حبسة الكاتب

لم يكن كاتبا عاديّا بل كاتبا لا يُشقّ له غبار لكن فيما يبدو أنه يتحول يوما بعد يوم إلى كاتب أقلّ من عادي، كان المدعو چ محبّا للمعرفة والأدب شغوفا بكل جوانب الصنعة الأدبية ومبارِكا لأقل ما يطرأ عليها من جديد مشوق أو مُستحدَث بديع، وكان يرى في أقل مشتغلي الصناعة ما لا يرونه في أنفسهم، بل إنه يدعو لهم في الخفاء وينسى نفسه، مرّت السنونُ على چ وصار منغمسا في قراءة الآخرين، ماهرا في تتبّع أصواتِهم في ضباب الكلام، حاذقا في التفاسير وتآويل المجازات، معرِضا عن موهبته العظيمة وغافلا عمّا كانتْ تعني له خفقةُ الوحي، وناسيا ما كان يجد في نفسه من حلاوةِ أوّل كلمة تفتح له في الزمانات الأوَل باب السرد، لعلّ الأبواب التي فُتحت له في مجهولاته الخاصّة وغيوبه الغامضة خدعته بأنه هو المُتحكّم وصاحب السلطة والقرار، سرعان ما جفتْهُ الكتابةُ وأعرضت عنه، وأعاضته عن ودّها الأليف انقطاعا وفراقا لم يخطر ببال العاشقين الأوائل:”وقد نكونُ وما يُخشى تفرُّقنا * فاليوم نحنُ وما يُرجَى تلاقينا” وحين جلس بعد فراق إلى الورقة البيضاء وأمسك بالقلم تبخّرتْ في ذِهنه الكلماتُ، واختفت من باله وقلبه هواجس شغلته طوال أيام، حين طال عليه هذا السكوتُ المريب ولم يعد طامعا ولو بنزرٍ يسير يسدُّ شيئا من خلته ولهفته، ظنّ أنّ هذا ما يسمّيه الكُتّاب البارعون حبسةَ الكاتب، فاطمأن لتفسيره هذا وخفتتْ في صدرِهِ نبضَةٌ متوتّرةٌ قلِقَة، وتدفّق في عروقه بعد الحيرةِ الدمُ.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ