
أُغالب نرسيساً عنيداً في داخلي يضمُّ إلى صدرِهِ ديواناً لا أميّزُ الاسمَ ولا العنوان على غلافهِ ولا أتعرّفُ الأغنيةَ التي راح يدندنها. أغالبهُ كُلّما كتبتُ شيئاً تحتَ تأثيرِ موسيقى أو هذيانِ حمّى أو نسمةِ فجرٍ قريب، كُلّما استعرتُ رؤيةَ طرفٍ ثالثٍ ورابعٍ وإلى ما لا نهاية، أو أشعلتُ شمعةً في مُخيّلتي وأمامها بخشوعٍ كتبت. كلّما فتحتُ عيوني على أثرِ غائبٍ، أو صدّقتُ ببلاهةٍ نشوةَ أنّ هذه الفكرةَ جاءت لي وحدي من أبعد مكانٍ في العالم حتى تحطَّ بينَ يديّ كفراشة، أو خلتُ أنّ الابتداءَ بهكذا كلمة خطأٌ سافِرٌ وأنّ الانتهاءَ إليها خطيئة لا تُنسى، أو انتظرتُ الفكرةَ العبقريةَ الـ تتمنّعُ على التدوين. أُغالبُ نرسيساً عنيداً في داخلي كُلّما انتهيتُ من كتابةِ نصٍّ تتغيّرُ نظرتي إليهِ بعد ثانيتين من شعوري بأنّي الوصيُّ على هذه اللحظة الثمينة. أغالبُه حينَ يسبقني في نشرِ هذه القطعة الفريدة للعالم. ويهزمني في تحقيقِ أُمنيتي الكسلى في أن أدوِّنَ قطعةً واحدة طويلة تبدأ من طفولتي وتنتهي في آخرِ الأيّام. أقلّب أوراقها بينَ يديَّ للحظاتٍ، ثمّ أُلقيها من نافذتي المُطِلّة على البحر. تصيرُ نوارِسَ بيضاءَ تحلّقُ بعيداً بعيداً.