الراحلونَ، الباقون في الشظايا

الراحلونَ؛ لكنِ الباقونَ في شظايا المرايا. المُنسكبونَ في حُمرةِ الشَفَق وزُرقةِ الصباح. العالقون في بئرِ المجهول. المُتهادونَ كنسمةٍ تائهة في حُلُم. والمُرشَدُونَ بعنايةٍ إلى طُرُقاتنا المتفرّعة. المُطّلعونَ علينا من غيابِهِم الأثير، والذينَ لم يتركوا لنا سوى مكانِ غيابهم لنطّلعَ عليه ونمشيه ونتحسّسه ونكبر داخلَ نبضِهِ الخافت. المُنتظرونَ وراء كلّ باب، والمتأرجحونَ في كلّ هواء، والمُسَالونَ على لسانِ كلّ ذكرى وامضة. والعِذابُ الذينَ يُنادونَ فجراً ويأتلقونَ في أحلامِ الليالي. أسيادُ البشائرِ التي تهلّلُ لها الصباحاتُ وتطرَبُ لها اليدُ المتلهّفة والبالُ المشغول. الذينَ انهالوا فوقَ عيوننا المُغمضة وتجمّدوا فوقَ شفاهِنا، وانصبّوا في آذاننا موسيقًى لا تملّ التحليق. الذينَ أودعونَا ذكرياتِهِم وحيواتهم الفائضة في كلّ مكان. ثمَّ غابوا. هم الراحلونَ، نفسُهم، الذينَ ستنفضُ عن صورِهِم الغبارَ والشكّ. وعن ملاءاتهم الوحدةَ والنعاسَ الطويل. وستسمعُ أغانيهم العالقةَ في الحيطان، وتهويداتهم السابحة في الظلام، وستفتحُ لهم، القلبَ والذاكرةَ واليدين، وفجأةً، تسمعُهم يطرقونَ على الباب.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ