
ليسوا أشخاصا تماما، ولا أشباحا تماما، ما كلّتْ عيونُهُم بنظراتها الساهمة المريبة تراقبك من غيبٍ خفي كأنّها عيونُ الحسناواتِ المُوَّلَّدات بالذكاء الاصطناعي وحدَقَات الشيوخ الموَّلَّدين الحانقين طبيعةً والناقمين من قبل أن يجدوا السبب، ليس في نظراتهم المختلسة حقيقة تصل معها إلى آخر، ولا وهما تنفيه فتستريح، يغيبون زمنا ثم يفاجئونك بجلوسهم إلى جانبك، يسكتون أبدا ثم في لحظة ما تجدهم يستكملون معك حديثا كأنْ لم ينقطع، كم شهدوا لك على قبيح فأغضوا، وكم شاركوك فرحك وأتراحك من دون أن تدري، وتمنّوا لك وباركوا على طول المسافة، وكم شتموك سِرّا وأصمتوك ثم استحوا فعادوا إليك كالأشقاء يعجمون عودكَ بتجاوزهم للتبرير والاعتذار ويربّون فيك أفهاما خاطئة وعِللا خفية، ما تزال تنظر إليهم بعين الصاحب في رحلة جمعتكم عبر الزمانات لم تعد تتذكر كيف بدأت ولا متى انتهت، وبعين الشريك في اتّحاد الرأي والتوافقات الفكرية والأخلاقية والأدبية وغيرها، وما تزال تثمّن معرفتهم وذكرى أول تقاطع أو ارتطام وترعى وداد لحظة وتحفظ عنهم ولهم أسرارا قد نسوها وحكايا قد طووها، ولا يزالون هم يعودون كالطيور بعد هجرة وتطواف في هذا العالم المشغول مترامي الأطراف، فيكتبون على صفحاتهم كلمةً أو سلاما بعد غياب فتبتسمُ لهم في خاطرك، وتردّ عليهم السلامَ بإيماءةٍ خفيفة مثل غريبين تقاطعت بهم الطرق عند منعطف شارع.