قدرٌ كافٍ من الكلام

ثمّة لحظاتٌ لا تحظى -مهما حظِيَتْ- بقدْرٍ كافٍ من الكلام؛ اللحظة التي يصبح فيها أحدهم غريبا بعدما دنا فوق ما يدنو الآخرون، اللحظة التي تتأمّلُ فيها في جلسة عائليةٍ وجوهَ أحبّتك تتهلّل أساريرهم منغمسون في نعيم زمنيّ مستقطع ولا تسمعُ في ذاك الحال إلا صدى صخبهم يرنّ في أذنيك ويملأ عليك المكان، اللحظة التي تستعيد فيها مرارا صورةً ما مميّزة لأبيك، ذكرى يعرفها قلبُكَ وحده، اللحظةُ التي تشعرُ فيها بأن العالمَ كلَّهُ مُعرِضٌ أشدّ الإعراض عنك، اللحظة التي تلمس فيها حقيقةً لا مجازا معنى وحدتك، اللحظة التي تسمع فيها نَغَمَا عُلوِيَّا فلا يخطُرُ على بالك من تشاركه إياه، يا للوحدة! اللحظة التي يداهمك فيها شذى عِطْرٍ لا تهتدي إلى مصدرِهِ، اللحظة التي تنتبه فيها لنفسك تدّخرُ كلاما لن تشاركه مع أي أحدٍ أبدا، اللحظة التي تضيع فيها في مدينة غريبةٍ عليك وغريبٌ أنت عليها فلا يشغلك الضياع حينها ولا يخفق في قلبك -لأول مرّةٍ- هاجسُ التيه، اللحظة التي تتوقّف فيها عن الركض وتنفض يدك -متخلّيا- من كل ما علَقَ بها أو تعلّقت به..

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ