إدوارد نورتن الكائِنُ البرزخيّ

آرون الصبيُّ منشد التراتيل الدينية القاتلُ في بدايةِ الأمر والبريء وسط الحكاية والمجنون الغامض قريباً من النهاية هكذا تقاطعتْ حياتي مع حياة إدوارد نورتن لأول مرّة في فيلمِ”الفزعِ البدائيprimal fear”وهكذا أيضاً عرفتُ أني سأصدّقُ هذا الصبيّ وأستأمنهُ على عقلي كلما شاء. هذه البراءةُ المحضة بلا أدنى مجهود والعتمة المحبوسة خلف هاته العينين. نورتن كما أسميتُهُ الكائنَ البرزخيّ. رجلُ الحيرة والتباين. في كل أدواره التي شاهدتُها فيما بعد كان يعتاشُ فيها على التفصيلة الصغيرة. هذه الازدواجيّة في الشخصية، الخيط الرفيع بين الحُلُم واليَقظة كما في فيلمه الشهير”نادي القتالfight clup”أو بينَ العينين الفاسقة والصارخة الحزينة وهي ترشحُ دمعاً وأسفاً في فيلمه”التاريخ الأمريكيamerican history x”وإن لم يكُن هذا جليّاً في الأخير إلا أنه دائماً ما يكونُ مُتأرجحاً في جسده ودواخله، فيما هو عليه وما سيكونه. تنقّلٌ أزليّ بين حالين. حال الأول مُطمئناً في جسدهِ وحال الغريب الذي سيكون ضيفه بقيّة العمر. وحتى في فيلمه”الهدف the score”كنت أنتظرُ خدعته القادمة، التغيّرَ الذي سيقلب الطاولة ويُحيى مجدَ روي القديم. يُخيّل لي أن نورتن سيستيقظُ صباحَ ذات يوم ويقفُ في المطبخ مذهولاً لأنه لم يعد يتذكّر كيف كان يحبّ قهوته؛ بالحليب؟ أو سوداءَ كالكدمات التي تتركها النوادي السرّية على الجسد والذاكرة.

سرگون بولص وخطوةٌ أخرى

“خطوة واحدة، والبيتُ ينهار”

تقول هذا، وتتوقف، ليس لأن البيتَ معرّضٌ للانهيار بل لأنك سمعت سابقاً هذه العبارة. تصرَخ بأعلى صوتك، معتقداً بأنكَ فكرت بها أولاً، ثم سمعتها أو قرأتها في مكان ما. تتذكر واقفاً في مكانك. ثم تتأكد مما يدور في ذهنك دائماً، أن حياتكَ لحظة ديجافو عملاقة. وأنك توقفتَ الآن، وستتوقف بعد قليل، والبيت سينهار، ليس بعد خطوة واحدة، ولكن بعد كل خطوة. وأنهُ لا شكّ أنك في إحدى حيواتك السابقة قد التقيت بسركون بولص في مدينة أسطوريّة اسمها أين، وكنتَ طفلاً حينها، مسحَ على رأسك ثمّ أخبرك كيف تكون شاعراً في البيت وفي الطرقات والمهجر والأحلام، وكيف يمكنك أن تكون شاعراً بمجرد استيقاظك قبل فتاة تنام إلى جانبك وتأمل جسدها. ثم مضى، ومضيتَ إلى الباب، وخرجت إلى العالم. إلى زاوية ما من العالم، وصمتّ، واكتفيت بالتأملِ والتحنانِ والتذكر.

علاجٌ شاعريٌّ

أُجرّبُ العودةَ علاجاً شاعريّاً

أطمئنُ بها على ما بقيَ من المكانِ أو ذكرياتي عن المكان

على ما تركته هنا ونسيته

ما تجاوزته وَنَسيني

أعود بيدين خرساء وروحٍ لهِفة

ولكن بقدمين تجهلُ الإيقاعَ القديم

وتفتقدُ طريقتها السهلة في الانتقالِ من غياب لغياب

ومن أثرِ خطوةٍ لعثرة

أغادرُ، وذرّة غبارٍ

نقلتُها دونَ قصدٍ من زاويةٍ لأخرى

لن يلحظها الهطولُ الغُباريّ

لن تغيّرَ شيئا في الحكايةِ

لن تُقلقَ الذكرى ولا تُفسد المكانَ

لكنها ستتركُه كما يليقُ به أبداً

في حالةِ

فوضى

مستديمة

مونولوج الاحتمالاتِ البعيدة

في الطريقِ إلى بلدةٍ سيُحتجزُ فيها سجيناً لسبعة أعوام مونتي الذي عاشَ يومهُ الأخير حُرّاً ومقيّداً داخلَ أفكارهِ بين أصدقائهِ وشفاه محبوبتهِ ويأسِ أبيه الحزين المُذنب في نظرِ نفسه، هذا الأخيرُ وهو يصطحبُ ابنهُ الوحيد إلى ملاذه الجديد ومنفاه الأول يطرحُ فكرةً مُريحةً ومُخلّصة ويسترسلُ:”قُل لي انعطِف يساراً وسأفعل، أعطني إشارةً فقط. أُرسلك لمكانٍ تنتقلُ إليه، اِبحث عن بلدةٍ جميلة، في الطريق سنتوقّف في شيكاغو للعب الأكواب، لقد أخبرتني دوماً أنك تريدُ رؤية حقل ريجلي. إذا كان هذا ما تريده فسأفعله. …. أتعرفُ كيف يعثرون على الناس؟ يعثرون عليهم عندما يرجعونَ إلى البيت. أُناس يفرّون ولكنهم عادة ما يعودون. لكن أنتَ ستذهب، ولن تعود أبداً. اِذهب إلى أي مكانٍ مجهول. اسلُك ذلكَ الطريق مهما بعُد. … كل رجلٍ وامرأة وطفلٍ حيّ، يجبُ أن يروا الصحراءَ قبل أن يموتوا. لا شيء سوى رمل وصخورٍ وصبّار وسماء زرقاء. لا روح على مرأى البصر. لا صفارات إنذار لا سيارات ولا منبّهات سيارات لا يوجد مجنون يلعن أو يتبوّل في الشارع تجدُ الصمتَ هناك، تجدُ السلام. لذا نستمر بالقيادة، حتى نجد بلدةً لطيفة. هذه البلدات خارجَ الصحراء، أناسٌ أرادوا الفرار من مكانٍ ما، الصحراء هي مكان الحياة الجديدة. لا تزُرني أبداً، أؤمن أننا سنجتمع مجدداً لكن ليس في هذا العمر. سوف تجد لنفسك عملاً وتعمل بجد. ستفتقد أصدقاءكَ، وكلبك، لكنك قويّ. ستبني حياة جديدة وتنسى حياتك القديمة. لن تكتب شيئاً، لن ترسل ولن تعود. وربما بعد سنتين ترسلُ إلى حبيبتك وتجيء. ستبني عائلة، وستكبر هذه العائلة ويوماً ما ستجمعها وتخبرهم القصةَ كاملة. من أينَ جئت، ومن أنت، وقد يكونوا حقاً محظوظين بما قُدَّر لهم. هذه الحياةُ كانت قريبةً جداً من حدوثها” ورُبما كانَ هذا الحديثُ الطويل المسترسل قريباً جداً من حدوثه، رُبما كان هذا المونولوج هو الوداع الأخير. مونولوج احتمالات الحياةِ التي كان يمكنُ لها أن تسيرَ في اتجاهٍ مُغاير. قد يكون هذا ما احتاجهُ مونتي فعلاً، ولمَ لا يكون الصمتُ الدافئ بعينين غارقةٍ في حيواتٍ بعيدة جداً هو ما احتاجه لينجو وينسى أنه عاش.

اختفاءُ فكرة

ربما ظنّتِ الفكرةُ بعد انتهائكَ منها

أنها أساءت تقديرَ نفسها

أو لعلّها ظنت أنك بالغت في الاهتمام بها فانطفأتْ

أو قد يكون الأمر أقلّ تعقيداً

ربما كنتَ أنت الشخصَ العَرَضيّ

الشخص الخطأ

في التوقيتِ الصحيح

أو لعلها راحت تبحثُ عن توأمها في شظايا فكرةٍ أخرى

هكذا تُعاقبكَ الأفكارُ

وتتلاشى

قد يكون هذا هو التفسير المنطقيّ لما حدثَ

لتلكَ النصوص التي كتبتها

في ورقةٍ أو مدوّنةٍ أو حُلُمٍ أو دفترِ ملاحظات كهذا

ففاجأتكَ باختفائها

وها أنتَ

تتلعثم باحثاً عن كلمةٍ وحيدة بدأ منها كل شيء ليعود

كل شيءٍ إلى مكانه

تتذكر وتتذكر

وتعجز

فرانسيس كونروي وكُرسيّها المُتأرجِح

أمامَ عتبةِ بيتها وعلى كُرسيّها المُتأرجحِ تجلسُ فرانسيس كونروي، الأُمُّ التي أعرفها من مسلسل ستّة أقدامٍ أسفل الأرض باسمِ روث فيشر؛ السيدة البعيدةُ الحنونةُ هناك بشعرها الأشقرِ المائل للحُمرَة تحملُ داخلها موتاها وموتى آخرين وكأنّها تنقلُ حياتها المُتعبة من فيلمٍ إلى آخر تجلسُ مكانها بانتظارِ زوجها الخطّاء الخوّان، يمرُّ الوقت ولا أحد، تيأسُ من انتظارها وآمالها فتنهضُ وخلال ذاك تلمسُ بأطرافِ أصابعها ذراعَ الكُرسيّ المقابل فيهتزّ هو أيضاً ثمّ تدخلُ بيتها. الكرسيُّ الذي سيظلّ يتأرجحُ حتى بعد أن تنامَ هي، وبعد أن ينتهي الفيلم والحياة معاً، والذي سيظلّ على حالهِ حتى وإن لم يكن هناك أحدٌ ينظر، قد لا يعني شيئاً، ولكنه قد يعني كذلكَ لأملِ الواصل أنْ كان ثمّةَ أحدٌ بانتظارهِ، ويأسِ المُتعب خيال وجودِ أحدٍ كانَ هنا طوال الوقتِ وتوّاً مضى.

گايزر سوزيه

كايزر سوزيه هو ذا وحشُ الطفولة. مروّضُ خيالاتي الشيطانية. دمُ أحلامي البيضاء. الهواء الخانق في كل كابوس. الاسمُ الوحيد الذي لا يعود مع الصدى. والاسمُ الذي لا يُنصَحُ بتكرارهِ ثلاثاً أمامَ أي مرآةٍ معلّقة. وهي ذي حكمتهُ الأخفّ من فراشةٍ، والأقلّ من ذكرى. يمدّ يده في كل مكانٍ ولا تصلُهُ يد. وتضربُ صاعقتهُ المكانَ ويتلاشى في الهواءِ بنفخة واحدة. كم مرة رسمَتْ أحلامي وجههُ وما رأيتُ سوى ظلّه، وكم مرةٍ لحقتُ به وتُهت. وحيداً وبعيداً في الشكّ والزيف. وقريباً من ذلكَ الحدسِ الذي يطرقُ البال كل لحظة. كل مرةٍ سئمتُ فيها حيرتهُ وحيرتي فيه فضّلتُ التخلّي عن الإيمانِ بوجوده. لكنّ جزءاً مني يريده أن يكونَ موجوداً، رغبة موقوتة وفضولية. لا لشيء، أو ربما لأنه كايزر سوزيه ذاته وحش الطفولةِ ولأن الخُطى المعوجّة تستقيم مع الوقت وتتكشّفُ أسرارها.

قصةُ الرجلِ الذي عادَ من الموت.

عادَ رجلٌ من الموت، مذ فتحَ عينيه رأى كل من تاقت نفسه لرؤيته وتعذّر عليه أو عنه، رأى خيالاتِ الأحلام حقيقة ورأى زوي دويتش واقفة عندَ قدميه تطمئنُ على حالهِ، رأى طوابيرَ من المُبشّرين والصحفيين الشعراء والرسّامين الصابرينَ على الأذى ومَن همَّ ولم يقُل ومن يأسَ ورضخ. نادى على أبنائه وزوجتهِ فسألوه أينَ كنت؟ فقال: حيث وضعتموني. بكوا وبكى. صمتَ فصمتوا. وغابوا عن عيونهِ، وخرج بعدها بأيّام من المشفى. كتبتْ عنه مئاتُ الصُحف، درسَ دكاترة نفسيّون حالته، رسمَ هواةٌ وجهه المُضيء على جُدران المدينة. لم يسترِح الرجلُ رغم سروره الشفيف باسمهِ الذي لم ينطقهُ أحد منذ عشرين عاماً والآن صار أنشودة حيّة. علقَ في زمنٍ مفقود وما انفكّ الناسُ يتتبّعونه أينما ذهب، أوّلوا كل كتاباتهِ وقرأوا ما بين السطور، فكّوا شفراتِ لغات جسده ووضع جيرانُه كاميراتٍ ثمينة أمام بيوتهم لتلتقط تحرّكاتهِ الغريبة. وصلته هدايا كثيرة باسمٍ وبلا اسم، تُرِكت هكذا أمام بيته؛ وبعضها برسائل غريبة”إذا أحببتَ أن نتحدّث. هذا رقمي”لكن الرجلَ ظلّ صامتاً. مرّت الأيام ولم يعد بحاجةٍ لعمل، فكل شيء متوفر وبلا عناء. لم يتحدّث مع أحد أكثر من كلمتين، كان غريباً عليه كلُّ هذا الاهتمام، لم يجِد شاعريّة في وجهِ زوجتهِ المُصغي كما لو لموسيقى، لم يجد اسماً ليدها المنسابةِ بخدرٍ تحت ذقنها سوى الزيف. كرهها وسأمتْ منه. طفحَ بيتهُ بأصدقاءِ أبنائهِ الجُدد، ولم يجد عناقاً أوسع من النوم. راحةٌ قريبة من راحتهِ الأبديّة التي خاضها كما يدّعون. أصرّت عليه زوجته بأن يقول، أن يحكي وألا يموتَ مع سرّه الرهيب، لم يفهمها. لم يُطِق نظرات أحد، كان كائناً غريباً يحظى بعنايةٍ إلهية وهبة المعرفة. لم تتوقف الرسائل يوماً ولا المقالات ولا اللوحات ولا القصائد؛ قصائد معجباتٍ سريّات وأخرى لشعراءَ فلكيين على الأرض.تُيَّمَ غريبٌ بامرأتهِ وعشقته، نامَ معها واستنطقَ أسرارها، حثّها أكثر، راوغ أكثر وأرادَ أن يحلّ اللغز الذي استعصى. أراد أن يرى ما ليسَ له، أخبرته أنها لا تعرف. أصرّ كثيراً ولم يعرف، ولم تره ثانيةً. كتبَ عنها ونشر تفصيلات جسدها، عظّم نفسهُ وبجّلها، ادّعى أنه شاركَ الرجل الأسطورة كل حياتهِ إلا قليلا. استيقظَ الرجُل بملَكَتهِ الفائقة ونظرَ حوله فلم يرَ شيئاً، خسر كل ما ظنّ أنه خسره ذات يوم. لم يفهم أحدٌ معاناته، الرجل الذي أراد أن يقول، لكن لم يكن لديهِ ما يقول. فهو لم يعد من أي مكان، لكن كما تعرفونَ خُدعةَ الساحرِ الذي زيّفَ موت محبوبتهِ ليهرب بها بعيداً، غابَ عن الوعي يوماً واستعجلَ الناسُ في دفنه. لا شيء آخر. لم يرَ شيئاً ولم يضطرّ لقول شيء.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ