لعبةُ الصباح (5)

|
غرفتي عاصمةٌ ثانويّة للبيت. مخزنٌ لما يفيض من الأشياء والذكريات. في خزائنها الضخمة بقايا متكدّسة من تجارب العائلة البسيطة ومواهبها المنسيّة ودفاتر طفولتها وزجاجات فارغة لعطورٍ قد توصلكَ لذكرى غائرة لو تتبّعتَ رائحتها بأنفكَ وظنّك وسرحت في العماء. وفي حقائبها الملقاة على ظهرِ الخزائن كالهوادج قطعُ ملابس أثرية من عصورٍ سالفة يظهر أن التخلّي عنها مستحيل وهو يؤجَل كل عام. وفي زواياها المرتبكة آلاتٌ لم يحِن بعدُ موسم استخدامها. تبدو مثل مدينة عتيقة تجاهلها التاريخ. إذا مددتُ يدي عشوائيا في أيٍ من خزائنها، لستُ أدري بمَ تعود، قد أُخرِج منها أرنبا أو فيلا أو ربما تظلّ عالقة هناك في فمِ وحشٍ أو تحت مخلب طائرٍ قرأت عنه قبلا ورأيت عينيه تلمعان في عتمة الغرفة غير مرّة. إذا مررتُ بجانبها سمعت ذلك الإنذار الرتيب يحذّر من منطقة محظورة. وحين أسكن إليها بعد يوم طويل أستطيع أن أرى على حيطانها لوحات فيلم”أفضل عرض”وأسمع فيها نغمة عذبة. خطرَ لي هذا الصباح خاطرٌ فعرّيتُها من سجاجيدها وأسرّتها وصرتُ أنتظر الشمس ترتفع ويغطّي ضوؤها الغرفةَ فتظهر لي حينها الإشارات السرّية على بلاطها وتُعرّفني على الأسرار التي ليس لها سواي. أحرّك قطعتي الآن، وأترقّب صامتا حركتها التالية.

||
لعبةُ الصباح. أكون في غُرفتي وفي رأسيَ الغرفةُ التي لستُ فيها. على نوافذها الضبابُ وبابها مفتوح على ممرّ يطول. حيطانها ملأى بوجوه أحبّها وأخرى ضيّعتُ فيها أيّامي*، أتأمل بعضها وأغرق مثل نرسيس، وأكدّس للأخرى سيَراً ذاتية في المكتبة الشامخة وأحلفُ أنه سيجيء وقتُ قراءتها. أغلفة مطبوعة لأفلام، قُصاصات صغيرة لشطرٍ أو وصية، صور لشعراء جاءوا من منافيهم ومن آخر الدنيا ليتجمّدوا في هذه اللحظة الأبدية، إيستيلا وورن وشَفَتها العليا التائقةُ مثل أبي الطيب إلى شيءٍ جلَّ أن يُسمَى، معذَّبون مدانون في دائرتهم الفارغة وعيونهم مثبّتةٌ على العبد الفقير. فراشةٌ أو ظلّ فراشة على الجدار. السرير غيمة والغرفة برجٌ عاجيّ. وأنا لا أملّ من الركض في متاهتها. موسيقاها ذاك البردُ الناعم يسري في الأطراف وسكونها الدفء الخفيّ حين يغشاني. أضواؤها كسلى وكرسيٌّ في إحدى زواياها يطلّ على العالم من نقطة مجهولة. والرائحةُ فيها عطرٌ يذوب في الحكايا وينتشر فجأة في الجوّ وأنت تمشي في أمان الله. أسمع فيها صوت فدوى تُغنّي النونية:”فانحلَّ ما كان معقوداً بأنفسنا”وأجيبها:”وانبتّ ما كانَ موصولاً بأيدينا”وإذ بقدميّ تهبطان على السجادة الرمادية العتيقة وعيوني تتفتّح على الحائط الأبيض ونقطةٌ أخرى عابثة تثير انتباهي توّاً.

|||
في كلّ عام أشدّ رحالي إلى أقصى نقطة في الأرض. أركب سيّارتي الهذّاءة وأنطلق بلا يدٍ تودّع ولا عينين تأملان الإياب. أغيب في قلب المدينة ومتاهتها متّجها إلى بيت ينأى كلما دنوت. لكنِ الطريقُ لا تخدعني ولست أجاهد في تتبّعها، إنما أطويها كيفما جاءت، ويدلّني إلى الوجهة ذلكَ العهد القديم. أمرّر ذراعي في الهواء البارد وأشقّ الزحام بالأغنيات. أشرد في الزرقة الحالمة وتنبّهني شتيمةٌ أو زمامير لاعنة. أمضي وكأني قطعتُ نصف المسافة وكأني قطعتها قبل عشرين دقيقة وهكذا، لكني لستُ ضائعا على الأرجح ولا مستعجلا على الوصول. ربما خيّبتني الخيالات، لعلّي بعد مشوارٍ طويل رفعت رأسي عن المقود ولم أجد البيتَ أمامي، أو طرقتُ أبواب بيوت الحارة فلم أعرف أحدا ولم يعرفني أحد. أتجاهل هلاوسي، وأنتظرُ متى سيلفظني هذا الصباح أمام بيتي القديم ويتركني هناكَ كما الآن، مستنداً على مؤخرة سيّارتي كشجرةٍ وشجرةُ البيت الأسطوريّة نفسها تميلُ على جدارِهِ، ونحنُ ننظر نحوَ بعضنا بلهفة غريبة، وأكاد أسمعها تقول: عرفتك.

*إن كان منزلتي في الحُبِّ عندكمُ-ما قد رأيتُ فقد ضيّعتُ أيامي. ابن الفارض

*الصورة لنايف.
‏@naif_h7

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

6 آراء على “لعبةُ الصباح (5)

اترك رداً على العنود إلغاء الرد

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ