
لا يذوبُ الصوتُ الفردانيُّ في غمرة الحشد بل ينسج هناك فيما لا يُرى بهاء النغم الأخّاذ فيصيرُ في تناهيه إلى أذن المصغي البعيد نغمةً واحدةً، يسمع في تماهيها خرير ماء السواقي، وحفيف أجنحة الطيور، وصوت المطر على زجاج الشبابيك، وربما لو أنه استغرق أكثر وأصخى لسمع ترانيم أبيه البدويِّةِ في طرق السفر الممتدّة في المسافة ما بين الطفولة والكهولة، ولا يذوبُ بل كما ينظم البيتُ الفردُ سلسلة القصيدة ويربط أولها بآخرها ويصل أقلّها بأعلاها فتصير كلّها في نظر القارئ قطعة واحدة لا يعلو بيتٌ منها على أخيه إلا بقدر ما تعلو تفصيلةٌ على أخرى في وجه الحبيب المليح، ولا يذوبُ ويختفي بل كما يزهد الأخ الشقي بين إخوته في عمره وحياته كي يكفيهم وأهلَه مؤونةَ الحياة وعبء التعرّض ومشقةَ السؤال وإعراض الوجوه، لا يذوبُ الصوتُ الفردانيُّ في غمرة الحشد وصخبه إنما يتحوّل شيئا فشيئا لشواهد أثيرة متفرّقة ومنثورة في الكتب تنتظرُ من يرعي سمعه ويرى بعين البصيرة:
“ولكن معدنُ الذهبِ الرُغامُ”