
ما دون الثلاثين بقليل، عند المنعطف الأخير، ربما لم يفُتك شيءٌ في هذا العمر الهائل الذي طويته بسرعة الهاربين من شيء لا يدركون كُنهه، لكنك لن تملك إلّا أن تتساءل عمّا فاتك وتفكّر بكلّ ما أمكنك أن تملكه، أن تفوز به، أن تستأثر به لنفسك، كم حكاية كان يمكنك دخولها من أوسع الأبواب لكنك عففت عنها، وكم أسرفت في التسويف وتأجيل المجهول في التجارب والرحلات والمسامرات، وكم ركنت إلى المألوف وقبضت على الراهن الموجود عوضا عن الانشغال باستقصاء الممكن والمُحتَمل، وكم استكانتْ نفسُكَ لمّا كِلتَ لها الأعذار وطمأنتها بما في الوقت من فسحة واتساع، وها أنت قُبيلَ الثلاثين، في منتصف العمر إذا شئت، لم تجرّب جديدا ولا اختبرتَ قديما ولا وطأتْ قدمُكَ بلدة عزيزة على قلبك ولا ابتعدت عن مكانك مسافةَ حلم، ولا جسرت على المغامرة ولا سعيت إلى شيء تحبّه ولا تحدّيت مخاوفك؛ لعلّك لم تتعرف عليها بعدُ؟ غدا بعد أيامٍ قلائل ستقفُ على مشارف الثلاثين ولن تجد في ضباب مجهولاتها أمام عينيك وغبش مستقبلها وما تدّخرُهُ لك؛ شيئا هو أكثر حيرةً ممّا رأيته عندما ألقيت نظرةً على ما خلّفته وراءك من سنين وذكريات وأيام، ما إنْ التفتّ حتّى انهارتِ السنونُ وبدت الأيام وعليها غشاوةٌ والذكرياتُ أبهت ما تكونُ، ثلاثونَ سنة معقول؟! ستقولُ في نفسك مستغربا، ولن يجيبك فيك غيرُ رجع الصدى!