
وأقسمَ أنّ فكرةً عبقرية راودته قبل أن ينام فأجّلها إلى حين استيقاظه، وها هو منذ أوّل النهار وهو يحاول استرجاعها ولا تزال تنأى عنه كطيفِ وجهٍ يخبُرُ جمالَهُ لكنّ ضبابا يحول بينه وبين ملامحه وقسماته، ليس يدري من قطع دونه خيط الإلهام الشفيف، بل إنه لم يعد يدري إن كان يصدق نفسه حقا ولم يتوهّم ما ظنّ أنه راوده، على كل حال لم يعد بوسعه سوى أن ينتظر فحسب، بلا يقين مؤرق، ولا يأس مميت، أن ينتظر هذه البشارة التي لم يعده بها أحد، ولم يتوقّعها في أبهج أحلامه ورؤاه، لكنها محتملةً تظلّ، ولعلّها للحق تبقى فرصة أثمن من أن يُفرّطَ بها، ونعمةً من اللؤم وسوء الظن ردّها، ها هو يترصدها في كل الجهات ويخاتلها بانتباه ملحّ، ويفكّر باحتمالات الفوات الكثيرة، ويعض أصابع الندم عما تسرّب منه لغروره، ويمعن في سراب الخيال عمّا يروي العطش ويبلّ ظمأ لهفته الحرّى، ربما لن يقوده كل هذا التطلّع إلى شيء وربما أوقفه توقُهُ الغريبُ على شفا حفرة من وهم، وربما تدلّتْ فجأة من غيبٍ غامضٍ -بعد تمنُّعٍ طويل- تلك الفكرةُ التي امتزجتْ بروحهِ ودمهِ قبل أن يلمسها ويقلّبها كالغانم بين يديه، وتسلّلت إلى وجدانه ومخيلته قبل أن يتقاطع مصيرُه مع مصيرها، فقرّر أن يودِعها في دفتر ملاحظاته الصغير سرّاً يتعتَّقُ على مر الأيام إلى أن تَحين لحظةٌ ما فيُفشَى أو يموت.