لعبةُ الصباح (3)

|

ظلّت مكتبةُ والدي تكبر معي في طفولتي ومراهقتي حتى ظننتها أمَّ النوادر. لم تُبقِ كتابا ومجلدا إلّا وأفسحتْ له المكان. ربما تخملُ مع الوقت وتُنسَى وقد تموتُ، لكن، ليس إلّا لكي تنبعث من رمادها كأنها العنقاء. كلما جالست أحد أقاربي وأرادَ أن يكسر الحواجزَ ويطوي المسافات ويزيلَ الغشاوةَ عن عينيّ حدّثني عنها بنبرة العارِف، فأُسلِم نفسي مجاملةً لمتوهّم المعرفة وأصغي بابتسامةٍ متلهّفة وذهنٍ شارد. يروي لي سيرة هذا الرجل الغريب عنّي ويقصّ عليّ أخباره ويصعقني بحكاية المكتبة البعيدة وهي تتكئ وتميل مع مرور السنوات على جدار بيتي الأوّل والأقدم حتى يكاد ينقضّ. المكتبةُ التي دأبنا على حمل كُتبها وكُتيّباتها في صناديقَ كلّما صَغُرت كانت أعصى على الحمل وانجذبت إلى الأرض كصخرة. كنا ننقلها من بيتٍ إلى بيت ونفرزها ونرتّبها الأثقلَ فالأخفّ حجما ثمّ نعيدها إلى أرففها أو أقفاصها؛ بعدما تموضعتْ، وأخذت مكانها. كتبٌ بحثت في صباحاتٍ متفرّقة؛ تلك الصباحات التي كان فيها المزاجُ طافيا بل عصفوريّا كما أحبّ أن أسمّيه. واقفٌ على البرزخ بين الصفاء والجنون وليس في بالي سوى بيت للسديري(المستريح اللي من العقل خالي-ما هو بلجّات الهواجيس غطّاس)عن موضوع أو صنف يروق بين هذه الكتب وهوامشها وحواشيها وشروحاتها، واللفظة التي تُحيلني على أخرى؛ فأتكاسل عن قراءتها. حتّى صباح قريب تراءى لي فيه ديوانٌ بغلافٍ مستعار من زُرقة الفجرِ الدافئة. كتاب صار ينام تحت رأسي من حينها. أقرأ منه مقطعا، وأحيانا أتتبّعُ فيه قصيدة إلى مصبّها، وبيتا لا يزالُ ينأى في خيال الرواة والأهل والأقارب.

||
يُخيّل لي أن جدران الغرفة تزحف نحو بعضها بدأبٍ خفيّ لا تُلاحظه عيوني المثبّتة عليها منذ البارحة ولا تستشرفه جزيرةُ روحي المحاصرة من الجهات كلّها. أذكّر نفسي بأنني لستُ الضحيةَ في الفيلم، وأنني قد أُطحن بين مترادفتين أو حالين أو انتمائين يُحييهما سؤال الطفولة البعيد:”لكن، من تحبّ منهم أكثر؟”لكن بالتأكيد، ليسَ بسبب الجدران. وأطمئنُ نفسي، بأنّ الجدران مثل شمس المغيب، لن تغيب تماما إلّا أن أشيح بنظري عنها، وكذلك هي لن تتخطّفني إلا في لحظة سهو، وفي ذلك عزاء. وبعد هذا، مع كلّ شهرٍ يجيء أتعذّر بترتيب الملاذ، وأقرّب قطع الأثاث حتّى منتصفه، السريرُ في نقطةٍ عمياء عن مكيّف الهواء استجابة للعظام، الخزانةُ تناهض الاتكالية وتنتصب شامخة وحدها، الطاولة الصغيرة بأطرافها الحادة وحمولتها الخفيفة تتبعُ النعشَ البدائي وذراعي المُحلّقة. حتى تتوسط الغرفة وأنجو بنفسي. أستلقي، وفوق عيني أرى ترِكَةَ أصحاب المنزل الأوائل حديدةٌ على شكل رمح يتدلّى من السقف. بدءا من الشهرِ القادم، سأُعيد الأثاث بالتدريج، لعلّ إحدى هذه الكوابيس تضلّ طريقها أو أضيع طريقي إليها.

|||
سارحا صباحا في نقطة زرقاءَ مستحيلة أهذي بأصدقاء محمد عبدالباري أتمتم مرةً مقطعا من القصيدة:”تكلّموا قبلَ تاريخِ الشفاه، معي..”وتارة أتركها تسيلُ في داخلي، إذ فجأةً يتسرّب صوت مألوفٌ عبر الأثير، هو ذا صديقي وهي ذي صاده التي تشبه الصريرَ وعينُه التي لا تزال تتسعُ في الغياب. لشدّة نحوله هذا الطفل؛ لم أظن أنه سيخطر على بالي. أمام إشارة حمراء حيث تذوب الاختلافات والفروق ويشترك العالمُ بمن فيه معي في لحظة شرود مكثّفة، ولا يُمكن أن يسحلني شيءٌ من فردوسي غير هذا الصوت. أتخيّله مثلي طاويا ليلته الماضية وساهيا في لحظة بعيدة حيثُ كنّا طفلين نحيلين في زوايا القاعة يتسابقان على تلاوة اليوم. وأنا هنا-على بعد مئات الكيلومترات-في مركبتي التي تنتفضُ من الحُمّى وتشكو مفاصلها أستمع إلى تلاوته المتأنّية وأحرفه العميقة، وأكادُ أحلف أنه سيضربُ بيده شاشة المُسجّلة بعد أن يسمع صوتا خارجا منها يُنادي:”يااا عبدالرحمن”

*الصورة لنايف
@naif_h7

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

رأيان على “لعبةُ الصباح (3)

اترك رداً على بَس* إلغاء الرد

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ