
كل الأشجار المغروسة على جانبيّ الطريق وعلى مدّ النظر وتلك الموجودة في الصور والمشاهد، والمرفرفةُ أغصانُها في الريح والساكنة بحفيفها الرتيب في فضاءات الخيال والهامسة في ثنايا القصص والأساطير والحكايات العتيقة والمغمورة بأسراب الطيور المسافرة والجامدة في منتصف اللامكان كشيءٍ في غير محلّهِ، كلها.. كلها في عيني ظلالُ الشجرة العملاقة اليتيمة أمام بيت أبي، ما زلتُ أفيء إلى خضرتها الوارفة وظلالها الحنونة وطيفها المُتأرِجِ لأتسلّى بالقديم المألوف وأسلو عن الحاضر المجهول وأشذّب عن روحي ما يهمها ويثقلها بالأسئلة والشكوك، وأهتدي إليها في خطوات الحلم وأصل إليها بعد أن تجفّ الأنهار وتتراكم الدروب وينهار العالم، وما تزالُ في كل وقوفٍ لي أمامها تبوح بسرٍّ لا يُروى ويصعبُ على الصدرِ احتواؤه، مرّت زمانات كثيرة وما امّحى مكانها الأثير في إغماضة العين، وذكريات كثيرة مرّت دون أن تطوي صورتها المهيبة في الخاطر والبال، وها هي أبدا تسمو وتصعدُ في مداها اللانهائي وتضيء في أعتم الليالي والمحطات، وتنادي بكلّ أسمائي التي عرفني أهلي وجيراني ونادوني بها، لعلها في لحظةٍ ما غامضة كانت ذكرى وحيدة تناسلت منها كل هذه الذكريات، أو لعلّها أوّل وتدٍ مشدودٍ إلى ماضيَّ البعيد وحياتي الأبعد، ودونها، أو دون ذكراها الملحّةِ لن يبقى شيءٌ في مكانه وعلى ما هو عليه