
لا شيءَ في الكتابةِ يشبه ذاك النص الحالم، الذي لن تكتبه أبدا، وستظلّ تحلم دوما بكتابته، ويظلّ يعتَمِلُ في مخيلتك ويأكل معك ويشرب؛ كالدَيْن، لكنه دينٌ لن يطالبكَ به أحدٌ؛ سواك، وكلما اقتنصت فكرةً ما، أو شدهتكَ نظرةٌ ما؛ ادّخرتها وخبّأت التماعاتها وشذاها الآسر، وكلما جذبكَ من ناحيةٍ علويّة نغمٌ، أو شدّك من عالمك المشغول هاجس طارئٌ أو وحيٌ غامضٌ؛ كنزتَ التفاصيل والمعاني وحملتها معك كالسّرِ الثمين، ستجد في ظِلّه الملازمِ لك ما لم تره في كل ما كتبت، وفي هيكلته المتوهَّمة وأسلوبه الخلّاب في فضاء تصوّراتك ما لم تعرفه في موسيقى نصوصك وأجراسكَ الخفيّة، وتحشد له كل ما اصطفيته وانتخبته من رحلة العمر الطويلة، هذه الكتابةُ المؤجلةُ إلى قَدَرٍ غيرِ معلوم تشبه قليلا تلك اللفتة الغامضة عند أبي الطّيب: “ولقد خبأتُ من الكلامِ سُلافَهُ-وسقيتُ من نادمتُ من جرياله” ولعلها -الكتابةُ السُلافية- في مكانٍ علويٍّ في نفسكَ تتشوّفُ إليها بين حين وحين، ترقبُ ساعة مجيئها، وتستعد لها إذ تدنو من بعيد منذ أول الوقت ولمّا تصل بعدُ، لكنك لن تتخلّى عنها، كيف وقد ألهمتكَ الوعد دون أن تقول، وولّهتك دون أن تنطق، فهل تملك الآن إلّا أن تنتظر لحظة الحصاد، وأوانَ القطف؟ وهل يمكنك إلّا أن تحلم بتلك الكتابة التي ستقول عند تحقّقها: هيَ ذي!