الغريب

١
الحديث عن العم حسين يشبه إلى حد كبير الحديث عن ذكرى لا نعرف على وجه اليقين أنها حدثت ولن نكون متأكدين أنها هناك مهما ألححنا عليها، الكلام عنها لا يقدّم ولا يؤخر، لكن يُستأنس به رغم أنّه ما من سبيل إلى التحقق من صحته وربما هذا وحده ما يجعل الذكرى مثيرة للاهتمام؛ مثل وجه صاحبي هذا الذي يطفر فجأة في الأعياد من وراء كل مكان ولا مكان فيعيد لي هاجس الاسم وذكرى المشهد الوحيد من الطفولة حين دفعني أبي للسلام على عمي حسين ومعايدته والذي لم أره بعد ذلك اليوم ولم يره غيري على حدّ علمي، لكنهم لا شكّ مثلي قد سمعوا عنه عشرات المرات فالحكايا عنه غزيرة، ويقولون أنّ الغربة قد أحاطته بسياجها، ومن النظرة على وجوه الرواة يبدو أنهم لا يقولون ذلك مجازا. لن نعرف البلدان التي زارها العم حسين وتنقل فيها مرغما أو مختارا ولن نخونه في الغيب ونفتري على سيرته ما ليس منها، لكن يكفينا القول أن مصيره مجهول إلى حد اللحظة وكلما ترحّم أحدنا عليه استدركنا وقلنا أن “الرحمة تجوز على الحي والميت” هذا الشيخ النحيل جدا لم يقبض على صورته أو خياله إلا أبا الطيب في مبالغته الغرائبية فهو الرجل ذاته الذي لولا مخاطبته إياك لعميَ عنه بصرك وغاب في البرزخ الفاصل بين الوجود والعدم، وكفى بجسمه نحولا يُنبيك عن خفّته في ذواكرنا وذاكرة الزمن. اليوم بعد ثمانية عشر سنة من الغياب؛ وجدته واقفا على الباب وعلى الموعد، وقد عرفني رغم أني تغيرت كثيرا، وعرفته ولم يتغيّر قط وكأننا توادعنا قبل لحظات، وكل حكاياتنا المرصوفة وظنوننا المربكة حوله وتوقعاتنا اليائسة والمحبطة كأنها ما عبرتْ هذا الوجه الباسم، لكن ماذا عن القلب والذاكرة؟ لا أدري، ولعلّي لن أدري أبدا، والله المستعان.

٢
رأيته وقد التقى الليل بالنهار واتفقا على تقاطع يصبغ العيون وينبّه المجازات وربما يذكّر بهاجس الزوال وتفاهة الحياة التي تنتهي في أي لحظة رغم ما تكدّسه وتزخر به من حكايا وقصص لم تجد الرواي ولا وجد الراوي من يعيرها أذنا ويصغي، عرفته من وقفته وربما أردتُهُ أن يكون فكان بقدرة قادر، واقفا أمام الباب تحت ظل الشجرة ومشغول لعلّه باختيار المدخل والكلمة الأولى، أو خائف من أن تخونه العيون فلا تعود تميّز أحدا والصوتُ فلا يقدر على حرف، “يالله حيّه” قلتُ، فزّ والتفت، ورآني وابتسم “يا هلا” سألني عن أبي وسكت لحظة، ثم عن كثير بعدهُ فأسعدتُهُ وأبكيته، وسألته عن حاله وحوادث الأيام فأبكاني وأضحكني، لم تكن في كلماته حكمةٌ ولم يبدُ لي أنه اجتهد ليتكلفها أو يحضرها للقاءات كهذه، ولم يبدد بكلامه فضولي وقد ساق الحديث إلى حيث يريد وأشركني فيه أو حاصرني في نطاقه وما أكثر ما اجتهدت في ضبط أنفاسي واحترام السياق، عندما قلتُ “عمّي أبسألك” قال “أنا مستعجل والله بس بغيت أسلم عليكم وعلى أبوك بس قدّر الله، لكن غير مرة إن شاء الله” حلّفتهُ أن نلتقي مجددا، فطلبني رقمي وأخبرني أنه بعد أن ينتهي من أشغاله خلال ثلاثة أيام سيتصل بي ونلتقي وسيجيب على سؤالي المعلّق ويتعشّى عندي؛ بابتسامةٍ قالها، وادعتهُ عند الباب واختفى عند المنعطف في آخر الشارع. اليوم شمسٌ أخرى تنغمس في آخرِ الأفق وتغيب، واليوم هو الذكرى العاشرة لوعد الثلاثة أيام تلك، وحتّى اللحظة كلُّ من يُفاجئني باتصاله بي رقمه مُسجّل عندي ويظهر في أعلى الشاشة، والله المستعان.

٣
لم أنسه في غمرة الأيام رغم تتابعها الكثيف والعجول ولا أظنه نسيَني هناك في زحمة المواعيد المؤجلة، لكنه اختار لي وربما له نهاية تشبهُهُ؛ مؤمّلة ولكن بعيدة، وشيكة ولن تحدث، مورّطة ولكن دون قصد، لعلّي ما رأيتُ في انعكاسه الغريب غير نفسي، ولا لمست في صوته ونبرته غير صوت أبي ونبرته، ولعلّي انشغلت أكثر منه بالسؤال عن سياق حياته ومساراتها التي لا أدري عنها شيئا، لكنها رغم ذاك قد تبدّتْ لي واضحة تماما فيمن عرفتُ، ورأيتُ، وسمعت، فصارت قصته الموهومة لِصق ذاكرتي أقابل بين احتمالاتها وأرجّح منها ما يطيب لي، ما دمتُ لن أصل بها إلى يقين، والله المستعان.

٤
يلمعون في مقدمة رأسي عندما أُغمض عيني أو عندما أفتحها على اتساعها راغبا في رؤية الأقل، ألا يختفي معنى كل شيء فرداني وسط الحشود كما تتلاشى قيمة الصوت الغِرّيد في زحمة الأصوات وجلبة النداءات المتداخلة والصخب؟ يلمعون، تضيء صورهم، طيوفهم الباقية إذْ تتشكّل حسب التخمينات والافتراضات ولا يقين يؤكدها، أولئك الذين لطالما تمنّيناهم في المكان الخالي في زاوية المجلس، الذين حدسنا أنْ ستطيب لهم هذه الحكايا العشوائية في السيارة المسافرة وهي تشقّ عتمة الليل، والذين نفتقدهم في رحلة لم يُخطّط لها، ومشاوير طارئة لم نحسب لها حسابا، الذين ننتبه لضحكتهم الناقصة في كرنفالات الأفراح، ونتنبأ بذوقهم واختياراتهم وأغانيهم في المكان، الذين نحفظ لهم ما يحبّون ونشعل لهم السراج ونترك لهم الأبواب مفتوحة فلا يجيئون، البعيدون فلا يقبض عليهم خيال، والنائون كم تنوشهم احتمالاتنا الهوائية وسيناريوهاتنا العبقرية البهيجة ولا تضعهم أبدا في خانة الأكيد، ولا تقرّبهم من فراديس الطمأنينة، إلى متى يا ترى سيحكمون هذا المكان الخاص في الذاكرة؟ وحتّى متى يثيرون هذه النبضة المتوتّرة في القلب؟ وإلى متى سيبقون في برزخ الشكّ؟ أحياءً، وأمواتا، سالينَ أو تطرق ذكرياتنا بالهم مثل مطر خفيف؟ وما الذي بإمكان الكلمات أن تقول إذا التقينا بهم؟، أولئك الذين لن نلتقي بهم أبدا، والله المستعان.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ