
لم تعد ممتعةً جلسته الانعزالية آخر الليل في مقهاه حيث تلفظه المدينة ويتركه الوقتُ في مواجهة عجائب ما تأتي به الأقدار، عاش زمنا لم يُسمع له صوت، ولم يُرَ في غير زاويته المعهودة، سارحا في عوالم ما وراء الزجاج وشاردا في شخوص العابرين وزوّار المقهى الرفاق الغرباء كما يُعرِّفهم، لم يعرِف متعةً في حياته تشبه أو تُداني متعةَ الانشغال والتسلّي عنها؛ بكتاب، بنصف بيت، بنغمة صوت، بطيف خيال، بذكرى تسيل، حتّى رأى فيما يرى الرائي في ليلةٍ مقمرةٍ ساكنة شيئا عَجَبا وكأنما طرأتْ عليه مَلَكَةٌ أو فُتِحَ له في عالم المجهول باب، رأى خيالات الجالسين الفرادى تنعكس في غير هيئتها على الزجاج، مجنونا في زيِّ عاقل، فاجرا في زيِّ قدّيس، منبوذا في زيّ عزيز، رأى خيالاتهم تتحرك في انعكاسها، تصرخ وتئن، تبكي وتضحك، تأسى وتموت وتهلوس، ولمدة ثلاثين يوما رأى عجائب النفوس كيف تتلوّى في صناديقها المحكمة وخوافيها المعتمة، كم أضحكته في سِرِّه ثم استغفر مُشفقا على أصحابها، وكم أشجتْ روحه وقلّبته على جمر الأسى فأغمض عينيه وردم هوّة الفضائح محاولا أن يتناسى سرّه الرهيب، بعد شهرٍ كامل من تلك الليلة وصل إلى المقهى وجلس في مكانه وعندما رفع عينيه رأى شيئا أعْجَبَ ممّا رآه سابقا، كانت الأجسادُ كما هي مستقرّة في مكانها، بريئة من حقائقها الصادمة، بلا خيالات عائمة تنداح في انعكاسات الزجاج، كان المشهد كما اعتاد أن يكون قبل هذه النكسة وتبعاتها، كرّر النظرَ وأجاله في أرجاء المقهى فلم يزِد على أن طمأنه وأراح باله، بعد سويعاته المعتادة هناك نهض مغادرا، لكنَّ شيئا ما في عيون الجالسين جميعهم؛ شيئا لا يُفسَّرُ بغير الاحتقار والازدراء الشديديْن، كان يطاردهُ ويكنسه إلى خارج عتبات المقهى.