
في كلّ صمتٍ مُطبِقٍ أسمعُ صوتَ صدى الفناجيل في مجلس أبي القديم، وصوت أمّي تترنّم ذات أصيلٍ بأبياتٍ تستيقظُ في ذهنها فجأةً بعد غياب سنين، وأسمع رفيفَ أوراقِ الأشجارِ التي كنتُ أعبرُ تحتها عائدا من المدرسة في ظهائر تشوي الجباه وتطيل المسافات أكثر مما هو محتمل، وأسمع جلبةَ أصوات الباعةِ الجوّالين من أيّام الطفولة، وطنينَ آلاتٍ مزعجة لا تدوّي إلا في خيالِ المُغْمضين، وأسمعُ نوحَ حمامةٍ ليستْ موجودةً في هذا العالم، وهديرَ كلماتٍ لم أجرؤ على نطقها وأخرى عففتُ عن البوحِ بها مستغنيا، وأسمعُ صَخَبَ نداءاتٍ لأصواتٍ بالكاد أتذكّرُ أصحابها فلا يمنعني عن الالتفات إلّا جلال الوَحدة وهيبة الاعتزال، وأسمعُ ارتباكَ المفاتيحِ الخطأ للأبواب الصحيحة، وأسمعُ الأنينَ الرتيبَ كما لو لشخصٍ في قاع بئر، ما لا أسمعه في الصمت؛ هو ما افترضتُهُ للصمت؛ سكونٌ ممتدّ وعماءٌ دائم بلا ذكريات مُنغَّمةٍ ولحظات رَهِيْفَةٍ ولا رفيفٍ ولا أجنحةٍ ولا صوتِ ارتطام قطرات ماء تتساقطُ من صنبورٍ نسيته ذاتَ يومٍ مفتوحا ولا يزال!