حيثُ كنتَ كان: ملامح من بستان أبي الطّيّب


في دواوين المتنبي يورِدُ الشُرّاح بيتين قالها في مجلس أبي محمّد بن طُغج، وقد أقبل الليلُ وهما في بُستان:”زال النهارُ ونورٌ منك يوهِمنا-أنْ لم يزُلْ، ولِجُنحِ الليلِ إجنانُ/فإنْ يكُن طلبُ البُستانِ يُمسكنا-فرُحْ، فكلُّ مكانٍ منكَ بُسْتانُ!” ولا يختلفُ الشُرّاح كثيرا على معنى البيتين ولعلّ معانيهما واضحة من القراءة الأولى، وببساطة، يقول أبو الطّيب إن الليل قد تأخر والنهار زال (هذه حقيقة) لكنّ نورَ وجهك ووهج حضورك يغلبُ إجنان/ظلام الليل، فلذاك نخالُ النهارَ باقٍ ولا لومَ على من توهّمَ حبّا وكرامة، ثم يستطرِدُ معتذرا لممدوحه في رحيله؛ إن كنّا نحنُ نريدُ البستان ونطلبه؛ فلأنّك فيه، فرُح (تصرّف ما أحببت) فإن البستان لصيقك، وهو معك وموضعك أينما حللت، وقد زاد بعضهم أن قال في المعنى (أنّ البُستان قد ألِفكْ وطلبك وأحبّ منك أن تبقى). وهذه بديهةٌ عطريّة وروح شاعرة من أبدع ما يكون، فقد كان يكفي المتنبي أن يذكر المكان دون أن يسمّيه ويُغلِّب عليه معنى كئيبا موحشا في حال رحيل الممدوح وزواله عنه كما قال ذات مرّة:”لمّا قفلتَ من السواحلِ نحونا-قفلتْ إليها وحشةٌ من عندنا!” لكنّ الشيخ نبهٌ لمّاح أراد توظيف المكان وخصوصيته -وخصائصه الانتقالية والشذيّة معنىً ومادّة- في مدحه، فكان هذا تركيزه العطري. ثُمَّ إن المتأمّل أكثر في البيت الثاني قد يتراءى له ملامح أخرى، منها، استدامةُ المتنبي طلبَ ممدوحه، وكيف ذاك؟ لمّا أن كان حُبّنا وملازمتنا البستانَ لأنك فيه، فلا يمنعنَّك يا أبا محمّد -رأفةً بنا وشفقة علينا- أن ترحل؛ فإنّ كل موضعٍ تطأه قدمك سيكونُ هو البستان الأعلى، والملاذ الأغلى، ولذا فإنّ طلبنا ورغبتنا في مجالستك ورؤيتك ستكون أبدا، والمكانُ بساكنيه، ثم إنّ المستغرق أكثر في التأمل ستلوح لها معاني أخرى لا يحيطُ بها الكلام ولا تمسك بصورتها الكاملة اللغةُ، والله المستعان.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

رأيان على “حيثُ كنتَ كان: ملامح من بستان أبي الطّيّب

  1. ياللجمال والروعة!

    ولهذا السبب بعض البساتين تحزن على أصحابها حين تفقدهم، ووفاءًا لهم تتوقف عن الإنبات والإزهار فتغيب معهم.

    إعجاب

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ