شِعـْرُ الأُبوَّة

لم يولِ والدي الشعرَ كبير اهتمام بل وقلّما سمعتُهُ يردّد بيتا أو يستدعي شطرا لظرف ما، ولكنه حين يستذكر فلستُ أنسى ما قال، مرّةً وفّقنا اللهُ للقاءٍ بعد انقطاعٍ اضطراري وفراق طويل، وسمعتُه في عرض الكلام يذكر بيتا ما، خرجتُ من عنده، ونسيتُ البيت، ومضت الأيام، ثمّ مضت السنون، ووجدتني بعد سنين أستذكر بيتا عجيبا، وأمدحهُ وأحمدُه، بل أغلو في مديحه، وتعجّبتُ من نفسي، أين كنتُ عنه وكان عنّي هذا البيت؟ عندما استغرقتُ في التذكّر وأمعنتُ في مجاهل نفسي، تذكرت ابتسامة والدي في ذاك اللقاء وهو يتمثّل البيت هذا، ويوظّفه خيرَ توظيف في منتصف الكلام، فعرفتُ أن البيتَ كان هناك منذ الأزل، في تجاويف الذاكرة؛ وأنّي في طريقي إليه، منذ زمن، لم يولِ والدي الشعرَ كبير اهتمام، لكن أليس آباؤنا هم الشعراءُ الأوائلُ الذين فتحنا أعيننا عليهم؛ فلم تعد تُغلِقُ إلّا على صورِهم، ولا تستذكر إلّا ما تركوا فيه بصمتهم وأثرهم؟ أليست تصرّفاتهم البسيطة ووقفاتهم المطوّلة تحت شمس الهاجرة وتطوافهم اللانهائي في دروب الحياة وحنانُهم البهيُّ، هو الشِعْرُ بذاته، قبل أن يصير كلاما، وقوافي، وموسيقى، وأوزان..

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ