
في موسيقى التراثيات نَغَمٌ يأتي من لا مكان ويهبّ من لا جهة وينبعث من غير قاعٍ ولا استثارةِ ريح، الذين مرّ بهم هذا الخاطر وتعبوا من محاولات تفسيره سمّوه النغمَ الغامضَ وادّعوا أنه يجيء من لا من الخارج بل من الداخل نفسه ومن أقصى مجاهل الروح ومعانيها المُفَتَّتةِ، والذين أوّلوه لم يقولوا أكثر مما قاله الممتنعون، في التراثيات نغم فائض عن طاقة الاستيعاب وألفاظِ اللغة المختزلة، في نغم التراثيات كل الجوارح تضاعف من لا منطقية هذا الاندماج الغريب، فالرأسُ تنوس في حضن المجهول، والأصابع تُفلتُ وترا سرّيا في الهواءِ المحض، في التراثيات نغم الأزقّةِ وعطر الأرض المبللة توّا، وأنفاسُ الأماكن التي راكمتها في الذكريات مرارا حتى اختفتْ ولا سبيل إلى استرجاعها واستحضارها، فيها رنّة كل الأسماء التي نادتني بها أمّي، وغنائية الحكايا التي دارتْ في مجلس أبي القديم وهمسها الخفيف الصاخب في أعالي الذاكرة، في إيقاعها المسترسل جوعٌ ولهفةٌ للانعزال والخروج المؤقت عن قبضة العالم، وفي نغماتها المكرورة حاجةٌ للوقوف على الحواف وإغفالِ كل ما ينتظرنا وما انتظرناه طويلا وما جاءَ ولن يجيء، في نغم التراث لغةٌ أولى أوقدتْ هذا الشوق إلى كل ما نفتقدهُ دون أن نُسمّيه، في نغمها حنينٌ إلى ما ليس نعرفُ؛ ما يتخفّى، ويظهر للحظةٍ في شقوق الحيطان، وفي الزرقة الداكنة للسماء المنبسطة على امتداد النظر، وفي البسمةِ المفاجئة على طارف الفم؛ استلّها سرٌّ كونيٌّ منيعٌ على الإحاطة، أذعنتُ له وما عدتُ أفتش عن غاياته ومعانيه، ولا أفكر حتّى في الأسباب.