خطأ استشهادٍ في غير محلّه

كنتُ -ولا أزال- مولعا بالسكونِ إلى فيء استشهادٍ شعري أستحضِرُه؛ وإنْ كان هذا يحدثُ غالبا في ذهني لا على أرض الواقع فأجدني في وسط جلسة ما قد شردتُ بعيدا، وانسحبتُ من اتّساع الأحاديث والآراء إلى ضيق شاهدٍ شعريّ ما وراءه إلا الرحابة والسعة، وعليه وسْمُ الخلود، وفيه كثافةٌ تتعالى على أحاديث السُّمّار وجدل المنظّرين وحذلقة الفارغين، لكنّ أليس لكل جواد كبوة ولكل حريص هفوة نادرة تظلّ تلاحقه أبدَ الدهر وتتملّى في وجهه من وراء زجاج المرايا؟ تلك إذن، هفوتي، حينَ شدّتني يدٌ من تكلّفٍ وجذبني خاطرٌ من خواطر التعالُمِ والتظرّف فوجدتُني أنطِقُ وسط مجموعة من الناس بيتا لم أستطع الاحتفاظ به في نطاق الخيال، ولم أقدِرْ على مقاومة سيله العارم، قلتُ في سياق الحديث عندها: “تأخرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْ * لنفسي حياةً مثل أنْ أتقدّما!” فإذا بالضجيج ينقلبُ للحظةٍ صمتا وادعا، وإذا بالوجوه تنظر نحوي نظرَ مُستعيْدٍ ملهوف، ثم ماج البحرُ مجدّدا وهاج، وعدتُ إلى دواوين الخيال، إلّا أنّ رجلا من الحاضرين، كان أشدّ حياءً من ربّات الخدور، مُتردّدا، حريصا، بينه وبين الحائط ألفةٌ وشيءٌ من صُحبةٍ قديمة، الشاهد أنّه منذ توقيت تلك الهفوة وأنا أسمع عنه وعن تطوّرات حياته من الغرائبيّات ما الله به عليم، لقد أصبحَ معروفا بالصرامة فجأة، وكلِفاً بالمبادرة والإقدام ومجاوزة الحدود والخطوط الحمراء، مشغولا بإعادة تعريف المخاطرة في كل خطوة وبدون حساب، أتُرى يكونُ هوَ نفسه؟ لله في خلقه شؤون! مِن حينها وأنا أتجنّب ذكره، وأتحاشى سماع اسمه، ولا أخوض في حديث جانبيّ عن أفلامه الهوليودية، وأدعو الله ألا يكونَ لذلك البيت الطافر سبب في هَيَجان هذا الوحش الأليف، وما أدراني لعلّه تغيّر هكذا بدون تدخّل بشريّ، وأنا الذي بنيتُ حول نفسي شَرَكا من الأوهام! لعلّ وقتا سيأتي ويجتمع فيه صاحبُنا بمن سيلقي في أذنه بيتا مُخيفا عليه مِسْحةْ من التشاؤم والاضطراب فيعيدُه صاحبنا البليد الحيّي وينقذني من وساوسي القهرية وهواجسي الملحّة!

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ