِ فجرٍ قريب، كُلّما استعرتُ رؤيةَ طرفٍ ثالثٍ ورابعٍ وإلى ما لا نهاية، أو أشعلتُ شمعةً في مُخيّلتي وأمامها بخشوعٍ كتبت. كلّما فتحتُ عيوني على أثرِ غائبٍ، أو صدّقتُ ببلاهةٍ نشوةَ أنّ هذه الفكرةَ جاءت لي وحدي من أبعد مكانٍ في العالم حتى تحطَّ بينَ يديّ كفراشة، أو خلتُ أنّ الابتداءَ بهكذا كلمة خطأٌ سافِرٌ وأنّ الانتهاءَ إليها خطيئة لا تُنسى، أو انتظرتُ الفكرةَ العبقريةَ الـ تتمنّعُ على التدوين. أُغالبُ نرسيساً عنيداً في داخلي كُلّما انتهيتُ من كتابةِ نصٍّ تتغيّرُ نظرتي إليهِ بعد ثانيتين من شعوري بأنّي الوصيُّ على هذه اللحظة الثمينة. أغالبُه حينَ يسبقني في نشرِ هذه القطعة الفريدة للعالم. ويهزمني في تحقيقِ أُمنيتي الكسلى في أن أدوِّنَ قطعةً واحدة طويلة تبدأ من طفولتي وتنتهي في آخرِ الأيّام. أقلّب أوراقها بينَ يديَّ للحظاتٍ، ثمّ أُلقيها من نافذتي المُطِلّة على البحر. تصيرُ نوارِسَ بيضاءَ تحلّقُ بعيداً بعيداً.
١٨ rounders “مايك وبوّابةُ الخسارات” في البدء، قبلَ أن تُرهِفَ السمع لأوّل لغةٍ منقوشةٍ على جدار. قبل ميلادِ أوّل عدوٍ شخصيّ وقبل خللٍ طارئ في سيرِ الحُلم. قبل عطلٍ أوليٍّ في سيّارةِ البيتِ، استيقظتْ فجأة بمزاجٍ لا يسمح. قبل أن تفهمَ العلاقةَ بين يدكَ النائمة ومسارها العبثيّ. قبل أوّل مرةٍ شعرتَ فيها”أنَّ قاطرةً على وشكِ أن تخرج من أحشائكَ”قبلأنتتدفأبنارِالخياناتوتنسى. قبلأوّللسعةٍفيالأسنانِأوالذاكرةِظننتَهامُزحة. قبلمرّةٍيتيمةالتقىفيهاغريبانِوافترقادونَسرٍّأوألمٍغريبفيالهواء. قبلأنتنسكبَفيمقهاكَدونَأنتُرى. قبلأنتتجرأعلىالعالموتُطلقشتيمتكَالأولىفيقلبِالغرفةونوافِذُهامُشرّعة. قديماًقديماً،قبلَأنتفقدَنفسكَوتنظرإلىالخلففيتلاشىكلشيءٍكانيتبعك. قبلالمرةِالأولىالتيملتَفيهاعلىجذعِشجرة. قبلَأوّلمرةٍهمَّفيها”عصفوركَالأزرق*”بالخروج. قبل أن ينفضك إدراككَ المتأخر، وقبلَ أن تستسلمَ لعدمِ فهمِ الحيلة بعد تكرارها. وقبل أن يخسرَ الإنسانُ الأوّل رهانهُ الأكبر أمامَ الحياة، كانَ مايك يجلسُ على طاولةٍ بمزاجٍ توّاقٍ للهرب وجُرحٍ بين عينيه، وكانَ يُقامرُ بحياتِهِ كلّها، للمرّة الثانية. *”اقتباس من الفيلم”**”قصيدة لبوكوفسكي”
١٩ amores perros “لحظةٌ وعصفوران في سماء” أثمنُ ما لديّ هي هذه اللحظةُ في يدي. لكنّها ليست لحظتي وحدي. هي لحظةُ الحياةِ بقصصها الغرائبيّة، بشجَنِها وآلامها وهمومها وتعبها وقرفها وعُقدِها وجانبها المُعتم من كل شيء. بما لا يُستعَادُ منها بعد أن تمضي، وبها قبلَ أن تمضي حينَ تكونُ مفتوحةً على كلّ احتمال، وخفيفةً مثلَ معاطفِ النسيان. هي ذكرى طارئة تعبرُ في خاطرَين بعيدين. ورائحةٌ فاتنة تهبّ فجأةً على مكانين. هي الغريبُ في رؤيا، تلتقي بهِ بعد حياتين أو ثلاث. لحظةٌ موصولة بآلافِ اللحظات قبلها وبعدها، موسيقى تنقصها قفلة، ويدٌ تنقصها أخرى. لحظةٌ تترك أثَرَها. “لحظةٌ هي الأبديّةُ، كُلّها مكلفة*”لحظةٌ أشتركُ فيها مع العالم؛ حينَ يزرعني في قصةٍ لا أعرفُ أطرافها ولا نهايتها، وحين يضعني في مأزقٍ بلا أملِ خَلاص، وحين ينسى أن اللحظةَ لا تزالُ في يدي، لكنّي أتصوّرها في كل مرةٍ نقطةً لا مرئية في سماءٍ واسعةٍ وزرقاءَ كحُلم؛ يتقاطعُ عليها وفيها عصفورانِ عابرانِ يواصلُ كلٌّ منهما رحلتَهُ وعزفهُ المنفرد. *”اقتباس من مراجعة لفيلمٍ ما”
٢٠ requiem for a dream “موسيقى مرثية حلم” كألف ألف قوسِ كمنجةٍ تحزّ وريدي. كأنها أشباحُ الماضي والخطايا التي تضمّني إلى ذكرياتها وراءَ ظهري. كأنها نعيُ الطبيعة المُتجدّد والصوتُ الذي ينادي من قرونٍ في قلبِ بئر والوجهُ الضبابيّ في حلم. أو حربي الأخيرة تقوم في مُخيّلتي وتوقظ جنودها وفخاخها. تقطّعاتها المُتكرِّرة تتصيّدني مثل نبضاتٍ طارئة. ودويّها المُربك يضمن لي نهايةَ العالم بعد لحظات. موسيقى ترافقني في ممراتٍ بلا نهاية وتبتكر مخاوفي وتنفضُ عن جلدي كل قشعريرةٍ غابرة. موسيقى تهوي طائراً جريحاً وتنقطع كآخرِ الأنفاس. سمعتها قبل أن أسمعها وتفرّستُها في الكوابيس وصباحات اليأس. وبقيتُ أسعى لها حتّى أذاقتني مرارتها. مُرعبة؟ مهيبة؟ ملحمية؟ شيطانية؟ موجةٌ منسيّة سيحينُ وقتها؟ ماذا أقول عن موسيقى، إذا كانت أقسى من صرخةٍ مكتومة تُطلقها تحتَ الماء؟*وماذا أفعل، إذا ظلّت ترنُّ في رأسي وأذنيّ بعد أن تكوّرتُ مثل جنينٍ ونمتُ في أمانِ الله! *”مشهدٌ من الفيلم”
٢١ Three Billboards Outside Ebbing, Missouri “ثلاثُ لوحاتٍ إعلانية خارج إيبينغ، ميزوري” على الطريق الطويلة جريحان مسافران إلى آيداهو في رحلة وَجِلة متردّدة ولأنّ الأغنيةَ كعادتها ملاذُ الخائفين والطريقَ تهدهد وتحكم في الختام والشرودَ يضاعف الجهات، ينتهي الفيلم. بعد المأساة الرهيبة، وبعد الفكرة الطارئة والظبي الهارِب من فردوسِهِ يرعى في الخمائل*، وبعـدَ:”وتحسبُ سلمى لا نزالُ كعهدنا-بوادي الخُزامى أو على رسِّ أوعالِ” وبعد الحكمة الساخرة على لسان وودي هارلسون وانتظارِهِ الطويل ووصاياه العشر وحركته الوحيدة والأخيرة. وبعد الهطولِ السخيّ والأجساد المتهدّمة على الأرض الضيّقة والدمعة تومضُ في ظلام الشاشة السوداء أتوهّمها نجمة قصيّة تستنجدُ. وبعد اليأس واجترار الأمل وذهابِ الغريبِ الذي جاء غريبا ووحيدا ينتهي الفيلم على الطريقِ نفسها التي انطلقَ منها. خارجَ إيبينغ، ميزوري، وثلاثُ لوحاتٍ إعلانية منسيّة، على طريق لا يمرّها سوى المختلّ والتائه. والموسيقى تعدُ بأماكن لم نَرَها من قبل. *”يا ظبية البانِ ترعى في خمائلِهِ-ليهنك اليوم أن القلبَ مرعاكِ. الشريف الرضيّ”*”البيت المذكور لامرئ القيس”*”Pretty songs and pretty placesPlaces that I’ve never seen”
٢٢ the devil all the time “شيطانُ أبدِ الدهر” الرأسُ غائبة في هذيانها. متعبةٌ تنوس في الاحتمالات أو تهيم في رجائها المُخلِّص. متدلّية على صدري مثل خطيئة. يدان خفيّة تبسطان الدربَ أمامي وأخرى تؤخرني دوما عن وثبة خارجَ الدائرة الأزلية. طريدُ التيه واللحظة الميؤوس منها. لي من السكون هذه الطريق المُهدهِدة تحت أقدامي ولي من النسيان أن أكونَ غيري؛ طفلا عنيدا، أو أبا تُعجِزه الحيلة، وخفيفا كأنّي أفتقدُ المكان. وعليّ، عليّ أن أرتاح لأؤجلَ الشقاء أو أغفل عنه. خدرٌ والجهات كلّها مثل صوت بعيد يدعوني. الرأس غائبة في سهوها والأغنية تهمسُ في أذني ولست أتذكر كيف ستنتهي، أعرفها الأغنية جناحُ العالم تُلقي بي بعيدا وتنساني هناك؛ أنا الأحجيةُ المهملة على جانبيّ الطريق، أشيرُ بيدي إلى سرابٍ، أو ذراعٍ ممدودة في حلم.
٢٣ unknown “مجرمون وضحايا” مجرمو النظرة الأولى في المرآة، وضحايا أختها. المُغيّبون عن اللحظة والهاربون من خطاياهم وأسمائهم. الحياديّون بصفحة بيضاء تلمع في البال، والبريئون من حاضرٍ ساخر بكلّ ما فيه. ينتظرون أيّ حَجَرٍ يُقذف في بحيرة الطفولة، أيّ شجرةٍ تتفرّع أغصانها في وجه السماء، أيّ اسمٍ يُنادون به من بعيد، عينين حنونة على البابِ تُحدِّق وتبتسم. الواقفون على البرزخ بلا ذكريات ولا رؤى ولا هلاوس، مؤرجحة أقدامهم وموعودونَ بوهمٍ ساخط. يتوسّلون الذاكرةَ فتمدّهم بصورة مشوّشة وتدفن أخرى كأنّ في يدها الطِوَل المُرخى. يتشوّفون في وجوههم غربةَ النسيان ويختلقون الماضي بحدائقه وروائحه وعناقاته وأمواجه ويذوبون في عالمٍ رماديّ من الجهل. المجرمون، لأنهم نزعوا الغلالةَ عن الوحوش في الداخل، وأطلقوا أيديهم الباطشة. والضحايا لأنهم نسوا كيف ضاعت حيواتهم، ولأنّهم في العيونِ الغريبةِ أودعوا أسرارهم.
٢٤ the best offer “ضربة الفرشاة العشوائية” السرّ في ضربة الفرشاة العشوائية. في لمسةِ النرجسيّ الصغير تختبئ مثل عيون العفاريت في الزوايا. في طيش لحظةٍ ينسى فيها المزيِّفُ نفسه أو يفقد السيطرةَ عليها ويترك أثرا طفيفا وراءه. في كُوَى الحيطان والصوت الخجول خلفها. في العين المُتلصّصة تتوق إلى المستحيل، في الأزهار المنتثرة مجمّدةً في الهواء والبال. السرُّ عرشكَ في غرفة الخلود، والغياب اللذيذ تحتَ النظرات الشاخصة منذ الأزل. في جسدكَ المُسجّى على الأرض وفي مطرِ أبي الطيّب:”أظمتني الدُنيا فلمّا جئتُها-مُستسقيا مَطَرت عليَّ مصائبا” السرُّ في الحيلة التي انطلتْ على سيّد الحيَل، وفي سيزيف المذهول واقفا وسط الجدران العارية وصخرةٌ يحملها بين يديه.
٢٥ the man from earth “الخلود ورجلٌ من هذه الأرض” من قبل أن يغرقَ العالم في الاستعارات. من قبل اللحظة التي تكرّر نفسها موصولة بآلاف اللحظات قبلها وبعدها. والمستقبل الذي سيجيء بعدَ ومضة والماضي الدؤوب على اصطياد ضحاياه. من قبل أن يقف الشاعر على الأطلال ويرثي نفسهمقيمٌماأقامَعسيبُقبلوَتَرينجُمعاوصارالشَدولغةًتحفظهاالأصابع. منقبلأنيُعلّقواالعنقاءَفيلوحةأوبيتشعرٍوينتظروااحتراقها. وقبلأنعمِرفّةجناحٍلفراشةخدّرتالهواءونبّهتإعصارافيبلادلاتبلغهاالطائراتولاالأحلام. قبلاستئناسِالأوّلبرؤيةطائرٍوتشاؤمهمنصراخآخر. قبلانتصابالشجرةالمعمّرةلاتزالتسمووتستجيبلغوايةالنسيم. ومنقبلأنيُنيخواالعيسَليُحمّلوهارُحّلاوسُراة،ويضربواحجرابحجرليشعلواناراأوحكاية. منقبلأنيولدَالحكماءوالفلاسفةوالأباطرة،وتُبنىالسدودوتلفظالأرضُمُدنَهاالأسطورية. وقبلأنيتفرّسوافيالوجوهويُسمّواالنجومَويقصّواالأثرويقرأواالطالعويتبعواالأنهار. وقبلأنينقشواعلىصخرويخلطوابينالمراياوالبحيرات. منوراءالملاحموالمجاعاتوالعصورالذائبةوالهزّاتوالجبالوالسهولوالظنون؛جئتَ،منهناك،مسربلابخطيئتكَالبريئةحاملافيعينيكهذهالطعنةَالنافذةوالحكمةَالخام:”ليسَثمّةماهوأكثرُإثارةًللضجرِمنالخلود” وعِشتَ، طويلا. *”مقيمٌ ما أقام عسيبُ/ امرؤ القيس” *”الاقتباسة لبوكوفسكي”
سأعرف الأزرقَ في نصف الكأس المليان، في أثر الغائب الذي لا يُعوّض غيابه أحد، في الأمل الذي أبعدني أكثر مما قرّبني، في الاحتمال والممكن، في مداخل الصباح ومخارج الليل، في السيل المتدفّق من الصورِ في رأسي حين تفاجئني ذكرياتٌ ضبابية عن أبي، في النداءات والزوايا والهواجس، في اللحظات التي شيئا فشيئا ومع العمر تفقدُ تأثيرها ومرونتها في المجيء، في النوايا السليمة التي دون قصدٍ أخطأتْ، أو الخُطى التي زلّتْ عن القصدِ وما عذرها أحد، في خفقة الحلم والشوارع الجانبية التي تغذّي المسافةَ بالمزيد من المسافة، في ضحكة ناعمة أنعشتْ روحي ذات نهار ولا تزالُ، بصداها وبذكراها، في انتشار العطرِ الذي فجأة نسف بي إلى هذا البقعة من العالم وذكّرني بأشياءَ لا تُفسّر وبوجوهٍ لا أعرف لها اسما، في الأسماء التي ما إنْ تُطلّ في بالي حتّى أهوي في مكاني أو أصعد نحو أعلى غريب، في غموضِ القصص التي ما وعدتني بشيء ولا سألتها شيئا، في باب البيت القديمِ، في أغصانِ الشجرةِ وهي تعرّش على الحيطان، في ظلالي على الأرض حيث أتجمّد في مكاني وأُمعن النظر نحوها عسى أنْ تهبطَ إشارةٌ أو تتدلّى من المجهولِ كلمةٌ أو صرخةٌ، ولا شيء، سأعرفُ الأزرق وأراه، في ما يتوارى مهما ألححتُ، في ما يجيءُ بعد أن أنساه، وما يغيب بعد أن أتمسك به بكل ما عندي وما ليس عندي، سأعرفه في بيتِ عاشقٍ وفي طعنةِ نجلاء وفي سماء متوثّبٍ وفي نفسِ كريمٍ وفي ليلٍ كموجِ البحر، وفي حكمة النبع، وفي نفسي، عندما تنطفئ الألوانُ ويصخب اليأسُ وتجفّ المواعيد، ويفقدُ كل ما سعيتُ لأجلهِ -وإنْ صار تحت عينيّ وبين يديّ- معناهُ القديمَ الجليل
يلمعون في مقدمة رأسي عندما أُغمض عيني أو عندما أفتحها على اتساعها راغبا في رؤية الأقل، ألا يختفي معنى كل شيء فرداني وسط الحشود كما تتلاشى قيمة الصوت الغِرّيد في زحمة الأصوات وجلبة النداءات المتداخلة والصخب؟ يلمعون، تضيء صورهم، طيوفهم الباقية إذْ تتشكّل حسب التخمينات والافتراضات ولا يقين يؤكدها، أولئك الذين لطالما تمنّيناهم في المكان الخالي في زاوية المجلس، الذين حدسنا أنْ ستطيب لهم هذه الحكايا العشوائية في السيارة المسافرة وهي تشقّ عتمة الليل، والذين نفتقدهم في رحلة لم يُخطّط لها، ومشاوير طارئة لم نحسب لها حسابا، الذين ننتبه لضحكتهم الناقصة في كرنفالات الأفراح، ونتنبأ بذوقهم واختياراتهم وأغانيهم في المكان، الذين نحفظ لهم ما يحبّون ونشعل لهم السراج ونترك لهم الأبواب مفتوحة فلا يجيئون، البعيدون فلا يقبض عليهم خيال، والنائون كم تنوشهم احتمالاتنا الهوائية وسيناريوهاتنا العبقرية البهيجة ولا تضعهم أبدا في خانة الأكيد، ولا تقرّبهم من فراديس الطمأنينة، إلى متى يا ترى سيحكمون هذا المكان الخاص في الذاكرة؟ وحتّى متى يثيرون هذه النبضة المتوتّرة في القلب؟ وإلى متى سيبقون في برزخ الشكّ؟ أحياءً، وأمواتا، سالينَ أو تطرق ذكرياتنا بالهم مثل مطر خفيف؟ وما الذي بإمكان الكلمات أن تقول إذا التقينا بهم؟، أولئك الذين لن نلتقي بهم أبدا، والله المستعان.
على قلق كأنَّ الريح تحتي أتبع كلمةً كنتُ قد نسيتُ نغمتَها وأضعتُها ربما في محيط الصمت والتغافل والشرود فجفّتْ على فمي وغادرتني بلا وداع، أقتفي أثر ظلال أبي التي سرعان ما ذوتْ وتلاشتْ فصارت هي بعينها الغياب وما دونها فهيّن ٌوملحوق، أرى فمه الباسم أبدا وأتتبع ذكرى صوته اللاهجِ بحمد الله والثناء عليه، بالتسبيح والحوقلة، بالإلحاح على اِقلط وبِالله عليك والخير باقبال وإن شاء الله والله كريم، صورته وأكمامه المطوية إلى نصف الساعد وغترته البيضاء تنحسر عن مقدمة رأسه متهلّلا وكالسيفِ يهتزّ يستقلّ مبذوله الكثير ويظنها -روحه كلها- ليس تكفي، صمته وهو يُتلف نفسَهُ تحت شمس الأيام وغربة العمر وسطوة الأقدار، عيونَهُ المُبشّرةَ الحنونة تُضيء حتى في ظلام الحكاية وأبوابها المقفلة، عطرَه وهو يتضوّع في حدود القلب قبل المدى وسكّة الشارع الطويل إلى الجامع الكبير، ضحكته التي تغمر الدنيا بالبهجة ووقفته أمام الباب وقد عاد بعد السفر يحمل الهدايا والبشائر والخير، على قلق كأنَّ الريح تحتي أفزّ من نومي وشرودي وغيابي الطويل وأقول كلمة كنت قد ظننت أني نسيتها وأضعت نغمتها في محيط الصمت والتغافلِ والشرود، أقول يبه
رأيته وقد التقى الليل بالنهار واتفقا على تقاطع يصبغ العيون وينبّه المجازات وربما يذكّر بهاجس الزوال وتفاهة الحياة التي تنتهي في أي لحظة رغم ما تكدّسه وتزخر به من حكايا وقصص لم تجد الرواي ولا وجد الراوي من يعيرها أذنا ويصغي، عرفته من وقفته وربما أردتُهُ أن يكون فكان بقدرة قادر، واقفا أمام الباب تحت ظل الشجرة ومشغول لعلّه باختيار المدخل والكلمة الأولى، أو خائف من أن تخونه العيون فلا تعود تميّز أحدا والصوتُ فلا يقدر على حرف، “يالله حيّه” قلتُ، فزّ والتفت، ورآني وابتسم “يا هلا” سألني عن أبي وسكت لحظة، ثم عن كثير بعدهُ فأسعدتُهُ وأبكيته، وسألته عن حاله وحوادث الأيام فأبكاني وأضحكني، لم تكن في كلماته حكمةٌ ولم يبدُ لي أنه اجتهد ليتكلفها أو يحضرها للقاءات كهذه، ولم يبدد بكلامه فضولي وقد ساق الحديث إلى حيث يريد وأشركني فيه أو حاصرني في نطاقه وما أكثر ما اجتهدت في ضبط أنفاسي واحترام السياق، عندما قلتُ “عمّي أبسألك” قال “أنا مستعجل والله بس بغيت أسلم عليكم وعلى أبوك بس قدّر الله، لكن غير مرة إن شاء الله” حلّفتهُ أن نلتقي مجددا، فطلبني رقمي وأخبرني أنه بعد أن ينتهي من أشغاله خلال ثلاثة أيام سيتصل بي ونلتقي وسيجيب على سؤالي المعلّق ويتعشّى عندي؛ بابتسامةٍ قالها، وادعتهُ عند الباب واختفى عند المنعطف في آخر الشارع. اليوم شمسٌ أخرى تنغمس في آخرِ الأفق وتغيب، واليوم هو الذكرى العاشرة لوعد الثلاثة أيام تلك، وحتّى اللحظة كلُّ من يُفاجئني باتصاله بي رقمه مُسجّل عندي ويظهر في أعلى الشاشة، والله المستعان.
الحديث عن العم حسين يشبه إلى حد كبير الحديث عن ذكرى لا نعرف على وجه اليقين أنها حدثت ولن نكون متأكدين أنها هناك مهما ألححنا عليها، الكلام عنها لا يقدّم ولا يؤخر، لكن يُستأنس به رغم أنّه ما من سبيل إلى التحقق من صحته وربما هذا وحده ما يجعل الذكرى مثيرة للاهتمام؛ مثل وجه صاحبي هذا الذي يطفر فجأة في الأعياد من وراء كل مكان ولا مكان فيعيد لي هاجس الاسم وذكرى المشهد الوحيد من الطفولة حين دفعني أبي للسلام على عمي حسين ومعايدته والذي لم أره بعد ذلك اليوم ولم يره غيري على حدّ علمي، لكنهم لا شكّ مثلي قد سمعوا عنه عشرات المرات فالحكايا عنه غزيرة، ويقولون أنّ الغربة قد أحاطته بسياجها، ومن النظرة على وجوه الرواة يبدو أنهم لا يقولون ذلك مجازا. لن نعرف البلدان التي زارها العم حسين وتنقل فيها مرغما أو مختارا ولن نخونه في الغيب ونفتري على سيرته ما ليس منها، لكن يكفينا القول أن مصيره مجهول إلى حد اللحظة وكلما ترحّم أحدنا عليه استدركنا وقلنا أن “الرحمة تجوز على الحي والميت” هذا الشيخ النحيل جدا لم يقبض على صورته أو خياله إلا أبا الطيب في مبالغته الغرائبية فهو الرجل ذاته الذي لولا مخاطبته إياك لعميَ عنه بصرك وغاب في البرزخ الفاصل بين الوجود والعدم، وكفى بجسمه نحولا يُنبيك عن خفّته في ذواكرنا وذاكرة الزمن. اليوم بعد ثمانية عشر سنة من الغياب؛ وجدته واقفا على الباب وعلى الموعد، وقد عرفني رغم أني تغيرت كثيرا، وعرفته ولم يتغيّر قط وكأننا توادعنا قبل لحظات، وكل حكاياتنا المرصوفة وظنوننا المربكة حوله وتوقعاتنا اليائسة والمحبطة كأنها ما عبرتْ هذا الوجه الباسم، لكن ماذا عن القلب والذاكرة؟ لا أدري، ولعلّي لن أدري أبدا، والله المستعان.
إلى أين تذهب كل تلك الأفكار الطارئة التي استكثرت أن تقف لأجلها على جانب الطريق وتدوّنها ثم تكمل مشوارك؟ إلى أين تذهب تلك الأفكار الملحّة التي تجاهلتها وأنت تبدّل جنبك وتنام على الوجه الآخر من الوسادة؟ إلى أين ذهبت تلك الومضات الخفيفةِ في البال حين تحاشيتَهَا وخِلت أنك قادر على استحضارها متى شئت؟ إلى أين انتهت تلك النظرات/السيوفُ المواضي حين تعفّفتَ عن قبولِ إلهامها؟ أين اختفت تلك الصور التي رأيت فيها نفسك وتكاسلت عن التقاطها؟ وأين تلاشت تلك الأسرار التي ذات لحظة وهبتكَ نفسها وأعطتك مفاتيحها؟ وأين -فجأةً- غارتْ ملامح ذاك الوجهِ الذي لطالما تجلّى لك وكَنَزَ لك الحكايا؟ وأينَ أنت؟؛ أيّها الواقفُ أمامَ بيتكَ القديم، طوّفتَ الآفاقَ في لحظةٍ وخبرت كل الأماكن والأشياء القاهرة وعرفت العيونَ والأسماء؛ وجسدكَ راسخٌ في مكانهِ، ومشدودٌ إلى الماضي
مشغولٌ إذنْ؛ بالإصغاء لهواجسِ الكون الفسيح ومصائرهِ المجهولة وصمته الفظيع المُربِك من حولي، كل فكرة طارئة تحرّرني من تتبع سياق اللحظة وخطأ الانتباه المبالغ فيه، وكل وهمٍ ينقذني من مراقبة العالم وتفاعلاته وينأى بي بعيدا عن نتائجه وأحداثه، مشغولٌ بهذا الوقت المفرغ من كل قيمة والخفيفِ إلا من القصص المركّبةِ والمهدورة في كواليس الخيال والأغنياتِ بنغمها الناعم والبعيد الذي مثل مطرٍ خفيف يهطل على الشبابيك، من زمن والكلمات يلفّها غيب التأجيل والمجهول، من زمن والمعنى يتمنّع ويتوارى ويعِدُ ولا يفي، والأشياء مهما كانت تعني لي تعبرني دون أثر، ما يفوتُ سأتداركه وعيني على سواه، وما تمنّيتُهُ سيتلاشى في فضاءات الذاكرة ولن يرِقّ لي قلبٌ أو نظرة عندما أراني قد تجاوزته ونسيتُ كيف كان يكتم أنفاسي من بعيد، مشغولٌ إذن؛ باستيعاب هذه النعمة والاستسلام لهذا الطفو الحالم وسط هذا السكون، أن أكون الاحتمالَ والمأمولَ والمُرجّى والمتوقّع ربما، الحافةَ وما يسقطُ عنها؛ الشظايا قبل أن تنتثر، والحلمَ قبل أن يرتطمَ بكلّ هذا الزخم من الحياة الفارغة والرتيبة والمكرورةِ في كل سياقاتها المقترحة ودروبها المجهولة
ثمّة حفيف مهدور في مجاهيلِ الذاكرةِ أُصغي إليه متمددا في سريري وسطَ هذا الصمت الشاسع والظلام المتراكم، حفيفٌ أسمعه للمرةِ الثانيةِ هذا اليوم بعد أن جمّدتْ أنفاسي في النهار سيّارةٌ مرّت خاطفةً على بعد شَعرة من جانبي الأيمن وأنا أرفعُ قدمي لأختها على الرصيف قبل أن تنهال الشتائم من فمي على أسلاف الأسلاف، حفيف ثيابي واصطفاقها على جسدي بسبب هذه اللحظة المجمّدة والهواءِ المكثّف والسببِ الضئيلِ الفارق والمسافةِ التي على طريقةِ درويش كانَ يُمكن ألّا تكون. مهدورٌ؛ لأنه حدثٌ عرضيّ وهامشي ولا يطرقُ البالَ سوى في هذه اللحظاتِ الخليّة من كل شيء إلّا الومضات الخفيفةِ وغير الضرورية؛ لعلّي بعد حين سأتذكر صنبورا تركته مفتوحا بالخطأ في بيتي الأقدم قبل عشر سنوات، أو اسمَ صاحبنا الحييّ في الشِلة، أو المَثَل الذي كنت أعنيه ولم أمسك له طرفا، أوأين علّقت مفاتيحي، أو لعلّي سأتذكر دفعةً واحدة كل تلك المرات التي وقفتُ فيها بسيارتي أمام البيت ورفعت رأسي من المقود نعِسا ومستغربا كيف وصلتُ إلى هنا وأضواء الشاحنات الخلفية تومض في عيني ورأسي ببطءٍ وإلحاح مهيب..، ومضة فأخرى، إلى أن أنام