من أبسط وأحلى متع العربيّ لعبته الخاصة مع اللغة، فها هو يستأني ويترقّب ويُنصِت لنغم البحر ويتتبّع حروف القافية حتّى يتوقع القادم ويصطاد الكلمة التالية التي اختارها الشاعرُ ومهّد لها لتقع في هذا المكان تماما. ها هو يُقلّب الألفاظ ويقطّع الأشطر ويحسب احتمالات القوافي وحركاتها ويقيس رنّة ودرجة الموسيقى في المدى ويستبعد الكلمات المكررة والمعانيمتابعة قراءة “ودّعتُ شرخَ صبايَ”
أرشيف الكاتب:بَس*
لكنّ شيئا أفرغَ عينيه من الضياء
تذكرني كلمةُ “شيء” في النثر والشعر غالبا بلا شيء، وغالبا كذلك ما يعتمد كاتبها على براعة مخيّلة القارئ ويتكئ على تصوّراته ويأمل أن تكون شاسعة وبلا حدود، فيتركك أنت مع تفسير هذا الشيء الذي لا يعرفه هو أصلا، يقول مثلا:”انهار من حولي كلُّ شيء” وها هو يُحيلك بلا تفسيرٍ موازٍ ولا سياقٍ يضع الأشياء فيمتابعة قراءة “لكنّ شيئا أفرغَ عينيه من الضياء”
عن سركون، وكأنها حُلمٌ
ربما ألف ارتحاله وطاب له أن يتقلب ويتغرب في شوارع المدن البعيدة التي رغم تغنّيه بأسمائها، وحيطانها، وتاريخها وأزقتها الخلفية وشوارعها وناسها وحسناواتها لم تُبلّغه الجهة ولا الملاذ الذي يريده على ما يبدو، أو ربما اصطفته تلك اللحظات الفارقة والساحرة سريعة التلاشي والذوبان ليكون الشاهد الناجي الوحيد على ومضاتها الأصيلة وليروي عن كثافتها وخصوصيتها وأنفاسهامتابعة قراءة “عن سركون، وكأنها حُلمٌ”
ببطء وإلحاح
ما أطول عمر وحياة الصورة واللحظة الشعريّة في المخيلة، ما انفكّ خيالي يستعيد ضحكة هند الضبابية في مجاهل الغيب ويتطفّل عليها ولا يزال يسترجعها ويُلبسها بل ويفرضها على كل ضحكة غاوية وكل وعدٍ مؤجل ولا تكاد الضحكة تنضب بل إنها ترشح ندًى وعذوبة وأنهارا وليست قريبة أبدا من أن يطويها النسيان:”كلّما قلتُ متى ميعادُنا-ضحكتْ هِندٌمتابعة قراءة “ببطء وإلحاح”
الأصفر
الأصفر يذكّرني بالشمس وأصفر على أصفر ليت محسن يشوفه وباليأس ورأس ڤيرونيكا المائل أمام النافذة كأنه جزء منها ويذكّرني بالأصيل واعتلال النسيم ووقفة ابن زيدون المطوّلة يُقلّب كفّيه ويستذكر ويرثي عهدا مضى وحال، وبالفُرادى في مقاهي الليل الطويل سكنوا المسافةَ وزهدوا في محطات الوصول وبشائر اللقيا ودموع المحبّين بعدها، وبابتسامات المرضى الهذّائين يغرفون من أقصىمتابعة قراءة “الأصفر”
سفر
من زمانات كثيرة وأنا أعيش هذه الحالة قبل أن أقرأها في بيت شعر:”أوزع جسمي في جسومٍ كثيرة-وأحسو قراح الماء والماء باردُ” وقبل أن أعهد لها اسما أو أقتطع لها وجها مُتعبا من المشهد وقبل حتى أن أتتبع جريانها وتدفقها في عينية ابن زُريق:”كأنما هو في حلٍّ ومُرتحلٍ-موكّلٌ بفضاء اللهِ يذرعُهُ” ولم أعرفني قط في حالةمتابعة قراءة “سفر”
من هذه الدنيا
كلما استدلّ تاهَ وكلما احتار حيّرته الخيارات أكثر وما أعطته الأيام والأقدار إلّا الدروب التي تضيق والمصائر التي تنأى وتوغل في الحرمان والقسوة، روحه مشدودة للارتحال والاغتراب، وليس في قلبه إلا ما يتداعى ببطء في الحل والترحال، كان احتمالَ بُشرى لكنّه اليوم يُفاجَئُ بزخّات المصائب المتكررة ويقف طويلا كي يستجلي تآويلها ويفهم حكمتها الممتنعةَ وسرّمتابعة قراءة “من هذه الدنيا”
بيت من الشعر
حدث مرات لا أحصيها أن تحسفت على قصور ذاكرتي المجحف في استحضار بيت أو شطر ناسب الحالة والموقف والوقت وأكاد ألمح شيئا من كلماته تطل برأسها وتختفي تتمنع أو كأنها تذكّر بقيمتها ولا تتعطّف إلا بعدما تنتهي الحاجة إليها وبعد أن تنزلق اللحظة في نهر الوقت ويمر الموقف وتظل الحسرة بوخزها الرشيق وحقدها المبرر فيمتابعة قراءة “بيت من الشعر”
آخر الواصلين
يحكون عن شاعر بينما كان يتمشّى في شوارع قرطبة عائدا إلى منزله يخرج من جيبه مفتاح بيته في دمشق ويتحسسه ثم يعيده إلى مكانه أم أن هذه اللحظة المقتطفة من حديقة الزمن بكل شاعريتها ومعانيها كانت من قصيدة لنزار؟ لستُ متأكدا ويبدو أني لست في مزاج جيد لأتأكد، يحكون عن الشخص الذي يذهب إلى مقهىمتابعة قراءة “آخر الواصلين”
الحياة المزدوجة لسعد
كأن أحدا مجازيا تلقّف هذه الحكايةَ التي تحوم حولها الشكوك والظنون إلى آخر العمر وإلى أن تسدل ستائر الحياة، وتظلّ هي هيَ النائيةَ عن كل محاولات الضبط والتيقّن، كأن أحدا ما استدركها قبل أن تضيع في زحام الحكايا في خلفية الذاكرة وأشجاني بها في ليلي الطويل. فجأةً خطرت على بالي صورة سعد، بعد منتصف الليلمتابعة قراءة “الحياة المزدوجة لسعد”
الأفلام من زاويةٍ أخرى
هذه مقاطع كتبتها على فترات متقطّعة عن الأفلام، وليس لها قالبٌ معين، ربما تحدثت فيها مرةً عن شخصية أعجبتني أو أعادتني في الذاكرة إلى شيء ما، أو ربما تحدثت فيها عن موسيقى في الفيلم، مشهدٍ، مفهومٍ، فكرة، أمنية، وهاجس. أو لعلّي أحياناً تطفّلتُ ورويتُ القصةَ على طريقتي، وأخذتها إلى نيّة شاعرية، أو طرقتُ بها أبوابمتابعة قراءة “الأفلام من زاويةٍ أخرى”
الأزرق
سأعرف الأزرقَ في نصف الكأس المليان، في أثر الغائب الذي لا يُعوّض غيابه أحد، في الأمل الذي أبعدني أكثر مما قرّبني، في الاحتمال والممكن، في مداخل الصباح ومخارج الليل، في السيل المتدفّق من الصورِ في رأسي حين تفاجئني ذكرياتٌ ضبابية عن أبي، في النداءات والزوايا والهواجس، في اللحظات التي شيئا فشيئا ومع العمر تفقدُ تأثيرهامتابعة قراءة “الأزرق”
العم حسين -٣-
يلمعون في مقدمة رأسي عندما أُغمض عيني أو عندما أفتحها على اتساعها راغبا في رؤية الأقل، ألا يختفي معنى كل شيء فرداني وسط الحشود كما تتلاشى قيمة الصوت الغِرّيد في زحمة الأصوات وجلبة النداءات المتداخلة والصخب؟ يلمعون، تضيء صورهم، طيوفهم الباقية إذْ تتشكّل حسب التخمينات والافتراضات ولا يقين يؤكدها، أولئك الذين لطالما تمنّيناهم في المكانمتابعة قراءة “العم حسين -٣-“
على قَلَقٍ
على قلق كأنَّ الريح تحتي أتبع كلمةً كنتُ قد نسيتُ نغمتَها وأضعتُها ربما في محيط الصمت والتغافل والشرود فجفّتْ على فمي وغادرتني بلا وداع، أقتفي أثر ظلال أبي التي سرعان ما ذوتْ وتلاشتْ فصارت هي بعينها الغياب وما دونها فهيّن ٌوملحوق، أرى فمه الباسم أبدا وأتتبع ذكرى صوته اللاهجِ بحمد الله والثناء عليه، بالتسبيح والحوقلة،متابعة قراءة “على قَلَقٍ”
العم حسين -٢-
رأيته وقد التقى الليل بالنهار واتفقا على تقاطع يصبغ العيون وينبّه المجازات وربما يذكّر بهاجس الزوال وتفاهة الحياة التي تنتهي في أي لحظة رغم ما تكدّسه وتزخر به من حكايا وقصص لم تجد الرواي ولا وجد الراوي من يعيرها أذنا ويصغي، عرفته من وقفته وربما أردتُهُ أن يكون فكان بقدرة قادر، واقفا أمام الباب تحتمتابعة قراءة “العم حسين -٢-“