مِن آخرِ الشعراء الواقفين على آخرِ الأطلال في أقصى الأرض يرثون عهد الأيام الخوالي والحكايا السوالف، مِن آخرِ الآباء ما زالوا يحرسون في الخفاء بوّابات الأحلام وخزائن الذكرى ويدارون عن خاطر الأبناء ما لنْ يحسّوه إلا بعد فوات الأوان، من آخِرِ الأمّهات حتّام يغرِفْنَ من أعماق قلوبهنّ كل هذا الحنان وينسِجْنَ في سكنَاتِهِنَّ المطوّلة فيمتابعة قراءة “الأقلّية الهائلة”
أرشيف الكاتب:بَس*
شِعـْرُ الأُبوَّة
لم يولِ والدي الشعرَ كبير اهتمام بل وقلّما سمعتُهُ يردّد بيتا أو يستدعي شطرا لظرف ما، ولكنه حين يستذكر فلستُ أنسى ما قال، مرّةً وفّقنا اللهُ للقاءٍ بعد انقطاعٍ اضطراري وفراق طويل، وسمعتُه في عرض الكلام يذكر بيتا ما، خرجتُ من عنده، ونسيتُ البيت، ومضت الأيام، ثمّ مضت السنون، ووجدتني بعد سنين أستذكر بيتا عجيبا،متابعة قراءة “شِعـْرُ الأُبوَّة”
النص الذي لم يحِنْ موعدُهُ
لا شيءَ في الكتابةِ يشبه ذاك النص الحالم، الذي لن تكتبه أبدا، وستظلّ تحلم دوما بكتابته، ويظلّ يعتَمِلُ في مخيلتك ويأكل معك ويشرب؛ كالدَيْن، لكنه دينٌ لن يطالبكَ به أحدٌ؛ سواك، وكلما اقتنصت فكرةً ما، أو شدهتكَ نظرةٌ ما؛ ادّخرتها وخبّأت التماعاتها وشذاها الآسر، وكلما جذبكَ من ناحيةٍ علويّة نغمٌ، أو شدّك من عالمك المشغولمتابعة قراءة “النص الذي لم يحِنْ موعدُهُ”
إحسانٌ يُزري بصاحبِهِ
لا بدّ أني ورثتها عنه خصلة المبادرة ككل الخصال والسجايا الكريمة التي ما بخل بها علي، أمّا ما تكاثف بي من قبيح الطباع فهو ابتكار شخصي واجتهاد فرديّ أفرزته كل تلك السنون بمصائبها ومراراتها، لكنّ المبادرةَ والمروءة والوقوف على حاجات الناس دون أن يطلبوا؛ فضل كبيرٌ وخلق سَمْحٌ لا أدّعيه بل أعزوه إليه، وأنسبه إلىمتابعة قراءة “إحسانٌ يُزري بصاحبِهِ”
صورةٌ لأبـي
لا أحب الصور الشخصية؛ لا صوري، ولا صور من أعرفهم، ولعلّي أحب أن أحتفظ لهم بأعذب صورهم في بالي، وأُحسِنَ لهم في الغيب من حيث لا يدرون، أو ربما لأني أخاف من الوقوف المفاجئ أمام الصور ومواجهة أصحابها في الداخل، ومِن التفطّن لما يعنونه لي، وما أكنّه لهم؛ تعوّدتُ الهرب من نفسي؛ لا مراقبتها وهيمتابعة قراءة “صورةٌ لأبـي”
عيونُ الطفلة التي
عيونُ الطفلةِ التي بالكادِ تظهرُوجبهتها الأنصع من نهارٍ بعيدٍ من نهارات الطفولةِخلف الزجاج المغبرّ للسيارة القريبةِتُحدّق في شيءٍ لا أراه في الأفقوتركّز نظرها في نقطةٍ ما بلا تعيينشعرها المنسوجُ ضفائرَ ما يزال يحكي شيئا للهواءوعيناها الدافئتان ترشح براءة وندىهي التيبلا سبب ولا موعدجعلتني أعومُ في بحيرةِ الزمندون أن أصل إلى ضفة الماضي تماماأو أعود إلىمتابعة قراءة “عيونُ الطفلة التي”
المطر
المطرُ حنانٌ سيّالوموجةُ انتشاءٍ لا تقفُ على مشارفِ سُدّةِ الروحوغلالةٌ مرهفة تحيط بعاشقينِ تعبا من الكلامْوظِلُّ طيفٍ باسمٍ في البعيدوصورةٌ لا تسأم من اجترارِ نفسهاولا يملّ الناسُوأريجٌ يريقُ نفسه في الفضاءْواسمٌ لقريةٍ ما قديمةٍ مضاءةٍ بأهازيجِ أطفالهاوبسكونها الحالمِ على هامشِ المدنْوضحكةٌ أولى عذبةٌكانتْ فاتحةَ الذكرياتولستُ أدري الآنَضحكةُ مَن!
صَبـاح
ما يزالُ في الصباحِ بقيّةٌلم تجهَد نظرتي من تحليقها العبثيّفي المدى وراء زجاج نافذة المقهىوما تزالُ كفّاي من بِركة هذا الوقت الضائع تغرفُوتتملّى في انسلالهِ الدؤوب من بين الأصابعوما تزال الشمسُ متمهّلةً تصعدُوتكشفُ لي بنورها بين حينٍ وحينما التبسَ وخفيَمن نقوشٍ مبهمة في صفحاتِ روحيالغارقة فيالظلمة
مسـافة
لم تعد ثمّة لقاءات تنبتُ في ظلِّ الصدفةِولا خطواتٌ متمهّلة تأخذني إلى مفاجآتٍ مدّخرةهناكَ في الأعاليولم يعد هناك من ينتظر مجيئيعندَ عتبةِ باب بيتي القديمِقُبيل الغروبولم ينجُ احتمالٌ واحد لكلّ الرؤىالتي فتّشتُ عنها وتبعتها طويلا في الطفولةِوكأنّي عن طريقِ الخطأِفوّتُ منعطفا ماتجاوزتُ بابا مضيئا في حلمتغافلتُ عن فصلٍ في الحكايةوضاعَإليَّمنّيالطريقْ
شبيهي
لم ينبّه سوايالرجلُ الذي انسلّ فجأةً من بين الحشودِوغيّرَ الطريقلم يبدّل مسارهُعندما علِمَ أني أتبعُهُ ولم يتوقّفْولم أتفطّن أناعندما بدت الوجهةُ مألوفةً لينعم، طالت الدربُولكننا في لحظةٍ ما وصلنا، معاولمّا التفتَ نحويتبدّدتِ الحيرةُوانطفأ في قدميَّلظى السؤال
أُلفة
قدرُكَ أن تظلّ وحيداقال لي الطيفُ الذي تركَ مقعدهُ الفارغَ أمامي ورحلوكَذَا الوجهُ الذي تأمّلتُهُ قبل أن يُفاجئني النهار قالوالصوتُ الوديعُالمسافر إليَّ عبر حشود المركبات المتكوّمةِ على مَفْرق الطريقوالنظرةُ الخدِرةُ التي تجاوزتِ الناسَ وما أفلتُّ منهاوالدربُ الذي ما انفكّ يطولُوتتضاعفُ أرصفتُهُ والمباني على جانبيهوالطائرُ الذي يطوّفُ في مدى نظرتيولا يبرحُ مكانهكأنّه لأولِ مرةٍيرى السماءَ غريبةًمتابعة قراءة “أُلفة”
تكاد وتوشك
ماذا سيحدثُ لو أنك لم تلقَ ذاك الغريب الذي ستنشأ بينكما محادثةٌ عابرةٌ تلتصقُ بك أبدَ الدهر وتنبّهك لكل ما تحاشيتهُ في دربكَ دون أن تدري؟ لو أنّك لم ترَ الفراشةَ في إحدى صباحاتك تطوّف في فضاء الغرفة المضاءة بأصفر الشمس الخفيفِ أوّل النهار؟ أو في الحلم؟ لو أنك لم تعرِف سرّا يسلّيك في لياليمتابعة قراءة “تكاد وتوشك”
صمت المدن المفاجئ
في صمتِ المدن المفاجئ قُرىً تنام، خيام شيّدها أهلها منذ الأزل ولا يزالون هناك في العراء يلتحفون ليل صحرائها ويسمرون على حسيس نارها، ويسرحون في ضوء نجومها المسافر، ويغرقون في سكونٍ ناعمٍ لا تقطعه سوى رنّة الفناجيل وصدى التراحيب، ما تزال خطواتهم على الرمال تصدر حفيفا لا تسمعه إلا في تجلّي لحظةٍ مهيبةٍ في هدوئها،متابعة قراءة “صمت المدن المفاجئ”
فلم أتبيّن عاطلا من مطوّقِ
لأبي فراس بيتٌ:”عفافكَ غَيٌّ، إنّما عفةُ الفتى-إذا عفَّ عن لذاتهِ وهو قادِرُ” يصلح أن يكون مدخلا لباب العفّة في الشعر، ومطلعا تنتظم تحته كل تلك الوقفات الزاهدة لا عن عجز ولكن عن طهارة روح وزكاة نفس، وكنت حين قرأتُ لأبي الطّيب ذاك المطلع البرّاق الزاهي:”عواذلُ ذاتِ الخالِ فيَّ حواسدُ-وإنَّ ضجيعَ الخودِ منّي لماجدُ” ثم يُفصّل:”يردُّمتابعة قراءة “فلم أتبيّن عاطلا من مطوّقِ”
من هذه الدنيا ٢
ابتساماتُ الغرباء والعابرين دَينٌ في عنقه إلى يوم الدين، لكنَّ شريانه النازف لأجل أن يؤمّن فرحةً مُترفة لن يفتقدها أحد ولن يسأل أحد عن موعدها لا يعدّه شيئا، ولا يقف حتّى لثوانٍ أمام براكين الأسئلة ومشارف المجهول والغامض، هو المشغول دوما بما ينقص اللحظةَ وما يُمكن -لخللٍ ما طارئ- أن يُنقصها، ما فتأ يحفر بيديهمتابعة قراءة “من هذه الدنيا ٢”