العطر حكاية، راويها الهواءُ، والنسيم فاضح أسرارها وكاشف خباياها المستحيلة، ينمّ عنها ويُفشي ما تكنّهُ من غواية وعبقٍ يتفتّح في الأوردة ويتخمّر في الأعالي السحيقة، النسيم منبّه الغُفاة السارحين في مُدُنهم الحالمة بعيدا عن جفوة الحاضر وسطوة الآنيّ، مثير الجمال الكامن في رحيق الزهر وخيال الفراشة، مذيع سرّ الوردة واحتمالاتها اللانهائية قبل القطفِ وبعده، حاديمتابعة قراءة “النسيم”
أرشيف الكاتب:بَس*
مُقطّعـات
(من وحي الشيخ كُثيّر)بهاءٌ ليس يشرحهُ الكلامُوحسنٌ لا يُعرّفهُ التمامُوعينٌ رُبما اكتحلتْ بشيءٍوعينٌ كُحْلُها ما لا يُرامُمتى ما شوَّقتنا للتلاقيتناءتْ فجأةً وبدا غمامُفتسلبنا بهذا النأيِ حقّاويمنعنا عن الوِردِ الكِرامُلقد أحييتمونا لو أردتُمْولكن شِئتُمُ فدَنَا حِمامُلَغُربةُ عاشقٍ فيكم ملاذٌوصحةُ سادرٍ عنكم سَقامُأقولُ كما يقولُ الشيخُ قبليتعرّضَهُ سِبـابٌ وانصرامُ:أسيئوا أحسنوا لا حَيْد عنكمسواءٌ عِندنا؛ هَجْرٌ، مُقامُ (صوتُمتابعة قراءة “مُقطّعـات”
ومِسكٌ لناشِقِ
من معاني النَّشْق في اللغة؛ نَشِقَ فلانٌ في حِبالة فلان: وقع منه فيما لا يتخلّص منه*، وكأن شمَّ عبيرِ العطر واستنشاق أريجِ الرائحة والانغماس في المسك المتضوّع في الأفق تورّطٌ غير محسوب، وغرقٌ في محيط الشذى، ووقوعُ آخر الأحياء في شَرَكٍ ما وسط غابةٍ ما لم يسمع بها أحد من قبل، وكأن الرائحةَ في سفرهامتابعة قراءة “ومِسكٌ لناشِقِ”
أجابَ دمعي، وما الداعي سوى طللٍ
قالت العربُ: كلُّ فتاةٍ بأبيها مُعجبة، ولعلّها قالت في مرويّاتها المنسيّة أو مدوناتها الضائعة أو ربما جال في خواطر ناسها وأهلها أنّ كل فتى لأبيه متطلّع، مُتشوّفٌ لصورته المهيبة الوادعة في البال، مختبئ في ظلالِ جسدِهِ النحيل عن هجير الصيف، يفرك عن عينيه غشاوة النعاس وضبابَ الأحلام وهو يتبعه إلى الجامع؛ ما أرحب الدنيا حينهامتابعة قراءة “أجابَ دمعي، وما الداعي سوى طللٍ”
ظلالُ الشجرة
كل الأشجار المغروسة على جانبيّ الطريق وعلى مدّ النظر وتلك الموجودة في الصور والمشاهد، والمرفرفةُ أغصانُها في الريح والساكنة بحفيفها الرتيب في فضاءات الخيال والهامسة في ثنايا القصص والأساطير والحكايات العتيقة والمغمورة بأسراب الطيور المسافرة والجامدة في منتصف اللامكان كشيءٍ في غير محلّهِ، كلها.. كلها في عيني ظلالُ الشجرة العملاقة اليتيمة أمام بيت أبي، مامتابعة قراءة “ظلالُ الشجرة”
ظعنتَ لتستفيد أخا وفيا
الألف القائمة في ظ “ظَعَن” هي الشراع الممتد في الأفق البعيد، وهي ارتكاز الهوادج وانتصابها فوق ظهور الإبل وهي تغيب على مهلٍ وتختفي في السراب، وهي العلامة المعترضة والسؤال القائم في وجوه الراحلين نحو كل مكانٍ غيرِ هذا؛ ما الذي بظنّهم ينتظرهم هناك؟ وأي احتمالاتٍ تتفتّحُ لهم في المجهول وتهمس لهم من مكانٍ خفيّ أنْمتابعة قراءة “ظعنتَ لتستفيد أخا وفيا”
الفكـرة
تجيء الفكرة وتذهبُ؛ مثلما يمس طائرٌ صفحةَ الماء للحظة ثم يطير بعيدا، ويختفي كما يعبّر سركون “في كل مكان” وتعاود المجيء مرارا دون أن تميّزها بعينها، ودون أن تلمسَ ألفتها القديمةَ أو تسمع في أعماق المخيلةِ خريرَ ماضيها القصير المبتور، لكنها هيَ هي، وقد أكرمتك ربما عشرات المرات أو يزيد؛ بتحويمها الوديع ورفيفها الساحر حولكمتابعة قراءة “الفكـرة”
صدفة وميعاد
على أطراف المدينة بعيدا عن بيتي نحوَ خمسين كيلو مترا أو تزيد بقليل، أمام إشارة مرور في شارعٍ على الأرجح أنّي لن أكون فيه مرة أخرى؛ لمحتُهُ عن يميني، وبيننا أمتار قليلة وسيل ذكريات جارفٍ، عرفته يقينا من علامةٍ ميّزته منذ سنين الدراسة الأولى على خده الأيسر، لم نعرف سببها؛ ولم يأخذنا الفضولُ رغم زخمهمتابعة قراءة “صدفة وميعاد”
حُلْم
لا يزال في أروقة الحلم يتبع ذاك النداء الغريب بألفة والمألوف بغرابة ويتخبط في ضباب اللحظة الواهنة ما بين العدم والوجود، لا يزال بكل ما سمع ورأى وعرف يحاول أن يفكّ شفرةَ الألفةِ هذه، وأن يستوعب إحساسه المتأرجح وخطوته المرتجفة، أن يركّب ربما وجها على نغمة الصوت، وصوتا على ملامحَ ووجوه تتوارى في تجاويف الذاكرة،متابعة قراءة “حُلْم”
فكرة
لم أعد أرجع إلى لحظات الإلهام الأولى ولا إلى منابت الأفكار العبقرية التي أوقفتْني لمرات على جال الطريق لأدوّنها وأتتبع بشيءٍ من خجلِ المُمتنّين الأسارى سرَّ التماعاتها النافذة وإيحاءاتها المجنونة قبل أن أمضي في طريقي وأصعدُ كما يعُبّر كُثيّر في هواي، كلا ولم أعد أصغي لما تقول بصوتها الهامس ولا أنشغل بإصرارها الغريب وإلحاحها الواعد؛متابعة قراءة “فكرة”
قريبا مِن
في صالة المطار مع الذاهبين أذهبُ، مع العائدين أعود، لي في كل جهة وعد مؤجل ولي بعد كل غياب لحظة يحنّ فيها القلب لما ترك وراءه وإنْ لم يكن قد ترك شيئا، لست في أثناء انتظاري هذه غير فؤاد ينبض لهفة بالراجعين من الأقاصي البعيدة، وبَصَرٍ يطوفُ فلا يلمس العيون ولا يقع على نظرة حائرةمتابعة قراءة “قريبا مِن”
ذكرى بألف
ليس عطرا ما انهال أمامي في هذا الفضاء الساكن دون أن أراه ولا هذا الخيال العابر على مرأى العين ومدّ البصر كائنا كنت أعرفه من زمان ما واختفى عند المنعطف، كلّا ولا هذا الذي استنشقتْهُ حواسيّ كلها دون أن أعي في هذا الليل المبهم بقايا من شذا معتّق في المخيلة، أو عبيرُ لحظةٍ تتخبّط فيمتابعة قراءة “ذكرى بألف”
خرج ولم يعد
منذ أن خرج ولم يعد صار لديه الكثير ليرويه وما مِن أحد هناك أو هنا ليتلقف ما يقول، منذ أن خرج وأغلق الباب وراءه على احتمالات الرجوع الممكنة تعتّقتْ في صوته القصص والحكايا، ولمعت في نبرته مع الأيام حكمةٌ لم يعهدها منه أحد ولا سلّمَ هو بها لنفسه قبل الآن، منذ أن خرج ولم يعدمتابعة قراءة “خرج ولم يعد”
ذكرى
كم استعدتُ في بالي من صور لأناس أكاد لا أعرفهم ولا أتذكر لبعضهم أسماءً ولا قصصا مألوفة ولا بقايا حكايات لا أدري أين وإلامَ ستنتهي ولا حتّى سرديات موازية لعلّها تُبين منهم ما غمُضَ وغبش والتبس عليّ، كم جئت بهم من أقاصٍ لست أدري بوجودها وكم استللتهم بلا سابق نيّة ولا قرار من مواضٍ منسيّةمتابعة قراءة “ذكرى”
وهم
وأقسمَ أنّ فكرةً عبقرية راودته قبل أن ينام فأجّلها إلى حين استيقاظه، وها هو منذ أوّل النهار وهو يحاول استرجاعها ولا تزال تنأى عنه كطيفِ وجهٍ يخبُرُ جمالَهُ لكنّ ضبابا يحول بينه وبين ملامحه وقسماته، ليس يدري من قطع دونه خيط الإلهام الشفيف، بل إنه لم يعد يدري إن كان يصدق نفسه حقا ولم يتوهّممتابعة قراءة “وهم”