
لم تعُد هناك عباراتٌ لامعة أقصرُ من ذيل تنبثقُ فجأة في هذا الفضاء الأزرق فتفتقُ في ذهنكَ ما عجزت عنهُ مع طولِ التأمُّلِ وحسنِ التفرُّس في وجوه الأشياء، كلّا ولم يعد يصلنا من ضفاف _هذا العالم_ الأخرى شيءٌ من شَذَرَاتٍ نغبطُ أصحابها ونتمنّى لو أن معانيها الباهرة قد أكرمتنا بالزيارة قبلهم وأومضتْ في آفاق سرحاننا الطويل وشرودنا الوديع، ولم يعد أحدٌ يدّخرُ لنهاراتنا الطويلة مقالةً مكتنزة ولا نصّا مُخدَّرا أو قراءةً ساخرة تنالُ من شيءٍ نبغضه ونعفّ عن الكلام عنه، وما بقيَ أحدٌ ممّن ينتخبُ الأفلام المغمورةَ ويرشّح الكتب المجهولةَ وينثر الطرائف ويرشدُ إلى ما نسيناهُ وراءنا من متعٍ صغيرةٍ في رحلة الضياع الكبرى هذه! لقد اِختلفَ الناسُ إلى شتّى الأماكنِ وانشغلوا بحيواتهم ولم يبقَ منهم هنا سوى ما يُشبه الشعراءَ الأوائلَ الذين ابتكروا الوقوفَ على الأطلال، يكتبونَ تغريدةً ثم يمضون مهاجرين أسرابا، وينسونَ هذا المكان بما فيه، وعمّا قريبٍ ستمحو رياحُ الخوارزميّات آثارهم، ولن تتذكّرهم إلا كما يتذكّرُ غريبٌ وجها مألوفا لغريب آخرَ فلا يقبضُ على حقيقته الكاملة ولا يتمكّن من تجاوزه..