نورتن وكرو وبيل وبيت ودوغلاس وماثيو وليوناردو

في ذكرى المدوّنة السنوية الأولى أعيدُ نشرَ هذه القطع الصغيرة(مجموعةً)وفيها سبعُ قراءات مختلفة لسبعة ممثّلين وأدوارهم.

إدوارد نورتن الكائنُ البرزخيّ.
آرون الصبيُّ منشد التراتيل الدينية القاتلُ في بدايةِ الأمر والبريء وسط الحكاية والمجنون الغامض قريباً من النهاية هكذا تقاطعتْ حياتي مع حياة إدوارد نورتن لأول مرّة في فيلمِ”الفزعِ البدائيprimal fear”وهكذا أيضاً عرفتُ أني سأصدّقُ هذا الصبيّ وأستأمنهُ على عقلي كلما شاء. هذه البراءةُ المحضة بلا أدنى مجهود والعتمة المحبوسة خلف هاته العينين. نورتن كما أسميتُهُ الكائنَ البرزخيّ. رجلُ الحيرة والتباين. في كل أدواره التي شاهدتُها فيما بعد كان يعتاشُ فيها على التفصيلة الصغيرة. هذه الازدواجيّة في الشخصية، الخيط الرفيع بين الحُلُم واليَقظة كما في فيلمه الشهير”نادي القتالfight clup”أو بينَ العينين الفاسقة والصارخة الحزينة وهي ترشحُ دمعاً وأسفاً في فيلمه”التاريخ الأمريكيamerican history x”وإن لم يكُن هذا جليّاً في الأخير إلا أنه دائماً ما يكونُ مُتأرجحاً في جسده ودواخله، فيما هو عليه وما سيكونه. تنقّلٌ أزليّ بين حالين. حال الأول مُطمئناً في جسدهِ وحال الغريب الذي سيكون ضيفه بقيّة العمر. وحتى في فيلمه”الهدف the score”كنت أنتظرُ خدعته القادمة، التغيّرَ الذي سيقلب الطاولة ويُحيى مجدَ روي القديم. يُخيّل لي أن نورتن سيستيقظُ صباحَ ذات يوم ويقفُ في المطبخ مذهولاً لأنه لم يعد يتذكّر كيف كان يحبّ قهوته؛ بالحليب؟ أو سوداءَ كالكدمات التي تتركها النوادي السرّية على الجسد والذاكرة.

راسِل كرو والمشي في الظلال.
إذا استدارَ ومضى بعيداً بقامتهِ المحنيّةِ ومشيتهِ المُتثاقلة بدا لي كأن إحدى قدميهِ أطول من الأخرى. بدا كأنه مُتعبٌ من عبءِ الحيوات التي مشى في ظلالها. الرجلُ الغاضِب والعفويّ، الأسطوري النبيلُ والساذج، الحنون والعبقريّ في آن. من غضبٍ جمّ بسبب ذكرى من الطفولةِ(la confidential-إل آي سرّي للغاية)إلى مُضطربٍ في مواجهةِ شركةٍ عملاقة(المُطّلع-the insider)وصولاً إلى عقلِ عبقريٍّ تجاهلَ الأشباح بعد أن عانقها(عقلٌ جميل-a beautiful mind)ثم إلى أبٍ على حصانٍ يعدو نحو وداخل العاصفةِ(عرّاف المياه-the water diviner)يجرّ خلفهُ أطناناً من الهلاوسِ والجماجم والذكرياتِ والنظريات، ثمّ يعودُ آخر النهارِ ساكناً إلى وجهٍ يُشبه وجهَ فيرونيكا ليك. يُذكرُ أنه شوهِد قبل أشهرٍ يرتدي قميصاً أزرقَ باهتَ اللون، في يدهِ سيجارةٌ وبطنهُ تتدلّى أمامه على فخذيه، وليست هذه الصورةُ/اللحظة الفوضويّة إلا لسعةً أولى مُخفّفة من دورهِ القادم. لا أتخيّلُه إلا جالساً-في المشهدِ الافتتاحي-على صوفةٍ حمراءَ بالكادِ تتسع لجسده، وجهه مُضاءٌ بنورِ الشاشة أمامه وهناكَ ابتسامةٌ وعلى جبينهِ-بلازِمتهِ الأبديّة-يُحرِّك أصابعه… كأنه يتذكّرُ شيئاً ما.

ماثيو ماكونهي وأبو العلاء.
كُلّما-بلكنتهِ الفاتنةِ-أنهى جُملةً وأسرفَ حتى يصيرَ حرفُهَا الأخيرُ عدماً، أو فغرَ فمه مُندهشاً أو مُغوياً، مُتخيّلاً أو مهلوساً، وكلما وضعَ يده على شفتيهِ كأنهُ يُعيد اكتشافها واستغرقَ في تأمّلهِ وفلسفته، وكلما غرقَ في نوبةِ بكاءٍ حادة، وتفجّرَ في روحهِ أنينٌ مكتوم؛ تبدّتْ لي في سحنتهِ حكمةُ أبي العلاءِ الخالدة”هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد”. منذُ خطبتهِ المؤثرة في قاعةِ المحكمة بعد أن كادَ يخسر كل شيءٍ(وقتٌ للقتل-a Time to kill)وصولاً إلى قطعِ(مُحقّقِ فذّ-true detective)الثمانية ومروراً بالرجلِ ذي الجسد النحيل الشفّاف، الرجل الذي شعرَ أنه يُقاتِل من أجل حياةٍ ليس لديهِ الوقت ليعيشها(نادي دالاس للمشترين-dallas buyers club)يحكي ماكونهي-وفي قبضتهِ تمثال الأوسكار-عن شخص جاءه(على الأرجحِ أنهُ مُتخيَّل)وسأله وهو في الخامسة عشر من عمرهِ عن بطلهِ فأجابه: هو أنا، بعد عشرِ سنوات. وبعد عشر سنوات جاءهُ الشخص نفسه: هل أنت البطل الآن؟ والإجابةُ كانت: ولا حتّى قريباً من ذاك. متى تذكّرتُ هذا الخِطاب خطرَ إلى ذهني سؤال مارتِن هارت لـ رَسْت كول: إذا ما أهمّيةُ النهوض عن السريرِ كل صباح؟
“أقولُ لنفسي بأني سأشهدُ حدثَاً ما، ولكن الجواب الواضح والواقعيّ أنها ..برمجتي!”

مايكل دوغلاس والسقوطُ الحرّ.
لم أُغمِض عينيّ قطّ إلا ورأيته يَهوي من أعلى سطحِ مبنى، بيأسهِ التّام وذوبانهِ الدائم في حياةِ الرتابةِ، مُعلّقاً في الهواءِ تحفُّه ذكرياتهُ ورؤى الطفولةِ أثناءَ سقوطهِ الحرّ. ابنُ الميلاد، الكَهْل الرزين بشاربهِ وذقنه المحلوقين بعناية، وبشعرٍ مُصفّفٍ لا ينكشه سوى الافتقارُ إلى المنطقِ، وغريبيّ الأطوار. مايكل بيدهِ المُقيّدةِ أبداً إلى حقيبةِ عمل، وبمسحةِ تَرَفٍ لا يُمكن تفويتها، وجدّيةٍ تُحيّر مُنسّقي الهدايا وتُحرّضُ على الارتجال. الداهيةُ الذي بكلّ خبثٍ خطّطَ لسلبِ الروح(جريمةٌ مثالية-a perfect murder)والشُجاع حينَ ردمَ خاطفَ ابنتهِ جيسي(لا تتفوّه بكلمة-don’t say a word)والأعرجُ وهو يرى صفحاتِ كتابهِ الأثير نوارسَ تُحلّق في الفضاءِ وفوق البحر(أولاد مذهلون-wonder boys)مايكل دوغلاس والذي يبدو لي كمن يرسمُ خطّةً حتى لأتفهِ التفاصيل والنتوءات ولا يمشي في أزقّةٍ لا يعرفها ما يزالُ يهوي منذ ثلاثةٍ وعشرين سنة(اللعبة-the game)في الخيالات، وما تزال الخُدعة الوحيدة التي انطلتْ عليه في حياتهِ كُلّها تنطلي علينا جميعاً مرّةً كُل عام. عيدُ ميلادٍ مجيد.

براد بيت الدوبلير وحمّالُ الأسيّة.
يبدو وهوَ يكسِرُ إطارات الصورةِ ويلجُ داخلها بفكّهِ العريض وسيجارتهِ المتدلّية دوماً على عنقهِ مثل تميمةٍ غيرَ مهتمٍ، كأنه نذرَ على نفسهِ ألا تلتقطهُ عينُ العدسة. الوسيمُ بشقاوتِهِ المعهودةِ والحزينُ وهو يكملُ دورةَ الخطايا السبع. البطلُ الثوريّ في أعماقِ كلّ منا والضميرُ الحيّ الذي لا يكفّ عن النداء. والكائنُ الذي وحدَهَا الرغبةُ من تستدعيهِ وتستضيفهُ المُخيِّلَة(نادي القِتال-Fight club)إلى المحاميّ وقد شوِّهت طفولتهُ وصارَ مستعدّاً للتضحيةِ بكل شيءٍ من أجل أن ينامَ ليلةً في العتمةِ بلا خوف(النائمون-Sleepers)مروراً بالغجريّ العبثي أحد الخيوطِ الأربعةِ لحكاية الماسةِ المسروقة(خطف-snatch)والمحقّقِ الذي بنشيجهِ المؤثرِ ضاعفَ معنى الرفضِ والسخط(سبعة-se7en)ثمَّ انتقالاً إلى ابتكارِ المآلاتِ الجديدة في شخصيةِ جزّازِ فرواتِ الرؤوس(أوغادٌ مجهولون-inglourious basterds)براد بيت بكلّ هذه الشخوصِ السابحةِ في تعريفٍ آخر، الغرائبيةِ والمُظلمةِ الصعبةِ على التشريح يُرَى الآن بعيونٍ مفتوحةٍ على اتساعها لأنهُ الجُنديّ المجهول، واليدُ الثانويّة، صفوةُ الاحتمالات، الدوبليرُ وحمّالُ الأسيّة، لمسةُ الريشةِ الأخيرةِ.. والتي بدونها تصبحُ اللوحةُ خاليةً من المعنى والروح.

كريستيان بيل سيّدُ اللحظة.
2:12:28

بعدَ مرورِ ساعتين-تقريباً-في فيلمِهِ الأخير لم تكُنْ ثمّةَ صورةٌ ولا موسيقى، لا مشهدٌ حاضر ولا ماضٍ يتكشَّفُ في المرايا. كان بيل وحدَهُ خلفَ المقود والمجْد، وكان هطولٌ خفيٌّ للرغباتِ وهي تتنازعُ وتئنُ تحتَ حاجةِ التخلّي. بدا كأنه على وشكِ أن يحلِّقَ على ظهرِ تنهيدة، ويدهُ الثابتةُ المنعطفَ الوحيدَ الذي لم يختبِرهُ بعد، وكانت شفتاهُ الممطوطتانِ تبحثانِ عن أغنيةٍ ضائعة، وابتسامةٌ صفراء لمعتْ إثرَ التسليم. كريستيان الخفّاشُ الليليّ ببحّةِ صوتِهِ الأخّاذة وجناحيهِ المبسوطينِ على العتمات(فارسُ الظلام-The Dark Knight)والمخبولُ صاحبُ المنظرِ البهيّ والطلعةِ الوضّاءة، ابنُ التهيؤاتِ المنفِّرة والمجنونةِ وصديق الظُلُمات المثاليّ(مختلٌّ أمريكي-American sychco)والعبقريُّ الوفيُّ لخُدعتِهِ الخالدة، رجلُ الأسرارِ والتضحياتِ وخفّةِ اليد الناقصةِ التي لا تُرَى(العَظَمَة-The Prestig)والنحيلُ المؤرق العالِقُ في يَقَظةٍ معذِّبةٍ وأبديّة(الميكانيكي-The machinist)كان جالساً على عرشِهِ وكانَ سيّدَ اللحظةِ وكانت طوعَ يديهِ لكنّهُ رماها بعيداً، وانتظر.

دي كابريو والصرخةُ المستديمة.
سئمَ الفتى من الحيلة على صفحة الأرض فطار بها إلى السماء(امسكني لو استطعت-catch me if you can) ليو الغضوب الواقف على شفا الأشياء يؤجل انهماره ما استطاع؛ معلّقا في حكاية عتيقة ترويها الألسن وتجدّدها الذكرى كل عام موسيقى وقُبَلاً مطوّلة، أو مسترسلا في لهجة عذبة أو مُرخيا ابتسامته الصفراء خدعةً تُستحدَث كل حين من العَدَم، وحنقا تنفجر بين يديه الساخطة براكينُ الدم، ومنتشيا تارةً بثرائه وهلوساته الغرائبية وسخريته الباردة على السرير(ذئب وول ستريت-The Wolf of Wall Street)جوّابُ الآفاق وصاحب الصرخة المسلسلة الجريحة تمتدّ مثل عتاب أبيض شقّ عماءَ الليل. تخالُ لو أنك تتبّعتها دخلتَ في مداها واستقرأتَ أسرارها أو صرت محظوظا وانتهيت إلى أعمق نقاط انبعاثها. لو سمعتها كفاية أيقظتْ الغُيّابَ فيك واستفاضت لحنا وحَدَتْ التائهين إلى بلادهم البعيدة. ربما كانت صرخةَ الفتى الأشقر الوسيم ابن روديسيا الغائب ووريث هذه البقعة المنسيّة في ظهر العالم(الماسُ الدمويّ-Blood Diamond)أو صرخةَ الصيّاد بين القوائم(العائد-The Revenant)أو لعلّها صرخة الحالم في حلمِهِ(استِهلال-Inception)مهما استدامتْ لن تبلغ المدنَ ولن تقتل الألم.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

رأيان على “نورتن وكرو وبيل وبيت ودوغلاس وماثيو وليوناردو

اترك رداً على بَس* إلغاء الرد

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ