حائطُ العزلة

في المقهى تنخفضُ الرؤوس وتنوسُ مثقلة بعبء الهواجس والأفكار والديون المؤجلة، العيون مُطرقة تخالها تتأمّل نهرا يجري على سطح البلاط، أو أثرا لغائب ليس له حضور سوى في ركام الذكريات وتجاويفها، أو أنها بالشاشات المضيئة أمامها مشغولةٌ، تتحرّى خبرا من أحد، تنتظر شيئا ما تجهلُهُ، تبحث عن متعة تزجي بها الوقت أو طرفة تستلّ منها بسمة ما، تقلّب صفحات كتاب فيضيق عندئذ العالم المرئي ويتّسع ذاك الذي لا يُرَى، في المقهى مساحةٌ ووقت لاقتفاء الفكرة، لانتظارها والتوفّق لاصطيادها في أحلى مواضعها أو إفسادها بكثرة الاستطراد والتحويم حولها وتحميلها فوق ما يُراد لها ومنها وبها، هناك وسط انحناءات الأعناق الخفيفة والعروق المشدودة والسياجات الخفيّة حول الفرادى والصمت المسفوح على الأرضيّة والنظرات المحلّقة في زرقةِ ما وراء الزجاج لا سبيل لانعتاق كلمة، أو ولادة حكاية، أو نشوء محادثة عابرة؛ إذْ أدنى همسة حينها زلة لا تُغتفر، وأبرأ نحنحة قادرة على تقويض هذا السكون المُهيب، وثَلْمِ حائط العزلة الذي شيّدتُهُ دون أن تنوي كل هذه الطيوف والأزْوَال.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ